وانظر إلى قولهم فيهم أنهم كانوا يعلمون المكاره التي كانت تنزل بهم، وتفسد أمرهم، وتشمت عدوهم، وكانوا يسعون اليها على عمد وعلم، والله قد أقامهم حتى يحافظوا عباده ويمنعوهم من الفساد، ولا يمكنوا من غفر حمار يهودي، وهم يمكنون من أنفسهم وعيالهم على علم، والله يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٢» ويقول: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «٣» «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» ويقول في قصة سليمان ﷺ: «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» «٥» يقول ﷿: إن الجن وعفاريتها كانت تدعي علم الغيب، وفي الانس من يدّعي ذلك لها، وكان سليمان ﵇ واقفا بإزائها، ويستعملها في تلك الأعمال الشاقة المؤذية المهينة، وهي تعمل خوفا منه، وهو متكىء على عصا كانت في يده، فتوفاه الله ﷿ على تلك الحال، والشياطين لا تعلم، وهي تعمل وتظن أنه يراها ويشاهدها، وكانت إن قصّرت عذّبها، فهي تخاف نكاله بها، فبقيت على هذا حينا من الدهر تظنه حيا وهو قد مات، فلما أكلت دابة الأرض عصاه صلى الله عليه،
_________________
(١) ياسين ٦٩
(٢) البقرة ١٩٥
(٣) النساء ٢٩
(٤) النساء ٧١
(٥) سبأ ١٤
[ ٢ / ٥٣٧ ]
تبيّنت الجن أنه قد مات مذحين طويل وهو حذاءها ولا تعلم، ولو علمت لانتفعت بهذا العلم، ولتخلصت من العذاب المهين، فإنما يراد العلم بالعواقب لينتفع به، وهؤلاء يدّعون على القوم أنهم كانوا يعلمون العواقب ويلقون أنفسهم في المهالك، وقد بيّن ﷿ أن يوسف ﷺ لما أعلمه بالعواقب في تلك السنين انتفع بذلك العلم واستعمله، فدفع به المضار، واجتلب به المنافع، وصار به إلى ملك الأرض، وإلى أن خضعت له الملوك وألقت تقاليدها اليه فقرت عينه، وعيّن كل وليّ له وسجنت عيون أعدائه وماتوا كمدا فقال لهم: ستتوالى عليكم سبع سنين خصبة، فلا تغتروا واخزنوا الطعام، فسيأتي بعدهن سبع شداد قحطة تأكلون فيها جميع ما خزنتم في السبع الخصبة وليكن ما تخزنونه في سنبله وتبنه لئلا يعفن أو يقع فيه السوس، ولا تخرجوا من السنبل إلا ما تتدبرونه، حين قال لما سأله رسول الملك عن رؤيا الملك.
والله ﷿ يقول: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «١» بيّن ﷿، أن العاقل إذا علم العواقب بدأ بنفسه فتحرز من المضار سلم من المكاره، ثم بعد ذلك/ ينتفع غيره إن شاء، ففي وقوعهم في المكاره من أدلّ الدليل على أنهم لا يعلمون العواقب، فلم قالوا لغيرهم: لو أطاعونا ما قتلوا، ما في هذا فضيحتهم. وهذا مثل قصة سليمان مع الجن.
فتأمل ما في هذا الكلام من الحكم البالغة، فإنه وإن كان كلاما في توبيخ الشيع فيما أضافوه إلى النبي ﷺ وإلى أهل البيت، ففيه بيان شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل ﵀ حين استدعاه المأمون
_________________
(١) آل عمران ١٦٨
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وسأله الكلام عليهم فقال لهم: أخبروني أيما أيسر عندكم، العلم بما سيكون، أو العلم بما قد كان «١»، فقال لهم: فأخبرونا عما قد كان، إن شئتم بالبصرة، وإن شئتم بالكوفة، وإن شئتم ببغداد، وإن شئتم في هذا القصر، بأن تقولوا في خزانة الكسوة كذا وكذا صندوقا أو رزمة أو عدلا، وفي الصندوق الفلاني كذا وكذا قميصا وكذا وكذا قباء، وكذا وكذا عمامة، وفصلوا ما في كل واحد منها، وهو شيء قد كان ووجد، وعرفه الخزان والفراشون، ولكم الكلام. فسكتوا فما أحاروا جوابا، وهذا شاف كاف بل زائد على الكفاية فما تحتاج معه إلى غيره في بيان فضيحتهم، فاعرف ذلك.