وهو ان الصحابة قد خاضوا في باب الامارة في مرض رسول الله ﷺ وقبل ذلك في ازمان مختلفة، وجرى لهم من الخوض في ذلك اكثر مما جرى لهم من كل شيء في كبار الامور وصغارها، فأقوالهم وأفعالهم افعال من لا عهد عنده في رجل بعينه؛ وان الائمة بعد رسول الله ﷺ يجوز ان تقع منهم المعاصي والخطايا.
فمن ذلك، ان الصحابة سألوا عليا في مرض رسول الله ﷺ فقالوا:
كيف اصبح رسول الله يا أبا الحسن؟ فقال: اصبح رسول الله بحمد الله بارئا، فقال له العباس: أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله ﷺ كما أعرفه في وجوه بني عبد مناف، وإني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه هذا، فانطلق بنا الى رسول الله ﷺ نسائله فإن كان هذا الامر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا امرناه فوصى الناس بنا. فقال له علي: ما كنت لأسألها رسول الله ﷺ، فإنا إن سألناه فقال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله ﷺ قال ليست فيكم، والله لا سألتها ابدا.
فانظر كم في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي،
[ ١ / ٢٥٥ ]
وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي ﷺ/ قد نص لما جاز ان يذهب علمه عنهم، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم، فإن البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده وزمانه، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد، ورسول الله ﷺ حي بينهم، فكيف لم يقل علي للعباس: يا عم، أما تعلم ان رسول الله ﷺ قد نص علي وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولديّ على امته الى يوم القيامة، وكيف نسيت مع قرب العهد، أو ليس قد قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، و«انت مني بمنزلة هرون من موسى»، وهذا نص واستخلاف. فإن كان امير المؤمنين علي ﵁ نسي ان النبي ﷺ استخلفه كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري، وهذا لا يخفى على متأمل، فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد اطبقوا على ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف رجلا بعينه، ولا قال قولا قصد به هذا المعنى. فان قيل: ومن سلم لكم ان هذا قد جرى بين علي والعباس ﵄؟ قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب بذلك اهل العلم، والعجب انكم تقولون أن النبي ﷺ قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصح، والعلم به اقوى، وما زال ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في أنهما أصوب رأيا، ويخوض اهل العلم في ذلك، كالشعبيّ وعبد الرزاق «١»، وإنما يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له
_________________
(١) الشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري (ابو عمرو) راوية من التابعين، وهو من رجال الحديث التقات توفي سنة ١٠٣ هـ. تهذيب التهذيب ٥: ٦٥ واما عبد الرزاق فهو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري (ابو بكر) من حفاظ الحديث التقات. له «الجامع الكبير» في الحديث. توفي سنة ٢١١ هـ، تهذيب التهذيب ٦: ٣١٠
[ ١ / ٢٥٦ ]
في العلم.
وفي هذا الباب، ان النبي ﷺ لما مرض جزع اصحابه لمرضه، فكانوا معه وحوله ومسجده بهم مثل الرمانة، وعنده في بيته ازواجه وعماته وبناته، فكان/ اذا وجد خفّا خرج فصلى بهم، فاشتد به يوما مرضه فقالوا:
الصلاة يا رسول الله، فقال: ما أستطيع الخروج، صلوا، قالوا: يا رسول الله من يصلي قال: يؤذّن بلال ويصلّي أبو بكر.
ففي قولهم: من يصلّي، دليل على انه ما استخلف رجلا بعينه، لأنه لو كان فعل ذلك لما قالوا من يصلي ولا خفي عليهم مكانه، كما لا تخفى عليهم القبلة وقد فرغ لهم منها، فلا يقولون الى اين نصلي. وأكد ذلك ايضا بقوله: يصلي بكم ابو بكر، ولو كان قد استخلف رجلا بعينه لقال:
او ليس قد استخلفت عليكم عليا، فكيف نسيتم مع قرب العهد، ولأمر عليا بالصلاة.
فان قيل: ومن سلم لكم هذا، وإنما عائشة قالت له لا رسول الله، وأن رسول الله ﷺ لما احس به خرج وصرفه.
قيل لهم: انه ليس لرسول الله عهد اوثق ولا عهد اوضح من عهده الى ابي بكر في الصلاة بالناس في مرضه، فانه عقد كان منه في بيته وبحضرة أصحابه، الذين صفتهم على المحافظة على دينه الصفة التي قدمنا، والعلم بذلك يجري مجري مرضه في بيت عائشة ودفنه فيه، ومجرى العلم بأن ابا بكر وعمر دفنا عنده؛ والعجيب ممن يقول: قد علمنا ان رسول الله ﷺ قال:
من كنت مولاه معلّي مولاه وعليّ مني بمنزلة هرون من موسى، وقال:
انفذوا جيش اسامة، وينكر امر ابي بكر في الصلاة بالناس، وهذا من
[ ١ / ٢٥٧ ]
العناد الشديد والجهل الفائض، وهو كمن قال: إن رسول الله ﷺ ما اختار أبا بكر للهجرة معه ولا كان معه في الغار، ولا اختصه بأن يكون معه في العريش يوم بدر دون الناس كلهم، ولا كان معه في بيعة الرضوان، ولا اقامه مقام نفسه في الحج بالناس في سنة تسع ولم يقدم غيره في ذلك، وهو اول امير حج بعده ﷺ/ في حياته من المدينة.
ولقد امر ابو بكر بالصلاة، فصلى بجميع اصحابه وأهل بيته كالعباس وعليّ وجميع بني هاشم ومواليه، وهو ينظر اليهم من بيته وفي مسجده وهم يصلون خلف ابي بكر، فصلى بهم ابو بكر [عدة] «١» ايام. ففي بعض تلك الايام يخرج رسول الله ويصلي معهم، وفي بعضها يخرج وقد فرغ ابو بكر فيجلس معهم، وفي بعضها يحس به ابو بكر فيتنحى ويقدمه ويصلي بهم. لا يتدافع اهل العلم من الصحابة والتابعين والذين يلونهم والذين يلونهم في ذلك. ولقد صلى بهم ابو بكر الظهر في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ قبل دفنه وقبل البيعة له بذلك العهد الذي كان من رسول الله ﷺ لا ينازعه في ذلك احد.
وقد روى هذا الحديث وأمر رسول الله ﷺ لأبي بكر بالصلاة علي بن ابي طالب، ذكر ذلك في خلافته وعلى منبره مرات كثيرة، ورواه العباس وابنه عبد الله، وذكره عمر على منبره في خلافته، ورواه ابو عبيدة، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن ملك، والبراء بن عازب، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن زمعة، ومن لا يحصى كثرة من المهاجرين والانصار. وانما كان سبب ذكرهم له، لأنهم كانوا يذكرون مرض رسول الله وكيف صنع، وانما
_________________
(١) في الاصل فراغ املأته بعدة، ويمكن ان يقرأ بدونها فنقول حينذاك: فصلى بهم ابو بكر أياما.
[ ١ / ٢٥٨ ]
يظن ان ابا بكر تقدم فصلى بالمهاجرين والانصار بغير عهد من رسول الله ﷺ، من لا يعرف المهاجرين والانصار، وشدة بصائرهم، وإعظامهم لمقام رسول الله ﷺ ان يقوم فيه احد مقامه سيما في خاصته بغير امره.
وبعد فان مسجده في بيته ونصب عينيه، يسمع وهو في بيته صوت من في مسجده ويراهم، وأمره لأبي بكر/ بالصلاة بحضرة اصحابه، ويسمع ذلك جميع ازواجه وبناته وعماته، فقد كنّ في مرضه هذا اجتمعن كلهنّ عنده في بيت عائشة. وكان امره له بذلك مرة بعد مرة، فان الصحابة كانوا يدخلون في اوقات الصلاة فان وجد خفّا خرج معهم، وإلا قال لهم:
يصلي بكم ابو بكر. وكان في اول امره امر بذلك، قالت عائشة: يا رسول الله، إن ابي رجل أسيف «١» لا يستطيع ان يسمع الناس، فلو امرت غيره، فأبى رسول الله ﷺ ذلك ولم يجبها اليه، فاستعانت ببعض ازواجه عليه ليشفعها ويأمر غير ابي بكر بالصلاة، فردّهن رسول الله وغضب وقال:
يأبى الله والمؤمنون غير ابي بكر، إليكنّ عني صويحبات يوسف. فهذا الذي كان من عائشة فادعوا عليها ما لم يكن، وهذا شأنهم. ولقد قيل لعائشة لم كرهت ان يصلي ابوك بالناس في مرض رسول الله ﷺ وراجعت رسول الله ﷺ في ذلك حتى غضب؟ قالت: ظننت بحداثة سني انه لا يطيق ذلك، وأن المسلمين يتشاءمون به.
وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله ﷺ: إليكن عنى صويحبات يوسف، ان اولئك النساء ظنن ان يوسف ﵇ إذا دفع الى شدة
_________________
(١) الرجل الأسيف: الشيخ الفاني والسريع الحزن والرقيق القلب، انظر قاموس المحيط.
[ ١ / ٢٥٩ ]
يضعف ويجيب الى المعصية فلم يكن كما ظنن، فأراد رسول الله ان ابا بكر سيدفع الى شدائد فيصبر ويحتمل.
ثم يقال لهم: وكيف طمع ابو بكر ان يتقدم بأصحاب رسول الله ﷺ وقد علم ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا وعرفهم انه حجة الله عليهم وعلى رسول الله وجميع الصحابة حضور شهود، كيف يتوهم عاقل هذا؟
وبعد فكيف اقرّ رسول الله ﷺ عائشة/ في ازواجه واقام عليها وقد ارتدت بهذا الصنيع، وقد قال الله ﷿: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» «١»؟
فادعيتم ان ابا بكر اغتصب هذا المقام، وان ذلك بلغ رسول الله ﷺ، وانه غضب من ذلك وانكره، وخرج وعزل ابا بكر، وانكر على الصحابة طاعتهم لأبي بكر في الصلاة خلفه؛ هذا امر عظيم، ومراجعات كثيرة، إذ لو كانت لكان العلم بها اقوى من العلم بما كان من المراجعة لرسول الله ﷺ من المراجعة والمناقلة يوم الحديبية مع سهيل بن عمرو «٢» وما اشبه ذلك، ولكن مذاهبكم مقصورة على دعاويكم. ومن العجب كونكم ما ادعيتم ان رسول الله ﷺ لما غضب وخرج وعزل ابا بكر ان يكون قد قدم عليا فصلى بالناس ليتم بهتكم، بل لو كنتم صادقين في دعوى النص عليه لكان هذا وقت تقديمه والغضب لأجله لو ادعيتم ان رسول الله ﷺ لم يختر
_________________
(١) الممتحنة ١٠
(٢) كان سهيل بن عمرو سفير قريش الى الرسول يوم الحديبية، وقد عرض على الرسول الانصراف عن مكة ذلك العام على ان يأتيها في العام الذي يليه وعلى ان يقوم بينه (ص) وبين قريش صلح متصل عشرة اعوام. وقد حدثت اتناء المفاوضات مراجعات من المسلمين واحداث تجدها في كتب السيرة
[ ١ / ٢٦٠ ]
بيت عائشة لمرضه ودفنه والموت فيه وانما اختار بيت ابنته فاطمة ولكن ابا بكر مضى واغتصبه وحمله وجاء به الى بيت عائشة، فهذا رحمك الله من الأدلة التي تشهد ان رسول الله ﷺ ما استخلف عليا ولا نص عليه كما يدعي هؤلاء وانما ينكرون الاخبار.
فان قالوا: لو كان رسول الله ﷺ ما استخلفه لعلمنا باضطرار انه لم يستخلفه.
قيل لهم: ما لم يفعله رسول الله ﷺ لا يعلم بالاضطرار، انما يعلم بالاستدلال، فمن استدل علم ومن لم يستدل جاز ان يظن انه قد فعل.
ولو كان فعل شيئا أو فرض شيئا على الامة من سائر احكام الشريعة لجاء مجيء العلم كما جاء غيره، وهذا هو الاصل كما شرحنا وقدمنا.