وهو انه ﷺ أسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ثم عاد من ليلته الى مكة، ومدة السفر في ذلك مقدار شهرين اي ذهابا وإيابا، وهذا لا يفعله الله إلا للأنبياء في زمن الأنبياء. ولما عاد رسول الله ﷺ تحدث بذلك في أهله، فقالت له ام هانىء بنت ابي طالب: لا تتحدث بهذا، فو الله لا صدّقك الناس، وليكفرنّ بك من/ آمن بك، وليكذبنّك من صدّقك. فقال ﷺ: ان ربي أمرني ان أخبر الناس بذلك وان ابا بكر يصدقني ويشهد لي. فخرج وأخبر قريشا بذلك فسرّهم هذا، وقالوا: الآن يظهر كذبه وينقطع الناس عنه، قوموا بنا الى صاحبه ابن ابي قحافة لنخبره بما قال صاحبه. وكان ابو بكر
_________________
(١) - من الكوفة بعد ان اتهموا بالشغب فيها، وكان فيهم: مالك بن الاشتر، وثابت بن قيس، وكميل ابن زياد النخعي، وصعصعة بن صوحان.
[ ١ / ٤٦ ]
ثقيل الوطأة على قريش وأعداء رسول الله، فانه كان يدعو الى نبوته، ويخطب باياته، وكان وجيها في الناس، عالما بقريش، باين الفضل فيهم، فكانوا يقصدونه بالمكاره لهذه الخصال التي كانت تضرهم. وقد استدعى خيارهم ووجوههم الى الاسلام، وأنفق ماله في نوائب الاسلام ونصرته، وكانوا يطلبون شيئا يصدّه عن رسول الله ﷺ ويمنعه من اتباعه. فأتوه وقالوا له: يا ابا بكر، ما زال صاحبك حتى أتى بكذبة خرج بها من أقطارها. قال ابو بكر: حاشاه، وما هو؟ قالوا: زعم انه أسري به في ليلة الى بيت المقدس. فقال ابو بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق.
قالوا: يا ابا بكر، أتصدقه في هذا والعير تطرد في ذهابها شهرا وفي رجوعها شهرا، أيبلغه في ليلة واحدة؟ قال ابو بكر: انه ليخبرني ان الخبر يأتيه من السماء الى الارض في ساعة واحدة فأصدقه، وبعد السماء عن الارض اكثر من بعد بيت المقدس من مكة؛ قوموا بنا اليه نسأله عن ذلك. فأتوه، فقال له ابو بكر: ما شيء بلغني عنك يا رسول الله انك أتيت بيت المقدس في ليلتك؟ فقال: نعم يا ابا بكر، صلّيت بكم في هذا الوادي، فأتاني آت، فأيقظني وأخرجني وجاء بدابته فقال: اركب فأرفصت «١»، فقال لها جبريل: اسكني، فما حملت خيرا منه. فسارت بي، واذا حوافرها تقع مدى/ بصرها، وكنت اذا أتيت صعودا قصرت قوائمها، واذا أتيت حدورا طالت قوائمها، فأتيت بيت المقدس؛ وذكر صلاته ودخوله اليه ورجوعه. فقال له ابو بكر: يا رسول الله، هل تستطيع ان تصف لنا بيت المقدس؟ فقال: نعم. فوصف مدخله والمسجد
_________________
(١) ارفصت الناقة اذا رعت وحدها والراعي ينظر اليها، وتعنى هنا النفور والترك. انظر القاموس. مادة: رفص.
[ ١ / ٤٧ ]
وسقوفه وما فيه شيئا شيئا، وكان إذ ذاك في أيدي الروم، وكان ملك الشام لهم وبعضه في أيدي اليهود، فقال ابو بكر: أتسمعون؟ وكان فعل ابو بكر ذلك ليعرف الناس صدق رسول الله ﷺ فيما ادّعى. فقالت قريش: فان لنا عيرا بالشام عرفت خبرها؟ فقال: نعم، مررت بهم في ذهابي، وهم في موضع كذا، وقد ندّ لهم بعير من حسّ دابتي فدللتهم عليه، ورجعت عليهم وهم نيام وقدح فيه ماء وقد خمروه، فنزلت وكشفته وشربت وخمرته.
ثم قال: وآية اخرى أنهم يردون عليكم يوم كذا وقت طلوع الشمس، وتقدم عيرهم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما برقاء والآخرى سوداء. فأرصدت قريش لذلك اليوم، فقال قائلهم:
هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد أقبلت وأمامها الجمل الأورق وعليه الغرارتان كما وصف. وسألوهم عن البعير الذي ندّ وعن القدح الذي كان فيه الماء فأخبروهم بذلك كما وصف، وأنهم وجدوا القدح فارغا بعد ان كان فيه ماء.
فتأمل ما في هذا من الآيات والمعجزات والعلامات الواضحات البينات التي لو لم تكن إلا هذه لكفت وأغنت في الدلالة على نبوته.
فمنها مصيره ورجوعه في ليلة واحدة، ومنها إخباره بالوقت التي ترد فيه عير قريش على أي سبيل ترد/، فكم في هذا من الغيوب.
فإن قيل: ومن سلّم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا، وكيف علمتم هذا، وما طريق العلم به؟
[ ١ / ٤٨ ]
قيل له: قبل كل شيء قد علمنا انه ﷺ قد احتج بالإسراء وجعله قرآنا يتلى «١»، وقد سمع هذا جميع اعدائه من قريش واليهود والنصارى وهم معه وجيرانه وأشد الناس عليه وأحرصهم على عثرة تكون له او عيب يكون فيه، وهنالك اصحابه ومن قد اعتقد صدقه ونبوته ولم يتبعه إلا لأنه نبي صادق وعاقل لا يحتج على عدوه ووليه بما لا يقوم برهانه، ثم لا يرضى أو يأتي في ذلك بقرآن يتلى ويضيفه الى ربه ويستطيل بذلك على عدوه ووليه، وليس معه في ذلك إلا الدعوى الخالية من كل الحجج؟ هذا لا يفعله عاقل، وعقل رسول الله ﷺ عند عدوه فضلا عن وليّه فوق العقول.
وأخرى أن من فعل هذا على ما يدعيه الخصم لا يتبعه احد ولا يصدقه احد بل يرجع عنه من قد اتبعه، إذ ليس معه إلا الدعوى على ما يدعيه الخصم، وكل احد يمكنه ان يدّعي انه قد أسري به في ليلة واحدة من البصرة الى بيت المقدس او من العراق الى بلاد الهند وما تبينت بما هذه سبيله، فتعلم ان الحجة بذلك قد قامت واتضحت.
وأخرى ما جرى بين قريش وبين رسول الله ﷺ، وبين قريش وأبي بكر الصديق، وما كان في ذلك من طول المراجعة، ومن عني بذلك يعلم ان الأمر كما حكينا ووصفنا علما يقينا لا يرتاب به، كما يعلم فرار المهاجرين الى ارض الحبشة، وإخراج قريش عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة في طلبهم، وما كان لهم معهما مع النجاشي من
_________________
(١) تناولت سورة الاسراء قصة الاسراء بقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» .
[ ١ / ٤٩ ]
المخاطبات/ والمراجعات، الى ان صارت العقبى للمسلمين. وكما يعلم خروج رسول الله ﷺ الى المواسم وعرضه نفسه على القبائل، وما كان له معهم من المحاورات والمراجعات والمخاطبات. وكما يعلم خروجه الى الطائف وعرضه نفسه، وما كان له معهم من المراجعات والمخاطبات.
وكما كان له مع قريش بمكة في حفل بعد حفل ومرة بعد مرة، وفي مشيهم الى ابي طالب ليكفه عن مخالفتهم وتجهيلهم وذكر آلهتهم، وما تعاهدوا عليه من عداوته وعداوات اصحابه، ومن التجريد في قصدهم بالمكاره، وما كتبوه في ذلك. وفي ترك مبايعتهم ومناكحتهم ومعاملتهم، وما أشبه ذلك من الخطوب التي كانت منهم. فمن رسخ فيما هذا سبيله، عرف قصة الاسراء وما كان لرسول الله ﷺ في ذلك مما تقدم ذكره، ومن لم يكن هذه سبيله لم يعلم، ولكل احد سبيل الى ان يعلم ذلك.
فتأمل رحمك الله ما في ذلك، وقول أم هانىء، واحتجاج قريش في ان المسير في ذلك يكون في شهرين فكيف تم في ليلة واحدة، ومطالبتهم بالحجة في ذلك، ثم مسألتهم عن عيرهم التي بالشام، ثم مصيرهم الى المكان في الوقت الذي ذكر رسول الله ﷺ أن العير ترد فيه وتفقدهم صورتها وما تقدمها، ثم مسألتهم اهل العير عن القدح لتعرف عقول قريش وشدة فطنتها وعنايتها بأمر النبي والتفقد لأحواله.
وانظر كيف قد سألوا عن ذلك مما يمكن العاقل ان يسأل عنه ويتكلم فيه.
وانظر الى فطنة ام هانىء بنت ابي طالب وخوفها مما يخاف مثله، وأن هذا الأمر إن لم يقم على الدعوى به حجة لم يصدقه احد، بل
[ ١ / ٥٠ ]
يكذبه/ من صدّق به ويكفره من آمن به، لتعلم كذب الحداد، وأبي عيسى الوراق «١»، والحصريّ، وابن الراوندي «٢»، وهؤلاء علماء الإمامية ورؤساؤهم، وعليهم يعولون، والى كتبهم يرجعون.
ولكل هؤلاء كتب يطعنون فيها على الانبياء، ويدّعون على قريش والعرب الجهل والبلادة والغباء وان رسول الله ﷺ خدعهم وسخر منهم.
وهذه الكتب منقوضة قد نقضها غير واحد من المعتزلة، والمطاعن على الانبياء، كلهم انما هي من جهة هؤلاء الشيع، والإمامية تواليهم وترجع الى اقوالهم، فاعرف هذا فإنه من العجائب وبك الى معرفته أشد الحاجة.
فمن كتب الحداد في هذا الشأن كتابه «الجاروف» وكتابه «الاركان»، وكتاب الحصري «في تسوية اصحاب الكلام بالعوام»، وكتاب «الزمردة» وكتاب «غريب المشرقي» وكتاب ابي عيسى الوراق، وكتاب حنين «البهائم»، وكتاب «التاج» في القدم لابن الراوندي، و«الزمردة» و«الفريد» و«التصفح» وكتاب «نعت الحكمة» في الطعن في حكمة الله، وكتاب «الدامغ» يطعن فيه في القرآن وغير ذلك من كتبهم.
_________________
(١) ابو عيسى محمد بن هارون الوراق المتوفي سنة ٢٤٧ هـ. منهج المقال ٣٢٨
(٢) هو احمد بن يحيى بن اسحاق الراوندي، ذكره القاضي في الطبعة الثامنة من رجال الاعتزال، وذكر انه ألحد وخرج عن الدين كما ذكر انه يقال بأنه تاب آخر عمره. من كتبه التاج في الرد على الموحدين، والدافع في الرد على القرآن، والفريد في الرد على الانبياء. المنية والأصل ٩٢.
[ ١ / ٥١ ]
وفضيحتهم في هذه الكتب واضحة، وليس لرسول الله ﷺ اعداء مثلهم، والشيع تتوالاهم لأنهم عملوا كتبا لهم في الطعن في المهاجرين والأنصار.
فمن هذا العجب، ان قوما يدّعون انهم من المسلمين يوالون هؤلاء ويرجعون الى كتبهم، فتبين رحمك الله الحال في ذلك، لتعلم انه لا يطعن على المهاجرين والأنصار إلا من يطعن على الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما تستّر هؤلاء الملحدة والزنادقة بالتشيع والإمامة ليستوي لهم الطعن على الانبياء وتشكيك المسلمين في الدين فاعلم ذلك/.