وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر؛ فان رسول الله ﷺ مرّ بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من اصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا له: يا محمد، إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربك ان يشقّ هذا القمر، فسأل الله ذلك فشقّه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من الارض الى السماء. فنزلت القصة في ذلك «١» .
وهذا من الآيات العظام والبراهين الكرام على صدقه ونبوته ﷺ.
فإن قيل: ومن أين لكم ان القمر قد انشقّ له كما ادّعيتم؟ أتعلمون ذلك ضرورة ام بدلالة؟ أو ليس النظام «٢» قد شك في هذا وقال: لو كان قد انشقّ لعلم بذلك اهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له؟ وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط/ القيامة، فبأي شيء تردّون
_________________
(١) انزل الله في انشقاق القمر سورة القمر وأولها: اقتربت الساعة وانشق القمر. وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر.
(٢) هو ابراهيم بن سيار ابو اسحق النظام، احد أئمة المعتزلة المشهورين، انفرد باراء خاصة تابعه فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية. توفي سنة ٢٣٢ هـ. الاعلام ١: ٣٦.
[ ١ / ٥٥ ]
قوله وتبيّنون غلطه إن كان قد غلط؟ قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة ولكن نعلمه بدلالة، فمن استدلّ عرف، ومن لم يستدلّ لم يعرف، ومن قصر عن الاستدلال والنظر غلط كما غلط ابراهيم النظّام.
فوجه الدلالة على ذلك ان رسول الله ﷺ قد احتج بذلك على المسلمين والمشركين وتلا هذا القول عليهم من سورة القمر: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» .
ولم يكن ليقدم ويحتج على العدو والوليّ بما لا حاجة فيه، ويشير الى أمر ظاهر يشار اليه ويشاهده الناس، فلو أراد ان يكذّب ويردّ قوله ما زاد على هذا؛ هذا لا يقع من عاقل ولا يختاره محصل كائنا من كان، فكيف يقع ممن يدّعي النبوة والصدق وهو أشد حرصا بالناس كلهم على تصديقه واتباعه؟ فلو أراد ان يكذبوه ويردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمل.
فإن قيل: فما تنكرون على من قال انه ﷺ، ما احتج بهذا على نبوته؟ قيل له: لا فرق [بين] «١» من ادّعى ذلك او ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن وغيره انه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته.
ومما يزيدك علما بذلك ويبين لك غلط النظّام وجهل كل من ذبّ عن ذلك قوله ﵎: «اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فانظر كيف قال: اقتربت الساعة، وأخبر عن امر قد كان ومضى، ثم قال على نسق الكلام:
_________________
(١) ما بين القوسين اضافة من عندي ليتصل الكلام.
[ ١ / ٥٦ ]
«وانشق القمر»، فجاء بأمر قد كان وانقضى ومضى فنسق على الماضي بالماضي، ولو كان على ما ظنّ النظّام لقال: اقتربت الساعة وانشقاق القمر، او كان/ يقول وسينشق القمر، فلما لم يقل ذلك وقال:
وانشقّ القمر، علمت انه اخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا.
ثم قال على نسق الكلام: «وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فأخبر انها آية مرئية وحجة ثابتة. ثم قال على نسق الكلام: «ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغني النّذر»، وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم يكن. فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم انه امر قد كان، ولا يسوغ ان يقال في امر لم يكن، ولم يقع هذا القول.
وأيضا فإن ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين، ولا يعنّفون في ترك النظر والتأمل له، فإن التكليف حينئذ زائل مرتفع.
فأما قول النظّام: فلم لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأن الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد وإنما هو شيء حدث ليلا وما كان عندهم خبر بأنه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، واذا كان كذلك فقد بطل ما ظنه. يزيدك بيانا ان القمر قد ينكسف كله فلا يرى ذلك من الناس إلا الواحد بعد الواحد والنفر اليسير لنومهم»
، فكيف بانشقاق القمر الذي انشق ثم التأم من ساعته بعد ان رآه اولئك القوم الذين طلبوه.
_________________
(١) وقد تقرأ: لتوهم.
[ ١ / ٥٧ ]
وأيضا فقد يجوز ان يحجبه الله ﷿ لمصالح العباد إلا عن أولئك القوم، لأنه قد يجوز ان يكون في بعض البلاد من المكذبين والمحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال: انما انشق شهادة لي على صدقي، ولا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه ايضا، وبطل ما توهمه.
ومدار/ الأمر ان يكون هذا أمرا قد كان، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه.
ومن الدلالة ايضا ان ذلك قد كان، ان الصحابة بعد رسول الله ﷺ قد تذاكروه فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقف، بل وقع إجماع منهم على كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم.
وقد ذكر انشقاق القمر علي بن ابي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة بن مالك بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر. وكانوا يقولون:
خمس قد مضين: الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام «١»، يتذاكرون هذا بينهم رحمة الله عليهم. وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين او من غيرهم،
_________________
(١) يقصد بالروم غلبة الفرس على الروم وما تنبأ به القرآن من غلبة الروم بعد ذلك في سورة الروم، والقمر حادثة انشقاق القمر الذي ورد في القرآن في سورة القمر، اما الدخان فما ورد حوله في سورة الدخان، وأما البطشة فيقصد بها وقعة بدر لقوله تعالى: «يوم نبطش البطشة الكبرى»، وأما اللزام فقد قيل ان المقصود بها بدر ايضا، وقد ذكر ذلك ابن الاثير في النهاية ٤: ٥٦.
[ ١ / ٥٨ ]
وفي ذلك أتم كفاية. ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك وهي دلالة اخرى، إذ لا يجوز ان يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدثه:
قد كنا في وقت كذا حتى حدث كذا وكذا- وهو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم ويدعى عليهم وما عندهم علم- فيمسكون عن تكذيبه والردّ عليه. ثم ذكرنا الاجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من اهل الصلاة.