من هذا الجنس، وهو ان هذه النصارى واليهود جميعا يدعون فيلاطس الرومي ملك الروم اخذ المسيح يتظلم اليهود منه وسلمه اليهم، فحملوه على حمار وجعلوا وجهه الى عجز الحمار وجعلوا على رأسه اكليل شوك، وطوفوا به تنكيلا. وانهم كانوا يقفدونه «٣» من ورائه ويأتونه من تلقاء وجهه فيقولون له: يا ملك بني اسرائيل من صنع هذا بك؟ سخرية منه «٤» . وانه لما ناله من الكدّ والشقاء عطش واستجدى وقال لهم: اسقوني ماء، فأخذوا الشجر المر واعتصروه وجعلوا الخل في ذلك العصير وأعطوه، فأخذه/ وهو
_________________
(١) عبارة لم يرضوا مكررة في الاصل.
(٢) في الاصل: الولاد.
(٣) قفده: صفعه على قفاه بباطن كفه. انظر القاموس المحيط.
(٤) جاء في انجيل متى، الاصحاح ٢٧: «فأخذ عسكر الوالي يسوع الى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة وفروه وألبسوه رداء قرمزيا وصنعوا اكليلا من شوك ووضعوه على رأسه وقصبته في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين: السلام يا ملك اليهود وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه» . وانظر ما يماثل هذا الصدد في انجيل مرقس الاصحاح ١٥ وانجيل يوحنا الاصحاح ١٩.
[ ١ / ١٢١ ]
يظنه ماء فغبّ فيه فلما وجد مرارته مجه فسعطوه به وعذبوه يومه وليلته «١» .
فلما كان من الغد وهو يوم الجمعة الذي يسمونه جمعة جشا سألوا فيلاطس ضربه بالسوط فضربه، ثم اخذوه وصلبوه وطعنوه بالرماح وما زال يصيح وهو مصلوب على خشبة يا إلهي لم خذلتني يا الهي لم تركتني، الى ان مات ونزلوا به ودفنوه «٢» . وادعى اليهود والنصارى العلم بذلك والمعاينة والمشاهدة، وانهم قد تلقوا ذلك الجمهور «٣» عن الجمهور، والامم عن الامم، وصار النصارى خاصة يسخرون من المسلمين اذا قالوا ما كان هذا من شيء، ويقولون: أي فائدة لصاحبكم في مكابرة الأمم المجمعة على ذلك، وقد سبقوه وكانوا قبله، وهم اهل هذا الرجل واصحابه، وبينهم ولد، ومعهم نشأ، وقد أجمع على ذلك عدوه من اليهود ووليه من النصارى، فأنكر نبيكم.
وهل هذا إلا كما قيل: رضي الخصمان وأبى القاضي. فنظر اهل العلم في قوله ﷺ، فاذا هو قد اخبر انهم قد قالوا ذلك وهم لا يعلمونه، وما معهم علم به ولكنه ظن يظنونه، فاذا الامر كما قال وكما اخبر، والعلم بأن الاعتقاد هو علم او جهل او ظن لا يعلمه إلا من قد صحب المتكلمين والنظارين وانقطع الى صنعة الكلام ومهر فيها وكدّ، وهذا رجل متكلف، فيعلم انه ما علم هذا إلا بالوحي من قبل الله وهذا من آياته العجيبة.
_________________
(١) جاء في انجيل يوحنا الاصحاح ١٩: «فلكي يتم الكتاب قال: انا عطشان، وكان اناء مملوآ خلا فجاؤا بسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها الى فمه» .
(٢) جاء في انجيل متى، الاصحاح ٢٧: «نحو التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: ايلي ايلي لما شبقتني، اي الهي الهي لماذا تركتني» . وفي انجيل مرقس الاصحاح ١٥: «صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: الوي الوي لما شبقتني، الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني» .
(٣) في الاصل: عن الجمهور
[ ١ / ١٢٢ ]
وتأمل الى إقدامه/ على أمتين عظيمتين من اهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا على امر وسبقوه في الزمان، وهو اشد الناس حرصا على تالفهم وإجابتهم واستمالتهم، فأكذبهم وردهم، ولو كان متقوّلا لتهيّب ولم يقدم على ذلك خوفا من ان يكون الامر كما قالوا وكما ادّعوا فيبين كذبه ويرجع عنه من قد تبعه، لأن الانبياء يجوز ان يقتلوا ويصلبوا، بل قد قتل قوم منهم.
وأيضا، فليس في قتل المسيح طعن عليه ولا قدح في امره، وما به حاجة الى مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي ان يكون الى تصديقهم في ذلك أحوج، ليكون تشنيعه على النصارى اقوى، لأنهم قد اعتقدوا فيه انه إله ورب وقد رأوه أسيرا مقهورا في يد عدوه ومصلوبا ومقتولا، ويزيد شناعته على اليهود لأنهم قد قتلوا نبيا آخر مضافا الى غيره من الانبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح. فتجنب ﷺ هذا كله مع الحاجة اليه، وقال: قد ادعوا أنهم قد علموا ذلك وليسوا به عالمين ولا متفقين، وما معهم فيه الا الظن فقال:
«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا» «١» أي ليس ثمّ يقين ولا سكون نفس، تقول العرب في الخبر المتيقن قتلته علما وقتلته يقينا. ثم قال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» أي صانه وعظمه ان تناله يد عدوه بالقتل والصلب، لأن الظن قد يصدق تارة، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتصدق المخبر الواحد من طريق حسن الظن بخبره، ويكون قد صدق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صدقه، وان ظنوا ان اعتقادهم لذلك علم. فانظر الى ذلك كيف بيّنه من كل وجه.
_________________
(١) النساء ١٥٧
[ ١ / ١٢٣ ]
فإن قيل: ومن ابن لكم ان الجماعات من اسلافهم ما شاهدوا ذلك ولا عاينوه كما ادّعوا؟ قيل له: من تأمل علم بعقله ان الامر كما قال ﷺ لا كما قالوا، لأن تلك الجماعات لو قد كانت شاهدت ذلك وعلمته لكان من لقيهم وسمع منهم في مثل حالهم في العلم بذلك، فكان يكون كل من لقي النصارى واليهود وسمع ذلك منهم عالما بذلك، فكنا نكون في مثل حالهم في العلم بذلك. ألا ترى أنا لما اخبرناهم بقتل حمزة وجعفر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ شاركونا في العلم بذلك وصارت حالهم في ذلك مثل حالنا، فلما رجعنا الى انفسنا فلم نجدنا عالمين مع مخالطتنا لهم وكثرة سماعنا منهم، علمنا انهم ليسوا بذلك عالمين، وأن اعتقادهم لذلك ليس بعلم. فبهذا الدليل علمنا صحة دعواه ﷺ وكذب دعواهم في انهم بذلك عالمين.
وبهذا الاعتبار تعلم رحمك الله بطلان دعوى من ادّعى من اليهود ان موسى صلى الله عليه شافه اسلافه الذين كانوا معه وهم ستمائة ألف رجل شاب سوى/ المشيخة والنساء بأن شريعته مؤيدة الى أن تقوم الساعة، وأنه لا يحل تغير شيء منها البتة وأن من ادّعى خلاف ذلك فقد كذب وكفر. وادعت اليهود انهم بذلك عالمون، فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين، وكان اعتقادكم لذلك علما، وقد حجكم من لقيتم من اسلافكم لكنتم حجة على اهل زمانكم، وكان يعلم ذلك بقولكم وأخباركم كل من شرح ذلك منكم، فلما كنا بذلك غير عالمين فإن اعتقادكم لذلك ليس بعلم. ألا ترى أنّا وكل من يسمع منكم يعلم ان موسى ﵇ كان يدّعي انه رسول الله، وأن الله اصطفاه وأرسله، وأنه صلى الله عليه كان يحرم الأمهات والبنات والأخوات والميتة والخنزير وذبائح الوثنيين، الى غير ذلك مما حرمه، وأنه كان يقيم السبت.
فلو كان ما ادّعيتم من تأييد شريعته لكان علمنا به كعلمنا بما قدمنا، بل
[ ١ / ١٢٤ ]
كان يكون اقوى من العلم بذلك، فلما لم يكن كذلك علمنا وتيقنا ان موسى ﵇ ما قال ذلك ولا دعا اليه ولا فرضه وأن الامر لم يجر المجرى الذي ادّعيتموه.
يزيدك وضوحا لذلك ان رسول الله ﷺ لما عهد ان شريعته مزيدة علم ذلك كل من سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، فلو كان الامر كما ادّعوا لعلمنا ذلك بأخبارهم كما علموا ذلك من شأن نبينا بإخبارنا اياهم وبسماعهم ذلك منا.
وهذا اصل كبير سبيلك ان تعنى به وتكبر مراعاتك له، فبه تعلم/ ايضا بطلان دعاوى النصارى في ادّعائهم قيام المسيح من قبره، وأنه ﵇ أقام معهم بعد قيامه من قبره اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه.
وهم يؤكدون هذا الكذب بأن يجعلوا له عيدا في يوم بعينه.
وبمثل ذلك تعلم بطلان دعواهم ان الخشبة التي صلب عليها المسيح وضعت على ميت فاذا هو حيّ يسعى، وأن هذا كان ببيت المقدس جهارا في يوم شهدته النصارى واليهود والروم وأمم لم يحصها إلا الله لكثرتها. ولهذا نظائر من دعواهم.
وبه تعرف بطلان دعاوى المجوس لزرادشت المعجزات.
وبمثل هذا تعلم بطلان دعاوى الرافضة ان النبي ﷺ استخلف امير المؤمنين عليا على امته، وفرض طاعته عليهم أجمعين من الأحرار والعبيد والرجال والنساء وجعله حجة عليهم. وادّعوا انهم قد علموا ذلك بإخبار جماعات اخبروهم بذلك، وأن اعتقادهم بذلك علم. فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين وكان اعتقادكم لذلك علما، لساويناكم في العلم بذلك لكثرة سماعنا
[ ١ / ١٢٥ ]
منكم والخوض معكم فيه، فلما لم يكن كذلك، علمنا وتيقنا ان ذلك امر لا أصل له.
والعلم ببطلان دعاوى الرافضة في ذلك أقوى واظهر والادلة عليه أكثر، لقرب عهده وكثرة الخوض فيه، ولأن الذي ادعى ذلك لم يكن يدعيه ولا يذهب اليه، ولأمور كثيرة. والأدلة على ذلك اكثر من الأدلة على/ غيره.
والرافضة تسأل في ذلك عما تسأل عنه اليهود والنصارى والمجوس في الطعن على رسول الله ﷺ وفي نبوته. فيقولون لما اعتقدتم صدق محمد ونبوته فقال لكم: ان المسيح لم يصلب وان موسى لم يقل ان شريعته مؤبدة وصار إقراركم بذلك ناقضا لقولكم ومفسدا لدينكم، ومبطلا لأصولكم [ذهبتم عنه «١»] ولم تعترفوا به.
قيل لهم: قد عرفناكم انا انما عرفنا بطلان هذه الدعاوى بذلك الاستدلال والاعتبار الذي قدمنا وشرحنا قبل العلم بنبوته ﷺ وقبل المصير الى قوله وقول اصحابه، حتى لو استدلت الملحدة كما استدللنا لعلمت من ذلك ما علمنا، وحتى لو لم يبعثه الله ﵎ حتى يعتبر معتبر ويستدل مستدل لعلم بطلان هذه الدعاوى كلها لأنا وجدنا أمما امثالنا وفي زماننا يدعون امورا وعهودا قد كانت في العصور الخالية التي قد سبقتنا ادعوا العلم بها، فرجعنا الى عقولنا واختبرنا فدلت العقول على ان اعتقادهم لذلك ليس بعلم، وان خبرهم بذلك ليس بصدق، وانه لم يكن هناك شيء مما ادعوه ينقل اليهم، وانما هم قوم شبّه لهم فاعتقدوا امورا تموهت عليهم فسموا اعتقادهم علما وخبرهم نقلا.
_________________
(١) الكلمتان مكررتان في الاصل.
[ ١ / ١٢٦ ]
وايضا، فلو كنا انما نعترف بذلك خوف الفضيحة في بطلان ديننا فقد كان ينبغي ان نكون بذلك عالمين وان لم نعترف، كما يعلم اللص انه سرق وان لم يعترف خوف الفضيحة/.
وايضا فان كان الناس قد علموا أنّا قد علمنا فجحدنا وكابرنا فقد تعجلنا الفضيحة وعلم الناس جميعا ببهتنا ومكابرتنا فما سلمنا من الفضيحة المعجّلة، وهذا لا يذهب فساده على عاقل نظر وتدبر.
فان قالوا: فأنتم بذلك عالمون وان لم تعترفوا، قيل لهم: إنا إذا رجعنا الى انفسنا علمنا كذبكم على ضمائرنا، وكفى بذلك علما لنا بكذبكم علينا وبهتكم لنا، فانا لا نعلم ذلك بل لا نعتقده، فضلا ان نعلمه. بل نعتقد ونعلم بطلان ذلك، كما نعلم ان للعالم صانعا وانه واحد وان محمدا ﷺ رسوله الى خلقه.
وايضا، فان الجماعات الكبيرة لا تجوز ان تكتم ما قد رأته وسمعته وان ضرها ذلك وان ساءها، كما لم تجوز ان تفتعل ما لم يكن فتقول: قد كان ورأينا وسمعنا وان كان ما رأت ولا سمعت وان سرها ذلك ونفعها، وهذا في الكتمان اقوى واظهر وابين، لأن الكتمان اثقل، والصبر عليه اشد، والحفظ له اصعب، والناس الى القول اسرع، وهم عليه اخف، ولهم فيه فرح واسترواح، وعلتهم في الكتمان كالكرب والألم، فيستروحون باذاعته وينفرجون بالقائه، حتى انهم ليتحدثون بما فيه زوال نعمهم وسفك دمائهم، وحتى لقد ادعينا «١» ان ينكتم ما بين السلطان ووزيره وامثال ذلك ممن يجوز عليهم الكتمان، فان الكتمان قد يجوز على الواحد والاثنين والنفر
_________________
(١) كلمة مطموسة بالمداد، والقراءة اجتهادية
[ ١ / ١٢٧ ]
اليسير. وكذا الافتعال وان كان الافتعال امكن من الكتمان. ولهذا/ يتواصى العقلاء بالصمت والكتمان ما لا يتواصون بالقول، ويحذرون منه ما لا يحذرون من القول، حتى ان الصمت والكتمان لا يجوز إلا في عقلاء الرجال وفي افراد الناس، وهو فيهم أقل من القليل.
فاعرف هذا فان هؤلاء الملحدة كأبي عيسى الوراق، والحداد، وابن الراوندي، لما لم يجدوا في رسوله الله مطعنا ادعوا انه قد كانت له فضائح واكاذيب وحيل وقف عليها اصحابه واهله وكتموا ذلك لحبهم له ولئلا يفتضحوا باتباع كذاب. وانما يجوز ان ينكتم ما يكون بين اثنين من النفر اليسير مدة ما ثم يظهر، فأما ما يكون بين الجماعة فانه لا ينكتم، ولا يطمع العاقل في كتمانه ولا يحدث نفسه به وان ضره وان ساءه. ألا ترى ان النبي ﷺ، جاء باكفار اليهود والنصارى والمجوس، وبالبراءة منهم، وسفك دمائهم، وسبي ذريتهم، واستباحة اموالهم، ويأخذ الجزية من اهل عهدهم، الى غير ذلك مما شرعه من مكارههم، وكل ذلك قد ضرهم وساءهم وذهب برئاستهم واسقط من اقدارهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن قط، وان الله قد رفعه من قلوبهم ومن قلوب الخلق اجمعين، وهذا علموه حين نطق به النبي ﷺ وقاله وشرعه وهو وحيد ضعيف فقير، وهم قد نقلوا ذلك وأذاعوه ونشروه وتحدثوا به مع ما عليهم فيه، والدولة والعزّ والغلبة إذ ذاك لهم لا له.
وهذا حال امير المؤمنين مع معاوية وبني امية فإنهم قد كرهوا عقد أهل
[ ١ / ١٢٨ ]
المدينة له بعد عثمان، وكرهوا ما دعا إليه من تضليلهم، وما/ فرضه من مجاهدتهم وقتالهم وما بيّنه من نقضهم وتسفيههم، وودّوا ان ذلك لم يكن، وما طمعوا في كتمان شيء من ذلك ولا فيما كان له من الفضائل، وانه صلى الله عليه من البدريين والسابقيين، ومن الفقهاء والزهاد والاولياء، ومن العشرة ومن اهل الشجرة ومن اهل الشورى، وقد ساءهم كل هذا فما أمكنهم مع الملك والدولة ان يدفعوه عن شيء منه مع محبتهم لدفعه عنهم ومع كراهتهم لكونه، ولا ان يدخلوا معاوية وهو سيدهم ورئيسهم في المهاجرين ولا في الانصار، وقد ودوا ان ذلك قد كان، ولا امكنهم ان يخرجوه من ان يكون من الطلقاء وأبناء الطلقاء.
وانظر الى الشعراء الذين هجوا رسول الله ﷺ من قريش ومن غيرهم، ومن الكتب التي وضعها الملحدة وطبقات الزنادقة، كالحدّاد، وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، والحصري، وآمالهم في الطعن في الربوبية وشتم الانبياء صلوات الله عليهم وتكذيبهم، فإنهم وضعوها في ايام بني العباس وفي وسط الاسلام وسلطانه والمسلمون اكثر مما كانوا إذ ذاك وأشد ما كانوا ولهم القهر والغلبة والعز، والذين وضعوا هذه الكتب أذلّ ما كانوا، وانما كان الواحد بعد الواحد من هؤلاء يضع كتابه خفيا وهو خائف يترقب، ويخفي ذلك عن اهله وولده، ولا يطلع عليه الا الواحد بعد الواحد ممن هو في مثل حاله في الخوف والذل والقهر، ثم ينتشر ذلك في ادنى مدة ويظهر حتى يباع في اسواق المسلمين، ويعرفه خاصتهم وعامتهم، ويتحدثون به ويتقولونه ويذكرونه وقد غمّهم ذلك وساءهم، وودوا ان ذلك لم يكن.
وكذا ما كان/ بالبحرين من ابي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي «١» وولده،
_________________
(١) كبير القرامطة ومعلن مذهبهم، كان دقاقا من اهل جنابة بفارس ثم انتقل الى البحرين-
[ ١ / ١٢٩ ]
وما كان من ابي القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زاذان النجار الكوفي بجبال لاعة وعدن لاعة من ارض اليمن، وما كان من ابي الحسين محمد بن الفضل «١» بجيشان والجند والمذيخرة من ارض اليمن، وما كان لعبيد المتسمي بعبيد الله المهدي «٢» بأرض المغرب، وما كان بمن بعده من هذه الطوائف فإنهم كلهم لما تمكنوا وقد كانوا في اول امرهم يتسترون بالتشيع، فلما ظهروا وصاروا في جماعات وعساكر أغاروا على من جاورهم وقرب منهم، فشتموا الانبياء واستنجوا بالمصاحف، وسبوا المسلمات والعلويات، وغزوا مكة. وكان غزو مكة لقرامطة البحرين خاصة من ولد ابي سعيد، وغدروا بالحجاج بعد ان امنوهم، ولهم في قصد الاسلام ومكاره المسلمين ما هو معلوم ومكتوب. وكل ذلك مما قد ضرّ المسلمين وكرهوه، وودوا ان ذلك لم يكن، ثم هم يذكرون ذلك ويتقوّلونه ويدونونه، فتعلم ان الدول والممالك والقهر والغلبة لا تغطّي على الامور التي قد كانت ووقعت، وأن العقلاء لا يحدثون انفسهم بكتمان معايبهم التي قد كانت وتحصلت وعلم بها الناس مرة واحدة، ولا يحدثون انفسهم بكتمان مناقب اعدائهم وإن ساءهم وغمهم.
_________________
(١) - تاجرا، وجعل يدعو الى نحلته، ظفر على عدة جيوش للخلفاء العباسيين ثم صالحه المقتدر. استولى على هجر والاحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين. قتله خادم له صقلبي سنة ٣٠١ هـ. مرآن الجنان ٢: ٢٣٨ والاعلام ٢: ١٩٩.
(٢) انظر كيفية اتصال احمد بن عبد الله القداح بمحمد بن الفضل هذا وتأثيره عليه وجلبه لصفه في الكامل لابن الاثير حوادث سنة ٢٩٦.
(٣) هو عبيد الله بن محمد الملقب بالمهدي، مؤسس دولة العلويين في المغرب وجدّ الفاطميين في مصر، في نسبه خلاف كثير. ولد بسلمية، وكانت دعاة ابيه قد مهدوا له الامر بالمغرب، بويع بالقيروان سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٢٢ هـ. ابن الاثير الجزء الثامن حوادث سنة ٢٩٦ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٠ ]
يزيدك علما بذلك ان للفرس والروم والهند محاسن ومناقب لا يسترها أعداؤهم من المسلمين ولا يكتمونها وإن ساءتهم، وكذا ما للمسلمين والعرب من المحاسن والمناقب لا يدفعها أعداؤهم من هذه الامم، ولملوك بني امية مساوىء وهفوات كانت مذكورة متداولة في ايامهم وفي سلطانهم، وكذا لملوك/ بني العباس، ولملوك بني امية محاسن لا يدفعها اعداؤهم من ملوك بني العباس.
فاعرف هذا الباب وأطل فكرك فيه لتعرف غلط الملحدة، وتعرف بطلان دعاوى الشيع ان الصدر الاول من المسلمين غيروا النصوص والقرآن، فبدّلوا ووضعوا ما لم يكن، ونسبوه الى النبي ﷺ، وأخذه عنهم التابعون، وصار فيمن بعدهم من العلماء وطبقات المتكلمين والفقهاء فظنوه دينا وليس كذلك. وأن هذه الحيلة قد تمت على المعتزلة والفقهاء وعلى اصحاب الحديث والمرجئة والخوارج، وخفي عليهم موضع الحيلة في ذلك، وأن سلطان ابي بكر وعمر وعثمان ﵃ غطّى ذلك ومنع من ذكره، وأن عليّ ابن ابي طالب ﵁ لما ملك سلك سبيل الخلفاء وقبله وما امكنه إظهار تضليلهم الى ان خرج من الدنيا، لأن اعوانه وجنده كانوا شيعة ابي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلو أومى الى تضليلهم لقتلوه وأبادوه، فالحجة في بطلان دعاويهم هذه كالحجة على الملحدة وجميع اعداء رسول الله ﷺ. على ان هذا الطعن على السلف انما وضعه لهم الملحدة الذين قدمنا ذكرهم فلكلهم كتب في نصرة دعاوى الرافضة على المهاجرين والانصار، وهم خدعوهم ولقنوهم هذه المطاعن لفرط عداوتهم لرسول الله ﷺ، فتمت حيلتهم عليهم وهم لا يشعرون. على انهم لا ينفصلون عن مطاعن الملحدة على رسول الله ﷺ ما أقاموا على بدعهم هذه، والحجة عليهم اكثر
[ ١ / ١٣١ ]
منها على كل مبتدع، كما ان الحجة على الشيع اكثر من هذا.
ثم عدت الى اليهود والنصارى فيما ادعوه من الصلب وغيره مما [قدمنا] «١» / فقيل لهم: إذا كان العلم بذلك قد شاع في الامم وعلمه العقلاء الذين سمعوا به [لكان] «٢» محمد ﷺ ومن كان في زمانه من الامم [الذين] «٣» صدّقوه واعتقدوا نبوته قد علموا ذلك لا محالة فكيف ادعى ان ذلك لم يكن، وهل يفعل هذا عاقل كائنا من كان، فكيف بعاقل يدعى النبوة والصدق ويريد من الامم كلها تصديقه واتباعه وهو اشد الناس حرصا على اجابتهم. وكيف اتبعته تلك الجماعات من قريش والأوس والخزرج واليهود والنصارى مع كثرتهم في جزيرة العرب، وهم يسمعونه يكذب ويبهت وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذب في ذلك، وهذا لا يكون مثله ولا يقع من العقلاء. ومن تدبر الأمور يعلم جهل من ادعى علم اليهود والنصارى بما قدمنا بأدنى تأمل، وكيف لم يجر في هذا قول معه فيقول له اعداؤه من قريش وغيرهم: ادعيت الصدق والنبوة ثم كذبت الكذب الظاهر وبهتّ الأمم البهت المكسوف، فقلت:
المسيح لم يقتل ولم يصلب، وهذه الامم كلها تعلم ذلك علما لا يرتاب به كما تعلم ان موسى وعيسى كانا في الدنيا، ومن كانت هذه سبيله لم يصدقه عاقل ولم يكن له رئاسة، وكيف لم يقولوا لمن اتبعه: يا هؤلاء، اكفرتم آباءكم، وضللتم اسلافكم، وانفقتم اموالكم، وعاديتم ملوك الارض وجبابرتها وجميع الامم، وسفكتم دماءكم في طاعة كذاب قد عرفتم كذبه وبهته.
وقد قيل لبعض مجادلي اليهود ونظارهم ممن قد قرأ الكتب، واكثر الاختلاف الى العلماء وكتب كتبهم، وادعى انه يتقدم على/ علمائهم من اهل
_________________
(١) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
(٢) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
(٣) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
[ ١ / ١٣٢ ]
عصره: أليس انما يعرف الاخبار من تأخر عمن تقدم؟ فقال: بلى، قالوا له: أليس اليهود الذين كانوا مع محمد ﷺ وفي زمانه قد علموا ان موسى قد قال إن شريعته مؤبدة؟ فقال بلى: فقيل له: فلم لم يقولوا لمحمد انت قد زكيت موسى وصدقته ووثقته وهو قد قال ووصى بأن شريعته مؤبدة؟
وفي هذا كفاية في كذبك وبطلان قولك، وهذا امر ظاهر بيّن يستدركه رعن النساء فضلا عن عقلاء الرجال، فأين كانوا عنه وقد خرجوا معه وفي عداوته الى شدائد الامور، من شتمه وهجوه والغدر به ومساعدة قريش في محاربته وبذل الاموال والمهج في مكارهه؟ فقال: قد قالوا ذلك له وأقاموا الحجة به عليه، فقيل له: من اين لك العلم بهذه الدعوى؟ فقال: قد علمت ذلك، فقيل له: فلم لم يعلمه خصومك كما علمته؟ فقال: مجّته الاسماع، فقيل له: ما تزيد على الدعاوى: فإنك ادعيت ان ذلك قد كان، فقيل لك من اين لك العلم به ولم لا علمه خصومك؟ فادعيت ان الاسماع مجّته، فانتقلت من الدعوى الى دعوى، وقرنت الدعوى بدعوى، ولا فرق بين دعواك هذه وبين دعوى من ادعى ان اليهود حين قالوا هذا له أحيا الله موسى وهرون وأظهر على ايديهما الآيات والمعجزات فكاشفا محمدا وشافهاه وأقاما الحجة عليه بمشهد من اليهود ومن اصحابه، وان ذلك قد كان وعلم ولكن مجّته الاسماع، فما اتى بشيء.
واعلم ان اقوى حجج اليهود هو دعواهم ان موسى نص على ذلك ووصى به وقد مر/ لك الكلام عليه من غير وجه فما يحتاج في الرد على اليهود اكثر منه.
فإن قيل: فأنتم قد طالبتم هذه الطوائف التي ادعت هذه الدعاوى وادعت العلم بها، فقلتم لليهود والنصارى: لو كان علمكم بالصلب لهذا الشخص
[ ١ / ١٣٣ ]
قد حصل لكم بإخبار جماعات كثيرة شاهدت ذلك لعلمنا ذلك بخبركم وبسماعنا منكم كما علمتم بإخبارنا لكم قتل جعفر وحمزة وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقلتم: لو نصّ موسى النص الذي تدعونه وكنتم قد علمتم ذلك بإخبار الجماعات لكم لعلمنا ذلك بخبركم كما علمتم بإخبارنا اياكم عن نبينا ان شريعته مؤبدة. وقلتم للامامية وطبقات الرافضة: لو كان النبي نص على ما تدعون ووصى امته بذلك وفرضه عليهم، وكان اعتقادكم لذلك علما حصل لكم من قبل الجماعات التي اخبرتكم بذلك، لعلمنا ذلك باخباركم إيانا وسماعنا منكم كما علمتم وعلمنا نص عمر على اهل الشورى، وكما علمتم وعلمنا نص اهل المدينة على الامام علي ﵁ بالخلافة بعد عثمان، وكما علمتم وعلمنا نص ابي بكر على عمر، ونصّ معاوية على يزيد، ونص عبد الملك على الوليد، ونص المنصور على المهدي، فلم لا علم اليهود والنصارى والرافضة ان هذه الامور لم تكن كما علمتم.
قيل له: لو كانت، لجاءت مجيء امثالها مما ذكرناه وتحصّل العلم بها لنا كحصوله في تلك الأمور، وإنما يعلم ان ذلك لم يكن بما يستدل به كما استدللنا، ومن لم يستدل جاز ان يعتقد ان ذلك قد كان وإن لم يكن لتركه النظر والاستدلال، ويكون اعتقاده لذلك ليس بعلم وخبره ليس بصدق وإن ظنه علما وصدقا.
ولسنا ندّعي على هذه الطوائف انها كلها/ قد علمت وكابرت، وهذا يكون الاصل فيه ان يخبر به الواحد والاثنان او النفر القليل، فيقولون:
أخذنا هذا عن جماعات كثيرة فيصدقهم من سمعهم وبحسن الظن بهم، ويأتي «١» من بعد هؤلاء فيصدقهم، ويكثر من يعتقد ذلك، ويقول: من
_________________
(١) في الاصل: ويأت
[ ١ / ١٣٤ ]
قبلي قد اخذ هذا عن جماعات، فتكثر اهل هذه الدعاوى بعد ذلك ويغترون بكثرتهم.
وربما كان اصل المقالة تأويل آية من كتاب او من قول من يقتدى به فيعتقد التالي له انه نص فيقول: قد نص موسى او عيسى او محمد صلى الله عليهم على كذا في آية كذا في يوم كذا ويذكر ذلك القول. وذاك القائل ما اراد بقوله ما أراده هذا المتأول ولا قصد قصده. مثل ما اولت القرامطة في قوله ﵎ «وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا «١»» قالوا: فقد أخبر أن من دخل مكة يأمن من القتل والخوف ونحن نرى الناس فيه يخافون ويقتلون، فقد ظهر كذبه، فإنا قد قتلنا المسلمين فيه، ولكن اتباع محمد ﷺ حمير لا يعقلون «٢» . والله ﵎ ما اراد ما ظنوا، ولا هذا خبر وإن كان لفظه لفظ الخبر، وإنما هو امر بأن من دخله فينبغي ان يؤمن ولا يخاف ولا يحل لأحد ان يخيفه. وهذا مثل قوله «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ «٣»» وما اشبهه، فإن ظاهر هذا الخبر ومعناه الامر، أي يجب على المطلقة ان تتربص، وعلى الوالدة ان ترضع. ولكن الباطنية يقصدون البوادي والعجم ومن لم يشتغل بالعلم فيخدعونه بأنواع الخدائع، ويحلفونهم على كتمان ما يسمعون، فيغترون بهم. وهم افسدوا من بالبحرين، وكان ابتداء امرهم معهم التشيع، ثم رقوهم درجات الى ان جاؤوهم وجاهروهم/ بتكذيب الانبياء، فصار بتلك النواحي عداوة الاسلام مناكدة الى هذه الغاية.
ولإفراط جهل هؤلاء ما تم عليهم، وإلا ففي نصّ القرآن جواز القتل
_________________
(١) آل عمران ٩٧
(٢) ان القاضي كعادته يستعرض أقوال الخصوم وافتراآتهم مهما كان فيها من إيذاء للمسلمين ليردّ عليها بعد ذلك.
(٣) البقرة ٢٢٨
[ ١ / ١٣٥ ]
في المسجد الحرام. أما تسمع قوله ﷿ «وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» «١» فأي شأن أبين من هذا.
ومثله قوله ﷿: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» «٢» وقد قتل قوم ممن آمن بالنبي ﷺ قبل الهجرة وقتل فيه منهم قبل الفتح، وقد قتل هو ﷺ يوم الفتح فيه قوما، والأمر في ذلك ظاهر، ولا يذهب مثل هذا إلا على الغاية في الغافلة. فإن كان الامر على ما ظنه هؤلاء الجهال، فكيف لم تقل قريش والعرب واليهود والنصارى وأعداء رسول الله الذين كانوا معه وهم في طلب عثرة تكون له مثل ما قاله هؤلاء الجهال وأنكروا عليه ذلك.
ومما قاله هؤلاء الزنادقة ايضا: أن محمدا قد رجع عما كان يدّعيه من اليقين في امره وأظهر الشك بقوله في كتابه: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «٣» وقال: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» «٤» .
فقيل لهم: إن كان أفاد بهذا الذي ظننتم، فلم لا كان أعداؤه من قريش والأعراب واليهود والنصارى انكروا ما انكرتم؟.
وكذا نقول لمن قال: إن اصحاب محمد صلى الله عليهم وسلم ارتد وابعده، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال من نصّ القرآن لأنه قال: «أَفَإِنْ ماتَ
_________________
(١) البقرة ١٩١
(٢) البقرة ٢١٧
(٣) الاحقاف ٩
(٤) يونس ٩٤
[ ١ / ١٣٦ ]
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» «١»، فيقال له: انت اسوأ حالا في هذا من اولئك، لأن هذا ليس بخبر ولا ظاهره الخبر، وانما ظاهره الاستفهام، والله لا يستفهم لأنه بكل شيء عليم، وانما المراد به التثبيت والتنبيه كما قال:
«وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» «٢» اي لا يخالدون ولا ينبغي/ لهم الخلود، وكذلك اولئك لا يرتدون ولا ينبغي لهم ان يرتدوا. ولما قال بعض المبتدعة بالتشبيه، وتأولوا النصوص قلنا لهم هذا.
وقد كثرت البدع والكذب على الانبياء بما لم يقولوه ولا أرادوه، ويدعون المبتدعة أن لهم سلفا امثالهم حتى يتصلوا بالانبياء فتغرهم كثرتهم وتغرهم زعماؤهم.
على ان النصارى لو رجعت الى أخبارها والى ما في أناجيلها الأربعة لعلمت أن المقتول المصلوب غير المسح، اذا كانت هذه الأناجيل معولهم.
لأنهم لما انتهوا الى ذكر المقتول المصلوب والصلبوت قالوا: إن اليهود «٣» قصدوا في خميس الفسح الى هيريدس صاحب فيلاطس ملك الروم، وقالوا:
هاهنا رجل منا قد أفسد أحداثنا وغرّهم ولنا عليك في الشرط ان تمكننا ممن هذه سبيله لننفذ حكمنا فيه؛ فقال لأعوانه: اذهبوا مع هؤلاء فهاتوا خصمهم، فخرج الاعوان مع اليهود فصاروا بباب هذا السلطان، فأقبل اليهود على الأعوان فقالوا لهم: هل تعرفون خصمنا فقالوا: لا، فقال اليهود
_________________
(١) آل عمران ١٤٤
(٢) الانبياء ٣٤
(٣) جاء في الحاشية: «في كيفية صلب اليهود رجلا على انه المسيح»
[ ١ / ١٣٧ ]
ولا نحن نعرفه، ولكن امشوا معنا فإنا لا نعدم من يدلنا عليه.
فمشوا، فلقيهم يهوذا سرخوطا وكان احد خواص المسيح وثقاته وكبار اصحابه واحد الإثني عشر، فقال لهم: أتطلبون يسوع الناصري قالوا:
نعم، قال: فمالي عليكم إن انا دللتكم عليه؟ فحلّ بعض اليهود عن دراهم كانت معه فعد ثلاثين درهما وسلمها اليه وقال: هذه لك. فقال لهم: هو كما قد علمتم صديقي وأستحي ان اقول هذا هو، ولكن كونوا معي وانظروا الى الذي اصافحه وأقبّل رأسه، فاذا أرسلت يدي من يده فخذوه.
فساروا معه وقد كثر الناس ببيت المقدس واجتمعوا اليه لإقامة هذا العيد من كل مكان فصافح يهوذا سرخوطا رجلا وقبّل رأسه/ وأرسل يده من يده وغاص في الناس، فأخذه اليهود والاعوان، فقال المأخوذ: ما لكم ولي؟
وجزع جزعا شديدا؛ فقالوا له: السلطان يريدك، فقال: مالي وللسلطان؟
فجاؤا به فأدخلوه على هيريدس وقد طار عقله خوفا وجزعا وهو يبكي فما يملك نفسه، فرجمه هيريدس لما رأى به من الخوف، فقال لهم: خلوا عنه، واستدناه واقعده وبسطه وسكّن منه وقال له: ما تقول فيما يدّعي هؤلاء عليك من انك المسيح ملك بني اسرائيل، هل قلت هذا او دعوت اليه؟
فأنكر ان يكون قال هذا او ادعاه ومع هذا فما يسكن قلقه، وهيريدس يسكّنه ويقول له: اذكر ما عندك [من حجة «١»] إن كان لك، فلا يزيد على إنكاره وانه لا يقول ذلك، وانهم هم الذين يقولون ذلك لا هو، وانهم قد ظلموه بهذه الدعوى وتقوّلوا عليه، فقال هيريدس لليهود: ما أراه
_________________
(١) في الاصل: وحجة، ولعل الصواب ما اثبتناه
[ ١ / ١٣٨ ]
يوافقكم ولا يقول ما تدعونه وما أراكم إلا متقولين عليه ظالمين له، هاتم الطست والماء لأغسل يدي من دم هذا الرجل.
ووجه فيلاطس ملك الروم الكبير الى هيريدس يقول له: بلغني ان اليهود رفعوا اليك خصما لهم فيه أرب ومعرفة فأنفذه الي لأفاتحه وأنظر ما عنده، فأنفذه اليه؛ فأدخل على فيلاطس وهو في حالة من الجزع والخوف والفلق، فسكّنه الملك وسأله عما ادعاه عليه اليهود من انه المسيح، فأنكر ان يكون فال ذلك ولم يزل يسائله ويباسطه ليذكر ما عنده وما معه وليسمع منه حكمة او يستفيد منه أدبا او وصية فما وجد عنده شيئا، ولا زاده على القلق والخوف والجزع والبكاء والانتحاب فرده الى هيريدس وقال له: ما وجدت في هذا الرجل ما قيل فيه وما عنده خير، ونسبه الى النقص/ والغباء، فقال هيريدس: الآن هو الليل فاذهبوا به الى الحبس، فذهبوا به.
فلما كان من الغد بكر اليهود وأخذوه وشهروه تلك الشهرة، وعذّبوه ونالوه بأنواع العذاب، ثم ضربوه في آخر النهار بالسوط، وجاؤوا به الى مبطخة ومبقلة «١» وصلبوه وطعنوه بالرماح ليموت بسرعة، وما زال يصيح بأعلى صوته وهو مصلوب على خشبة: يا إلهي اخذلتني؟ يا إلهي لم تركتني؟
الى ان مات. وان يهوذا سرخوطا لقي اليهود وقال لهم: ماذا صنعتم بالرجل الذي اخذتموه امس؟ قالوا: صلبناه، فتعجب من هذا واستبعده، فقالوا له:
قد فعلنا، وإن اردت ان تعلم ذلك فصر الى المبطخة الفلانية، فصار الى هناك، فلما رآه قال: هذا دم بريء، هذا دم زكيّ، وشتم اليهود، وأخرج الثلاثين درهما الذي اعطوه دلالة فرمى بها في وجوههم وصار الى بيته
_________________
(١) المبطخة مكان البطيخ، والمبقلة مكان البقل
[ ١ / ١٣٩ ]
فخنق نفسه «١» .
_________________
(١) نثبت هنا ما جاء في الاناجيل حول ما عرضه القاضي من تسليم يهوذا للمسيح، والاشارة التي اعطاها لهم ليتعرفوا عليه، وما جرى بعد ذلك من اخذه الى هيرودس وبيلاطس، وما دار بين السيد المسيح وهؤلاء من حديث، ولا نريد ان نعلق على ما نورده وانما سنكتفي بوضع هذا كله امام القارىء ليقارن ويتدبر. ما ورد حول تسليم يهوذا للمسيح: «حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر (اصحاب المسيح) الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي الى رؤساء الكهنة وقال: ما تريدون ان تعطوني وأنا اسلمه اليكم، فجعلوا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه» . متى، الاصحاح ٢٦، الفقرات ١٤ و١٥ و١٦. «ثم ان يهوذا الاسخريوطي واحدا من الاثني عشر مضى الى رؤساء الكهنة ليسلمه اليهم، ولما سمعوا فرحوا ووعدوه ان يعطوه فضة» مرقس، الاصحاح ١٤ الفقرات ١٠ و١١. ومثل ذلك في انجيل لوقا، الاصحاح ٢٢ فقرات ٣ و٦٥: «وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع لأن يسوع اجتمع هناك كثيرا مع تلاميذه. فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسين وجاء الى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح. فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم: من تطلبون؟ اجابوه: يسوع الناصري. قال لهم يسوع: انا هو، وكان يهوذا مسلمه ايضا واقفا معهم. فلما قال لهم اني انا هو رجعوا الى الوراء وسقطوا على الارض. فسألهم ايضا من تطلبون فقالوا: يسوع الناصري، فأجاب يسوع: قد قلت لكم اني انا هو فان كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون» يوحنا، ١٨: ١- ٨. وأورد انجيل لوقا حادثة القبض على المسيح على النحو التالي: «وبينما هو يتكلم اذا جمع والذي يدعى يهوذا واحد من الاثني عشر يتقدمهم فدنا من يسوع ليقبله فقال له يسوع: يا يهوذا بقبلة تسلم ابن الانسان. ثم قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه كأنه على لص: خرجتم بسيوف وعصي. اذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا علي الايادي ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة» . لوقا، الاصحاح ٢٢: ٤٧- ٥٣. مع بيلاطس وهيرودوس: «فقام كل جمهورهم وجاؤا به الى بيلاطس. وابتدؤوا يشتكون عليه قائلين: انا وجدنا هذا يفسد الامة ويمنع ان تعطى جزية لقيصر قائلا انه هو مسيح ملك، فسأله بيلاطس: انت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: انت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: اني لا أجد علة في هذا الانسان، فكانوا يشددون قائلين: انه يهيج الشعب وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئا من الجليل الى هنا. فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليلي؟ وحين علم انه من سلطنة هيرودوس ارسله الى هيرودوس اذ كان هو ايضا ملك الايام في اورشليم. وأما هيرودوس لما رأى يسوع فرح جدا لأنه كان يريد من زمان طويل ان يراه لسماعه عنه اشياء كثيرة وترجى ان يرى آية تصنع منه وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد فاحتقره هيرودوس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباسا لامعا ورده الى بيلاطس فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب-
[ ١ / ١٤٠ ]
فانظر كم في هذا من عجب:
منها إقرار اليهود والروم انهم ما عرفوه، واخرى ان الذي دلّ عليه لو كان ظاهر العدالة لما عرف بخبره ولا بشهادته شيء، واخرى جزعه وقلقه وإنكاره، ولو كان هو المسيح لأخبر بذلك ولقال: انا هو الذي بشّر بي الانبياء، وانني كذا وكذا، سيما والحاكم بينه وبين اليهود ملك الروم وهم اعداء اليهود، وكان قد اقام الحجة عليهم، هذا لو كان نبيا «١»، فكيف وهو عند النصارى إله، فإن الانبياء يبدؤون الدعوى والحجة عند من لم يسأل ذلك فكيف بمن يسأل ويرغب اليهم.
وأخرى ان يهوذا سرخوطا قال: هذا دم بريء، وبرىء منهم ورد الدراهم ورجع الى بيته وقتل نفسه ندما على ما كان منه. فقلنا للنصارى:
فكم في هذا من دلالة على ان المقتول المصلوب غير المسيح، فأنتم لا الى/ حجج العقول ترجعون، ولا الى ما كتبتم وسطرتم تتدبرون، ولا على ما نعلم تعولون، ولكنكم تمشون مكبّين على وجوهكم.
وفي الانجيل معهم ان المسيح اخذ صندوقا يخزن فيه الذهب والفضة وكان خازنه يهوذا سرخوطا الساعي به، وان امرأة زانية اهدت اليه طيبا
_________________
(١) - وقال لهم: قد قدمتم الي هذا الانسان كمن يفسد الشعب وها انا قد فحصت قدامكم ولم أجد في هذا الانسان علة مما تشتكون به عليه ولا هيرودوس ايضا. لوقا، الاصحاح ٢٣: ١- ١٥. «وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ألوي ألوي (وفي انجيل متى ايلي ايلي: اي الهي الهي) لم سبقتني، الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني. فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا: هو ذا ينادي ايليا (وفي انجيل يوحنا: انا عطشان) فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه» .. مرقس، ١٥: ٣٣- ٣٥.
(٢) في الاصل: نبي
[ ١ / ١٤١ ]
قيمته ثلثمائة دينار، وجعلت تمسح به قدميه وتمسح شعرها بأسفل قدميه، وان شمعن جاء وأنكر ذلك عليه، وقال: هذا سرف وفساد، وكان ينبغي ان تتصدق بثمن هذا على الفقراء «١» .
ولهذا ما قالت طائفة من اليهود ان يسوع «٢» بن مريم هذا الذي يعتقد المسلمون والنصارى ربوبيته الذي صلب وقتل هو ابن يوسف النجار، وهو رجل من اليهود برّ تقيّ صارت له رئاسة في اليهود، فحسده بعضهم للرئاسة وسعى به وأذلّه الى ان قتل مصلوبا. وهو ما ادّعى ما يقوله النصارى ولا ما يقوله المسلمون من انه المسيح وانه نبي. قالوا ألا ترون انه قد سئل عن ذلك عند هيريدس وعند فيلاطس وأنكر ذلك كله، ولو كان نبيا لاحتج بحجة وآيات، والبشارات به وأنه مولود من غير ذكر.
قالوا: ومما يؤكد هذا، ان النصارى قد كتبت في اناجيلهم ان يسوع هذا قال لأصحابه: ما يقول الناس فيّ؟ قالوا: منهم من يقول: إنك إليّا ومنهم من يقول: انك يوحنا الصائغ، قال: فأنتم اصحابي ما تقولون فيّ ومن انا عندكم؟ قالوا: الذي عندنا انك المسيح، قال: لا تقولوا هذا.
قالت هذه الطائفة من اليهود: أما ترونه قد نهاهم ان يقولوا «٣» انه المسيح، فما الذي يبقي بعد هذا من البيان. قالوا: وقد خاصمه اليهود ثلاث سنين، ورفعوه الى الملوك فما حصل عليه إقرار انه ادّعى انه المسيح
_________________
(١) انجيل متى الاصحاح السادس والعشرون.
(٢) ورد اسم المسيح ﵇ على اشكال متعددة، فقد رسم اسمه احيانا: ايسوع، واحيانا يشوع واحيانا اخرى ليسوع، وقد اثبتناها جميعا يسوع لشهرة هذا اللفظ.
(٣) في الاصل: يقولون
[ ١ / ١٤٢ ]
ولا انه نبيّ، ولا شهد عليه بذلك وليّه/ ولا عدوّه. والآيات والمعجزات التي تدعيها النصارى له لا أصل لها ما ادعاها هو ولا احد من اصحابه في زمانه ولا في الفرق الذين يلونهم، وإنما ادعي له ذلك بعد مضيه ومضيّ أصحابه بالأزمان والأحقاب، كما ادعت النصارى ذلك لبولص اليهودي «١» وهو معروف الحال والحيل والكذب والسقوط، وكما ادّعوا ذلك لجورجس «٢» والابامرقس «٣»، وكما يدّعونه في كل زمان لرهبانهم ورواهبهم وكله لا أصل له. فاحفظ رحمك الله هذا فانه يؤكد الحال في ان المسيح لم يصلب، وأن المصلوب غيره صلى الله عليه، وهو شديد على النصارى من كل وجه.
وفي الانجيل ان المسيح كان قائما في ناحية في موضع الصلب، وأن مريم ام المسيح جاءت الى الموضع فنظر اليها المصلوب فقال لها وهو على الخشبة:
هذا ابنك، وقال للمسيح: وهذه امك، وأن مريم اخذت بيده ومضت من بين الجماعة «٤» .
وفي الانجيل ايضا ان المسيح مات من غير ان يمسه شيء، وفيه ان امرأة سامرية قالت للمسيح: انت رجل يهودي ونحن لا نسقي اليهود الماء، فقال
_________________
(١) يقصد بولس، الشهير بالرسول في تاريخ النصرانية وقد مر سابقا.
(٢) يقصد مار جرجس، الذي تنسب له النصرانية عددا من الخوارق، وتعتبره كنيسة انكلتره حاميا لها وكذلك تفعل كنيسة روسيا. ويظن انه ولد في الرملة من فلسطين في النصف الاخير من القرن الثالث للميلاد ويقال انه مات سنة ٣٠٣ م. دائرة معارف البستاني ٦: ٤٢٧
(٣) اسمه العبراني يوحنا، واسمه اليوناني مأخوذ عن الروماني مرقس، يقال انه ابن اخت برنابا اللاوي القبرصي، وتقول كتابات الآباء المسيحيين انه كان مترجما لبطرس. انظر القول الصريح في سيرة يسوع المسيح، ص ١٣ جورج فورد.
(٤) جاء في انجيل يوحنا الاصحاح ١٩- ٢٦: «فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لأمه: يا امرأة، هو ذا ابنك، ثم قال للتلميذ: هو ذا امك» .
[ ١ / ١٤٣ ]
لها: صدقت ايها المرأة في جميع ما قلت.
وفيه أن المسيح قال لأصحابه: إن الكهنة والربانيين جلسوا على كرسي موسى وهم يفتونكم فاقبلوا منهم فتياهم ولا تعملوا مثل أعمالهم، فإنهم يقولون وما يعملون.
وفيه ان مريم المجدلانية ومريم الاخرى إنما امتنعتا من بعثة الطيب لسيدنا المسيح يوم السبت للسّنة في حفظ السبت.
وفيه ان المسيح قال: شبهت جلوس هذه القبيلة السوء بصبيان جلوس في السوق يناديهم اصحابهم: غنينا لكم فلم ترقصوا ونحنا لكم فلم تبكوا، اتاكم يحيى لا يأكل ولا يشرب/ فقلتم: لا يأكل ولا يشرب، وأتاكم من البشر اكول شروب فقلتم: اكول شروب يدخل بيوت الزناة ويجالس الخطائين.
وفيه انه مرّ «١» على شمعون الصفا فقال له: يا شيطان.
وفيه أنه قال لبني إسرائيل: يا حيّات، اولاد الافاعي، تقرؤون الكتاب ولا تعقلون، تغسلون خارج الإناء وداخله مملوءة قذرا، تطلبون البر والبحر والسهل والجبل صاحبا لكم، فلو أوجدتموه علّمتموه طرائقكم حتى يصير شرا منكم، فلا أنتم دخلتم ملكوت السماء، ولا تركتم الناس يدخلون ملكوت السماء اذ لم تدخلوا.
فإن قال قائل: لعمري قد تبيّن ان النصارى قد قالت في عيسى بن مريم ﵇: انه ليس بنبي ولا رسول لله ولا بعبد صالح، وانه إله
_________________
(١) في الاصل مرة، ولعل الاصح ما اثبتناه
[ ١ / ١٤٤ ]
ورب وخالق ورازق، وان الله ثالث ثلاثة، وانه قتل وصلب. وقد قال صاحبكم في كتابكم: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» «١» فقالت النصارى: فهذا كذب، فانا وإن قلنا فيه انه إله فما قلنا في امه انها إله.
قيل له: ما خبر عنهم انهم قالوا ذلك، وما هاهنا خبر فيقع فيه صدق او كذب، وإنما قال «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» وليس هذا خبرا، ولا من لا يعرف من العربية قليلا ولا كثيرا، وإنما ظاهر هذا القول الاستفهام والاستعلام، والله جل ثناؤه لا يجوز عليه ذلك، لأنه إنما يستعلم ويستفهم من لا يعلم ما استفهم وسأل عنه، وإنما معناه التقرير لاستخراج الجواب من المسؤول. وهذا كقوله لموسى صلى الله عليه: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» «٢» وهو ﷿ اعلم بذلك من موسى. ولقوله لإبليس: «ما مَنَعَكَ/ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» «٣» واذ أمرك، وهو ﷿ اعلم من إبليس بالمانع له فقال للمسيح: هل قلت هذا في نفسك او في امك الوالدة لك وهي اخص الناس بك وأوجبهم حقا عليك وأجلهم عندك، لتتبين براءة ساحته ﵇ من كل وجه. فقد بطل ما ظنه السائل من ان هذا خبر وهذا جواب شاف كاف.
وأيضا ففي النصارى من قد قال بمعنى هذا وان لم يصرح بلفظه، لأنهم قالوا إن مريم صفت حين قبلت الجوهر الإلهي وولدته، وكل جوهر لا يقبل
_________________
(١) المائدة ١١٦
(٢) طه ١٧
(٣) الاعراف ١٢، وقد اثبتت القراءتين: اذ امرتك واذ امرك
[ ١ / ١٤٥ ]
إلا ما في جوهره وسنخه «١» ولا يلد إلا ما في جوهره، وهذا جواب ثان بين نيران فيهم من قد صرح بذلك. وهذا بين في كتب البيعة الموجودة بكور الاهواز وغيرها من كور العراق بالقلم السرياني، وقد ترجم منه في رسالة كتبها عبد يسوع بن بهرين اسقف حران والرقة والمصيّر بعد ذلك مطرانا على الموصل والجزيرة الى قس يعقوبي يقال له بادوس: انت لا تنكر ان البتول الطاهرة إله كما تراه انت، بل إنسان كما نراه نحن» .
وهذا تصريح من هؤلاء بأن مريم إله والنسطورية تخالفهم في ذلك وتجادلهم، وهذا بيّن وانما ينكره من لا يعرف أقاويل النصارى وحقيقة النصرانية.
وعلى ان هذه الطوائف الثلاث منهم من يقول في مريم انها ام المسيح بن الله في الحقيقة ووالدته في الحقيقة، لا ام لابن الله الالهي، ولا والدة لابن الله غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا والد لابنها إلا الله، وان الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء/ لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، وانما اختصت بهذا لأنها حبلت بابن الله وولدت ابن الله الذي لا ابن له في الحقيقة إلا هو ولا ولد له إلا هو، وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب والد ابنها، وابنها عن يمينه. وهم يدعونها ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر وغفران الذنوب، وان تكون لهم عند ابنها ووالد ابنها سورا وسندا وذخرا وشفيعا وركنا. فلو ان انسانا عظّم انسانا عشر هذا التعظيم وقال فيه عشر هذا القول لجاز في
_________________
(١) السنخ: الاصل، ومن السن منبته، ومن الحمى سورتها
[ ١ / ١٤٦ ]
لغة العرب بل في كل لغة ان يقال قد اتخذه إلها. ألا ترى الى قول الله تعالى «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ «١»» وهم ما صاموا لهم ولا صلوا ولكن قلدوهم، فحرموا عليهم الحلال فحرموه، وأحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وهذا دون ما قالوه في مريم.
وفي هذا المعنى قوله ﷺ: «تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة «٢»» لما غلب عليه حب ذلك وشغفه به صار كالعبد له، فلو لم يكن معنا تلك النصوص فيمن قال منهم إنها إله فكان معنا خبر ونص أنهم ما قالوا انها إله لجاز مع هذا التعظم ان يطلق، فكيف وما اخبر انهم ما قالوا انها إله، ولقد عظموها ورفعوها على الملائكة والأنبياء وقالوا فيها ما يقال في الإله، وسألوها ما يسأل الإله من العافية والكفاية في الدنيا والآخرة كما قد تقدم لك ذلك حتى ان اليعقوبية لتقول في مناجاتها لمريم ﵇:
يا مريم يا والدة المسيح كوني لنا سورا وسندا وذخرا وركنا، والنسطورية تقول: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك، ويأنون مسألة اليعقوبية ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا/ يا والدة الله وقولوا يا والدة المسيح، فتقول اليعقوبية لهم: فالمسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم في معنى هذا، ولكنكم أردتم ان تمخرقوا عند من لا يعرف هذا من قولنا وقولكم فتوهمونه انكم تتنزهون عن هذا وأنكم تقاربون المسلمين في التوحيد.
واعلم ان أفجاج النصارى يعتقدون ان الله اختار مريم لنفسه ولولده
_________________
(١) التوبة ٣١
(٢) حديث تعس عبد الدينار، هداية الباري الى ترتيب احاديث البخاري ١: ٣١٤ في كتاب الجهاد باب الحراسة.
[ ١ / ١٤٧ ]
وتحظّاها كما يختار الرجل المرأة ويتحظاها لشهوته لها، وقد حكاه النظّام والجاحظ، وقال: إنما يفصحون بهذا عند من يثقون به. وقد قال ابن الأخشيد هذا عنهم في «المعونة» وقال: اليه يشيرون، ألا ترى انهم يقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما والعقم آفة، وهذا قول جميعهم والى البضاع يشيرون. وانت تجد ذلك في كتاب «المعونة» «١» وفي كتاب الجاحظ على النصارى، وأظن ابا جعفر الإسكافي قد ذكر هذا في كتابه على النصارى، وكل من خالط الرهبان وأرباب البيع وطاولهم وأنسهم عرف ذلك منهم.
فإن قال قائل: ادعيتم ان هذه الطوائف قد خالفت المسيح في الأصول والفروع وقد عرفنا بما ذكرتم مخالفتهم له في الاصول فمن اين لكم انهم قد خالفوه في الفروع؟ قيل له: كان المسيح يتدين بالطهارة، وبغسل الجنابة، وبوجوب غسل الحائض، وهذه الطوائف لا تختلف بأن ذلك ليس بواجب، وان للانسان ان يصلي وهو غير مطهر وغير مستنج، ويصلي وهو جنب، ولا يختلفون في ان الجنابة والبول والغائط وغير ذلك لا يقطع الصلاة، وان المصلي له ان يصلي وهو يبول وهو يتغوط وهو يجامع وان كان الجماع في زنى، فما هذا شيء يقطع الصلاة ولا يفسدها/ بل الافضل عندهم ان يصلي وهو جنب وهو يتغوط ويبول ويضرط، لأن ذلك ابعد من صلاة المسلمين واليهود، وكل هذا خلاف صلاة المسيح.
وكان المسيح يقرأ في صلاته ما كان الانبياء وبنو اسرائيل قبله وفي زمانه، وفي زمانه يقرؤون من كلام الله ومن قول الله من التوراة ومن زبور داود،
_________________
(١) المعونة: اسم كتاب لأبي الاخشيد وهو: احمد بن علي، يتكلم على مذهب المعتزلة، وله آراء خاصة يخالف بها الكثيرين منهم.
[ ١ / ١٤٨ ]
وهذه الطوائف من النصارى انما تقول في صلاتها كلاما قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم، فجرى مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان، ينسبونه الى الذين وضعوه.
وهم يصلّون الى المشرق وما صلى المسيح الى ان توفاه الله إلا الى المغرب وبيت المقدس، وقبله داود والانبياء «١» بنو اسرائيل، وقد اختتن المسيح واوجب الختان كما اوجبه من قبله موسى وهارون والانبياء، وما صام هو واصحابه الى ان خرج من الدنيا الا اليوم الذي صامه بنو اسرائيل.
فأما هذه الخمسون يوما التي تصومها النصارى، وصوم نينوي، وصوم العذارى، فما صام شيئا منها قط، ولا اكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرّم فيه ما يحرمونه، ولا اتخذ يوم الاحد عيدا قط، ولا بنى بيعة قط، ولا عطل يوم السبت ساعة واحدة، ولا اكل خنزيرا قط بل حرمه ولعن أكلته كما فعل الانبياء قبله.
والنصارى تزعم انه رقى مريم المجدلانية فأخرج منها سبع شياطين، وان الشياطين قالت له: اين نأوي؟ فقال لها: اسلكي هذه الدابة النجسة، يعني الخنازير. وحرّم ذبائح من ليس من اهل الكتاب وحرم مناكحتهم، وسار في المناكح والطلاق والمواريث والحدود سيرة الانبياء قبله، وليس عند هؤلاء النصارى على من زنى او لاط او افترى او سكر حدّ البتة ولا عذاب في الدنيا ولا في الآخرة/.
وفي الجملة إن المسيح جاء لإحياء التوراة وإقامتها، وقال: إنما جئتكم
_________________
(١) في الاصل: وبني
[ ١ / ١٤٩ ]
لأعمل بالتوراة وبوصايا الانبياء قبلي، وما جئت ناقضا بل متمما، ولأن تقع السماء على الارض ايسر عند الله من ان تنقض شيئا من شريعة موسى، ومن نقض شيئا من ذلك يدعى ناقصا في ملكوت السماء. وما زال هو وأصحابه كذلك الى ان خرج من الدنيا وقال لأصحابه اعملوا كما رأيتموني اعمل ووصوا الناس بما وصيتكم به، وكونوا معهم كما كنت معكم، وكونوا لهم كما كنت لكم. وما زال اصحابه بعده على ذلك وكذلك، ثم الذين بعد القرن الاول من اصحابه، ثم من بعدهم بالدهر الطويل. ثم اخذوا في التغيير والتبديل، والبدع في الدين، وطلب الرئاسة، والتقرب الى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود وشفاء الغيظ منهم وإن كان فيه ترك الدين. وهذا بين في الاناجيل التي معهم وإليها يرجعون، وفي كتابهم المعروف بكتاب افراسكس «١»، فان فيه ان قوما من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا انطاكية وغيرها من الشام؛ فدعوا الناس الى سنة التوراة، والى تحريم ذبائح من ليس من أهلها، والى الختان، والى اقامة السبت، والى تحريم الخنزير، والى ما حرمته التوراة. وان ذلك شق على الامم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس، وتشاوروا فيما يحتالون به على الامم ليجيبونهم ويطيعونهم، فأوجب رأيهم مداخلة الامم والترخص لهم والانحطاط في اهوائهم، وترك مخالفتهم، والاختلاط بهم، والأكل من ذبائحهم، والتخلق بأخلاقهم، وتصويبهم فيما هم عليه. وانشؤوا في ذلك كتابا. وقد قال بولس في الكتاب الذي يسمونه السليح: انا قلت لهم الى كم تهودون الناس؟
وقال في السليحين: كنت مع اليهودي يهوديا ومع الرومي روميا،
_________________
(١) اي كتاب الحواريين، انظر الفهرست ص ٤١
[ ١ / ١٥٠ ]
ومع الارمائي ارمائيا «١» . وبولس هذا عندهم اجلّ من موسى وهارون وداود وجميع الانبياء، وإذا قرئت رسائله وكلامه في البيعة قاموا قياما اعظاما واجلالا له ولكلامه؛ ولا يفعلون ذلك بالتوراة التي هي عندهم كلام المسيح وهو كتبها لموسى وأرسله الى خلقه وخلق له البحر وقلب له العصا حية، ولا في الاناجيل وفيها كلام المسيح. وهو يقول لليهود: التوراة سنة حسنة لمن عمل بها، ويقول للروم وغيرهم من اعداء موسى والأنبياء:
التوراة مهبجة للبشر، وإذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل بر الله وتمّ فضله، هذا كله مع النصارى وأعظم منه وأفحش. وقد عملوا عمل المسيح بالتوراة ووصيته الناس بالعمل بها.
انظر كيف ينسلخ الناس من العمل بشرائع الانبياء الذين يدعون انهم عليها ويخرجون منها، واعتبر وكن على حذر، فقد بدت هذه السيرة في هذه الأمة، فكم فيهم ممن قد عطل وصايا النبي ﷺ ونبذ سنته وهجر كتابه لأنه زعم انه مغير مبدل، وآخر يقول له باطن غير ما عليه الفقهاء والعلماء، الى غير ذلك من انواع البدع التي قد نشأت في الاسلام وغلب اهلها بالكثرة اهل الحق فيبدعونهم ويسبونهم وينفروا عنهم، وهكذا تتغيّر ملل الانبياء ﵈ ويموت العلم، كما قال رسول الله ﷺ: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يموت العلم بموت العلماء، فاذا ماتوا اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» «٢» . / ثم
_________________
(١) على هامش الصفحة كتب: «الأرمائي من يعبد الكواكب والأوثان» بخط مختلف عن خط الاصل، ويظهر انه خط ناسخه، او المعلق عليه.
(٢) كتب الناسخ على هامش الصفحة: «قال رسول الله ﷺ: ان الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور الرجال الى آخره» والحديث في الجامع الصغير (شرح المناوي) ٣: ٢٧٢ رواه الامام احمد في سنده والبخاري ومسلم والترمذي وابن باجه عن ابن عمرو باسناد صحيح.
[ ١ / ١٥١ ]
المستأكلة ومن تكسب بالدين، وقد قال الله ﷿: «يا ايها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله» فهؤلاء العباد وهؤلاء العلماء وقد عرفك الله حال كثير منهم، فكيف بمن ليس بعالم ولا عابد. فاحذر كما حذرك الله، واقبل وصية رسول الله ﵇.
واعلم ان دين المسيح وديانات الرسل ﵈ لم تتغير ولم تتبدل جملة واحدة ولكن شيئا بعد شيء، وفي كل عصر وفي كل حين حتى تكامل تغيرها، وما زال اهل الحق فيها يقلون وأهل الباطل يكثرون حتى غلبوا ومات بهم الحق. فكان اصحاب المسيح بعده مع اليهود وبني اسرائيل في كنائسهم يقيمون صلاتهم وأعيادهم في مكان واحد وبينهم الخلاف في شأن المسيح، وكانت الروم تملكهم، وكانت النصارى تشكو اليهود الى ملوك الروم، وتبدي لهم الضعف الذي فيهم وتسترحمهم فيرحمونهم، وكثر هذا فكانت الروم تقول لهم:
بيننا وبين اليهود عهد ان لا نغير اديانهم، فلو خرجتم من أديانهم وفارقتموهم وصليتم الى المشرق كما نصلي وأكلتم ما نأكل واستبحتم مما نبيح نصرناكم وأعززناكم، ولم يكن لليهود عليكم سبيل بل صرتم اعز منهم.
قالوا: نفعل. قالوا فاذهبوا فهاتوا اصحابكم وهاتوا كتابكم. فجاؤا بأصحابهم فأخبروهم بما كان بينهم وبين الروم، وقالوا لهم هاتوا الانجيل وقوموا حتى نصير اليهم، فقال اولئك لهم: بئس ما صنعتم ولا يحل لنا ان نمكن الروم الانجاس من الانجيل وقد خرجتم انتم من الدين/ بإجايتكم الروم، ولا يحل لنا مخالطتكم، بل وجبت البراءة منكم ومنعكم من الانجيل والوصول اليه.
[ ١ / ١٥٢ ]
فوقع بينهم الخلاف الشديد. وعادوا اولئك الى الروم وقالوا لهم: أعدونا «١» على اصحابنا هؤلاء قبل اليهود، وخذوا لنا منهم كتابنا، فاستتر اولئك من الروم وفروا في البلاد. فكتب الروم فيهم الى عمالهم بنواحي الموصل وبجزيرة العرب. فطلبوا، فوقع منهم قوم فأحرقوا وقوم فقتلوا، واجتمع الذين أجابوا الروم وتشاوروا فيما يعتاضون عن الانجيل إذ قد فاتهم، فتقرر رأيهم على أن ينشئو انجيلا. وقالوا إنما التوراة موالد الانبياء وتواريخ اعمارهم فنبني الانجيل على ذلك، ويذكر كل واحد منا ما حفظه من ألفاظ الانجيل ومما تحدث به النصارى عن المسيح. فكتب قوم انجيلا. ثم أتى من بعدهم قوم وكتبوا انجيلا، وكتبوا عدة أناجيل، وسقط عنهم الكثير مما في الأصل. وكان فيهم الواحد بعد الواحد ممن يعرف امورا كثيرة في الانجيل الصحيح فأمسكوا عنها لتتم رئاستهم، ولم يكن في ذاك ذكر الصليب ولا الصلبوت، وهم يزعمون انها كانت ثمانين انجيلا، فلم تزل تقل وتختصر حتى بقي منها اربعة اناجيل لأربعة نفر عمل كل واحد في عصره انجيلا، وجاء من بعده فرآه مقصرا فعمل انجيلا هو عنده أصح من انجيل غيره واقرب الى الصحة. ثم ليس فيها انجيل بلغة المسيح التي كان يتكلم بها هو وأصحابه وهي العبرانية لغة ابراهيم الخليل وسائر الأنبياء، بها تكلموا وبها نزلت كتب الله على هؤلاء وغيرهم من بني اسرائيل، وبها خاطبهم الله، فتركها هؤلاء. وقد قالت العلماء لهم: عدو لكم معشر النصارى عن اللغة العبرانية وهي لغة المسيح والأنبياء قبله ﵈/ الى صائر اللغات حتى
_________________
(١) هكذا في الاصل، لعلها: ساعدونا
[ ١ / ١٥٣ ]
ما من نصراني يتلو هذه الأناجيل في فرض من فروضه بلغة العبراني حيلة ومكيدة وفرارا من الفضيحة. فقال الناس لهم: انما وقع العدول عنها لما قصده أصحابكم الأولون من الادّغال في المقالات، واحتيالا في تدليس ما وضعوه من الأكاذيب وسترا لما احتالوا طلبا للرئاسة، وذلك ان العبرانية هم كانوا اهل الكتاب واهل العلم في ذلك الزمان، فغيّر هؤلاء النفر اللغة بل عدلوا عنها كلها لئلا يفهم اهل العلم مذهبهم وقصدهم لسترها فيفتضحوا قبل تمكن مذهبهم ولا يتم لهم. فعدلوا الى لغات كثيرة ما تكلم المسيح وأصحابه بها، وليس اهلها من اهل الكتاب، ولا لهم علم بكتب الله وشرائعه، كالروم والسريانيين والفرس والهند والارمن وغيرهم من الأعاجم، وتلبيسا واحتيالا لستر العورة وتمام البغية في طلب الرئاسة من اولئك القوم القليل الذين طلبوها بالدين. ولولا دلك للزموا لغة ابراهيم وولده والمسيح الذين بهم قامت البيّنة، وعليهم أنزلت الكتب، وكان ذلك أولى بإثبات الحجة على بني اسرائيل وكفرة اليهود اذا ادعوا بلسانهم، ونوظروا بلغتهم التي لا يمكنهم دفعها. فاعرف هذا فانه اصل كبير.
واعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى لا تعتقد ان الله أنزل على المسيح انجيلا ولا كتابا بوجه من الوجوه، بل عندهم ان المسيح خلق الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وارسل اليهم الملائكة. وانما معهم اربعة أناجيل لأربعة نفر، كتب كل واحد منهم انجيله في زمانه، وجاء من بعده فما رضي انجيل غيره، وكان انجيله أولى. وهم يتفقون في مواضع ويختلفون/ في مواضع، وفي بعضها ما ليس في بعض، وهي حكايات قوم رجال ونساء من اليهود والروم وغيرهم انهم قالوا كذا، وفعلوا كذا، وفيها من المحال والباطل والسخف والكذب الظاهر والتناقض البيّن شيء كثير. وقد تتبعه
[ ١ / ١٥٤ ]
الناس وأفردوه، واذا قرأه المتأمل عرف ذلك. وفيها شيء من كلام المسيح ووصاياه وأخباره قليل. فإنجيل منها عمله يوحنا، وانجيل منها عمله متى، ثم جاء بعدهما مرقس فما رضي بانجيليهما، ثم جاء بعدهم لوقا فما رضي بتلك الاناجيل فعمل انجيلا آخر، وكان عند كل واحد من هؤلاء ان صاحبه الذي تقدم وعمل انجيلا أنه قد ضبط أشياء وأخل بأشياء، وغيره اعرف واضبط.
ولو كان من قبله قد ضبط واصاب لما احتاج ان يعمل هو انجيلا آخر غير انجيل صاحبه، وليس احد هذه الاناجيل شرحا للآخر، كما يشرح من تأخر كتاب من تقدم فيحكي كلامه على وجهه ثم يشرحه. فاعرف هذا وانما وضعه لأن غيره قد قصر.
وعند هؤلاء الطوائف من النصارى ان هؤلاء الاربعة اصحاب المسيح وتلاميذه، وهم لا يعلمون ولا يدرون من هم ولا معهم في ذلك إلا الدعوى فقط، بل قد ذكر لوقا في انجيله انه ما رأى المسيح، فقال لوقا مخاطبا للذي عمل له انجيله وهو آخر من عمل من الاربعة: «عرفت رغبتك في الخير والعلم والأدب فعملت هذا الانجيل لمعرفتي ولأني كنت قريبا الى الذين خدموا الكلمة ورأوها» «١» . فهو قبل كل شيء قد أفصح بأنه ما رأى الكلمة- يعنون بالكلمة المسيح- ثم ادعى انه رأى من رأى المسيح، وليس هاهنا إلا دعوى بأنه رآهم ولو كان ثقة لما علم بخبره شيء، ومع هذا فقد ذكر ان انجيله أولى من انجيل غيره/. فلو تأمل النصارى لعلموا انهم ليسوا على شيء من هذه الأناجيل التي معهم، ولا معهم علم مما يدعيه اربابها
_________________
(١) كتب الناسخ في الهامش: الاناجيل الاربعة
[ ١ / ١٥٥ ]
والواضعون لها، وان الامر في ذلك على ما ذكرنا. وهو معلوم مذكور في انصرافهم عن ملة المسيح الى مذاهب الروم وتغريرهم وتعجلهم المنافع بسلطانهم واموالهم.
وقد كان بولص هذا يهوديا خبيثا شريرا، ساعيا في الشر، ومعينا للأشرار، وثائرا في الفتن، طالبا للرئاسة والدولة، محتالا فيها بكل وجه، وكان يقال له وهو يهودي: شاؤول، وكان يعين على النصارى. ثم خرج عن بيت المقدس وغاب غيبة طويلة، وعاد الى بيت المقدس وأخذ يعين النصارى على اليهود ويقول لهم: قولوا كذا، واصنعوا كذا، وفارقوهم وقاربوا الامم التي تعادي اليهود. فقال له اليهود: كيف صرت نصرانيا وما الذي دعاك الى هنا؟ فقال: الله ﵎ دعاني الى ذلك، وكان من قصتي اني خرجت من بيت المقدس أريد دمشق، فأدركني الليل بظلمته رهبّت ريح عظيمة وذهب بصري، وناداني الرب وقال لي: يا شاؤول أتلاطم الأشقاء تؤذي اصحاب ابني؟ فقلت: يا رب قد تبت، فقال لي:
ان كان كما تقول فاذهب الى حاييم اليهودي الكاهن ليرد اليك بصرك، فذهبت اليه وخبرته، فمسح يده على بصري فسقط منه مثل قشور البيض وفلوس السمك، وأبصرت كما كنت، وان الله استدعاني اليه الى السماء، فأقمت عنده في السماء اربعة عشر يوما، ووصاني بأشياء كثيرة، وقال لي: فيكم أمورا قبيحة لا اقولها لكم «١» .
فسخر منه اليهود وتعجبوا من حمقه وقحته، وصاروا به الى صاحب
_________________
(١) جاء في انجيل لوقا: «اذ كان كثيرون قد اخذوا بتأليف قصة في الامور المتبقية عندنا كما سلمها الينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة، رأيت انا ايضا اذ قد تتبعت كل شيء من الاول بتدقيق، ان اكتب على التوالي اليك ايها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به» الاصحاح الاول ١- ٥
[ ١ / ١٥٦ ]
قيصر ملك الروم عليهم، وكانوا إذ ذاك/ مغلوبين مع الروم. فقالوا له:
أما تعرف شاؤول هذا؟ فقال: بلى، اعرفه بالشر وهو يجيئنا في السعايات بالناس. فقالوا له: انه قد ادعى كذا وكذا، وذكروا له ما قال. فاغتاظ الرومي منه وأمر به فبطح ليضرب، فقال له: اتضرب روميّا؟ فقال:
أو رومي انت؟ قال: نعم، انا على دين قيصر ملك الروم وبرىء من اليهودية، فكف عنه لدخوله في دين الملك، وقال له: هاهنا مركب يأخذ الى القسطنطينية وأنت رومي وعلى دين الروم، فكن هناك ان كنت كما تقول، فقال: افعل، أنفذني الى بلاد الروم. فصار الى القسطنطينية، وتردد الى الروم، ولزم باب الملك وأغرى الروم باليهود، وذكرهم عداوتهم لهم، وما صنع بنو اسرائيل بهم، ومن قتلوا منهم، وخوّفهم شر اليهود، وانهم لا يأمنون دولتهم والكرّة عليهم، وذكر لهم كثرة اموالهم.
ومن عادة الروم لا تحتجب نساؤهم عن الرجال، وتركب امرأة الملك في موكب الملك مكشوفة الوجه، وتخاطب الناس، وتأمر وتنهي، فتقرب بولس هذا اليها وخاطبها في شأن اليهود. ومن عادة الروم أن لا يحل للرجل ان يتزوج بأكثر من امرأة واحدة ثم لا يفرق بينهما طلاق ولا هرم ولا عيب من العيوب بوجه ولا سبب، ولا يحل له غيرها الى ان تموت.
ونساء الروم تبغضن ديانات الانبياء من بني اسرائيل لما فيها من إباحة الطلاق وأن للرجل ان يتزوج ما أطاق المؤونة.
فقيل الشاؤول: انت من امة هذا سبيلها، فقال: لا، وما يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة على احكام الروم، فنفق على النساء بهذا. وقرب من امرأة الملك فخاطبت الملك في غزو بين اسرائيل، وذكرت له ما يقول شاؤول، وسألته ان يسمع منه ففعل. وتقرب اليهم/ بأن تسمي بولص وهو
[ ١ / ١٥٧ ]
من اسماء الروم، والروم تكره الختان شديدا في الرجال والنساء، وتبعض الامم الذي تفعله. فقالوا لبولص في ذلك، فقال: نعم، هو ما ترون، وما يجب عليكم ختان، وإنما يجب على بني اسرائيل فانها امة قلفتها في قلوبها.
والروم تأكل الخنزير، فقال: ما هو حرام وما يحرم على الانسان شيء يدخل جوفه وإنما يحرم عليه الكذب الذي يخرج منه، وبنو اسرائيل لا تأكل ذبائح الوثنيين ومن ليس من اهل الكتاب والروم ليس كذلك، فصوّبهم بولص في هذا ونفق عندهم بكل شيء وما خالفهم في شيء، وكانت ديانات الروم اذ ذاك مننشرة أكثرهم يعظم الكواكب ويعتقد فيها انها تحيي وتميت وتنفع وتضر ولهم عندها هياكل وقرابين، ومنهم من كان على دين اليونانين من ان هذه الكواكب حية ناطقة رازقة وهي الأرباب، ويعتقدون صحة السحر، بالجملة إن دياناتهم كلها باطلة ضعيفة فاسدة. وكان بولص يذكر لهم فضل المسيح وزهده وانه كان مجاب الدعوة وكان يحيي الموتى، فكانوا يجتمعون اليه ويستمعون منه، وكان محتالا لا خبيثا، وكان الروم تصلي الى مشرق الشمس ولا ترى وجوب الوضوء ولا غسل الجنابة ولا الحائض ولا التوقي من البول والغائط والدم ولا تراه فحشا، وان الروم تزوج الوننيين وسائر الامم وبنو اسرائيل لا تفعل ذلك، فقالت الروم لبولص في ذلك، فقال: تزوج المؤمنة بالكافر فانها تطهره ولا ينجسها والولد بينهما طاهر. وقال: هذا انما تحرمه التوراة، والتوراة شر كلها واذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل برّ الله وتم فضله. فاختلع بولص من ديانات المسيح/ وصار الى ديانات الروم. فاذا تبينت الامر وجدت النصارى تروموا ورجعوا الى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا.
ثم قبل الملوك سعايات بولص باليهود واخذ برأيه فيهم، فصار اليهم وقتل
[ ١ / ١٥٨ ]
منهم القتل العظيم واخذ اموالهم واستصفاهم وعاد من عندهم بالرغائب، فقامت سوق بولص فيهم وازدادوا له حبا، وهذا الملك الذي غزا بني اسرائيل يقال له ططّس «١» . وقد كان للروم ملك يقال له بيلاطس خرج الى الشام بعد المسيح ﵇ وبعد اصحابه بالمدد الطويلة، وكانت له امرأة ببلاد الروم فماتت، فأراد ان يتزوج امرأة مكانها، ومن عادة الروم ان يعترض الرجل المرأة اذا اراد التزويج ويقلبها ويستقصي تفتيشها فإن صلحت له تزوجها، وان لم تصلح تركها. فوصف لبيلاطس امرأة بحران يقال لها هيلانة «٢» تكون في فندق بحرّان- والفندق هو الخان- فأشخصها وقلبها وارتضاها وتزوجها- وكانت نصرانية- فحظيت عنده، وسألته إعزاز النصارى والاحسان اليهم، فقال لها: إن اليهود يزعمون ان اصحابك هؤلاء اصحاب حيل وطلاب دنيا ورئاسة، فقالت: كذبوا، وانما اجيئك بهم لتراهم. فأنته بجماعة من الرهبان وقالت له: انظر اليهم والى مسكنتهم وضعفهم لتعلم كذب اليهود عليهم. فرحمهم ورقّ لهم وظن الجميل بهم، فأعزهم وصانهم ومكّن لهم في ممالكه بالشام وبلاد الروم، واحسن اليهم، فانبسطوا وكثروا واستطالوا على اليهود/. وكان لهذا الملك اولاد من المرأة التي كانت قبل هيلانة، وولد له من هيلانة هذه ابن يقال له قسطنطينوس.
وقد كان امر بولص عظم ببلاد الروم مع العامة والغوغاء واستهواهم بما يجري مجرى الرقى والطب والشعبذة والسحر، والروم الارمن تصدق بهذا كله وهي امة مفرطة الجهل بعيدة مما يستدرك بالفكر والنظر، يغلب عليها
_________________
(١) وقد ارسل بولس الى تيطس رسالته المشهورة حوالي سنة ٦٥ م
(٢) في الاصل: هيلانية
[ ١ / ١٥٩ ]
الفدامة والبلادة سيما في العامة فهي لا تعرف إلا المهن والصنائع، وان كانت ملوكها تتقدم في ظاهر الحياة الدنيا وتدبير الملك. ففطن بعض ملوكهم لبولص وتصفج احواله وحصّله وعلم انه محتال ممخرق طالب دنيا ورئاسة، فأحضره وسأله عن الختان فذمه وذم اهله ومن يفعله فسأله عن المسيح هل اختتن؟ وهل كان مختونا؟ وهل كان اصحابه من الحواريين كذلك؟ قال:
نعم ثم كشف عنه فإذا هو مختون، ووجده قد ساعد الروم في دياناتها وهي خلاف ديانات المسيح واصحابه وانها كفر وضلال عند المسيح واصحابه، وقد كان اصحاب بولص في رجله داء الفيل وهو يدعي انه يطبّ ويبرىء فأمر الملك به فصفع وحلقت لحيته وصلب. فقال لهم: لا تصلبوني طولا كما صلب ربنا المسيح، ولكن اصلبوني عرضا. والملك الذي صنع هذا ببولص يقال له بيرن، ففترت النصرانية ببلاد الروم وانكسروا. وملك اولاد بيلاطس بعده، وانتهى الملك الى ابنه قسطنطينوس، وكان ظاهره على ديانات الروم غير ان والدته هيلانة هذه قد/ غذته بحب الصليب، وعودته عادة النصارى وما يقولونه في المسيح، وظهر في جسمه برص وكانت الروم لا تملّك عليها من به برص، بل كان محرما عندها تمليك البرص. فغمّه ذلك وأهمه وكتمه وانطوى على قمع الروم وصرفها عن هذا الرأي في كراهة تمليك البرص، وكانت تغزوهم امم فاتفق غزو السرجان والبربر إياهم فعبّا عساكره على هياكل الكواكب، وقصد الى مشيخة الروم والراسخين في ديانات الروم وانفذهم الى العدو، ولم يستظهر لهم على عدوهم بالمكائد والجواسيس كما يفعل الملوك ومن يدبر العساكر فتم عليهم ما يكرهون من القتل وانهزام من بقي فكان يظهر الحزن والكابة ويقول: قد استظهرنا وعبّأنا على هياكل الكواكب التي تعظمها وقد عظمتها آباؤنا قبلنا، وقربنا لها القرابين، وما نراها تنفعنا
[ ١ / ١٦٠ ]
ولا تغني عنا، وما زال يدبرهم بهذا التدبير ويقول هذا القول، وانه ما ينبغي ان يعبد احد ما لا ينفعه، وهذا وقت الحاجة واوان الشدة فما تدفع هذه الكواكب عنا، فينبغي ان يستبصر الانسان ويعبد ما ينفعه ويدفع عنه. ثم قال: هاهنا امرأة رأت في منامها قائلا يقول لها استنصروا بهذا، واخرج اليهم صليبا. واتفق موت امير الجند الذي غزاهم فانصرفوا عنهم، فقال هو ومن كان على رأيه وهواه هذا ببركة الصليب. وكانت عادة الروم ان تجعل على راياتها الأهلة وما هو على صورة الهلال تبركا بالقمر والنجوم ولأن القمر/ اخف الكواكب سيرا، فحطوها وجعلوا مكانها الصلبان فهم على هذا الى هذه الغاية.
ثم ابتدأ في التدبير في نقل الروم عن تعظيم الكواكب الى تعظيم الصلبان، وكان الفلاسفة في بلدهم كثيرين، وكانوا يعظمون الكواكب، ويدعون انها حية ناطقة، ويستطيلون على الناس، ويدلون على الملوك، ويدعون انهم أخص الخاصة، ولا يتكسبون، ويعتادون البطالة، ويعولون على اموال الناس، ويفسدون الأحداث ومن يصغي اليهم من ملك او سوقة، ويدعون العزائم والطلسمات وانهم ينفعون بها ويضرون، وانهم يدركون علم المغيبات بصنعة النجوم، ويهولون بالهندسة والأشكال. وكان قسطنطينوس هذا خبيثا مفكرا صبورا متصفحا امر هؤلاء الفلاسفة وما يدعونه في النجوم والطلسمات فوجده باطلا كله، وجد القوم محتالين ممخرقين ومفسدين، فابتدأ في قتلهم على طبقاتهم، وفي احراق كتبهم وابطال هياكلهم. فمكث على ذلك حتى خلت أبنيته منهم، وكانت مدينة الفلاسفة فما بقي منها إلا حرّاث ودبّاغ وصبّاغ، وجعل الهياكل التي كانت للكواكب بيعا، وأسكنها الرهبان وقال: هؤلاء المساكين أرجى من اولئك الجهال الممخرقين الكذابين، وسلط
[ ١ / ١٦١ ]
الرهبان والعامة عليهم في كل مكان، لا يظهرون بكتاب طب ولا هندسة إلا أحرق وبادر على من كان على رأي الفلاسفة فتبرأ منهم، وأعان عليهم، وانبسطت أمه هيلانة في ذلك، وبسطت الرهبان والنصارى/ واستعدتهم «١» من كل مكان فجعلتهم اصحاب اخبار لابنها وأعوانا، واستظهرت بهم، واظهر هو تعظيم المسيح والصليب، وأقام ديانات الروم على حالها كما كانت من الصلاة الى المشرق وغيرها مما تقدم ذكره، فما أزال إلا عبادة الكواكب وما زاد إلا تعظيم المسيح والقول بربوبيته، وتعظيم الصليب. ولم يكن هذا بالبعيد عن الروم لأن من اعتقد في الكواكب وهي جماد موات أنها أرباب وتنفع وتضر لم يبعد عنهم ان يقولوا في انسان حي عاقل مميز قد قيل لهم انه كان يحيي الموتى، وانه إله، وانه وابوه وزوجته خلقوا الكواكب. وكان هذا سهلا على اهل المغرب، ألا ترى ان القبط ومن بمصر كانوا يعتقدون إلهية فرعون وانه لا إله لهم غيره. وسار قسطنطينوس هذا الى الجزيرة فقصد حرّان وأعمالها وكانوا في تعظيم الكواكب أشدّ مما كان بأثينية وبلاد الروم، فوضع فيهم السيف حتى أبادهم، وهرب من هرب منهم في الجبال فطلبهم بنفسه، وكانوا يعيبون البرص فكان له فيهم فضل حرص، فقال له قواده: لا تبعث في طلبهم فان الثلج الذي في هذه الجبال سيهلكهم، فان بقيت منهم بقية جعلناهم حجامين للروم وجميع النصارى واصحاب الصوامع والرهبان ليعرف منهم حقيقة النصرانية وما ينبغي ان يقرر مما يؤخذ الناس به فلا يتجاوزونهم، وان من تجاوزه قتل. فاجتمع عنده نحو ألفين من رؤسائهم وقرّر أشياء
_________________
(١) استعداه: استغاثه. انظر القاموس المحيط.
[ ١ / ١٦٢ ]
من تسبيحة الإيمان، وكان فيهم من يخالف اولئك ويقول: كلمة الله/ مخلوقة وان المسيح كلمة الله وكان هناك إيرلس ومقدنيوس، وأونامس، وأولو فريانوس واصحابهم، ممن يقول: الكلمة مخلوقة وكلام الله وقوله خلق من خلقه، فشغبوا عليهم ووقف الأمر وبطل ذلك التقرير.
ثم اجتمع بعد ذلك ثلثمائة وثمانية عشر رجلا بنيقية من بلاد الروم وعملوا تسبيحة ايمانهم التي قد ذكرت، فأتوا بها قسطنطينوس فأخذها وعمل عليها وأخذ الناس بها فمن لم يقبلها قتله. فاحتاج اولئك ان يظهروا قبولها خوف السيف، وأبطل ما سواها عن التقرير، وحصل من كان على دين المسيح في كل مكروه، واخذوا بتعظيم الصليب وأكل الخنزير وديانات الروم، وكان من لا يأكله يقتل.
وكان في الصابئين من اهل حران من لا يأكل الباقلاء ويزعم انه عدو للفلك لأنه مكعّب والفلك كروي، فكان يطبخ الباقلاء في ابواب البيع ويجمع الناس إليها ويقال لهم: اخرجوا ولا يبقى منكم احد إلا اكل الباقلاء ومن لم يأكله قتل ورمى برأسه، وهناك سيّافة قد جردوا سيوفهم فمن لم يأكله قتلوه.
ولم يزل قسطنطينوس في الملك خمسين سنة مشغولا بقتل من لم يعظم الصليب ولم يقل بربوبية المسيح حتى تأكد ذلك وتمكن، واوصى الملوك بعده بذلك وأكد عليهم وعهد فيه اليهم وقال: هو أولى من تعظيم الكواكب وآراء الفلاسفة، وأوثق هذا العهد على اولاده وقواده واوليائه وجعل الملك في اولاده. والروم يصفونه بالحزم والشهامة/ وانه فيهم كأردشير بن بابل «١»
_________________
(١) ذكر الطبري ملكين من ملوك فارس بهذا الاسم، احدهما: اردشير بن بابك بن ساسان-
[ ١ / ١٦٣ ]
ملك فارس في الفرس. وقام اولاده بعده في الملك فأكدوا عهوده وقرروا في كل حين شيئا بعد شيء في النصرانية الى ان جاء ملك منهم فرأى ان يجعل يوم الأحد عيدا لهم يجتمعون فيه كما لليهود يوم السبت، وكان هذا بعد قسطنطينوس بالدهر الطويل. وعملوا لذلك سنهودس، وكان للروم واليونان عيدا يسمونه ميلاد الزمان وهو عند رجوع الشمس في كانون، فجعلوه ميلاد المسيح وزادوا ونقصوا، وهو عيد لهم عظيم وهو الذي يقيمه النصارى ويسمونه الميلاد وليلة الميلاد وهذا سببه وأصله، وما كانت النصارى في زمن المسيح واصحابه من بعده يعرفون هذا العيد ولا يقيمونه. وكان للروم والصابئين ايام يصومونها تجرى مجرى التقرب الى الكواكب يمسكون فيها عن اكل اللحم، فلما صاروا الى القول بإلهية المسيح أقاموها ثم زادوا فيها من اشياء ونقصوا، وهم اليوم يصومونها خمسين يوما الى زوال الشمس ثم يفطرون في بعض الأيام، هكذا يصومون ببلاد الروم.
والروم هم الأصل في هذه الطوائف الثلاثة من النصارى، ثم تفرعت منهم اليعقوبية أصحاب يعقوب، ثم من بعد اليعوبية النسطورية وهم اصحاب نسطورس وهم يختلفون في الصيام، فإن هؤلاء الذين بالعراق لا يصومون في كل يوم نصفه كما تصوم الروم، ولهم ايام، أعني الذين ببلاد الاسلام، ينظرون فيها بعد صلاة العصر يتحسون الخمر في البيعة وهو القربان عندهم، وقد قال بولص: إن دم هذا الشراب هو دم الربّ وهذا/ البرشان هو لحم الرب فمن
_________________
(١) - ابن عم دارا بن دارا والمطالب بدمه وهو من ملوك فارس الاوائل والموصوفين بالشدة والشجاعة. وثانيهما اردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن هرمز بن ساسوبو بن اردشير بن بابك وهو احد احفاد اردشير الاول، وقد وصف بالبطش والشجاعة ايضا. والاول اكثر شدة ولعله هو المقصود هنا.
[ ١ / ١٦٤ ]
ارتاب في ان هذا لحم الرب ودمه فلا يأخذه ولا يذقه وان ذلك لا يحلّ له.
والبرشان «١» هي اقراص تخبز وتحمل الى البيعة وتثرد في الخمر وتؤكل تقربا.
والمسيح ﵇ ما صام هو وأصحابه إلا الصوم الذي صامه بنو اسرائيل.
قالت هذه الطوائف من النصارى: إن كان المسيح ما صام هذه الايام الخمسين فقد صام حين اسره الشيطان اربعين يوما بلياليها فجعلناها نحن خمسين يوما، قلنا: هبنا صدقناكم في ذلك فمن اين وجب عليكم مثل ذلك وانتم تقولون ان موسى صام ثمانين يوما بلياليها فلم يطعم فيها شيئا البتة وكان ذلك في دفعتين، وزعمتم ان ايليا «٢» صام اربعين يوما بلياليها فما وجب على قوم موسى الصيام الذي صامه موسى ولا عليكم صيام ذلك. وبعد، فقد عاد المسيح اليكم حين اطلقه الشيطان وبقي معكم فما صام صومكم هذا ولا امركم به ولا صام هو واصحابه إلا صوم بني اسرائيل، فعطلتم الصوم الذي تعلمونه يقينا وصمتم صوما ما صامه ولا امركم به.
وفي انجيلهم ان الشيطان اسر المسيح وحصره اربعين يوما ليمتحنه، وان المسيح امسك عن الأكل والشرب خوفا من ان تتم عليه حيلة الشيطان، وانه قال له وهو معه وفي يده: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا، فقال له المسيح مجيبا: أن مكتوب أنّ حياة الانسان لا تكون بالخبز بل بكل كلمة تخرج من الله. ثم ساقه الشيطان الى مدينة بيت المقدس فأقامه
_________________
(١) كتب في الاصل في الحاشية: البرشان
(٢) في الاصل: اليا
[ ١ / ١٦٥ ]
على قرنة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فارم نفسك/ من هاهنا فانه مكتوب ان الملائكة توكل بك فلا تعثر رجلك بالحجر، قال المسيح:
ومكتوب لا تجرب الله إلهك. ثم ساقه الى جبل عال فأراه جميع ممالك الدنيا وزخرفتها وقال له: إن خررت على وجهك لي ساجدا جعلت هذه الدنيا كلها لك كما جعلتها لمن قبلك، فقال له المسيح: اغرب ايها الشيطان فانه مكتوب اسجد للرب إلهك. ثم بعث الله ملكا اقتلع الشيطان من مكانه ورماه الى البحر وأطلق السبيل للمسيح «١» . فهذا من الجهل الذي خبرتك انه مكتوب في اناجيلهم وهو زعموا حجتهم في صومهم، فهل سمعت بشيطان يأسر إلهه ويحصره وينقله من مكان الى مكان ويطمع في إلهه ان يستعبده والشيطان لا يقدر ان يأخذ حمار اليهودي، وعند النصارى انه قد اخذ ربه الى ان جاء الملك فخلصه وفك اسره. وعند النصارى ان المسيح لما ظهر ربط الشيطان عن الخلق وأطفأ ثائرته وأزال اذاه وشرّه، وهاهنا يقولون اشد ما كان قوة عليه وتسلطا عليه وهو ربه وإلهه، ففكر واعجب.
وكان للروم والصابئين دخن وبخورات في الهياكل للكواكب والأصنام،
_________________
(١) جاء في انجيل متى: «ثم اصعد يسوع الى البرية من الروح ليجرب من ابليس، فبعد ما صام اربعين نهارا واربعين ليلة جاع اخيرا. فتقدم اليه المجرب وقال له: ان كنت ابن الله فقل ان تصير هذه الحجارة خبزا، فأجاب وقال: مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم اخذه ابليس الى المدينة المقدسة واوقفه على جناح الهيكل وقال له: ان كنت ابن الله فاطرح نفسك الى اسفل لأنه مكتوب انه يوصي ملائكته بك فعلى اياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك، قال له يسوع: مكتوب ايضا لا تجرب الرب الهك. ثم اخذه ايضا ابليس الى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له: اعطيك هذه جميعها ان خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد» الاصحاح الرابع من انجيل متى.
[ ١ / ١٦٦ ]
وهي قائمة عند النصارى ما عطلوها، وهي في البيع يسمونها دخنة مريم وبخور مريم، وما عرفته مريم ولا المسيح ساعة قط ولا اصحابه، ولا استعملوا ذلك، فجعلوا هذا بخور مريم كما جعلوا صومهم للمسيح، وكما جعلوا الخمر والقربان لحمه ودمه.
وكانت الروم مع عبادتها الكواكب تعظم الأصنام وتصورها في الهياكل، فبقيت على ذلك/ بعد اجابتها الى تعظيم الصليب، وما كان منهم في ذلك قصور، والمسيح وأمه وأصحابه عوضا من تلك الأصنام. ثم تركوها شيئا شيئا على الايام والدهور.
وهم كانوا يستبيحون الزنا ولا يمتنعون منه فبقوا على ذلك بعد تعظيم المسيح فهو مبثوث بينهم وفي مدنهم وأسواقهم منتشر، يقولون: المرأة اذا لم يكن لها زوج ولم تختر الزواج وآثرت الزنى فهي املك بنفسها ولها ان تفعل ذلك، والملك يسعر ذلك، ويقيم له الحكام والولاة فلكل إنزالة تكون من الرجل فلس واحد، وكل اربعة افلس قيمتها دانق فضة. وللقحاب في بلدانهم اسواق كثيرة، ولهن دكاكين، تفتح حانوتها وتتزين وتجلس على بابه بارزة مكشوفة. وليس عندهم في كشف السوءة والعورة من الرجال والنساء تحريم ولا خطر، بل المرأة الحرة منهم تزف الى زوجها راكبة فتمر بالناس في الاسواق مكشوفة الوجه والرأس، وقد ارسلت ضفائرها وتجدلت بها، وأبدت محاسنها كلها لينظر كل احد اليها، ويقال ان الغالب على ذوات الازواج العفاف، فأما من ليست بزوج فحالها كما وصفنا، وربما كانت تزني في بيت ابويها، ومن جاء من هؤلاء الزواني بولد حملته الى البيعة ان شاءت وسلمته الى البطرك والمطران والقس، وقالت: قد وهبت هذا للمسيح ليكون خادما له وقيّما في البيعة، فيجزونها خيرا ويقولون لها: قديسة
[ ١ / ١٦٧ ]
طاهرة مباركة، هنيئا لك رضى المسيح وثوابه ويدعو الناس لها ويهنئوها بالثواب، وهناك من المرضعات والكاملات لمثل اولاد «١» الزنا هؤلاء جماعة.
وهم يأبون الختان، / ويخصون الاطفال، وإذا سبوا المسلمين نظروا الى اطفالهم فخصوا منهم القطعان الكبيرة وألقوهم، فيموت منهم الكثير. وهم يدعون الرأفة والرحمة وكانوا في اول الاسلام يحترزون على الاسارى لقوة الاسلام وضعفهم ليفادوا بهم، فلما ساءت سيرة ملوك الاسلام وقلت مبالاتهم به، وصار يغزوهم مثل علي بن حمدان «٢» سيف الدولة، ومن بمصر اعداء المسلمين يقبضون اوقاف الثغور، هان المسلمون على الروم، وهم يقولون دولة الاسلام قد زالت منذ نحو ثمانين سنة، وأنت اليوم في نحو سنة خمس وثمانين وثلثمائة.
ثم عدت الى ذكر سيرة النصارى، وليس الخصاء من شريعة التوراة ولا إباحة الزنا لتعلم ان الروم ما تنصرت ولا اجابت المسيح، بل النصارى ترومت وارتدّت عن دين المسيح وعطلت اصوله وفروعه وصارت الى ديانات اعدائه وهو ما عليه هذه الطوائف الثلاث من النصارى، فعلوا هذا طلبا للرئاسة وعاجل الدنيا كما قد وجدته في كتبهم وفي إقرارهم مما تقدم ذكره لك.
_________________
(١) في الاصل: هؤلاء اولاد
(٢) علي بن حمدان سيف الدولة: يقصد علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي، ابو الحسن، سيف الدولة الحمداني، كان شجاعا مهذبا عالي الهمة، اجتمع على بابه عدد كبير من شيوخ العلم والادب وكان له مع الروم وقائع كثيرة. ويظهر ان حملة القاضي عليه لأنه كان على خلاف مع البويهيين الذين كانوا يحكمون مقر الخلافة العباسية والمشرق الاسلامي وكانت له معهم وقائع وحروب ايضا، فالقاضي هنا ينتصر لحكومته وسلطانه.
[ ١ / ١٦٨ ]
وهذا التثليث الذي للنصارى قد كانت فلاسفة الروم تنحو نحوه من ان العقل والعاقل والمعقول تصير شيئا واحدا، ويقولون: هو من المثلث، وهو من فيلسوف قديم «١» . وقد قال رسول الله ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة «٢»» وقال كعب بن مالك الانصاري سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وقال ابن عمر: قال/ رسول الله ﷺ: ما ذئبان ضاريان في خظيرة وثيقة يأكلان ويفريان «٣» بأسرع هلاكا من حب الشرف والمال في دين المرء المسلم «٤»» .
ومثل صنيع بولص مع الروم في مساعدتهم على دينهم ومفارقة دين المسيح صنع ماني القس، وهو رئيس المنانية «٥»، وهذا كان بعد بولص بالدهر الطويل، وكانت له الرئاسة، وصار مطرانا على النصارى بالعراق في مملكة الفرس بعد ان كان قسّا، واختلط بالفرس، ومدح الانوار وذم الظلام على ما يذهب اليه المجوس، ومدح زرادشت نبيّ المجوس، وقال: النور اختاره وأرسله
_________________
(١) يقصد هرمس المثلث، وكان كتاب الطبقات المسلمون يذكرون ثلاثة اشخاص بهذا الاسم: اولهم هرمس الذي كان قبل الطوفان، وهو اول من تكلم في الاشياء العلوية من الحركات النجومية وينسبون له امورا كثيرة، ثم هرمس الثاني: من اهل بابل وكان بارعا في علم الطب والفلسفة وطبائع الاعداد وتلميذ فيثاغورس الارتماطيقي. وأخيرا هرمس الثالث ويسمى ايضا هرمس المثلث الحكمة، وكان فيلسوفا طبيبا ويظهر ان هذا هو المقصود هنا. انظر طبقات الاطباء لابن جلجل ٥- ١٠، وطبقات الحكماء لابن القفطي ٣٤٦- ٣٤٩، والفهرست لابن النديم ٥٠٨ تجارية.
(٢) من حديث انس ﵁، اخرجه رزين. انظر تيسير الوصول ١١٠
(٣) يفري: يهلك
(٤) رواه الامام احمد بن مسند والترمذي عن كعب بن مالك باسناد صحيح. المنادي على الجامع الصغير ٥: ٤٤٥
(٥) سبق التعريف بماني والمنانية
[ ١ / ١٦٩ ]
الى المشرق، وأرسل المسيح الى الغرب. وذم ابراهيم وإسماعيل والانبياء الذين صدقهم المسيح، وكانت الفرس تبرأ منهم، فساعدهم ماني وتقرب اليهم بذمهم وقال: الشيطان ارسلهم، وكان من يكتب: من ماني عبد اليسوع كما كان بولص يكتب، وكان يتشبه به ويقفو اثره. وأخذ الآبستاق وهو كتاب زرادشت نبيّ المجوس «١»، وهو كتاب ليس بلغة الفرس ولا بلغة من اللغات البتة، ولا يدري احد ما هو وهو الزمرمة، وإنما يحكون لفظه وإن كانوا لا يدرون ما هو. فادعى ماني القس انه قد وقف عليه وعلم ما هو، وادعى ماني انه رسول النور، فوضع لهم جهالات، وقال: هذا تفسير الآبستاق، واستهووا العامة وقامت سوقه فيهم وأطاعوه، وادعوا له بالمعجزات والآيات.
فأخذه بعض ملوك الفرس ليمتحنه، وفتش عن احواله، فاذا هو كذاب وممرق طالب رئاسة يتقرب الى الفرس/ والمجوس بما يهوونه لينفق عليهم مما ليس هو من دين المسيح، فقتله كما فعل ذلك الملك ببولص. وبقي اصحاب ماني بعده يدّعون نبوته ويقررون رسائله وإنجيله، ولعل رسائله تزيد على السليحين ورسائل بولص، وكثير من هذه الطوائف الثلاث يعتقد مذهبه وما يكاد يظهره خوفا من النصارى ومن المسلمين ممن منهم في بلاد الاسلام، لأنه لا ذمة المنانية عند المسلمين «٢» .
ومن سيرتهم ان النساء الديرانيات العابدات ومن انقطع الي البيع والعبادة،
_________________
(١) في الاصل على هامش الصفحة كتب احد قراء التثبيت «الآبستاق كتاب زرادشت»، وقد سبق التعريف بالمجوس وعقيدتهم.
(٢) في الاصل على هامش الصفحة كتب احد قراء التثبيت «لا ذمة للمنانية عند المسلمين»، وقد سبق التعريف بهذه النحلة.
[ ١ / ١٧٠ ]
يطفن على العزّاب والرهبان، ويخرجن الى الحصون التي فيها الرجال العزاب يبيحون لهن انفسهن ابتغاء وجه الله والدار الآخرة والرحمة بالعزاب، ومن فعل هذا منهن كان عندهن مشكورا محمودا على هذا الفعل ويدعا له، ويقال لها: لا ينسى لك المسيح هذه الرأفة والرحمة.
وعندهم انه لا يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة، ولا يحل له أن يتسرى ولا بطأ بملك اليمين، فإن صادق امرأة أو خادمة لم يكن بذلك بأس ولا عار، وهذا مشهور ببلاد الروم كشهرة الزنى.
ولقد تحدث مصبح الطائي، وأبو عبد الله الحسين بن الصقر، وعبد الرحمن صاحب ابن الزيات وغيرهم من الغزاة، وممن اقام بالقسطنطينية السنين الكثيرة في الأسر وغير الأسر، فإنهم لطول الشقاء وعدم من بعثت المسلمين في فداء او غزو، اظهروا النصرانية تقية، وانتشروا بينهم، واختلطوا بهم.
فحدث من حدث منهم بعض من تنصر من الشجعان بعد الشدة وطول الشقاء، قال: فأعطاني الملك وأجزل وقال لخدمه وأعوانه: / انظروا لهؤلاء المتنصرة نساء من ذوي اليسار يتزوجون بهن لتحسن احوالهم، فقال رجل منهم:
فلانة قد مات ابوها، ولها ضيعة ومواش وأموال كثيرة نزوجها بهذا، وأشار اليّ، فزوجوني بها. فاذا هناك جمال ومال كثير فأقمت معها مسرورا ثم ضرب الملك بعثا على جماعة انا منهم ليخرج الى مكان فيه زرع مستحصد يخاف عليه العدو أن يمنعهم منه، ويكون مقامنا اربعين يوما، ثم يأتي بعدنا عسكر يقوم مقامنا ونرجع الى اهلنا. فخرجنا، وأقمنا هذه المدة، ثم جاء العسكر فسألت بعض الواردين عن اهلي ومنزلي، فقال لي: قد تزوجت امرأتك بعد خروجك، فاستثبتّ ذلك جيدا ممن ورد فأخبرت بهذا،
[ ١ / ١٧١ ]
فأخذني ما اقامني وأقعدني؛ فلما رجعت الى البلد عدلت عن منزلي ونزلت سوق الدواب، فسأل اهلي عن الواردين من اهل عسكرنا فأخبروهم بسلامتي وورودى، فتعرفوا مكاني فإذا ام امرأتي قد جاءتني ومعها موكب عظيم من نساء الجيران عليهن البزة الفاخرة والحلي، فقالت لي حماتي: ما لك عدلت عن منزلك وأهلك ونزلت هاهنا ونحن نتعرف أخبارك ونشتاقك، فقلت:
وما اصنع بامرأة غبت عنها فتزوجت بعدي، أنا عليّ أن ادخل على الملك واكسر بحضرته سيفي وأقطع زناري وأعرفه ما جرى عليّ. فقالت «١» لي اخطأ من قال هذا، ما تزوجت امرأتك وكيف تتزوج رومية بزوجين، إنما ذلك صديقها، لما غبت جاء ونزل عندها. فلما علمنا بقدومك حمل فراشه وانصرف، واستشهدت بأولئك النسوة والجيران، فشهدن انه ليس بزوج وإنما هو صديقها، وإذا ليس/ عندهم ان بهذا بأسا ولا عارا. ثم اقبلت حماتي تقول: لي قم الى بيتك فانظر الى المكنوز والنبيذ وما خلفته تجده لم ينقص بل هو محفوظ موفر، وإذا هي تبشرني [فيما إذا] «٢» أن صديق امرأتي قد كفاني مؤونتها في غيبتي وتسرني بهذا أوتمن به عليّ. وقال اولئك النساء وهن حليلات وأزواج كبار الناس، قم عافاك الله الى بيتك، فما ها هنا شيء يكره ولا ينكر، فقمت وحملت اثقالي وصرت الى منزلي وأنا مقيم على امرأتي، وما اجد شيئا، وزالت الغيرة. ثم قال يا ابا الفتح: ما يدخل احد بلاد الروم إلا وقد طابت نفسه باتخاذ امرأته الأصدقاء، وزال عما كان عليه وامحت الغيرة من قلبه، وزال عن الحمية وما كان عليه وهو مسلم.
_________________
(١) في الاصل: فقال لي
(٢) هكذا وردت العبارة في الاصل
[ ١ / ١٧٢ ]
فإن قالوا: مبتدع في دين النصرانية كما مثل ذلك مبتدع في الاسلام، قيل له: إن الروم قد كانت قبل التنصر تأكل الخنزير، وتستعمل الخصاء، وتغزو الامم، وتسبي وتقتل وتسترقّ، وترى في الزنا ما قد ذكرنا، وتسير السيرة التي وصفنا. ولما تنصرت دامت على تلك السيرة فما زايلتها ولا زالت عنها، فمتى كان هذا الابتداع. ولا فرق بين من ادّعى هذا، وادعى ان الروم كانت على خلافه ورجعت اليه لما تنصرت، ومن انتهى الى هذا فقد جحد وكابر وليس مع المكابرة مناظرة.
ومما يحتج به النصارى وهو اكبر شبههم في دينهم، وأجل ما يلجئون اليه، وهو عمدة الخواص والعوام منهم، ان يقولوا: النصرانية دين صعب ضيق، قد أجابت اليه الأمم الكبيرة والملوك بلا إكراه ولا سيف ولا قهر ولا غلبة، وما كانوا ليجيبوا الى ذلك إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على أيدي/ الدعاة اليها من الرهبان والرواهب.
قيل له: قد بيّنا وعرف تبديل النصارى لدين المسيح وميلهم الى ملوك الروم، وقد شرحنا ذلك وعرفناه، فلا نجد إلا النصارى ترومت ولم تتنصر الروم. وأصل طوائفكم هم الروم، فهذا شاف كاف. ولو لم نعلم هذا وكيف الحيلة فيه من اوله الى آخره لما كان يشكل علينا ايضا بطلان هذا الاحتجاج وفساده، وأن اهل هذا الدين لا يظهر الله على ايديهم معجزة، ولا ينقض على يد احد منهم عادة؛ كيف والمعجزات لا تكون إلا للأنبياء ﵈ وفي زمانهم.
ثم يقال للنصارى: إنكم ادّعيتم الصحة لدينكم بالكثرة والملوك الذين تدينوا بدينكم، والكثرة لا تكون دلالة في صحة الديانة، وإنما يدل على
[ ١ / ١٧٣ ]
صحة الديانة الحجة والبرهان لا غير ذلك، سواء كان اهل ذلك الدين قليلا او كثيرا. وقد كان المسيح ومن اتبعه قليلا والروم واليهود هم الاكثر وأصحاب الملك، فيدل هذا على قياسكم انه لم يكن له معجزة. ثم يقال لهم:
انتم تدّعون المعجزات والآيات لرهبانكم ورواهبكم ورؤسائكم في كل زمان وأنها لا تنقطع ولا ترتفع، وها انتم قد أجبتم الى هذه الديانة ولم تروا معجزة ولا آية، فكذا من قبلكم قد أجاب على هذه الصفة وفي هذا أتم كفاية لمن أراد الحق.
وهم في كل حين يجتمعون اذا ارادوا امر تحليل شيء او تحريمه، ويكون لهم فيه سنهودس «١»، وتفسيره الاجتماع للتقرير، فيفعلون ذلك، فاذا تقادم عهده، قالوا: هذا ما حرّمته تلك الجماعة إلا بظهور آية او معجزة/، ألا ترى ان الجثلقة والمطرنة «٢» قد كانت جائزة عندهم فيمن له الأهل والولد، فصار الجثالقة والرؤساء يجعلون الرئاسة في اولادهم ويوصون بها في ذريتهم، فاجتمع النصارى وعقدوا تحريمها فيمن له اهل وولد وعرف التزويج، فصار ذلك دينا لهم فاجتمعوا عليه وعملوا به من غير آية ولا معجزة.
وقد كان تزويج الأختين بالأخوين مباحا عندهم، فجرى من أختين كانتا عند اخوين عداوة ادت الى معاداة بين الأخوين، فاجتمعوا وحرموا ذلك، وصار لهم دينا يعملون به وان لم يروا فيه آية ولا معجزة. وقد كان تزويج بنت الأخ عندهم مباحا فجرى فيه نسب استنصر به بعضهم، فاجتمعوا
_________________
(١) كتب في الحاشية: تفسير سنهودس
(٢) الجاثليق بفتح الفاء: رئيس النصارى يكون تحت يد بطريق انطاكية، ثم المطران تحت يده، ثم الاسقف، ثم القسيس، ثم الشماس.
[ ١ / ١٧٤ ]
وحرموا ذلك، فصار لهم دينا بغير آية ولا معجزة. وهذا منه ما فعلوه قريبا وفي الاسلام في دولة بني العباس. ومثل ما فعل مطران سمرقند فانه حرم على اهلها الفراخ وزعم ان روح القدس تنزل في هذه الحمامة، فقبلوا ذلك منه وصيروه دينا.
واذا اختلطت بهم وفتشتهم ودخلت بينهم ولا بست الجثالقة والرهبان وجدت هناك من الكذب والجهل والحرص على الدنيا وطلب الرئاسة والجمع والمنع أمورا كثيرة، فان الواحد منهم يترهب وما معه شيء ويصير كلا على غيره، وما تمر الأيام حتى صار ذا مال كثير حتى ربما مات عن عشرات الوف، ثم يقال لهم: انتم طوائف كثيرة وبينكم خلاف كبير في اصل الديانة، تضلل فيه الملكية اليعقوبية، وكذا النسطورية لا ترضى مذاهب الملكية واليعقوبية، وكل هذه الطوائف تدعى لرهبانها/ ورواهبها ورؤسائها المعجزات والآيات، وكذا المنانبة، فعلى قياسهم الحق في طائفة واحدة والباقية كذبت فيما تدعيه لهم.
وقد قال بعض الحكماء ها هنا ديانات ومقالات تعرف كذب اهلها بأدنى تأمل:
منها: النصرانية، فانهم يدعون الآيات لكبرائهم، وانها لا تنقطع في زمان من الأزمنة، وان الذين اجابوا الى النصرانية انما اجابوا بالمعجزات، فيقال لهم: أنتم اجبتم اليها ولم تروا آية ولا معجزة.
ومنها، اصحاب النجوم، فانهم يمخرقون ويدعون بالاصابات لأوائلهم، فيقولون: حكم جانان لكسرى بالدول وانتقالها، وللملوك في مواليدها، فما أخطأ في حرف واحد، وكذا كنكه منجم الهند لملوك الهند، وكذا
[ ١ / ١٧٥ ]
ذوروثيوس لملوك الروم، وبطليموس لملوك القبط «١» . وربما عملوا بذلك كتبا، وقصدوا الى دول وممالك قد كانت، ووجدت، وعرفت الحوادث فيها وأعمار ملوكها الخاصة والعامة، فيذكرون الجمل منها ولا يفصحون بأسماء ملوكها، لئلا يعرف فيه كذبهم. فيقرأ هذه الكتب والدفاتر الغرّ الغافل عن احتيال المحتالين او تقرأ عليه، فيظن ان هذا قد ذكره المنجمون في سالف العصر قبل ان ان يكون، فيعتقد في أحكام النجوم الصدق، وان اهلها قد تكلموا بعلم. فيقال لهم: إن الكواكب والسماء ما ارتفعت ولا زالت ولا انتقضت، وهي كما كانت، فهاتوا واخبرونا عما سيكون، او عما قد كان ووجد مما تشاهدونه بعيونكم، وتلمسونه بأيديكم، فإنا نعمد الى دفتر ضخم مكتوب فيه فنقول لحذاقكم: خذوا طوالعكم وأخبرونا/ كم ورقة هو، وكم سطر في كل ورقة فإنا نجد كذبكم فيه عيانا وحسا، وما تحتاجون الى الإخبار عن نجم يطلع بعد سنة او عشرين سنة، وتخبرونا عن تلك الحوادث، فإنا قد قربنا الأمر عليكم لتعلموا ان هذه الدعاوى كذب ومخاريق وحيل على الناس، ولتعلموا بكذب أولكم وآخركم.
فإن قالوا: لم تقتصرون منا على العلم بورق هذا الدفتر دون الأسطر والحروف التي فيه؟ قلنا: إن مثل هذا وأكبر منه قد يصيب فيه الصبيان والجهال الذين يلعبون بالخاتم والزوج والفرد بالاتفاق، فهاتوا ما يتجاوز اصابات الصبيان والجهال والمجانين ان كنتم صادقين، وان كان صنعتكم حقا؛ وهذا ما لا سبيل لكم اليه، وفضيحتكم فيه كفضيحة النصارى.
فان قالوا: قد يكون لنا اصابات في مواليد ومسائل؟ قلنا: قد يكون
_________________
(١) انظر ترجمة كنكه الهندي في الفهرست لابن النديم ص ٣٩٢، وترجمة ذوروثيوس (في الاصل ذروسيس) في الفهرست ص ٣٨٩، وكذا ترجمة بطليموس ص ٣٨٨
[ ١ / ١٧٦ ]
ذلك في قليل من كثير تخطئون فيه، وفي جمل دون تفصيل، والذي يأتي به الأنبياء فلا يخطئون في شيء منه مع كثرته، والذي يتفق لكم من ذلك كما يتفق للّعّاب الذين ذكرنا، وكما يتفق لأصحاب الفأل ولمن يضرب بالحصا والبعير بالنظر في الكفّ وبزجر الطائر، وما يتفق لهؤلاء من الإصابة أكثر من الذي يتفق لكم، وهم فيه أسرع، وأحوالهم فيه أكشف، وكما يتفق لبعض من يلقى الثعلب من السعادة، ولمن يلقى البوم من المحنة، وكما يتفق في رقى الهند والنصارى والمعزّمين من العافية والإفاقة، فيدعي اولئك ان هذا انما كان عن رقاهم وعزائمهم، وان ما هم عليه حقّ، وانهم قد نطقوا/ بعلم.
ومنها، اصحاب الطلسمات «١»، فانهم يمخرقون ويقولون: إن الاسكندر شكا الى أرسطوطاليس بعد الماء عنه وعن عسكره عند لقاء عدوه، فعمل له طلسما سار الماء بمسيره ووقف بوقوفه، وانه قال له وقد ورد على بحر إن تشاغل بعبوره أبطأ عليه وفاته إدراك عدوه، فقال له: أيما احب اليك ايها الملك، ان اعمل طلسما تسير بعسكرك على وجه الماء كما تسير على وجه الارض، او اجمع بين الشيطين لتعبره، فقال: تجمع بين الشطين فانه أقرب في المسافة، فجمع له بين الشطين فعبر.
وأن غير واحد قد عمل طلسما للقطعان من البقر والغنم وأمثالها من الحيوان، فتبعته وسارت بمسيره. وأنهم يعملون الطلسمات للبق والعقارب
_________________
(١) الطلسم والطلسم في علم السحر: خطوط واعداد يزعم كاتبها انه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية لجلب محبوب او دفع أذى، وهو لفظ يوناني، وقد يقصد به الغامض المبهم من الامر.
[ ١ / ١٧٧ ]
والجراد وغير ذلك، فيصرفونها عن بلد بلد؛ وأن من عرف صنعة النجوم تأتى له ذلك.
فقيل لهم: هذه كلها مخاريق، وإذا اردتم ان تعرفوا كذب اوائلكم فاعرفوه بكذبكم في زمانكم، فإن الكواكب ما بقيت ولا زالت، فهانوا شيئا من هذا، وفي تعذره عليكم دلالة على كذبكم وكذب اوائلكم.
فإن قالوا: بلاد حمص لا يكون بها عقرب، وإن دخلت إليها عقرب ماتت وانما هذا طلسم عمل لها، قلنا: قد بيّنا كذبكم حسا كما بيّنا كذب النصارى والمنجمين، فإن كانت حمص لا يعيش بها عقرب فان هذا من فعل الله ﵎، قد يميت بعض الحيوان إذا صار في بعض الأماكن لتدبير له ﷿ هو اعلم به، ولمصلحة فيه. ألا ترى ان بلاد الروم لا تكاد تبقى بها الجمال مع حرصهم في بقائها، حتى قال من لا يعلم: ان هذا لشدة البرد، فقيل له: فبلاد الترك/ أشدّ بردا وبها الجمال، والأتراك بالري»
إذا قطنوا بها فما يكادون يبقون بل يتماوتون، والاصفهاني إذا أراد السفر الى الري اوصى. وما هذا الطلسم، وأرض مصر وغيرها من مواضع شتى لا يكاد يكون بها مطر. وما ذاك الطلسم، وأرض العراق مع كرمها وطيب مائها لا ينبت بها الفلفل، ولا الدار فلفل، ولا العود ولا الزنجيل ولا الدارصيني، ولا الزعفران، ولا سنبل الطيب، ولا يكون في انهارهم العنبر.
_________________
(١) الري: بلدة عظيمة في ذلك الوقت، فتحها المسلمون في خلافة عمر ﵁، واصبحت حاضرة اسلامية في القرن الرابع الهجري حتى لقد فاقت بغداد نفسها في كثير من الاحيان. انظر: ابن الاثير الكامل ٩: ٢٣٥، السمعاني الانساب ٢٣٢، احسن التقاسيم للمقدسي ٣٨٥- ٣٩٠
[ ١ / ١٧٨ ]
او ترى هذه الطلسمات وضعت بالعراق وأناث البغال لا تكاد تحمل بل لا تكاد تهيج. أفترى هذا الطلسم وأودية العراق لا يكون فيها التمساح، وهو بمصر كثير. أفترى هذا الطلسم وضع بالعراق لئلا يكون فيه هذا، او وضع بمصر حتى لا يفارقها. وهذا التمساح في نيل مصر، وهو في بعض المواضع بها دون بعض، وبأرض الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وسر من رأى ومصر والقيروان، وهذه كلها أمصار اسلامية، ووضعت في الاسلام، وخطت في الاسلام، فحدثت امور كثيرة في احوال الحيوان ابدع مما يدعونه لحمص وغيرها بلا طلسم.
والمجوس تدّعي ان لهم منتظرا حيا باقيا مهديا من ولد بشتاسف بن بهراسف يقال له أبشاوثن «١»، وانه في حصن عظيم من خراسان والصين، ومعه كثير، كلهم ثقات امناء اخيار، لا يكذبون ولا يعصون الله، ولا يقع منهم خطيئة صغيرة ولا كبيرة، وأن دعوتهم مجابة «٢»، ولهم دلالات وآيات ومعجزات، وانهم صاروا الى ذلك المكان عند زمن زرادشت الذي تدعي نبوته، وانهم انوار ساطعة، وانهم من الجمال والحسن والنظارة على امر عظيم، وأنهم لا يبكون ولا/ يهرمون ولا يموتون، وأن أبشاوثن لا يحتاج الى اكل ولا الى شرب، ولا يكون منه بول ولا غائط ولا شيء من الأذى. هذا الذي أتيقنه مما قد ذكره أذرباذ بن أميذ الموبذ في وصفه أبشاوثن، انه لا يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يتغوط، فأما اصحابه
_________________
(١) في الهامش كتب الناسخ ما يلي: «المجوس ينتظرون رجلا من ولد بشتاسف يقال له أبشاوثن.
(٢) نشأت في ايران فكرة كان لها اثرها في كثير من الديانات هي فكرة المخلص او المهدي الذي سيعود يوما الى العالم ليزيل الشرور ويحل العدل محل الجور وينقذ البشر.
[ ١ / ١٧٩ ]
فلست اتيقن انه وصفهم بأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ويغلب على ظني انه قد وصفهم بذلك، فأما العصمة وان اصحابه بمثابته، فما اشك فيه.
فقيل للمجوس: اذا شئتم ان تعرفوا اول امركم فاعتبروه باخره تجدون بطلانه واضحا بينا، كما يجدونه النصارى والمنجمون «١» وأصحاب الطلسمات.
فإنكم تدّعون ان قوما في زماننا هذه صفاتهم وأحكامهم، وعليكم في هذا فضل مزية في الباطل، فإنكم امم كبيرة قديمة تخبرون بكون هؤلاء في الدنيا معنا وفي زماننا، وانهم يخرجون مع ابشاوثن هذا فيكلمون الارض كلها، ويعيدون المجوسية وديانات الفرس وملكها الذي أزاله الاسلام كما كانت. فقد كان ينبغي إن كان هذا في الدنيا هاهنا قوم يدعونه ان نعلمه بخبركم، وفي عدم العلم بذلك دليل على انه امر لا اصل له، وما في الدنيا انسان يدعي هذا، ولكنه شيء وضعه لكم الواحد والاثنان والنفر اليسير، فصدقتموه واحسنتم الظن بهم، وانتشر فيكم، وهو كذب وانتم لا تعلمون انه كذب، كما اصاب النصارى وغيرهم ممن كانت هذه سبيله.
وكذا لمن ادعى ان معنا وفي زماننا إماما معصوما قد أقيم لنا وهو الحجة علينا وعلى اهل الارض بأسرهم، قيل لهم: انتم امم كثيرة عظيمة بالعراق وبالشام وبفارس وبمصر والمغرب والحجاز واليمن والبحرين وكور الأهواز/ وبالجبال والديلم وخراسان وكلكم يخبرنا بأن في الدنيا رجل هذه سبيله، ويدعو الى نفسه، وكلكم اصحابه وينتظره ويدعو اليه. وتصنيف الكتب في ذلك قد ملأت الدنيا، ونخاصم في ذلك، فلو كان في الدنيا انسان هذه
_________________
(١) في الاصل: المنجمين
[ ١ / ١٨٠ ]
سبيله لعلمنا ذلك بخبركم وبما نسمعه منكم وان لم نصدقه فيما ادعى، ولم نقبل قوله ولم نر شخصه، وان لم نسمع كلامه. ألا ترى ان نبينا محمدا «١» ﷺ لما ادعى انه رسول الله الى الخلق اجمعين وانه الحجة عليهم علم ذلك من دعواه كل من بلغه خبره ممن صدقه او كذبه، ومن رآه ومن لم يره، وكذا العلم بمسيلمة وما ادعاه وان كذبه الناس كلهم. بل لو اخبر جماعة عن امرأة من وراء حجاب بصلاح او طلاح لعلم الناس ذلك بخبرهم اذا كانوا عالمين بما أخبروا، فكيف وانتم امم كثيرة عظيمة قد «٢» طبقت الارض والبر والبحر والسهل والجبل، تعتقدون ذلك، وتخبرون به، وتدعون اليه، وتزعمون انكم اصحاب هذا الرجل واتباعه، فلا يزداد من تأمل ونظرو اعتبر إلا علما بأن ليس في الدنيا انسان يدعي ذلك ولا يدعو اليه. فلو نظرتم وانصفتم لعلمتم ان اول امركم مثل آخره في الباطل، وان النبي ﷺ ما تدين بما تدعون ولا دعا اليه. لا هو ولا احد من اصحابه.
فإن قيل: فلو قال لكم قائل وأنتم ايضا اول امركم مثل آخره، إذ ليس في زمانكم من معه معجزة ولا آية، فأولكم هذه سبيله ما كان يكون جوابكم؟
قيل له: لا سؤال علينا في هذا، لأنا نمنع ان يكون مع احد بعد نبينا آية او معجزة، وما ندعي انه آية ومعجزة فهو ما علمه كل من سمع الاخبار، وهو هذا القرآن وما جاء مجيء القرآن، ونقول: / لا حجة على الخلق إلا رسول الله ﷺ وحده، فعرفت الفصل بيننا وبين من ذكرنا.
_________________
(١) في الاصل: محمد
(٢) في الاصل: فقد
[ ١ / ١٨١ ]
وجواب آخر، وهو ان كل من سمع اخبار النبي ﵇ فمن صدقه او كذبه يعلم باضطرار انه كان يدعي النبوة، ويدّعي ان معه آيات ودلالات ومعجزات. فان قالت النصارى: نحن اولنا المسيح وهو سلفنا، وأنتم تقرون ان معه آيات ومعجزات، فكيف قلتم ان اولنا مثل آخرنا؟
قيل لهم: ومن سلم لكم ان المسيح ﵇ سلفكم، ونحن فقد دفعناكم عن هذا، وبيّنا انكم قد خالفتم المسيح ﵇ في أصوله وفروعه، ونقضتم عهوده، وعطلتم وصاياه بيانا لا يمكنكم دفعه، ونحن فما علمنا ان المسيح نبيّ وانه قد كان معه آيات ومعجزات بقولكم، ولا بنقلكم، ولا بدعواكم، وانما علمنا ذلك بقول نبينا صلى الله عليه، ولكن ادعيتم ان هذه الأمم ما اجابت الى النصرانية إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على بولص وجورجس وأبا مرقس وأمثالهم، ودونتم ذلك في كتبكم كما دونته المنانية والمجوس وغيرهم، وادّعيتم ذلك في كل زمان، والناس معكم ويشاهدونكم فلا يرون لذلك اصلا ولا اثرا، ولا يرون إلا السيف والقهر والعسف وان اول هذا الامر ما كان إلا بالسيف والقهر كما قد بيّنا، وهو قائم باق ما زال ولا حال بل زاد، ونحن فقد وجدناكم نزلتم على اهل المصيّصة، وعين ذربة، وجزيرة اقريطش، وجزيرة قبرس «١»، وجزيرة أرواد، والثغور
_________________
(١) في الاصل: قفرس، اما عين ذربه فقد اثبتها ياقوت بالالف المقصورة ذربى وقال: بلد بالثغر من نواحي المصصية، والمصصية وطرسوس من ثغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم. اما أقريطش (كريت) فهي جزيرة بالبحر المتوسط، اول من غزاها من المسلمين معاوية ثم فتح قسما منها الوليد بن عبد الملك وتم فتحها بأمر المأمون الخليفة العباسي. وارواد جزيرة صغيرة في البحر المتوسط مقابل طرطوس من سوريا. وسميطاط او سميساط مدينة على شاطىء الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات. وحصن منصور من اعمال ديار مضر غربي الفرات قرب سميساط. وسيمون او سيمان نهر كبير بالثغر من نواحي المصصية قرب انطاكية.
[ ١ / ١٨٢ ]
الشامية، والثغور الجزيرية، وثغور ارمينية، وأذربيجان، وما يكثر احصاؤه/، وما قد قدره اهل الخبرة الى هذه الغاية، ومقداره الف فرسخ منائر، وعمارته متصلة ومقدار السبي والأسر نحو عشرين الف الف انسان، لا يقرون على الاسلام، بل يدخلون في النصرانية كرها، بالرهبة والرغبة، وكذا من دخل في ذلك من البرغر والبرجان كله بالإكراه والسيف، وإن طالت مدته، وتناسى الناس كيف جرى ذلك.
وادّعيتم أن هؤلاء انما دخلوا في النصرانية بالآيات والمعجزات، وأن البطرك وافى من بلاد الروم، فنزل وجنده وعليه الجوذبا والكتين والودار وعلى رأسه القبع وفي يده الكرار، فأقام موتاهم من المقابر، فقاموا بأسرهم من تلقاء انفسهم وصاروا الى بلاد الروم. ووافى ميخائيل الراهب الى اهل المصيصة فقلب سيحون زيتا، وجعل اغنامهم كلها خيلا، فقاموا كلهم من تلقاء انفسهم فقبّلوا الصليب، وصاروا الى بلاد الروم. وكذا اهل سميصاط وحصن منصور، فليس عندهم في الكذب والبهت شيء، وهم قوم يكذب لهم رؤساؤهم فيقبلون ذلك الكذب عنهم، وقلّ مصر من هذه الأمصار وثغر من هذه الثغور إلا وقد ترددت اليه ملوك الروم السنين الكثيرة، ونزلوا عليه الأعوام المتوالية، ورعوا زروعهم وحصروهم ومنعوهم الأقوات، حتى اكلوا الكلاب والسنانير والميتة، وقتلوهم جوعا وعطشا، وقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذريتهم، وقادوهم بالسلاسل والحبال، وأنزلوا بهم من المكاره ما يطول شرحه، وكذا امرهم من اوله الى آخره. وليس/ سيف حمل بباطل في جميع الأزمان مثل سيف النصرانية كما قد بيّنا ذلك، وحيث لا يكون لهم ملك ولا سيف فإن من أسلم منهم يمنعونه اهله، ويبطلون ديونه، ويذمونه بكل فاحشة، ويسعون في كل ما يقدرون عليه
[ ١ / ١٨٣ ]
من مكارهه واضراره، وهذا ايضا ضرب من الاكراه.
ثم يقال لهم: هذه المنانية قد غلبت على المشرق، وليس معهم سيف ولا مال، ويدّعون ان دينهم اضيق الاديان وأصعبها، وأنهم لا يأكلون اللحوم ولا يؤذون شيئا من الحيوان، ولا يأكلون إلا ما انبتته الارض. وعبادتهم من الصوم والصلاة كثيرة عظيمة، ولا يدخرون الأموال، ويدّعون ان المعجزات اضطرتهم الى هذا الدين، وهم يدّعون ان المستبصرين من رهبانكم ورؤوسائكم منهم، ويدعون هرابذة المجوس «١» . قالوا: ولكن ليس لنا عند المسلمين ذمة كما لليهود والنصارى والمجوس، ومتى أظهرنا لهؤلاء ديننا قتلونا، قالوا: وكذا يصنع بنا ملوك الروم. ويذكرون من آيات ماني ومعجزاته انه كان نورا خالصا كله وأنه لم يكن له في الشمس ظل، وأن الملائكة كانت تأتيه وتحتمله حتى تصعد به الى الشمس فيصير فيها، وأصحابه يشاهدونه، وأنهم نقلوا ذلك الجمهور عن الجمهور، والجماعات عن الجماعات، ويدّعون لأتباعه المعجزات، ويدّعون مع ذلك انهم اصحاب المسيح وعلى دين المسيح، وأن الانجيل الذي معهم هو الحق دون ما معكم، فينبغي ان يكونوا على قياسكم محقين، وأن ذلك انما تم لهم بايات ومعجزات كما ادّعيتم ذلك، ولهم كتب مدونة في آياته ومعجزاته، ولعلها/ اكثر من السليحين الذي لكم، ومن الآيات التي تضيفونها الى جميع من دعا الى النصرانية، مذ كانت النصرانية.
وهذه الهند، وهي امم عظيمة لعلها تزيد على امم النصارى «٢»، ولهم
_________________
(١) كتب المعلق على هامش الكتاب: هرابذة المجوس.
(٢) في الاصل: للنصارى
[ ١ / ١٨٤ ]
العقول والحكم التي لا تكاد تدانيها عقول الارمن والروم، يعبدون البددة قبل تنصر الروم بالدهور الكثيرة، وليس يدعون الناس باتباعهم لا بسيف ولا برغبة ولا بالرهبة، ومن دخل فيه لم يمنعوه، وهم يدّعون ان اصنامهم تكلمهم وتأمرهم وتنهاهم، وتبدرهم بالأمور قبل كونها، وتأتيهم بالأمطار وما يسألونها من الرخاء والنعم، وتدفع عنهم السوء، وتشفي مرضاهم، ويحملون زمناهم على الجنائز الى سوق الاصنام فينقهون ويرجعون على اقدامهم، ويدّعون انها تحيي الموتي، ولهم رقى يدعون انها تشفي وتحيي، فينبغي ان يكون هؤلاء محقين صادقين.
والمجوس تدعي لزرادشت من المعجزات والآيات اكثر مما يدعيه النصارى لمن دعاهم الى النصرانية، ويقولون: نحن لا نكره احدا على الدخول في ديننا ولا نرغبه فيه، وهو دين خصنا الله به، فمن دخل فيه لم نمنعه، وإنما نقاتل ونحمل السيف على الامم لتأدية الخراج والدخول في الطاعة فقط، فأما لأجل الدين فلا نحارب. وعقول الفرس وحكمتها وتحصيلها قد عرفه الناس، وكثرة وسع ممالكها فوق ممالك الروم بطبقات، فينبغي على قياسكم ان يكونوا محقين وصادقين.
فان قلتم لهم: لكم ملوك عتاة جبابرة هم ادخلوكم بالقهر والسيف والرغبة والرهبة في هذا الدين، قالوا لكم: أما الدين فما تعرضوا لإدخال الناس فيه ولا/ اشتغلوا به، وإنما كان أخذهم للناس بالسمع والطاعة والخضوع للملك، وهذا معروف.
والعيان والموجود من دين النصرانية وما عليه هذه الطوائف لهم القهر والغلبة والسيف مذ كانت الى هذه الغاية، وما هاهنا سيف حمل بباطل إلا
[ ١ / ١٨٥ ]
سيف النصرانية من اول امرها الى هذه الغاية.
وقد دعا واحد من اليهود الخزر وهم امم كثيرة فأجابوه ودخلوا في دينه عن قرب، وفي ايام بني العباس ودولتهم، ولو أراد مريد ان يدعي انهم إنما اجابوا إلا بالآيات والمعجزات كما يدعي النصارى لمن تنصر لأمكنه ذلك وكان اولى بالشغب من النصارى، فإن هذا رجل واحد قصد الى ملك عظيم الشأن، والى قوم اولى بأس شديد، فأجابوه بلا غلبة ولا سيف، وتحملوا ما في شريعة التوراة من الشدة بالختان والوضوء وغسل الجنابة وتحريم الأعمال في السبت والأعياد، وتحريم ما في هذه الشريعة من الحيوان، الى غير ذلك.
ولعل اليهود تدعى لهذا الداعي الآيات والمعجزات، فمنهم من يجيزها للصالحين منهم وهذا اولى بالشبه مما تدعيه النصارى، ولكن النصارى اكذب وأشد جرأة على ادعاء ما لم يكن.
ثم يقال للنصارى: ادعيتم لدينكم الضيق والصعوبة، وقلتم: هذا أحد الادلة على صحته وعلى ان الامم لم تقبله ولم تدخل فيه إلا بالآيات، فقد عرفنا من قولهم في الآيات، ولو كان ضيقا صعبا شديدا لما دل ذلك على صحته فإن دعواهم هذه كدعواهم المعجزات. / وليس يدل على صحة الدين ضيقه وصعوبته، بل ربما احتال الممخرق والمبطل على صحة ما يدعو إليه بالتصوف والتقشف وكثرة العبادة والمضايقة فيما يدعو إليه الى ان يتمكن، ثم يظهر مساوئه، ويكون ذلك له شبهة على من يرى ذلك ويسمعه، والنفوس ترحم المتصوف والمتقشف المواصل الصلاة والصيام وإن كان مبطلا، ويحسن ظنهم فيه، ويسرعون الى القبول منه قبل النظر في حاله، ويكتفون بما يظهر منه عن البحث عن حاله، وفي النظر والبحث شدة ومشقة، وتنفر نفوسهم عن
[ ١ / ١٨٦ ]
حامل السيف وإن كان محقا.
وعلى ان ديانات المنانيّة اضيق من ديانات النصرانية لأنهم يحرمون اكل جميع الحيوان وركوبه وأذيته بكل وجه، حتى انهم يحرمون قتل السباع والحيات والعقارب ويصبرون على أذيتها ويحرمون ادخار الاموال، ويوجبون من الصوم والصلاة اكثر مما توجبه النصارى، ويحرمون المناكح كلها ولذات النفوس، فينبغي ان يكون دين هؤلاء هو اصح من النصرانية بألف طبقة.
والهند لها عبادات كثيرة وزهد عظيم، لا يدانيه ما يفعله أزهد رهبان النصارى. [والهند لها عبادات كثيرة] «١» وتوجب في دينها قتل انفسها، وتحرق انفسها بالنيران وهم احياء، واذا مات رئيسهم احرقوه واحرقوا معه احبابه واصدقاءه وخاصته وزوجته، يفعل ذلك بها ابوها وامها واهلها، وليس في دين النصرانية شيء من هذا، فينبغي ان يكون دين المنانية هذا «٢» اصح من مذاهب هذه الطوائف النصرانية/.
على انا لا نعرف دينا اوسع ولا ارخص ولا اسهل من دين النصارى، إذ ليس فيه زاجر مخوف كالحدود المكتوبة، ولا النار، ولا عذاب الآخرة، وان اشد العذاب في الآخرة ان المعاند الذي قد عرف الحق وتركه، يلحقه غمّ مدة ثم ينجلي وينقضي، فأما من لم يعاند، وان اخطأ، وان كان مع اعتقاده مخالفا لدين النصارى فليس عليه خوف ولا عقاب، اذا كانت نيته سليمة واعتقد الشيء على انه حق وان كان باطلا. واما النصارى فليس
_________________
(١) لعل العبارة مكررة من الناسخ
(٢) في الاصل: وهذا، ولعل السياق يقتضي حذف الواو.
[ ١ / ١٨٧ ]
عليهم خوف، ولا يؤخذون بذنب من الذنوب، وقألوا لأن الرب الذي هو الأب «١» انما ارسل ابنه ليصلب ويقتل ليحمل خطايانا ويغفر ذنوبنا. فليس دين يغري بالقبيح، ويبعث على ارتكاب الفواحش، ويهيج على الفساد اكثر من دين النصرانية، وهم يدعون فيه الضيق قحة منهم ومباهتة، وهو كما ترى، وانما يدّعون لأهله ولمن دعا اليه المعجزات لأنه ليس فيه حجة ولا على صحته دلالة.
ثم نقول للنصارى: اعندكم ان من حمل السيف كان مبطلا؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فالمسيح اول المبطلين، لأنه «٢» عندكم ارسل موسى ﵇ وغيره من الانبياء بالسيف وقتل الرجال والنساء المخالفين له، واحلّ له في بعض الحروب قتل الرجال وكل امرأة ضاجعت رجلا واستبقاء الأبكار، واحل له الغنائم واخذ الاموال ودفعها الى بني اسرائيل، وكذا سائر الانبياء الذين تتولونهم وتقولون إنهم على الحق، الى ان جاء المسيح وظهر للناس/، وقال: ما جئت مخالفا لموسى ولا للتوراة وانما جئت متمما، ولأن تسقط السماء على الارض ايسر عند الله من ان يحلّ شيء مما عقده موسى، ومن حل ولوالدي هو، واخذ من ناموس موسى يدعى ناقصا في ملكوت السماء «٣» .
ثم ليس عند هؤلاء اخذ الجزية ممن ملكوه وقدروا عليه ولا إقراره على
_________________
(١) في الاصل: الابن
(٢) في الاصل: لأنهم
(٣) جاء في انجيل متى الاصحاح الخامس فقرة ١٧ وما بعدها: «لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس او الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل. فاني الحق أقول لكم الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماء» .
[ ١ / ١٨٨ ]
دينه، وليس إلا الإجابة الى الدين او القتل، وهذا اعظم وأشد وأغلظ من دين الاسلام وشريعته.
ونراكم تدعون للمسيح الرأفة والرحمة، وتنزيهه عن فعل الألم والشدائد والمضار والهموم، وهو عندكم قد شرع التوراة واحكامها وحدودها، وغرق اهل الارض في طوفان نوح، وعندكم ان هذا الموت والجذام والبرص والعمى والصمم وإنزال الجرب والاسقام وانواع الألم بالبهائم التي ما عصت من فعله، ثم اباح ذبحها واكل لحومها وإيلامها بالكد والركوب والحمل عليها الى غير ذلك مما قد فعلوه، فأين الرأفة والرحمة، وأين هذا ما أباحه نبينا محمد ﷺ من قتل من كفر بالله وافسد في الارض، هذا ولو «١» كنتم ترون المسيح نبيا مرسلا لما وجب ان تعيبوا حمله السيف لأنه قد جاء وصوب حمل الانبياء قبله للسيف، واباحة الحيوان، وان الامراض والاسقام من الله ومن قبل الله، فكيف وانتم [تدعون ان الفاعل لذلك جميعه هو المسيح] «٢» فما سمع بقوم هم اجهل وأوقح وأبهت من النصارى، إذ هذا قولهم وهم يعيبون حمل محمد ﷺ السيف على من كفر بالله وعبد الاوثان والكواكب والنيران من دون الله وكذب بهم/ وبهتهم اكثر من هذا. فإن قالوا: إن هؤلاء الانبياء حملوا السيف بأمر الله، قيل لهم: فقد بطل ان يكون حمل السيف باطلا من كل وجه على ما ذهبتم إليه، ووجب ان يراعي حامله، فإن كان قد حمله بحجة كان محقا. فينبغي ان ينظروا في اعلام محمد ﷺ ومعجزاته وآياته،
_________________
(١) في الاصل: لو، وقد أضفنا الواو لما يتطلبه سياق الكلام.
(٢) وردت هذه العبارة في الاصل على النحو التالي: «تدعون انه هو الفاعل لذلك جميعه المسيح له» .
[ ١ / ١٨٩ ]
ويعلموا «١» انه مثل من تقدمه من الانبياء.
وتدعون التصوف والتقشف وطول الصيام والصلاة، والنهي عن حمل السيف. وليس في دين النصارى والمنانية والديصانية واشباههم حجة، فهم يخدعون الناس بلبس الصوف وإظهار الزهد.
ومثل هذا من جهلهم ومخاريقهم انهم يعيبون محمدا ﷺ باتخاذه النساء، وهم يعلمون ان آدم ونوحا وابراهيم ولوطا واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ويوشع وغيرهم ممن يقولون بنبوته ويشهدون بصواب مذهبه، قد اتخذوا من الازواج والسراري مثل ما اتخذ هؤلاء، بل فيهم من قد اتخذ في ذلك اضعافا مضاعفة كما كان لداود وأمثاله. والروم هم اصل النصرانية ولكنهم لم يجدوا في رسول ﷺ مغمزا فعابوه بحمل السيف واتخاذ الأزواج، وهم يعيبون هذا منه صلى الله عليه ويدعون ان الله قد اتخذ مريم اما لولده واتخذ الولد لنفسه وان لم يسموا «٢» مريم زوجة.
ومن عجيب ديانتهم، ان المذنب منهم يقول للقس والراهب: اعمل لي مغفرة وتوبة وتحمل ذنوبي، ويجعل له على ذلك جعالة على مقداره في الغنى والفقر، فيبسط القس كساءه ويأخذ الجعالة ثم يقول للمذنب: هات الآن واذكر لي ذنوبك/ ذنبا ذنبا حتى اعرفها وأتحملها. فيبتدىء ذلك المذنب رجلا كان او امرأة ملكا او سوقة فيذكر ما قد فعله شيئا شيئا، حتى يقول: هذه هي كلها، فيقول له القس: انها عظيمة ولكن قد تحملتها
_________________
(١) في الاصل: ويعلمون
(٢) في الاصل: يسمون
[ ١ / ١٩٠ ]
وغفرت لك، فأبشر. وربما جمع الكساء من اطرافه ووضعه على ظهره وقال: ما اثقل ما في هذا الكساء من الذنوب.
ومن المأثور عنهم والشائع عليهم ان المرأة تقرّ عند القس بذنوبها، فتقول: أصابني رجل في يوم كذا فيستفهمها كم مرة فتقول: كذا وكذا، فيقول لها: اخبريني هذا الرجل نصراني او مسلم، فربما قالت: مسلم، فيستعظم هذا، ويستزيدها في الجعالة، فان زادته، وإلا غضب وانطلق وهو يقول: قد زنى بها المسلمون وتريد ان اغفر لها وإنما اعطتني كذا وكذا، فتردّه وتزيده وترضيه.
هذا من دينهم الذي الذي يدعون ضيقه، ويدعون انه على دين المسيح، وهذا لا يجوز ان يكون دينا له صلى الله عليه.
وقد قيل لبعض قسوسهم ما هذا من التوبة؟ فقال: وما وجه تركنا لهم لا نسألهم عن ذنوبهم ونطعمهم في غفرانها، فإنا لو لم نفعل ذلك ونأخذ المال منهم لافتقرت البيع.
وقلّ ما تجد منهم من يخاف عذاب الآخرة، لأنهم يعتقدون ان المسيح إنما قتل نفسه ليقيهم من الذنوب والعذاب، وأنه جالس على يمين ابيه، وأمه جالسة مما يلي يساره فهي تتلقى الذنوب اذا طلعت وتقول لابنها: سل يا بنيّ أباك الرب غفرانها، فهو عندهم يغفرها ويسأل أباه غفرانها.
والملوك بمصر والشام والعراق والجزيرة وفارس وما والى ذلك يعوّلون على النصارى في الكتابة والوزارة والجهبذة. فلهم الرئاسة على المسلمين، يجبون اموالهم ويأخذونها منهم بالضرائب/ الموضوعة على كل شيء مما لم ينزل الله
[ ١ / ١٩١ ]
به سلطانا، فيذلون بها الاسلام، وينفقونها في مكاره المسلمين.
وللفرس ايضا مثل هذه الفضائح التي تقدمت للنصارى، وهو ان زرادشت قد شرع لهم تطهير الحائض والنفساء والتي قد مات جنينها في بطنها ببول البقر «١» يتولى ذلك منها الهربذ بعد ان يجردها ويعريها، ويباشر ذلك منها بيده ورأي عينيه، فيبركها ويغسل ذلك المكان بيده، وربما جزعها منه جزعا واخذ على ذلك الجعالة على مقدارها. واول ما يأخذ الخلعة التي عليها اذا جردها للتطهير، واقل ما يأخذ على افقر فقير اربعة مثاقل فضة. وزعم الفرس والمجوس انه كان يرتفع لموبذان موبذ في ايام ملكهم من هذا الوجه اربعة ألف ألف دينار ينفقها على الهرابذة، وشرع لهم بالإنجاب على زوج المرأة اذا غاب عن امرأته او عجز عن بضاعها، ان يوكل في نيكها من يختاره من أصدقائه وثقاته ورفقائه.
ولم نكن في الرد على المجوس ولا النصارى، إنما قصدنا البيان انهم مخالفون للمسيح ودينه في الأصول والفروع.
فهذا يرحمك الله اصل مذهب النصرانية، ومذهب القراء والزهاد منهم.
فأما اهل الجدل والنظر ومن يتجرد في نصرة النصرانية ويضيف الكتب في ذلك فكلهم ملحدة وزنادقة، ويكذبون المسيح وجميع الأنبياء ﵈، ويستجهل الشرائع ومن يعمل بها فلا تكاد تجد فيهم إلا من هذه سبيله، مثل: قسطا بن لوقا، وحنين بن إسحق، وابنه إسحق، وقويرى، ومتى الجرمقاني وهو المكنى ابو بشر بن يونس الذي فسر كتب الملحدة،
_________________
(١) كتب المعلق في الهامش: «تطهير الحائض والنفساء ببول البقر في شرع المجوس» .
[ ١ / ١٩٢ ]
وهلك في سنيّ نيف وعشرين وثلثمائة، وبعده يحيى بن عدي، وعنه اخذ هؤلاء الملحدة «١» / الذين في زمانك، ومذهبهم لا يقوم بالجدل.
واذا قيل لهم: قالوا: حجتنا في ذلك على لسان أرسطاطالس ومن قوله ومن أصوله، وأرسطالس لا يؤمن بكتاب ولا نبي ولا شريعة، وينكر فلق البحار، وانقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، وولادة مريم من غير ذكر.
ويرى ان التصديق بذلك جهل وحمق وقلة عقل. فانظر من أولى بقلة العقل، هو او من يجعله حجه لدينه ويأخذ عنه، فما بعد هذا في فضيحتهم شيء.
فاعرف هذا من طريقتهم، فقد تبين لك ان ديانات هؤلاء النصارى خلاف ديانات المسيح ووصاياه وعهوده، وعلمت علم محمد ﷺ بذلك، وان علمه به من قبل الله، وانه من معجزاته.
والنصارى تقول: لعمري إن المسيح ما عمل طول حياته بشيء مما نحن عليه، وكذا تلاميذه من بعده فما لزموا شريعة التوراة ولكن من أتى بعدهم نقلونا وقالوا لنا قد قال المسيح: اعملوا بعدي بما ترون، قلنا: قد صدقتموهم في دعاويهم وهم قد جاؤوا بالرئاسة عليكم والتحكم فيكم وفي أموالكم.
فإن قالوا: إننا لم نقبل منهم إلا بالمعجزات، فقد فرغنا منها وبيّنا كيف كان الأصل من قسطنطينوس بين هيلانة «٢» وبيّنا ان المسيح وصاهم بشريعة
_________________
(١) كتب المعلق في الحاشية: «الذين يكذبون المسيح وجميع الانبياء ﵈، ويستجهلون الشرائع مثل قسطا بن لوقا» .
(٢) في الاصل رسمت هيلانية، اما قسطنطينوس فقد رسمت في الاصل على النحو التالي: قسطنيطوس.
[ ١ / ١٩٣ ]
موسى ﵇، وان يعملوا بما رأوه يعمل طول حياته بما قدمناه؛ من تجريد التوحيد، وتنزيه الله ﷿، وبإقامة الشريعة كما بينا.
وحديث انتقالهم في كتابهم المعروف بأفراسكس وفي السنهودس الذي لهم، وانما هم ينهون من لا يعرف، ويقولون: نحن على شريعة المسيح، فإذا وافقهم العارف بذلك، قالوا: قد انتقلنا بالآيات والمعجزات، فإذا/ عرفهم حال قسطنطينوس بن هيلانة وما فعله وجميع هذا الذي بيناه، قالوا:
نهينا عن الجدل والبحث والتفتيش.
ومن عجيب أمورهم ان معهم وفيما حفظوه عن المسيح انه ﵇ قال لهم: انكم تأتوني يوم القيامة، وليحشرنّ اليّ سكان الارض فيقومون عن يميني وشمالي، فأقول لأبناء الشمال: لقد كنت جائعا فما أطعمتموني، وعريانا فما كسوتموني، ومريضا فما عدتموني ولا داويتموني، ومحبوسا فما زرتموني، فيكون من جوابهم ان يقولوا لي: متى كنت يا سيدنا مريضا او عريانا او جائعا او محبوسا؟ ألم نكن باسمك نتنبأ، وباسمك نشفي المرضى ونقيم الزمنى، وباسمك نطعم الجياع، ونكسو العراة، ونداوي المرضى، وباسمك نأكل ونشرب؟ فأقول لهم: قد كنتم تذكرون اسمي ولا تشهدون عليّ بالحق، ابعدوا عني يا عاملي الإثم. ثم اقول لأبناء اليمين: هلمّ ايها الصالحون الى رحمة الله والى الحياة الدائمة، وليس هاهنا من يطعم ويكسو او يداوي المرضى ويأكل ويشرب باسم المسيح ويفعل ذلك للمسيح إلا هؤلاء الطوائف من النصارى. فهذا نصّ واضح ببراءته منهم، وعداوته لهم.
والروم تأكل الخنزير وجميع الحيوان وذبائح الناس كلهم، فتبعوا الروم في هذا كما تبعوهم في غيره. فاذا قيل لهم في ذلك، قالوا: إن شمعون الصفا
[ ١ / ١٩٤ ]
رأى في المنام، واذا ثوب مربوط بأربعة اطرافه وهو ينزل من السماء الى الارض، فيه كل الدواب ذوات الاربع القوائم وزخارف الارض، وطير السماء، وحيوان الماء. وسمع صوتا يقول: قم يا شمعون، قم اذبح وكل، فقال شمعون: حاشا لي يا رب، فإني منذ قط لم آكل شيئا نجسا، فعاد الصوت/ المرة الثانية يقول له: لا تنجس ما طهره الله. وهذا عندهم رآه شمعون بعد موت المسيح ورفعه.
قلنا: فقد شهد شمعون ان هذا مما حرمه المسيح ونجسه، فقد اكد فضيحتكم اذ هو ما جاء الا بالتمام لا بالتغيير والنسخ.
والعجب ان معهم في أشعيا النبي «١»، أن شر الأمم وأنجس الأمم وأخبث الأمم، هذه الأمة ذات القلفة، الآكلة للخنزير، وكل البهائم. وهذا هو صفتهم.
وفي النصارى من يزيد في الكذب والمخرقة ويقول: انما قتل اليهود المسيح لأنه أحيا الموتى وأقام الزمنى «٢» في يوم السبت، وهذا دليل على انه أحل السبت، ونسخ ما في التوراة.
قلنا: قد بينا ما في الأناجيل وفي أفراسكس من وصايا المسيح بالتوراة، وما عمله، مما فيه بطلان هذه الدعاوي.
_________________
(١) في الاصل: شعيا بدون ألف
(٢) جمع زمين: وهو المريض الميئوس من شفائه.
[ ١ / ١٩٥ ]
ومما يزيد في البيان عن كذبهم قول متى في انجيله: «ان المسيح كان يتمشى بين الزروع يوم السبت، وكان تلامذته قد جاعوا، فجعلوا يفركون السنبل ويأكلون، فلما رأى الأحبار ذلك قالوا له: إن تلاميذك هوذا يفعلون ما لا يحل لهم فعله في السبت، فقال المسيح: فما قرأتم ما صنع داود إذ جاع، كيف دخل بيت الله وأكل من خبز مائدة الرب الذي لم يكن يحل له أكله، ما خلا الكهنة فقط.
وقال لهم ايضا: «وما قرأتم في التوراة ان الكهنة في الهيكل يحلّون الهيكل وليس عليهم لوم» . فانظر كيف بيّن ان هؤلاء ما حلّوا «١» السبت ولا ما في التوراة، وأنهم انما عملوا بما يحل في التوراة، ولكنكم انتم جهلتم، فلو كان قد نسخها لقال/ لهم: انما فركوا السنبل في السبت لأن الله قد نسخ ذلك على يدي، ولم يحتج الى تبيين حال الاضطرار.
وذكر متى في انجيله ان المسيح لما أبرأ الرجل الأمثال قالت له اليهود:
هل يحل الإبراء في السبت؟ فقال لهم: اذا وقع لأحدكم كبش في البئر أما تستخرجونه، فالانسان أفضل من الكبش، وأنه قد يجوز أن يفعل الفعل الجميل في السبت، فلو كان حل السبت لقال ذلك وأظهره ولم يحتج، وقد قال لوقا في انجيله: ان المسيح كان يعلّم في يوم السبت في بعض الكنائس، وكان هناك امرأة بها مرض منذ ثمانية عشر سنة، وكانت منحنية، ولم تك تستطيع ان تبسط قامتها، فلما رآها المسيح قال لها: ايتها المرأة قد أطلقت من مرضك، فعوفيت من ساعتها. فقال رئيس اليهود: إن الايام التي يجوز فيها العمل ستة ايام ففيها تعالجون لا في السبت، فقال له المسيح: أما يطلق
_________________
(١) هكذا في الاصل، ولعلها أحلوا.
[ ١ / ١٩٦ ]
احدكم ثوره او حماره عن المعلف في يوم السبت ويذهب به ويسقيه الماء، فهذه التي هي بنت ابراهيم ﵇، وقد ربطها للشيطان منذ ثمانية عشر سنة لا يجب ان تطلق عن الأسر. فلو كان كما قال هذا الكذاب، لقال:
السبت منسوخ، وكل الاعمال فيه جائزة مباحة.
وذكر متى في انجيله: ان المسيح خبّر ببلاء ينزل بأصحابه وجلاء، ثم قال لهم: صلّوا لله وارغبوا اليه ان لا يكون هربكم وجلاؤكم في يوم السبت ولا في الشتاء. وهذا قاله لهم عند فراقه إياهم ووداعه لهم، لتعلم تأكيده لإقامة السبت من بعده والتمسك بشرائع التوراة، وانما امرهم مسألة/ الله ألا يكون هربهم في يوم السبت، لأنه لا يحل لهم ان يحملوا في يوم السبت شيئا من امتعتهم وأموالهم، وانما يحل النجاة بالنفس لا غير. وكل هذا بيّن رفض النصارى لدين المسيح.
واذا قيل لهم: لم تصلّون الى المشرق وقد علمتم ان المسيح لم يزل يصلي الى بيت المقدس الى ان خرج من الدنيا، وانما المشرق قبلة الروم؟ قالوا:
لأن الله خاطب الانبياء من قبل المشرق، وبعضهم يقول: ان المسيح لما صلب أمال وجهه الى المشرق فلهذا صلينا الى المشرق، فقيل لهم: فمن أعلم بالمصالح أنتم أم المسيح، وقد علمتم وتيقنتم انه ما صلى الى المشرق، ولكنكم صرتم الى ديانات الروم وفارقتم دين المسيح.
وفي الانجيل سألته السامرية: ارى انك نبيّ انت، آباؤنا انما سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن الموضع الذي يجب السجود فيه انما هو اورشليم قال لها يسوع: ايتها المرأة «١» صدقت «٢»، أما [إن] «٣» بين اتباعه [من] «٤» لا
_________________
(١) في الاصل: الامرأة
(٢) في الاصل: صدقتي
(٣) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
(٤) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
[ ١ / ١٩٧ ]
يسجدون للرب لا في هذا الجبل ولا في اورشليم.
فانظر الى الافصاح والبيان في هذا، ان المسيح إنما كان يصلّي الى اورشليم وهو بيت المقدس، ليعلم انهم خالفوا ما كان عليه.
وقد ذكرت لك انه ما قصدنا بيان فساد النصرانية، إنما قصدنا البيان عن مفارقتهم لدين المسيح ومخالفتهم له في الاصول والفروع جميعا مع شدة تحققهم به، وأن علم محمد ﷺ بذلك انما هو من قبل الله ﷿، وأن ذلك من معجزاته وآياته وإن كان قد اتفق من حكايات اقوالهم والرد عليهم ما لا يكاد يوجد في كتاب، سيما حكاية تسابيحهم وأقاويل رؤسائهم.
فاحتفظ بذلك فانك لا تكاد تجده/ في كتاب، وبك الى حفظه امس الحاجة.
فأما المسألة لهم والرد عليهم فكثير.
فمن ذلك، كتاب الجاحظ، وكتاب آخر له يعرف بالرسالة العسلية، ولأبي جعفر الاسكافي، ولأبي بكر احمد بن علي بن الأخشيد قطعة حسنة في كتاب المعونة. ولأبي عيسى الوراق كتاب عليهم، ولأبي علي كتاب عليهم، ولأبي هاشم مسألة في البغداديات، وفي أصول ابن خلاد وفي شرحه، وفي الايضاح لأبي عبد الله البصري، رحمة الله عليهم اجمعين، كلام عليهم «١» .
_________________
(١) ابو بكر الاخشيد احد رجال الفكر الذين أيدوا المعتزلة في بعض أقوالهم وخالفوهم في بعضها توفي سنة ٣٢٠ هـ. اما ابو علي وابو هاشم فهما من كبار رجال الاعتزال وقد سبق التعريف بهما، اما ابو عبد الله البصري فهو الحسين بن علي اكبر أساتذة القاضي عبد الجبار ومن كبار رجال المعتزلة توفي سنة ٣٦٧ هـ او ٣٦٩. واما ابو علي بن خلاد فهو ايضا احد كبار رجال الاعتزال وهو صاحب كتاب الاصول والشرح في علم الكلام وهو احد أساتذة القاضي وقد عده في الطبقة العاشرة، اما ابو جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي فقد كان احد أئمة الاعتزال، خلف حوالي سبعين كتابا في الكلام، توفي سنة ٢٤٠ هـ.
[ ١ / ١٩٨ ]
وليس عندهم ان المسيح تكلم في المهد، ولا اتى ببراءة ساحة امه، وأكثر ما عندهم ان مريم ﵍ كانت مملكة بابن عم لها يقال له يوسف ويعقوب النجار، وأنها كانت عنده، وأن الناس كانوا يرون ان المسيح ابن يوسف، الى ان عمّده يوحنا في الاردن، وجاء الصوت من السماء: هذا ابني الذي سررت به نفسي. قالوا: فعلمنا انه ابن الله تعالى الله لا ابن يوسف النجار. قالوا: وكان هذا بعد ان اتى على المسيح ثلاثون سنة، وكان الناس لا يشكون انه ابن النجار الى ان جاء هذا الصوت بزعم النصارى، فأي سخف وضعة وطعن في حكمة الله اعظم من هذا، وهو عندهم رب العالمين، وقد خلّى عباده يقذفون امه.
وفريق منهم وهم الخاصة يذهبون الى ان ربهم يهودي بن يهودي، مولود من يهودية، وان امه امرأة يهودية، وقال متى في انجيله: لما ظهر الحمل بالمسيح بمريم البتول هم يوسف النجار بطلاقها، فأتاه الملك في المنام فقال له:
يا يوسف النجار لا ترتب بحليلتك مريم فإن الحالّ فيها من روح القدس، فأمسك عن طلاقها.
فانظر كيف يشهد بأنها حليلة يوسف النجار وزوجته، / وانه هم بطلاقها واتهمها بالزنى وأراد طلاقها فرارا من العار.
وبعضهم يذكر في ترجمة انجيله: هذا ميلاد يسوع «١» بن يوسف النجار، ومتىّ يقول في انجيله: هذا ميلاد يسوع «٢» المسيح. وقال: يعقوب والد يوسف رجل مريم التي منها ولد يسوع المسمى مسيحا، فانظر كيف يحققون ان يوسف زوجها.
_________________
(١) في الاصل: ياشوع.
(٢) في الاصل: ياشوع.
[ ١ / ١٩٩ ]
وفي الانجيل ان المسيح لما ولد ختن بعد ثمانية ايام، وان يوسف النجار اخذه مع امه وخرج بهما الى مصر فأقام اثني عشر سنة، ثم اخذهما وردهما الى بيت المقدس.
وفيه ان يوسف دخل بيته فقال لمريم: اين الصبي، يعني عيسى المسيح، فقالت له: ظننته معك، فقال: وأنا ظننته في البيت عندك ومعك، فقلقا لذلك وخافا عليه الضياع، فخرجا جميعا في طلبه، فقال يوسف النجار:
لمريم خذي انت طريقا وآخذ انا طريقا آخر، فلعل واحدا منا يجده.
فمشيا متحرقين، فلقيته مريم امه فقالت: يا بني، اين تكون؟ ظننتك مع ابيك وظنك ابوك عندي فلما لم يرك قلقنا فأخذ ابوك في طريق وأخذت انا هذا الطريق، فأين كنت، ومع من كنت وابوك متحرق عليك؟
فقال: كنت في بيت المقدس اتعلم.
وذكر متى في انجيله: ان المسيح اجتمع مع اليهود وضرب لهم الامثال، فلما فرغ المسيح من هذه الامثال تحول فدخل مدينته، وكان يعلم في كنائسهم فكانوا يتعجبون ويقولون: من اين لهذا هذه الحكمة، أليس هذا ابن يوسف النجار، أليس امه التي تسمى مريم واخوته يعقوب وشمعون ويهوذا واخواته كلهن أليس هن عندنا، من اين لهذا هذا كله، وجعلوا يحتقرونه ويأثمون فيه/ ويقذفونه، والمسيح يقول لهم: ليس من نبيّ إلا ويحتقر في مدينته.
والنصارى توافق المسلمين في ان المسيح ولد من غير ذكر، ثم يقولون في اناجيلهم: إن يوسف النجار زوج مريم ام المسيح، ورجل مريم، وابو المسيح، وانه كان يدعي بذلك ويعرف به غير متناكر بينهم، وأنه كان له إخوة وأخوات.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وفي أناجيلهم وأخبارهم انه لما طلب جاءته أمه مريم ومعها أولادها يعقوب وشمعون ويهوذا، فوقفوا حذاءه، فقال لها وهو على الخشبة: خذي أولادك وانصرفي، فما الذي بعد هذا في البيان ان مريم ولدت بعد المسيح من يوسف النجار هؤلاء الجماعة وكانوا إخوة المسيح من أمه، فأي فضيحة تكون أبشع من هذا.
ومن عجيب امر النصارى، ان اصحاب الأناجيل الاربعة قد قصدوا الى ذكر نسب يوسف النجار خاصة، وليس في ذلك نسب للمسيح اذ كان مولودا من غير ذكر، وانما يتصل نسبه الى سليمان بن داود ﵉ من قبل أمه لا من قبل احد من الرجال، وهذا تخليط بيّن وجهل ظاهر، ولذلك وجد اليهود السبيل الى الطعن في المسيح.
ولتعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف من النصارى أجهل عالم الله بالمسيح واخباره وأخبار أمه، وان كل واحد من اصحاب هذه الأناجيل إنما تلفظ ما كتبه بعد المسيح بالدهر الطويل، وبعد مضي اصحابه عمن لا يعرف ولا يحصل، وفيها من الاختلاف والتناقض لما هم عليه ما يطول شرحه.
وفي أناجيلهم ان المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية فقذفهم وقال مجيبا لهم: إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية ولن تعطى آية خلا آية يونان النبي، هذا على قولهم يدل انه ما معه آية بهذا الإفصاح، وأنه ما ادعى ذلك عند/ الحاجة اليه.
والنصارى لا تعرف الربوبية ولا تفرق بينهما وبين الانسانية ولا يقوم على احد حجة بنقلهم وادعائهم إلا بايات للمسيح، ولولا شهادة رسول الله ﷺ للمسيح ﵇ بالنبوة لما عرف احد ذلك.
[ ١ / ٢٠١ ]
ومن أكبر كيد رؤساء النصارى، ادعاء المعجزات لأنفسهم ولأمثالهم ممن سلف من رؤسائهم، والنصارى تقبل ذلك منهم بغير برهان ولا حجة، فاذا مات ذلك الرئيس من راهب او قس او مطران او جاثليق قعد راهب وقال:
أنا كنت أخدمه فرأيت منه العجائب، فترحموا عليه معشر النصارى، وتوسلوا الى الله به فانه شاهد، فاشهدوا قبره وأكثروا زيارته. فيقول النصارى له:
يا رباني «١» حدثنا بما رأيت منه فيمتنع ويقول: أعفوني من الشرح، وكلما تمنع لجّوا في مطالبته، فيقيم على الامتناع فيزدادون حرصا في استخباره، فيقول: إنه في حياته ما تحدث به فما أحبّ أنا ان أتحدث به بعده، وإنما ذكرت لكم فضله لتتوسلوا الى الله به، فان صدقتموني فافعلوا وإلا فدعوا فما يضرني وليس هي أعجوبة وآية لي وانما هي له، فيزدادون حرصا، فيقول:
قد كان انقطع بنا الزيت في البيعة، وكان لا يطلب الزيت من احد ولا يدعني أطلبه، فاذا كان الليل أشعل القنديل وقام الى جرة له فيها خل فيصبه في القنديل فيصير من ساعته زيتا فيصطبح به كذا وكذا شهرا وقد كان في الجرة أكثر من خمسين رطلا خلا وهو في الجرة نأكله عند الافطار، وفي الليل/ اذا قلبه في القنديل صار زيتا.
ويتحدث آخر عن راهب صحبه، يقال له أبا مرقس، وانه كان كثير العبادة، وأنه توكل على الله وألقى نفسه في البحر، وقال: يفعل الله بي ما شاء، إن شاء غرقني وان شاء نجاني والقاني حيث شاء من ارضه. قال: فما جسرت ان افعل مثل ما فعله، وأقمت بمكاني بعده على ما فيّ من وحشة فراقه مدة طويلة، ثم دعاني ما فيّ من الوحشة له ان افعل مثل فعله، فإما
_________________
(١) في الاصل: يا ربن
[ ١ / ٢٠٢ ]
ان أغرق فأستريح من الوحدة»
. ففعلت وبقيت في البحر مدة، ثم ألقاني الله الى ارض لا اعرفها ولا بها ينبوتة يأكل منها حيوان؛ فأقبلت امشي فيها فوقعت عيني على شخص قائم يصلي فقصدت نحوه فاذا هو «أبّا مرقس» صاحبي، فقلت له: ربّاني «٢»، مذ كم انت هاهنا؟ قال: مذ فارقتك ألقاني الله الى هذه الارض، فقلت له: من اين تعيش وليس هنا ينبوتة يأكلها حيوان؟ فقال: اذا كان العشاء التفت من صلاتي فأجد سمكة مشوية حارّة في طبق رغيفين وسكرجة عسل، فأفطر على ذلك ويرتفع الطبق ولا ارى من يرفعه ولا من يضعه. فقلت له: هذا المقدار هو قوتك انت وان شاركتك فيه ضيقت عليك، فكيف اعمل انا وهذه ارض قفر، ما بها نبات ولا بها يبس «٣»، فقال: ما ادري وان شئت ان تقيم وتشاركني فيما يجيئني فافعل.
فأقمت، فلما كان العشاء اذ بطبقين وسمكتين ورغيفين وسكرجتين، أحدهما لي، والاخرى له. فقال لي: قد جاءك من الرزق مثل ما جاءني، فأقمت معه كذا وكذا/ سنة، فمرض ووصاني بدفنه وأمرني انصرف بعد دفنه اليكم لأعرفكم خبره لتزدادوا بصيرة في دينكم، ولولا وصيته لما فارقت المكان.
ويقول آخر من الرهبان لهم: أبشروا معشر النصارى، فإن دينكم الحق، فقد رأيت من العجب ما عرفت صحته، فيقولون له: مثل اي شيء رأيت فيقول: ليس هو شيء لي وإنما هو لغيري، وهو اني كنت في جملة الجاثليق فلان، فقال لي: يا اخي بلغني عن مطران خراسان انه يأكل اللحم، فامض اليه وقل له: اما علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم؟ فمضيت
_________________
(١) لعل في العبارة نقصا
(٢) في الاصل: ربن
(٣) في الاصل: أيبس
[ ١ / ٢٠٣ ]
اليه فاتفق دخولي عليه وبين يديه مقلى مملوء عصافير قد قليت وهي حارة، وهو يأكل، فقال لي: كل، فقلت له: ابونا الجاثليق ارسلني اليك يقول لك: أما علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم، فقال لي: هكذا قال لك ابونا؟ فقلت: نعم، فرفع يده وقال لي: نعمل ما قال ابونا، وقال لتلك العصافير التي في المقلى: كش، فتطايرت كلها، ورفع المقلى، فيصدقونه ويدونون ذلك، ويكتبونه. ويطرأ على من بالعراق منهم وما والى العراق راهب لا يعرفونه، فيقولون له: وقد دخل البيعة: رباني، من انت، ومن اين جئت؟ فيقول: دعوني وأعفوني فيراجعونه فيقول:
ذنبي عظيم وفضيحتي فاحشة فلا تسألوني عن شيء، فيلحون في سؤاله فيقول:
بشرط انكم تسترون عليّ، فيقول: انا كنت رجلا يهوديا شديد البغض للنصارى والمسيح، وسمعتهم يقولون في الانجيل ان المسيح قال: من كان نصرانيا خالصا وقال للشجرة قفي على أمواج البحر/ ولا تبرحي، فانها تقف. وكنت لا اصدق بهذا فجئت الى الملك وقلت له: أنا رجل يهودي، وقد قلتم ان المسيح قال لكم كيت وكيت، فإن صح هذا ورأيته بعيني تنصرت من ساعتي. فوجه الملك الى السواد فجاؤوه بشيخ ضعيف البنية وعليه المسوح، فقال له: هذا رجل يهودي، وقد قال كذا وكذا، فهات ما عندك في هذا، فأقبل الشيخ عليّ وقال: يا هذا اتق الله، إن كنت متعنتا فامض بسلام ولا تؤذنا، وإن كان ما تقوله حقا وعن نية صادقة فعرفني، فحلفت له على صدق نيتي، فقال لي: اذهب الى الصحراء فانطر اي شجرة شئت فعلّم عليها وارجع اليّ فعرفني العلامة، فذهبت وأعلمت على شجرة عظيمة ورجعت اليه فعرفته، فقال لي: تجيئني في غد حتى اريك شجرتك على موج البحر كما اقترحت. فجئته من غد وأخذ بيدي وجاء بي
[ ١ / ٢٠٤ ]
الى البحر فأراني الشجرة التي اعلمت عليها قائمة منتصبة على موج البحر فتنصرت، فأنا اسيح في الارض وأبكي على ذنوبي وذهاب ايامي. فيصدقونه، ويكتبون ما قاله، ويكون مما يدرس في البيعة ويسمعه الرجال والنساء.
ويجيئهم آخر من الرهبان فيبكي، فيقولون له: من انت، وما يبكيك؟
فيقول: دعوني فإن مصيبتي عظيمة، فيقال له: اذكرها يا بني، فيقول:
ما اعقل امري، وما ادري ما اقول، فيقولون له: على كل حال اذكر مصيبتك وعرفنا حالك، فيقول: او ليس قد مات ابونا جورجس؟ فيقال له: ومن جورجس؟ فيقول صاحب البلا الفلاني والصومعة الفلانية، فيقولون:
ما نعرفه، وربما فيهم واحد يقول: قد سمعت به فيقول: فهل بلغتكم آياته ومعجزاته، فيقولون: حذ ثنابها، واذكرها لنا. فيقول: ما «١» لي اذكرها لكم، ما انتم نصارى بل انتم خلاف النصارى، ولو كنتم نصارى لعرفتموه وعرفتم آياته ودلالاته. فيسألونه ذكرها فيأبى ويتمنع، فلا يزالون يراجعونه/ فيخبرهم ان الملك الفلاني ارسل فأشخصه، وقال له:
ارجع عن هذا الدين وأنا اعطيك وأكرمك وأشاركك في ملكي، فأبى، فحبسه في محبس وثيق ضيق، ثم طلبه من السجان فما وجده في السجن، فلحق السجان من الملك كل ما يكره، وقال له: انت اطلقته، وبث الرسل في طلبه فوجدوه في صومعته فأتوا به الملك فقال له: اخبرني عن السجان، اهو الذي اطلقك؟ فيقول: لا، المسيح اخرجني، وفتح الابواب لي، وحجب الأبصار عني، فقال له الملك: انا الآن احبسك في محبس، فقل للمسيح يطلقك. فحبسه في حبس وثيق من وراء ابواب حديد مقفلة،
_________________
(١) في الاصل: لما، ولعل الصحيح ما اثبتناه.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ثم طلبه فما وجده. فأرسل الى صومعته فإذا هو فيها، فجاء به، وقال له:
من اطلقك فقال له المسيح: فرده الى الحبس وقيده وثقله بالحديد وزاد في التوثق، ثم طلبه فما وجده في الحبس، والأبواب والأقفال كما كانت، ووجد القيود؛ فأرسل في طلبه فوجده في صومعته فجاؤوا به وقد اغتاظ الملك مما يتم له، ومن تخجيله له مرة بعد اخرى، فأمر فضربت عنقه ودفن فلما كان من غد يوم دفنه وجدوه في صومعته، وقيل ذلك للملك، فبعث وأحضره وقطعه إربا «١» وحمل ودفن فلما كان من غد وجده في صومعته، وقيل ذلك للملك، فأرسل وجاء به وقطعه إربا «٢»، ودعا بنار فأحرقه وأمر برماده فألقي في البحر، فلما كان من الغد وجدوه في صومعته، فأرسل الملك وجاء به واعتذر إليه وتنصر.
فيقول الراهب: وكل هذا كان منه وأنا معه وأشاهده منه وما فعله الملك به، فمثل هذا لا ابكي عليه ولا تعظم مصيبتي به. وأشد من هذا، جهلكم وغفلتكم حتى كأنكم ما انتم نصارى ولا سمعتم/ بالنصرانية، ويبكي، فيصدقونه ويعتذرون إليه من غفلتهم وجهلهم بهذا الرجل وبما كان معه، ويجتمعون:
رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ويسألونه ذكر ذلك لهم، فيعيده على فوج بعد فوج، فينصرفون عنه وقد صدقوه. وينبثون ويتحدثون بذلك سرورا به، ويخالدون ذلك، ويجعلون لمثل هذا اعيادا، ويجعلون له أياما معلومة يقيمون هذه الاعياد فيها، ويعيدون حديثهم ليتطرّا ذكرها وليسمعها من يشاء من ذراريهم، ويسمون ذلك ذكران؛ فيقولون: هذا ذكران جورجس
_________________
(١) في الاصل: ارابا
(٢) في الاصل: ارابا
[ ١ / ٢٠٦ ]
وهذا ذكران ابا مرقس، وهذا ذكران فلان «١» .
ويجيبهم آخر، فيقول: تدرون معشر النصارى لم صار في العرب والقبط والحبشة والفلانيين «٢» نصارى؟ فيقولون: لا، [فيقول «٣»] ولكنني أدري ولو كنتم نصارى لدريتم، فيسألونه فيخبرهم. فيقول ان الآباء الأوائل باتوا ليلة لسانهم واحد، فأصبحوا وقد نطق كل واحد منهم بلسان امة من الأمم، فانطلق كل واحد منهم الى تلك الأمة التي نطق بلسانها، فدعاهم بلسانهم، وأظهر لهم الآيات والمعجزات، وإلا فقولوا لنا: لم تنصرت الارمن والعرب والقبط والحبشة؟ فيقولون له: صدقت، هذا برهان نيّر فيكتبون هذا ويدونونه ويجعلون له عيدا وذكرانا، وهذا اصله ومخرجه وأوله. فإذا تخلد وانبثّ ومرّت عليه الدهور وأتت عليه الأعصار، ادعوا انه شيء كان أصله بمشاهدة الأمم لأن الكذب فيما تقادم عهده أمكن. وانما يجعلون له ذكرانا وعيدا ويوما بعينه لتتم الحيلة فيه، وليظن من يسمع انه ما جعل له عيد ويوم معلوم وتاريخ مؤقت محدود إلا وهو حق وله اصل ليتأكد/ الكذب ويتم التمويه، وليتصل البر والصدقات على الرهبان في هذه الاعياد. والفطناء من النصارى يقولون: هذه الآيات والمعجزات انما هي من احتيالات الجثالقة والرهبان ومن يبغض العمل ويفر من الكد، ويسمونهم بلغتهم السريانية «عازق معناثا «٤»» معناه انه ترهّب ولزم الدين ليأكل من غير ماله ويستريح من الكد، والرهبان اذا ما تشاحنوا على ما يأخذون يقول احدهم لصاحبه:
النصارى يفضلونك علينا، ويعطونك أكثر مما يعطونا، ومالك من فضل
_________________
(١) كتب المعلق في الهامش: في سبب ذكران النصارى.
(٢) هكذا في الاصل
(٣) في الاصل لا توجد كلمة فيقول، وهي اضافة مني ليستقيم الكلام.
(٤) كتب المعلق في الهامش: عازق معناثا.
[ ١ / ٢٠٧ ]
علينا، كلنا قد فر من العمل، وانما نحن نصلي للنصارى. ولهم من المكاشفات ما يطول شرحه، ولكن ليس متأمل ولا متخرق على الاسلام ولا متفقد «١» .
وربما ورد الراهب على النصارى بمثل ما قدمنا، فيقبل الرهبان بعضهم على بعض بالقول فيما بينهم: تأملوا هذا الفار من العمل بأي شيء قد جاء يخدع النصارى، وانظروا هل يكون له بخت. وربما جاء الراهب الى الجاثليق بمثل هذ لينفق عنده، فيقول له الجاثليق: عزمت على الهرب من العمل، انت عازق معناثا، فربما بكى، وقال له: أبونا ما يحل لك ان تقول لي هذا، فيقول الجاثليق: يا أخي ما ينبغي ان تعمل معي هذا فأنا أعرف بالصنعة، هبنا خدعنا غيرنا، بعضنا يعرف بعضا والصنعة واحدة، وأنا عازق معناثا مثلك، فلا تبك.
ومثل هذا رحمك الله تجد كثيرا من القسيسين والرهبان، اذا رأوا راهبا او جاثليقا او قسا او مطرانا قد ادّعيت له المعجزات ونفق على النصارى، يقول بعضهم لبعض: انظروا بأي شيء نفق هذا على النصارى الجهال ونفذت حيلته فيهم واستوت له عليهم/ الرئاسة.
وكان متى بن يونس القس صاحب المنطق «٢» يقول عند مثل هذا: هذا بخت النغول «٣» . وعلماء النصارى يسرعون الى الإلحاد كما تقدم ذكره لك، ومما يدنيهم من هذا الامر، ان موضوع النصرانية ان الآيات والمعجزات
_________________
(١) هكذا وردت العبارة في الاصل
(٢) متى بن يونس النصراني (ابو بشر)، حكيم منطقي توفي ببغداد سنة ٣٢٨ هـ. ترجم عدة كتب في الفلسفة والمنطق الى اللغة العربية. انظر الفهرست ١: ٢٦٣، ابن ابي اصيبعة ١: ٢٣٥، القفطي ٣٢٣.
(٣) نغل الاديم فهو نغل اي فسد فهو فاسد، والنغل ايضا ولد الزانية. انظر القاموس المحيط
[ ١ / ٢٠٨ ]
تكون في عبادتهم في كل عصر لا تنقطع، تدعي ذلك الملكية لعبادها، كما يدعيه باقي طوائفهم، ويدّعون المشاهدة في كل زمان وأوان، مع إكفار بعضهم لبعض. وليس فيهم احد رأى شيئا من ذلك، وليس إلا الدعاوى التي تقدم ذكرها والذكران والاعياد، فيلحدون ويظنون بما يدّعى لموسى وهارون وعيسى ﵈ بمثل ما يدّعى للرهبان.
ومما يؤثر ان النصارى جلسوا في ذكران جورجس، وما جرى عليه من القتل مرة بعد مرة وهو يعود ويقوم من قبره الى الصومعة. فيقول قائل منهم: لو صدقنا انفسنا لعلمنا ان هذا كذاب لا اصل له، المسيح صاحب جورجس ذاق مرّ الحديد مرة واحدة فما عاد ولا تعرض لمثلها، فكيف بتعرض لها جورجس وهو دونه في الصبر والبصيرة، فأضحكهم.
وأكثر ما عند اهل البصائر منهم ان يقولوا: سبيلنا ان نسلم للرؤساء ونقنع في الدين بالتقليد ولا نطلب فيه البرهان، فليس امر الشريعة والبيعة من امر الطبيعة في شيء. وهذا شيء ألقاه لهم هؤلاء الرؤساء الذين يستأكلونهم ويسخرون منهم، وأكثرهم ملحدة كما قدمنا. وهم يريدون بالطبيعة ما يقوله أرسطاطاليس وأمثالهم من الملحدة: في ان الشمس والقمر وسائر أجساد السماء لا يجوز ان تتصدع ولا تتفرق، ولا ان تكون حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا حلوة ولا حامضة/ ولا ثقيلة ولا خفيفة، وما اشبه ذلك من جهالاتهم التي تزيد على جهالات النصارى أضعافا مضاعفة.
ويدعون انهم قالوا ذلك ببرهان. وان الربوبية والنبوات والشرائع لا يقوم عليها برهان فخاصة النصارى ورؤساؤهم أجهل من عامتهم بطبقات.
والقبط تبغض بني اسرائيل لما جرى عليهم وعلى فرعون من موسى.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فلما غلبت الروم على بني اسرائيل وملكت مصر والشام والجزيرة، وأخذت الناس بهذا الدين بالرغبة والرهبة كما بيّنا وكما ترى وتشاهد، اسرعت القبط الى ذلك، وخالطت الروم قبائل العرب من غسان وغيرها بالشام فدعتها الى النصرانية، وبذلت لها الملك، وذكروا لهم دين المسيح وما يذهبون اليه من المعجزات التي ذكرناها، فسهل ذلك عليهم وهم كانوا عبّاد أصنام، فلم يبعد عليهم ذلك.
وقد صار في هذه الامة من يسلك هذا السبيل، ويؤكد دعواه بادّعاء الآيات والمعجزات والتواريخ والايام، كادّعاء الحنبلية ان المعتصم بن الرشيد لما ضرب احمد بن حنبل انحل عنه مئزره فخرجت كف فشدت مئزره، وان المعتصم وتلك الجماعة من القضاة والفقهاء والمحدثين لما رأوا ذلك راعهم وخلى المعتصم ضربه وخضع له وسأله بعد أن اعتذر اليه ان يحله فأجابه احمد الى ذلك، فخلع عليه وكرمه، وسأله ان يدعو له، وصرفه الى منزله.
ويدّعون لمعروف الكرخي وغيره ما قد علمت «١» .
وادّعى آخرون ان رسول الله «٢» ﷺ استخلف على أمته رجلا بعينه، وان امته اجابته الى ذلك وأظهرت السمع والطاعة، فلما قبض رسول الله ﷺ
_________________
(١) كانت محنة الامام احمد بن حنبل (توفي سنة ٢٤١) بسبب موقفه الصلب الذي اتخذه في مشكلة القرآن هل هو مخلوق ام قديم، فقد كان من رأي المعتزلة اصحاب السلطة آنذاك ان كلام الله فعله فهو مخلوق، وقد حاولوا ان يأخذوا الناس والعلماء بعقيدتهم واضطر الكثيرون الى مجاراتهم بسبب ضغط خلفاء بني العباس: المأمون والمعتصم والواثق وبتأثير كبير وزرائهم احمد ابن ابي دؤاد، الا ان الامام ابن حنبل رغم التعذيب على رأيه من انه لا يطلق على القرآن لفظا يرد فيه نص. وقد أحيطت محنته بمبالغات كثيرة، اما معروف الكرخي فينسب له الصوفية كثيرا من الكرامات، توفي سنة ٢٠٠ هـ
(٢) عبارة «ان رسول الله» مكررة في الاصل.
[ ١ / ٢١٠ ]
عطلوا ذلك كلهم، وارتدوا/ بأسرهم. وهذا قول الكاملية، ورئيس هذه المقالة ابو كامل معاذ بن الحصين النبهاني الكوفي. وقال هشام بن الحكم «١»:
قد ارتدوا كلهم إلا نفرا يسيرا، فانهم أقاموا على اعتقاد هذا النص بضمائرهم وقلوبهم دون الإظهار بألسنتهم. قالوا: وهذا اليوم هو يوم الغدير «٢»، وحين ظهروا هذه الطائفة في سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة عيّدوا في ذلك اليوم ليؤكدوا كذبهم في المهاجرين والانصار في انهم ارتدوا، فاعرف ذلك.
والحنبلية والإمامية يحتجون بكثرتهم وان مقالتهم قد غلبت على البلدان، وقد تقدم لك القول: ان الكثرة لا تدل على صحة النحلة وانما يدل عليها قيام الحجة، وان قلّ عدد العاملين. بل لو كان القائل بالحق رجلا واحدا، وقامت له الحجة، لكان اولى بالحق ولو خالفه جميع اهل الارض. وقد قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁: إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف اهله، واعرف الباطل تعرف اهله.
وقد كانت الحنبلية تحتج على خصومهم من الرافضة بالكثرة وتقرع الرافضة بالقلة، والرافضة تحتج بأن الله قد ذم الكثرة ومدح القلة وتتلو ما في من القرآن، فلما اتفقت لهم منذ سني ونيف وخمسين وثلثمائة للهجرة احتجوا بالكثرة،
_________________
(١) هشام بن الحكم الشيباني: من كبار مفكري الشيعة ومتكلميهم توفي سنة ١٩٩ هـ. منتهى المقال ٣٢٢- ٣٢٣
(٢) يقصد غدير خم، وهي بئر على ثلاثة اميال من مكة، وقد روي ان الرسول ﵊ خطب المسلمين فكان من جملة قوله: «ألست أولى بكم من انفسكم؟ فقالوا اللهم نعم، فقال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » وهذا الحديث مشهور، وقد استدل به الشيعة على ان الرسول ﵊ قد نصّ على الخلافة من بعده لعلي ﵁، ولم يجد باقي المسلمين فيه اكثر من الدلالة على فضله.
[ ١ / ٢١١ ]
وكتب رؤسائهم القدماء مملوءة بذكر ذم الكثير ومدح القليل، فاعرف ذلك.
ثم يقال للامامية: إن النص الذي ادعيتموه من النصوص التي تلزم الكافة من الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمسافرين والمقيمين والخاصة والعامة، لو كان له أصل لكان العلم به عند كل عاقل سمع الأخبار كالعلم بأمثاله من نصوص الكافة وإن لم يعرف اليوم الذي كان فيه ولا المكان ولا عين اللفظ به، لأن قول النبي ﷺ: فلان خليفتي عليكم/ وحجة الله بعدي عليكم، كقوله: أنا رسول الله اليكم، وحجة الله عليكم، وقد عرف هذا من نصوصه ﵇ كل عاقل سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، وإن لم يعرف الوقت الذي قال هذا فيه ولا المكان، فإن عرفه كان من الفضل.
وهذا بيّن كاف، بل نصوص الإمامة والرئاسة الصحيحة منها والفاسدة إذا وقعت حصل العلم بها عند كل من سمع ذلك الخبر، ألا ترى ان نص عمر على عليّ ابن ابي طالب ﵄ بالإمامة والخلافة في الشورى قد عرفه كل من سمع الأخبار، وكذا نص اهل المدينة عليه بعد عثمان، ونص ابي بكر على عمر، ونص الصحابة على ابي بكر، ونص معاوية على يزيد، ونص مروان على عبد الملك، ونص عبد الملك على ابنه الوليد، ونص المنصور على المهدي. فلو كان النبي ﷺ قد نص على رجل من اصحابه بأي لفظ كان لكان العلم به اقوى من العلم بهؤلاء، لأنه ليس في هؤلاء احد يعتقد في نصه وفرضه ما يعتقده المسلمون في نصوص رسول الله ﷺ وأوامره، وفي فقد العلم بذلك دليل على انه امر لا اصل له بوجه من الوجوه. وبمثل هذا يعلم ان أمير المؤمنين ما نص على ابنه الحسن ﵄، وبمثل هذا نستدل على فساد قول أهل التناسخ وما يدعونه على العقلاء من الاكوار والادوار، وبمثله يعرف بطلان قول الملحدة في دعواهم في النفس، ونزولها من عالم العقل
[ ١ / ٢١٢ ]
الى عالم الحس.
فإن قيل: إن هذا قد حسد الناس صاحبه، ونافسوه عنه، ودفعوه ومنعوه من استعماله وذكره.
قيل له: انك لم تطعن في الدلالة، بل تركت ذلك وادّعيت دعوى اخرى، فدعواك الحسد والمنافسة كدعواك/ النص، وهذا فيه أتم كفاية على بطلان قولك.
ثم يقال له: إن هذا الدليل قد دل على ان ليس هناك من رسول الله ﷺ نص على رجل بعينه ينافس فيه او يحسد لأجله، فلو اراد اصحاب رسول الله ﷺ أن يعصوا الله بتعطيل نصه على امير المؤمنين لما قدروا على ذلك، ولا وجدوا سبيلا اليه، لأنه شيء ما كان قط ولا وجد.
ثم يقال له: لو كان هناك نص حتى ينافس صاحبه او يحسد لما قدح ذلك في العلم به، ولما زادته المنافسة إلا قوة. ألا ترى ان اهل المدينة لما نصوا عليه بعد عثمان قد نافسه معاوية ودفعه عن الخلافة فما اثر ذلك في العلم بعقد أهل المدينة عليه، بل زاده قوة ونشره وبسطه. وقد عقد اهل الكوفة للحسن بعد أبيه ﵄، فدفعه معاوية ونافسه وزاحمه وغالبه وغلبه، فما اثر ذلك في العلم بالعقد له بل زاده قوة. وقد ترشح سعد ابن عبادة الأنصاري للخلافة بعد رسول الله ﷺ، ورأى نفسه أهلا لذلك، فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه منه.
وقد ادعى مسيلمة النبوة فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه وقتله، وادعى طليحة ذلك فمنعه ابو بكر ودفعه وأسره، فما أثر ذلك في العلم بما
[ ١ / ٢١٣ ]
ادعى هؤلاء ودعوا اليه بل زاده قوة وعرف الناس الدعوى والمدعى، والرافع والمرفوع، والمانع والممنوع، هذا وليس لسعد احد يقول بامامته ولا يخاصم فيها، ولا يضع فيها الكتب، ولا يسير فيها الاشعار، ولا يقيم فيها المناحات، وكذا ما ادعاه مسيلمة وطليحة، فعلمت ان هذا شيء ما فعله رسول الله ﷺ ولا ادعاه، ولا ادعاه امير المؤمنين ولا دعا اليه، ولا كان احد من الصحابة يتديّن بذلك، ولا يذهب اليه حرّ ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى. يزيدك وضوحا بذلك، ان امير المؤمنين لما عقد له اهل المدينة كان قوم معه وقعد قوم عنه فلم يكونوا معه ولا عليه وكانوا في المدينة معه، كأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن مالك، وغيرهم. ثم رجع قوم ممن كانوا معه فصاروا عليه، وهناك قوم لم يكونوا معه بل كانوا في جميع الاحوال عليه، ويعلم بذلك كل عاقل سمع الأخبار.
وهؤلاء زعموا ان رسول الله ﷺ قام بهذا النص الشامل العام، وعرف الناس هذا الفرض وقدره عندهم، وأداه اليهم بحسب عمومه وشمولاه، وأعلمهم انه شيء يلزم كل واحد منهم، من حر وعبد وذكر وأنثى ومسافر ومقيم وعليل وصحيح، وانهم أظهروا له القبول والرضا، فلما مات ارتدوا كلهم ورجعوا عن هذا النص.
وقال هشام: ارتدوا كلهم إلا ستة نفر منهم، قلنا: فقد كان ينبغي ان يكون العلم بهذا عند كل من سمع الاخبار، وان يكون أقوى وأقهر واغلب من العلم بالذين قعدوا عن امير المؤمنين فلم يكونوا معه ولا عليه، ومن العلم بالخوارج الذين كانوا معه ثم صاروا عليه، ومن العلم بما كان بينه وبين معاوية، ومن العلم بالتحكيم، وإلا فكنا نكون كمن قال: ترون الحصاة وهي على ابي
[ ١ / ٢١٤ ]
قبيس «١»، ولا ترون أبا قبيس، وهو مكان الحصاة لأن ذاك العقد من رسول الله ﷺ اعظم، وفرضه أعم وأشمل من النص على القبلة، وعلى صيام شهر رمضان، وعلى/ الجمعة وغسل الجنابة. ألا ترى ان فرض القبلة يسقط عمن خفيت عليه الدلالة وعن المتأنف «٢» وعن المسافر في التطوع ولا يسقط عنه اعتقاد الإمامة وطاعة الإمام، وقد تسقط الجمعة عن المسافرين والمرضى والنساء والعبيد ولا يسقط عن احد منهم اعتقاد الإمامة وطاعة الامام، وقد يسقط الصوم عن المسافرين والمرضى والحيض ولا يسقط عن أحد منهم اعتقاد الامامة وطاعة الامام، فلو كان كما ادعوا لكان العلم بذلك عند كل عاقل سمع الأخبار أقوى وأقهر وأغلب من العلم بالقبلة وبصيام شهر رمضان، وبالجمعة وبغسل الجنابة. ومثله في النصوص، نص النبي ﷺ على انه رسول الله الى الناس جمعا، ألا ترى أن العلم بذلك حاصل عند كل عاقل سمع الأخبار، ممن صدقه او كذبه، فلو كان لهذا النص أصل لكان يعلمه كل عاقل سمع الأخبار وإن لم يقبله وإن لم يتدين به. كما علم اليهود والنصارى والمجوس انه ﵇ نص على انه رسول الله اليهم، وأن طاعته ﵇ تلزمهم وتجب عليهم، وفي عدم العلم بذلك دليل على أن هذا شيء ما فعله رسول الله ﷺ ساعة قط، ولا كان منه فيه إشارة ولا إيماء بوجه من الوجوه.
ولسنا نقول: إنه لو فعله لقبلوه وعملوا به، بل نقول: كان العلم يحصل
_________________
(١) ابو قبيس: جبل بمكة سمي برجل من مذحج حداد لأنه اول من بنى فيه. القاموس ٢: ٢٣٨
(٢) المتأنف: المبتدىء، والائتناف: الابتداء.
[ ١ / ٢١٥ ]
به عند كل من سمع الأخبار وإن لم يعملوا به، وإن اجمعوا على تعطيله كما اجمعوا على تعطيل إمامة سعد بن عبادة، ونبوة مسيلمة وطليحة.
فاعرف ذلك.
ومما يزيدك بيانا، ان النبي ﷺ قد نصّ على اشياء، فلما قبض ارتدت العرب عن ذلك بألوان الردة، / فادعى مسيلمة النبوة في ربيعة بأرض اليمامة وادعى مثل ذلك طليحة في بني اسد، ورجعت قبائل كثيرة من فزارة وقضاعة وغيرهم ممن هو معلوم عن الشريعة كلها، واستثقلوا ما حرّم عليهم من الخمر والزنا والربا والسرقة والغارة وغير ذلك، وارتد من بالبحرين وبنو يربوع وغيرهم لمنع الزكاة، وقالوا لأبي بكر: نشهد الشهادتين، ونقيم الصلاة، ونجاهد معك العدو؛ فإن ابيت ذلك لحقنا بالعدو وحاربناك.
وأقام ابو بكر والمهاجرون والانصار على الاسلام، وجاهدوا المرتدين كلهم، فحصل العلم بذلك عند كل من سمع الاخبار. فلو كان لما ادعاه هؤلاء القوم ادنى إشارة، لكان العلم بذلك مثل العلم بهذه الامور، بل قد كان ينبغي ان يكون اقوى واقهر، وإنما هذا شيء ادعاه ابو كامل وهشام «١» بعد انقراض الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين، وتابعي تابعي التابعين.
وعلى ان قوله ﵇: «انت مني بمنزلة هرون من موسى»، «ومن كنت مولاه فعلي مولاه»، وما اشبه ذلك مما يجعلونه حجة في دعاويهم، ليس من ألفاظ النصوص والاستخلاف والوصايا في لغة ولا في عقل ولا في شريعة، وانما هي فضائل ادخلها هؤلاء في هذه الدعاوي، وانه امر
_________________
(١) سبق ان مر التعريف بأبي كامل وهشام بن الحكم.
[ ١ / ٢١٦ ]
لا تقوم به حجة، ولا يجدون فيه حيلة، فلجئوا الى التعلق بهذه الفضائل، وقالوا: هي نصوص، فلو لم يدلك على فساد قولهم إلا تعلقهم بهذه الاشياء لكفاك وأغناك.
وقد رفع الله قدر رسول الله ﷺ ان تكون نصوصه ووصاياه بمثل هذه الالفاظ؛ يزيدك بيانا انه ﵇ قد نص على خلق كثير بالولاية والإمارة، فقال/ في غزاة مؤتة للجيش الذي أنفذه: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فان هلك فعبد الله بن رواحة. ومثل ذلك في الامراء ولعلهم نحو ألف امير، ما فيه نص بهذه الالفاظ التي يدعونها هؤلاء.
وقد استخلف ابو بكر عمر بن الخطاب، وعمر اهل الشورى، فليس فيهم من قال من كنت مولاه ففلان مولاه، وكذا سائر من عهد الى احد لم يذكر هذا اللفظ، وهم عرب وفصحاء، وفي دعوة الاسلام، وينتمون الى رسول الله ويؤكدون عقودهم بكل ما يقدرون عليه مما هو مستعمل في اللغة والشريعة؛ وهم لا يعرفون هذا اللفظ في العقود، وانما هذه فضائل لا مدخل لها في النصوص والوصايا والعقود. وقد قال رسول الله ﷺ في رجال كثير ما هو آكد وأشف من هذا وأوضح؛ ألا ترى انه قال:
«اقتدوا بالذين من بعدي: ابو بكر وعمر «١»»، وقال ﵇: «هما كالملائكة والأنبياء» في قصة أسارى بدر، لما أشار عليه ابو بكر بالعفو عنهم
_________________
(١) انظر كتب المناقب وفضائل الصحابة في كتب الحديث ففيها الكثير من الاحاديث في فضائل الصحابة جميعا.
[ ١ / ٢١٧ ]
واستبقائهم، واشار عليه عمر بقتلهم واستئصالهم، فقال رسول الله ﷺ: إن لأبي بكر وعمر إخوة من الملائكة والنبيين تشبههما، فأبو بكر كميكائيل في الملائكة ينزل بالعفو والرأفة والرحمة، وهو كابراهيم الخليل اذ يقول:
«فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١»»، وهو كالمسيح اذ يقول: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢»» .
ومثل عمر مثل جبرائيل ينزل بالعقوبة والنعمة، ومثله في الأنبياء كنوح إذ يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٣»»، وكموسى إذ يقول: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ «٤»» . وإن الله ليشدّ في هذا الدين قلوبا فيجعلها كالحجارة، ويلين فيه قلوبا/ فيجعلها ألين من اللبن. وشبّه عثمان بلوط ﵇، فانه لما اسلم آذته قريش، فهرب بدينه الى ارض الحبشة ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ودعهما رسول الله ﷺ وعانق عثمان وقال: «إنه لأول من هاجر بدينه مع اهله بعد لوط»، وقال ﵇: «من احب ان يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن ام عبد «٥»»، وقال ﵇: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن ام عبد، وكرهت لها ما كرهه ابن ام عبد «٦»»، وقال للأنصار:
«إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع»، «ولو سلك الناس شعبا
_________________
(١) ابراهيم ٣٦
(٢) المائدة ١١٨
(٣) نوح ٢٦
(٤) يونس ٨٨
(٥) رواه الامام احمد في مسنده وابن ماجه والحاكم عن ابي بكر وعمر. انظر الزيادة على الجامع الصغير ٣: ١٤٨
(٦) رواه الحاكم عن ابن مسعود. انظر الجامع الصغير ٤: ٣٣
[ ١ / ٢١٨ ]
وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديأ لسلكت شعب الانصار وواديهم»، وقال: «الانصار كرستي وغيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار «١»» وقال في عمه العباس وفي تفضيله وتفضيل ولده الاقوال الكثيرة، وقال في معاذ، وفي عبد الرحمن، وأبي عبيدة «٢»، وغيرهم من المهاجرين والانصار ما هو معروف مكشوف لا يشك فيه؛ فقد كان ينبغي على ما يدعي هؤلاء ان تكون هذه الفضائل نصوصا «٣» اذا كانت الالفاظ على خلاف ما يعرف منها في اللغة العربية.
وهؤلاء يقولون: انتم لستم من العرب ولا تعرفون العربية، فلهذا ذهب عليكم ان قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه، «وانت مني بمنزلة هرون من موسى» [يعني الاستخلاف] «٤» .
قلنا قد فرغنا من هذا مرة وبينا ان هذا ليس من الفاظ الاستخلاف البتة، لا في عقل، ولا في لغة، ولا في شريعة.
وأيضا، فلو كان هذا من ألفاظ الاستخلاف لكان اولئك القوم الذين سمعوا هذا من رسول الله ﷺ قد عرفوا صدقه وقصده، فكان من بعدهم يعرف ذلك كما عرفوا وان لم يكن من العرب ولا يعرف العربية، لأن مدار الامر في ذلك/ وأشباهه على المعاني لا على الالفاظ. ألا ترى ان رسول
_________________
(١) لفضل الانصار انظر مناقب الانصار والصحابة في كتب الحديث.
(٢) انظر لفضلاء هؤلاء ابواب المناقب في كتب الحديث، وانظر الرياض النضرة في فضائل العشرة للطبري.
(٣) في الاصل: نصوص
(٤) في العبارة نقص، ولعلها ان تستقيم باضافة «يعني الاستخلاف» في آخرها.
[ ١ / ٢١٩ ]
الله ﷺ لما دعا ونصّ: أني رسول الله الى الناس كافة، وأنه حجة الله على كل ما يأتي الى يوم القيامة، وانه لا شيء معه ولا بعده، وجميع ما دعا اليه وحرمه من المحرمات، علم ذلك من قصده وما عناه وأراده كل عاقل سمع اخباره من العرب والروم والفرس والهند والقبط والأرمن، ممن يحسن العربية وممن لا يحسنها ولا يدور لسانه بها، ولا يحسن [التلفظ] «١» بقول رسول الله، ولا يحسن يتلفظ بشيء من المحرمات؛ كلّ قد عرف ذلك من قصده بإشارة الخرس الذين بلغتهم الدعوة من المؤمنين والكافرين. فيعلم بطلان هذه الدعاوى.
بل لو تكلم ﷺ بما لا يعرفونه في اللغة، وقصد به معنى من المعاني، ونقلهم عما يعرفون في لغتهم لعرفوا قصده ومراده. ألا ترى ان الوضوء في اللغة انما هو التنظيف، فجعله اسما لغسل هذه الأعضاء الاربعة فعرفوا قصده، وان لم يكن قبل ذلك في اللغة. والصلاة في اللغة: الاتباع والدعاء، لا يعرفون إلا هذا، فجعل ﷺ هذا اسما للتوجه الى القبلة بعد الوضوء مع الركوع والسجود، فعرفوا قصده وإن لم يكن ذلك في لغتهم.
وكذا الزكاة، انما هي في اللغة اسم للزيادة والنماء في المال، فجعله اسما»
لما يؤخذ من اموالهم، فعرفوا قصده، وعرف من بعدهم ممن بلغه خبرهم مثل ما عرفوا، فيعلم ان رسول الله ﷺ ما عنى بالأخبار التي يروونها عنه ما ظنوه وعنوه.
وقد دعا امير المؤمنين علي بن ابي طالب الى نفسه، وفرض على الناس
_________________
(١) اضافة على الاصل
(٢) في الاصل: اسم
[ ١ / ٢٢٠ ]
طاعته، وابتلى بمن خالفه، / وبمن قعد عنه، وبمن ضلله، وبمن ارتد عنه من اصحابه؛ فما احتج على مخالفيه إلا بالاختيار، وان طاعته قد وجبت لأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر، وعمر، وعثمان. وقد احتج لنفسه، واحتج عنه ولده وشيعته وأهل بيته، وكاتب معاوية وراسله. ثم صار الى الشام، واحتج على اهل الشام واهل البصرة واهل النهر هو وأصحابه؛ فما احتجوا في مكاتبة ولا في مراسلة ولا في مشافهة، إلا بأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان وانه لا تحل مخالفته كما لم يحل مخالفتهم، ولا يذكرون في احتجاجهم كما يذكر هؤلاء من الآيات ولا من الاخبار، ولا قوله «من كنت مولاه»، ولا «انت مني بمنزلة هرون من موسى»، مما يحتجون به. فلو كانوا هؤلاء شيعته ﵁ لسلكوا سبيله واقتفوا اثره؛ فقد بلي من هذا الأمر، ومن خلاف الناس عليه، ومن رجوع اصحابه عنه، ومن اكفارهم له، ما لم يبتل به ابو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا احد من اهل الشورى والبدريين. وقد بالغ في اقامة الحجة عليهم وكلهم من اهل القبلة واهل الصلاة والى القرآن يرجعون، وبأحاديث رسول الله ﷺ يحتجون، والحجة من قبله يطلبون؛ فما قال قط ولا ولده ولا من يحتج عنه من اهل بيته: ان رسول الله ﷺ قد قال فيّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ولا «انت مني بمنزلة هارون من موسى»، وهذا نص منه على استخلافي، وهذا شيء تأويله النص، وباطنه الاستخلاف.
ولا قال هو ولا احد من اصحابه ومن يحتج له: لم تكفرونني وتضللوني والنبي قد استخلفني ونص عليّ وشهد بعصمتي، وأني لا أخطىء ولا أزل ولا أضلّ ولا يقع مني معصية لله. وهو ﵁ أعلم بدين الله وبالحجة، وأفقه وأبصر وأشجع، فلو كان لذلك أدنى إشارة/ من رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٢١ ]
لاحتج بها وبيّنها قبلوا ذلك منه أو لم يقبلوا. وفي هذا أتم بيان وأوضح حجة.
وأعلم، أن هؤلاء يحتجون مذ زمن ابن الراوندي: ان رسول الله ﷺ وسلم نص عليه نصا مكشوفا لا يحتمل التأويل، فقال: عليّ بن ابي طالب الخليفة عليكم من بعدي، وقال لهم: «سلموا عليه بإمرة المؤمنين «١»»، وأن رسول الله ﷺ قام فيه في مقام بعد مقام، وفي عام بعد عام، نحو مائة مقام مذ بعثه الله بمكة والمدينة، والسفر والحضر، الى ان توفاه الله؛ فينبغي ان لا تكلمهم إلا في هذا النص المكشوف المعروف، وتقول لهم، المصير الى الأمر المكشوف والحجة الواضحة اولى بنا وبكم من المصير الى المشكل الملتبس الذي يحتمل التأويل، فإن الكلام عليهم حينئذ يكون اوضح وأقصر؛ فيجري هذا مثل نصه ﵇ على النبوة.
وهم يفرّون شديدا من هذا النص المكشوف مع من يعلم ويحصل، فإن ابتليت منهم بمن يقول: لا أتكلم في النص المكشوف بهذا، فقل له: إن كنت لا تتكلم فيه فسلم لنا بطلانه وكذب من ادعاه وادّعى نقله. فان قال: لا أسلم، قيل له: ليس يخلو من ان يكون حقا وصدقا فينبغي أن تصير بنا اليه، أو كذبا وباطلا فينبغي ان تتبرأ منه وتخطىء من احتج به.
فإن قال: كذلك أفعل، قيل له: فهذا شيء قد ادّعته أمم عظيمة،
_________________
(١) ان اكثر الاحاديث التي رويت في خلافة علي ضعيفة او موضوعة، وعلى فرض صحتها فانها تشير الى الخلافة على اهله ﷺ، منها: «ان اخي ووزيري وخليفتي من اهلي وخير من اترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي» . انظر تنزيه الشريعة عن الاخبار الشنيعة لعلي بن القرن الكتاني، الجزء الاول، ففيه الكثير من هذه الاخبار.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وادّعت معرفته ونقله. فإن قال: هم كذاك يدّعون، وإنما وضعه لهم واحد من الناس وقال لهم: إن هذا قد قاله النبي ﷺ ونقلته عنه الامم فأحسنوا به الظن وصدّقوه وإن كان لا أصل له.
قيل له: وكذلك ما تدعيه انت من التأويل في الآيات/ والأحاديث التي تحتج بها، ما أراد رسول الله ﷺ ولا امير المؤمنين بها ما تعنيه انت وتعتقده، وإنما هي فضائل، ولكن هشام بن الحكم قال هي نصوص والنبي ﷺ اراد بها الاستخلاف؛ فأحسن به قوم الظنّ فقبلوا ذلك منه واعتقدوه وادّعوا انهم ومن قبلهم قد نقل ذلك عن رسول الله ﷺ، وليس هناك شيء ينقل ولا يكتب، ولكنهم قوم سمّوا اعتقادهم نصا ودعواهم نقلا، كما يدّعي اليهود ان موسى ﵇ نصّ لهم على تأييد شريعته؛ وكما يدعون هم والنصارى من الصلب وكما يدعي النصارى خاصة قيامه من قبره وانه ﵇ أقام معهم اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه؛ وكما ادعوا ان هيلانة الحرانية وقع اليها [الخشبة] «١» التي صلب عليها المسيح مع خشب غيرها فلم تعرفها وأشكلت عليها فامتحنت ذلك بجنازة مرت بها، فجعلت تضع عليها خشبة بعد اخرى من خشب المصلين، فلم يقم الميت إلا باخر خشبة، قالوا: فعلمت انها هي الخشبة التي صلب عليها المسيح. فقالوا:
وقد شهد هذا الأمم الكثيرة ببيت المقدس من اليهود والروم غير ان اليهود كتموا ذلك، ويسمّون هذا اليوم: عيد الصليب «٢»؛ ويوم قيام المسيح من قبره بزعمهم عيد السلامة. ولهم مثل ذلك كثير، وهذا امر لا
_________________
(١) في الاصل: الصليب، وقد صححها المعلق بالخشبة.
(٢) في الحاشية عنون الكاتب او المعلق لهذا البحث بقوله: عيد الصليب عيد السلامة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أصل له، وانما هو موضوع لهم أحسنوا به الظن كما اصاب هؤلاء الرافضة من اصحاب النص.
على ان هشام بن الحكم قد أقر بذلك فقال: قد ادركت الشيعة في الصدر الاول وهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان ويصوبونهم، ويقولون: هؤلاء ما دفعوا امير المؤمنين عن حقه ومقامه، وانما دفعه المنافقون/ الذين كان القرآن يهتف بهم فنظر هؤلاء فاذا ليس احد أحق بالإمامة بعد علي منهم، فقاموا ذلك المقام بحق.
وقال هشام بن الحكم: ومنهم من قال: لما رأى الوصيّ عليّ بن ابي طالب المنافقين قد أزالوه عن موضعه، قدّم أبا بكر واستخلفه ليكون بمكانه الى ان يتمكن فيزيله.
قال هشام: وهذا كله تلزيق وتلفيق دعاهم اليه الجبن من الإقدام على التبرؤ من ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والانصار ولو عرفوهم كما عرفتهم أنا لأقدموا على البراءه منهم «١» .
وقد ذكر هذا ايضا ابن الراوندي في كتابه «الإمامة» الذي نصر فيه قول الرافضة في البراءة من المهاجرين والانصار وحكاه عن هشام.
فهذا ما أقرّ به الخصم فكيف ما لم يقر به؛ ولو لم يقر به لعلمنا ان الامر كذلك. وهشام انما كان في ايام بني العباس وهلك في دولة هارون
_________________
(١) علق الناسخ او المعلق على هذا بقوله: «لعن الله ناقل هذا القول وقائله، حيث كانوا يطلبون تغريب شموس الدين وإطفاء انوار الاسلام والمسلمين، عذبهم الله تعالى وأقوالهم، وأطفأهم وآثارهم آمين، آمين، آمين.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الرشيد، لتعلم ان الذي ادّعى النص وجرّأ الناس على شتم ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم، وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص والاستخلاف احد قبله.
ولو كان هشام من اهل القبلة، لما كان دعواه ودعوى مائة ألف معه مثله حجة، فكيف به وليس من اهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع ابي شاكر الديصاني «١» صاحب الديصانية «٢» وكان معروفا به وبصحبته، فادعى انه من الشيعة، فخلصه بعض اصحاب المهدي حين ادعى انه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع ابي شاكر.
وقد ذكره العلماء بالمقالات بمذهب الديصانية، وذكره الحسن بن موسى النوبختي في كتابه «في الآراء والديانات» «٣» حين نقض عليه/ مذهبه في ان الله جسم ونور يتحرك؛ فقال له الحسن: هذا مذهب المانوية نعوذ بالله من موافقتهم. وانما ذكرنا الحسن بن موسى، لأنه من الرافضة.
وقد حكى عن هشام ايضا ابو عيسى الوراق، وابن الراوندي، وأبو سهل بن نوبخت، وهؤلاء كلهم رافضة.
والذين حكى هشام عنهم من الشيعة أن المنافقين أزالوا امير المؤمنين عن مقامه، فقد غلطوا ايضا، فإنه قد بيّنا ان رسول الله ﷺ ما كان منه نص في ذلك فيزيله احد من الناس.
_________________
(١) انظر الفهرست لابن النديم ص ٤٨٧
(٢) الديصانية احدى فرق الثنوية، وتعتبر اصلا للمانوية وانما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة. انظر الفهرست ٤٨٨
(٣) من كبار المتكلمين ومؤرخي الفرق، ويعتبر كتابه «الآراء والديانات» من اهم ما كتب حول الاديان والمذاهب والفرق. انظر الفهرست ٢٦٥- ٢٦٦
[ ١ / ٢٢٥ ]
وأيضا، فإن الغلبة بعد موت رسول الله ﷺ لم تكن للمنافقين وانما كانت للبدريين والمهاجرين والانصار، الذين يعتقدون نبوته صلى الله عليه، وصدقه، وإقامة نصوصه، وإحياء شريعته، وإذلال عدوه، وإعزاز وليّه، وهم الذين ردّوا الى الاسلام من ارتد من العرب، وغزوا من أعداء رسول الله ﷺ ملوك الفرس والروم والهند والترك وسائر الامم المشركين وأدخلوهم في دينه وأدخلوا بلدانهم في ممالكه ﷺ، وانما يدّعي أن الغلبة كانت للمنافقين من لا علم له ولا تحصيل عنده.
وكان هشام يقول: لعمري إن عليّ بن ابي طالب ﵁ ما احتج في إمامته بنصّ النبي ﷺ ولا بوصيته في الأمة إليه، وأنه كتم ذلك خوفا من المهاجرين والانصار، فأمسك وسكت.
قيل له: قد فرغنا من هذا، وبينا ان ليس هناك نص ولا وصية ولا شيء يكتم ولا ينقل.
وأيضا، فان امير المؤمنين ما سكت ولا أمسك، بل تدين بالاختيار وأظهره وجعله الحجة على من خالفه وقال: وجبت طاعتي وإمامتي لأنه بايعني اهل دار الهجرة الذين/ بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي وإمامتي كما وجبت طاعتهم، وحرمت مخالفتي كما حرمت مخالفتهم، وأعاد هذا وأبداه في خطبه وكتبه وجعله الحجة؛ فمتى سكت وأمسك.
وأيضا، فلم يكن سلطان ابي بكن وعمر وعثمان وعليّ سلطانا يخاف فيه محقق ولو كانت امرأة ارملة ذمية، فضلا عن غيرها. ألا ترى ان الأنصار قد تكلموا مع سعد بن عبادة والعباس وبني هاشم وأبي سفيان وبني عبد مناف في الإمامية بما ارادوا، وكلموا أبا بكر ونابذوه الى ان أقام الحجة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وعارضوه في انفاذ جيش أسامة بن زيد وقالوا له: ليس علينا في هذا الوقت من الروم خوف، ولا حاجة بنا الى غزوهم في هذا الوقت والعرب قد ارتدت وأحاطت بنا، فدع هذا الجيش يكون لنا، فقال لهم ابو بكر ﵁: إن رسول ﷺ يقول والوحي ينزل عليه: أنفذوا جيش أسامة ونقول نحن لا نرى ذلك، برأينا؛ فقال له قوم: فأقم على جيشه اميرا مكانه احسن منه فإنه حدث وفي جيشه المشيخة والكهول، فقال: أيوليه رسول الله ﷺ وأنزعه انا، لا يحل هذا.
ولما جاء الذين منعوا الزكاة ونزلوا على المهاجرين وقالوا لهم: قولوا لخليفة رسول الله ﷺ يعفينا من الزكاة فانا نقيم الصلاة ونجاهد معكم، فان لم يفعل صرنا مع العدو وحاربناكم. فمشوا الى ابي بكر ﵁، وسألوه أن يقبل ذلك منهم، فقال: لا أفعل، ولا يحل لي هذا ولا لكم، قالوا: فنحن في قلة والعرب قد ارتدت، فمن نقاتل ومن ندع؟ لا طاقة لنا بقتال الناس كلهم، فاقبل منهم الى ان تنكشف هذه الفتن فانا قد خفنا على المدينة وعلى اثقال رسول الله ﷺ وأثقالنا، فقال: ما كنت لأفعل ولو بقيت وحدي، اني إن قبلت رأيكم نقضت/ الاسلام عروة فعروة. ايها الناس، إن مات رسول الله نبيكم ﷺ، وكثر عدوكم، وقل عددكم، ركب الشيطان هذه منكم؛ والله ليظهرنّ الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وليستخلفنكم في الأرض كما وعدكم، وتلا قوله ﷿: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «١»» وقوله: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
_________________
(١) التوبة ٣٣ والصف ٩.
[ ١ / ٢٢٧ ]
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا «١»» وقوله: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢»» .
وقالوا له: أفتقاتلهم وتقتلهم وقد قالوا: لا إله الا الله؟ قال: انها غير مقبولة منهم لأنهم منعوا الزكاة؛ قالوا: فتقتلهم على ابن لبون «٣» وعلى الحقة والشاة وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله الا الله، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم «٤»» فقال ابو بكر فان فيه: إلا بحقها، وهذا من حقها. فطال ما بينهم في ذلك، فحين اقام الحجة صاروا الى قوله.
ولما فتح الفتوح وواتته «٥» الاموال من كل وجه سوى بين الناس في العطاء، فعارضوه في ذلك، وقالوا: سويت بين من اسلم الآن وبين من سبق وبين من نصر وهاجر، فقال: هؤلاء عمال الله وأجورهم على الله، وانما الدنيا بلاغ؛ والله لو شئتم معشر الانصار ان تقولوا: طردتم فاويناكم وخذلتم فنصرناكم
_________________
(١) النور ٥٥
(٢) البقرة ٢٤٩
(٣) ابن لبون من الإبل: ما له سنتان، والحقة من الإبل بنت ثلاث.
(٤) حديث متواتر، رواه الستة باسناد صحيح. انظر الجامع الصغير شرح المناوي ٢: ١٨٨
(٥) واتته في الأصل،، لعل اضافة الواو تجعل اسياق اكثر انسجاما.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأفقرتم فواسيناكم، واني لأجد/ مثلنا ومثلكم في قول طفيل الغنوى:
جزى الله عنا جعفرا حين شرفت «١» بنا فعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يحلونا ولو ان امنا تلاقي الذي يلقون منا لملت
فذو الحظ موفور وكل مقسم لدى حجرات اثفات «٢» أظلّت
وراسلته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعليها وقالت:
ما بالك خليفة رسول الله ورثت رسول الله دوننا، فقال: ما ورثته، قالت: فأين نصيبنا من امواله بخيبر وفدك، فقال: اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا المال لمحمد وآله حياته، فاذا متّ فهو الى والي الامر بعدي، فان كان معك من رسول الله ﷺ عهد صرت الى قولك؛ والله ما اريد شاهدا معك غيرك. فرجع الرسول فقال: تقول لك فاطمة:
لا والله ما معي عهد من رسول الله ﷺ، ولكن رسول الله دخل علينا وهو يتلو: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» «٣»، فقال: ابشروا آل محمد بالغنى. قال ابو بكر: إن كان بكم الغنى ولكم الغنى. ثم صار اليها ابو بكر وسألها عن عهد من رسول الله ﷺ، فقالت: ما معي اكثر مما قلت، فقال: إذا لم يكن معك عهد من رسول الله ﷺ فما كنت لأدع ما اسمعه من رسول الله ﷺ بقول احد.
وكلمه العباس في ذلك وطالبه بالحجة، فذكر ما سمعه من رسول الله ﷺ
_________________
(١) ووردت في موضع آخر «ازلقت» . انظر فتوح البلدان ٣١
(٢) ووردت في موضع آخر «ارفأت» .
(٣) الحشر ٧
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقال: انا اوجه هذا المال/ في الوجوه التي كان رسول الله ﷺ يجعلها فيها، ورد ابو بكر هذه الاموال الى علي بن ابي طالب وقال له: افعل فيها ما كان رسول الله ﷺ يفعله. وكذا فعل امير المؤمنين ﵁ حين صارت اليه الخلافة بعد عثمان، وهو فعل الخلفاء الاربعة وجميع الصحابة والتابعين بعدهم، فاعرف ذلك.
وعارضوه حين شاروهم في استخلاف عمر، فقال له قوم: هو الخيرة بعدك غير أن فيه شدة وهو مهيب، وفي الناس الأرملة والضعيف وذو الحاجة، فاستعمل علينا من هو ألين منه كنفا؛ وكانت لهم معه في ذلك مطالبات ومراجعات وعمر يسمعها ويعلمها، الى أن قال لهم ابو بكر: انما أستعمله عليكم لأنه أقواكم عليكم وأنفعكم لكم وأردّكم عليكم، شهيدي الله: ما أردت إلا ذلك، وقد خاب من تزوّد من أعمالكم بظلم، إن عمر ليس ولدي ولا من اهلي، وانما أردت الخير لكم؛ وإني قد رمقته فكنت اذا لنت في الشيء أراني فيه الشدة، واذا أشددت أراني فيه اللين، ولو قد وليكم للان واشتد.
ثم قال: ان عمر لا يأنف من التعلم، فحين أقام الحجة سلموا ورضوا. ثم عهد تلك العهود المعروفة، وكم من شيء قد عارضوه فطالبوه بالحجة مما هو اكثر من هذا.
ومعارضتهم لعمر في امر السواد «١»، وفي فتوح الشام، وفي تأمير الامراء، وفي الفتوى والقضاء؛ حتى كان يعارضه في ذلك المرأة والبدوي فضلا عن المهاجرين مما هو معروف الى ان يقيم الحجة او يرجع الى قول من معه الحجة.
_________________
(١) يقصد هنا اختلاف من آراء المسلمين في امر سواد العراق لما فتح الله على المسلمين العراق وفارس، فقد كان من رأي البعض توزيعه على المسلمين، بينما رأى عمر ﵁ ابقاء الأرض في ايدي اصحابها ليستفيد من خراجها المسلمون جميعا وقد وافقه المسلمون على رأيه.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وعثمان، فقد عارضوه في إتمام الصلاة بمنى، وفي الحمى، وفي الحكم بن ابي العاص، وفيمن ولاه من اهله، وأخذوه بإقامة الحدود عليهم، وبإقامة الحجة فيما يأتيه بما هو معلوم «١» .
وعليّ ﵁ قد عارضوه في تولية أقاربه وفي الحكم الذي أنفذه بما هو معلوم/؛ حتى كان يجري على هؤلاء الخلفاء الاربعة من صغار رعيتهم في الفروع وفي صغار الامور ما هو معروف، فكيف يجوز ان يتوهم عاقل تدبر أمورهم وعرف سيرهم. أنه قد كان اقل من الناس فخافهم ان يذكر لهم الحق، او ينطق بحضرتهم، او يتوقى ان يذكر ان يذكر لهم عهدا من رسول الله (ﷺ) او وصية لرسول الله (ﷺ)؛ هذا لا يظنه الا أجهل الناس بهم وبأحوالهم، او عاقل بقيس أحوالهم بأحوال من رأى وسمع من الجبابرة وولاة الجور، فاعرف هذا.
وانما القى هذا الى الإمامية فيما صنفوه لهم قوم من أعداء الانبياء ادعوا التشيع وتستروا بالرفض، لينفروا الناس عمن شيد الاسلام وبناه ونصر الرسول في حياته وبعد موته، ليخرجهم من الاسلام من حيث لا يشعرون.
وكما صنفوا في تهمة المهاجرين والانصار فقد صنفوا ايضا في تهمة الانبياء
_________________
(١) مجموع الماخذ على عثمان ﵁ ثمانية عشر هي: ضربه لعمار بن ياسر، ولابن مسعود، وجمع القرآن وتوحيده في مصحف واحد، وأنه حمى الحمى وأجلى ابا ذر الى الربذة، وأخرج من الشام ابا الدرداء، ورد الحكم بعد ان نفاه الرسول، وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر، وولى معاوية ومروان والوليد بن عقبة، وأعطى مروان خمس افريقية، وضرب بالعصا وعلا على درجة رسول الله في المنبر، ولم يحضر بدرا، ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، وكتب الى ابن ابي سرح في قتل البعض. وقد رد ابن العربي على هذا كله في كتابه القيم: العواصم من القواصم.
[ ١ / ٢٣١ ]
وشتمهم وتكذيبهم، وأنهم قد كانوا يتكلمون بالكذب وبالبهت بحضرة أممهم فيسكتون عنهم خوفا منهم؛ وهذا فعله بالانبياء عمر بن زياد الحداد، وأبو الوراق، وأبو الحسين بن الراوندي، وأبو سعيد الحسن بن علي الحصري، وجابر بن حيان، وهشام بن الحكم، وأمثالهم، كما قد عرفه العلماء «١»، وكل هؤلاء الذين طعنوا علي ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار لفضل غيظهم على رسول الله ﷺ، ولأن هؤلاء قاموا بأمره ونصروه في حياته، وقاموا بدينه بعد وفاته وبثوه في مشارق الارض ومغاربها، وقتلوا أعداءه ﷺ من العرب وملوك الفرس وملوك الروم وملوك القبط وملوك الهند والترك وأمم الشرك وأدخلوا اممهم في دينه ﷺ.
فهذا ذنبهم عند/ علماء الرافضة، ولكن عوامهم لا يفطنون. ولهذا قالت العلماء حين حدثت هذه البدع: لا تسبّوا اصحاب محمد ﷺ، فإنهم أسلموا من خوف الله وأسلم الناس بعدهم من خوف أسيافهم. ثم يقال لهؤلاء:
قد وجدنا امير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁ مكاشفا بالحق في جميع احواله، لا يخاف من احد من المخلوقين وان كان وحده والناس عليه؛ فإن رسول الله ﷺ خلّفه بمكة وهي إذ ذاك دار كفر فما خافهم ولا فارقهم مع وحدته وتفرده، وقد كاشف معاوية وهو في مائة ألف سيف، ولعنه بلسانه، وقنت عليه في صلاته، وضربه بسيفه، وبيّن له وإن علم انه لا يقبل، وقد كاشف الخوارج وبرىء منهم وان علم انهم لا يقبلون وهم كانوا
_________________
(١) سبق ان عرفنا بهؤلاء الأشخاص، اما جابر بن حيان فهو ابو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي، قال ابن النديم: «واختلف الناس في امره»، فقالت الشيعة: انه من كبارهم، وزعم الفلاسفة انه كان منهم، وذهب اهل صناعة الذهب والفضة الى انه رئيسهم. وذلك انه كان واسع الثقافة، له باع طويل في التأليف في مختلف العلوم.
[ ١ / ٢٣٢ ]
أصحابه وبهم صال على عدوه واستطال، وأقام على مخالفتهم وإن فرقوا عنه اصحابه وإن قتلوه «١»، فما قاربهم في كلمة، لأنهم قالوا له: إن تبت من الحكومة رجعنا لك كما كنا وقاتلنا عدوك، وإن أبيت اقمنا على حربك وقاتلناك حتى نقتلك او تقتلنا، فقال لهم: انتم دعوتموني الى الحكومة، قالوا: صدقت فقد تبنا وما كان لنا ان ندعوك وما كان لك ان تجيبنا ولا تحكم الرجال في دين الله، فقال: بل كان لي ان احكم، فلو كان ذلك معصية لما أجبتكم اليه، ومن زعم ان الحكومة ضلال فهو أضل، ومن زعم اني ارجع عنها فقد كذب. فصبر ﵁ على ذلك ولم يقاربهم في لفظة تحتمل التأويل، لأنه لو قال انا تائب الى الله من كل ذنب وخطيئة وهو يعني غير الحكومة، لكان اللفظ يحتمل، ويتلافاهم ويردّهم ويكون بهم في عسكر عظيم/ كما كان قبل رجوعهم عنه، ويصول بهم على عدوه. فلم يفعل، وأقام على حربهم، الى ان قتلهم وقتلوه ﵁؛ فما لان في كلمة تحتمل التأويل، ليبيّن للأولين والآخرين امر الدين، فما داراهم ولا قاربهم مع حاجته اليهم وخوفه من أسيافهم؛ فهو ما كان يخاف الجبابرة والأحياء الذين هم في عساكر ويخافهم الناس فكيف يخاف من ابي بكر وعمر وعثمان في حياتهم وبعد مماتهم، وهم في حياتهم وسلطانهم ما خافهم محق قط وإن كان عبدا او امرأة ارملة ذمية. وانما يقول هذا من لا يعرف عليا ولا ابا بكر ولا عمر ولا عثمان؛ فعليك بالمعرفة فانها حياة، والذهاب عن طلبها موت، وقد علم اهل المعرفة والعناية ان عليا كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان في علو الكلمة ونفاذ الامر مثله في سلطانه، وأنه كان في سلطان هؤلاء أنفذ امرا وأعلا قولا وأبسط لسانا منه في زمن رسول الله ﷺ وفي حياته.
_________________
(١) لعلها: قاتلوه
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولا فرق بين من ادّعى ان عليا كان يخاف من هؤلاء الخلفاء او ان رسول الله ﷺ كان يخافهم ايضا، وأنه من خوفهم كان يشهد لهم بالجنة ويزكيهم.
وهذا لازم لهم، بل هو قول الرافضة لأنهم قالوا: ان عليّ بن ابي طالب حجة الله على خلقه كما كان رسول الله ﷺ، وأنه معصوم كعصمة الانبياء.
وقالوا مع هذا: قد زكى ابا بكر وعمر وعثمان، وصاهر بعضهم، وصلى خلفهم، وحج معهم، ودخل الشورى وعمل بالاختيار، وصلى خلف صهيب كما وصّى عمر، وأطاع عمر كما وصّى ابو بكر، وعمل لهم اعمالا كثيرة، وأظهر تزكيتهم، ومدحهم بايمانهم وإن كانوا كفارا، كل هذا خوفا منهم وممن بعدهم من شيعتهم فما تبين/ الحق الى ان خرج من الدنيا.
قلنا: فاذا كان هذا هو الحجة والمعصوم والقائم مقام الرسول فعل هذا بغير حق، لم نأمن أن يكون كل من صاهر النبي ومدحه ونص عليه وشهد له بالجنة وأمر الناس بطاعته ان لا يكون هذا حاله، وأنه فعل مثل فعل هذا الحجة، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وفيه فساد الديانات كلها، وإلى هذا قصد هشام ابن الحكم حين وضع هذه البدعة فاعرف ذلك «١» .
_________________
(١) وردت بهامش اللوحة ١١١ التعليق التالي: رحمك الله يا سيدنا اقضى قضاة الحكم القاضي عبد الجبار، أحسنت في حججك على الفاسقين الملاعين الكلاب المارقين الكاذبين الخاطئين المنحرفين عن الحق الخبثاء الروافض، كبتهم الله تعالى وأبعدهم، حيث يفسقون اصحاب رسول الله ﷺ ﵃ اجمعين، قلت: ما رأيت كلام رد على الملاعين الروافض أحسن وأدق وأثبت وأقوى وأنجح من هذه الحجج التي ذكرها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه هذا، فلا بد للمعتني بردهم ان ينظر في هذا الكتاب المبارك، وهذا قليل الوجود وغير معلوم لأكثر الناس، ولو علموا اسمه لا يعلمون ما فيه من الفوائد الكثيرة، فاحتفظ وكرر نظره. ولكن مؤلفه مشهور بالاعتزال فان تاب منه فمحله الفردوس الأعلى في مقام المقدمين ان شاء الله حيث نفع المسلمين بهذه الحجج والله اعلم.
[ ١ / ٢٣٤ ]