مما كان بمكة. وهو ان الفرس غلبت الروم على أرض الجزيرة وهي أدنى ارض الروم وممالكها من سلطان فارس، فسرّ ذلك مشركي قريش لشدة فارس على الاسلام والمسلمين، وكانت الروم ألين كتفا على المسلمين لأنهم اهل كتاب، وكانوا يصغون/ الى ما يرد عليهم من أخبار رسول الله ﷺ وما يدعو اليه وما يأمر به وما ينهى عنه وكيف سيرته، ويتعجبون من ذلك ويستحسنونه، ويكون من ملكهم ما لعله يرد عليك. وساء المسلمين ظهور فارس عليهم، فأخبر الله نبيه ﷺ ان الروم ستظهر على فارس بعد سبع سنين، وان غمّ المسلمين سيعود فرحا، وأنزل بذلك قرآنا يتلى، فقال ﷿: «ألم. غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر «١» من يشاء وهو
_________________
(١) في الاصل: ينصر الله، وهو خطأ
[ ١ / ٥٩ ]
العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون» .
فلما نزلت هذه الآية تلاها رسول الله ﷺ على ابي بكر الصديق، وبشره وبشر المسلمين؛ فخرج ابو بكر الى المشركين وأخبرهم بذلك وتوعدهم وجادلهم وأغضبهم وأغاظهم. فقال أبيّ بن خلف: والله لا تغلب الروم اهل فارس ولا تخرجنهم من أرضهم. فقال ابو بكر: بل تغلبهم وتخرجهم، فإن شئت بايعتك، فبايعه على تسع من الإبل الى ثلاث سنين. ثم دخل ابو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال له رسول الله ﷺ: انها سبع سنين فزده في الخطر «١» ومدّ في الأجل.
فرجع ابو بكر الى أبيّ بن خلف فاستقاله فأقاله، وقال: ان الذي يجيء به صاحبك باطل. فعاوده ابو بكر المبايعة وزاد في الأجل اربع سنين، وزاد في الخطر/ ثلاثا من الإبل، وأخذ أبي ابا بكر بكفيل، لأن ابا بكر على الهجرة مع رسول الله ﷺ، وقد كان يذكر هذا وقد بدأ في فرار المسلمين بأديانهم، فأقام له ابو بكر عبد الله ابنه كفيلا، وأخذ ابو بكر أبي بن خلف بذلك فأقام له ابنا كفيلا، فأخرجت الروم فارس من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن ابي بكر من أبي بن خلف وكان الخطر إذ ذاك مباحا طلقا.
فانظر كم في هذا من دلالة وآية بينة، وأنه اخبر ان الروم ستغلب فارس، وأن ذلك سيكون بعد سبع سنين، فكان كما اخبر وعلى ما فصل
_________________
(١) تخاطر: تراهن، والخطر: السبق يتراهن عليه.
[ ١ / ٦٠ ]
وبيّن، والبضع فوق الثلاث ودون العشر، وانظر الى هذا الإقدام وهذه الثقة من رسول الله، وانظر الى قوله: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»، يريد بهذا النصر ظهور حجة رسول الله ﷺ وما أقدم عليه أبو بكر وجاهد المشركين وبايع، فهذا المراد بالنصر لا بظهور الروم على فارس لأن ذلك معصية، وفارس والروم كفار والله لا ينصر الكفار بعضهم على بعض. وانظر الى هذا التقريع والتوبيخ وتأكيده الوعد بقوله:
«ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون» وانظر كيف يستخف بهم ويستجهلهم وهم يسمعون وهو معهم وفي قبضتهم وفي أيديهم والغلبة لهم، وانظر كيف يقول له في آخر السورة: «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون»، فتأمل هذا البيان/ وهذا الافصاح وهذه المكاشفة والاستظهار والعلوّ والاستطالة بالحجة والعلم بهذا، وانه قد كان على ما ذكرنا وبيّنا يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين الى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة الاسراء وغيرها، فاحفظه وارجع اليه.
وتأمل حال أبي بكر الصديق في الاسلام وإسلامه في اول الاسلام وفي حال ضعفه وقلة اهله وغلبة الشرك والمشركين عليهم، وفي الحال التي قد كان المستبصر فيها لا يظهر دينه ويخفي ما في نفسه، وانظر الى بصيرة هذا الرجل ومكاشفته واستبداله بالمسالمة عداوة وبالراحة شقوة وبالغنى فقرا وبالكرامة هوانا، كل ذلك للإسلام. ثم كان لسان المسلمين وأكبر داعية للرسول وأجلّ أعضاده وأنبه أعوانه، لم يقم مقامه احد من المسلمين ولا سدّ مسدّه ولا حلّ من رسول الله ﷺ محله. وانظر
[ ١ / ٦١ ]
الى مقامه في شأن الاسراء، وفي شأن الروم، وفي غير ذلك مما يطول شرحه. وانما احتجنا الى ذكر هذا والتنبيه عليه لأننا في زمان يقول الكثير من اهله انه ما أسلم قطّ وما زال عدوا لرسول الله ﷺ وللمسلمين، وأن عداوته كانت أشد وأضر من عداوة ابي جهل وعقبة ابن ابي معيط وأمثالهم، وأن القرآن كان ينزل على رسول الله ﷺ بإكفار أبي بكر وعمر وعثمان وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد الرحمن «١» والجماعة من المهاجرين والأنصار، وكان رسول الله ﷺ يتلوه في المحاريب ويسمعه الناس/ كلهم ويحفظهم إياه، وأنه مكث نيفا وعشرين سنة يفعل ذلك. وعند العلماء والفقهاء وأهل التحصيل والانصاف، انه كان يتقدم المسلمين في الاسلام، وأنه كان أشدهم غنى، وأن امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب ﵁ كان يقدمه ويقدم عمر على نفسه ويفضلهما على منابره وهما من الأموات، حتى يقول ابو القاسم البلخي «٢»:
ومن يفضل أمير المؤمنين لا يمكننا ان ندفع قوله، ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، ولا يدفع هذا من له بالعلم بصيرة أوله فيه نصيب ولكنه عندنا ما أراد نفسه، وقد كانت الشيعة الاولى تفضل
_________________
(١) سعد بن ابي وقاص الصحابي الجليل المتوفي سنة ٥٥ هـ. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، احد العشرة المبشرين بالجنة توفي بعد الخمسين من الهجرة، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح، احد المبشرين بالجنة وفاتح الشام وامين توفي سنة ١٨ هـ. وعبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري احد العشرة المبشرين بالجنة، لعب دورا كبيرا مع رجال الشورى بعد وفاة عمر حتى بايع لعثمان ﵁ بالخلافة توفي سنة ٣٢ هـ.
(٢) هو عبد الله بن احمد بن محمود، ابو القاسم البلخي او الكعبي، احد أئمة المعتزلة، له فرقة تنتسب اليه، وكان يفضل عليا ﵁. انظر تاريخ بغداد ٩: ٣٨٤، ووفيات الاعيان ١: ٢٥٢، والاعلام ٤: ١٨٩.
[ ١ / ٦٢ ]
أبا بكر وعمر عليه. قال: وقال قائل لشريك بن عبد الله «١»: أيهما أفضل؟ ابو بكر أم علي؟ فقال: ابو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وانت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشاعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى امير المؤمنين هذه الأعواد فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، أفكنا نردّ قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا.
ذكر هذا ابو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي إغراضه على ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه «في نظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان» . وينبغي ان تعلم ان الذين وضعوا هذا انما قصدوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته لشدة عداوتهم له وتستروا بالتشيع، وكان غيظهم على ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة لأنهم هم الذين اشتملوا على رسول الله ﷺ في حياته ونصروه، ثم كانوا بعد وفاته أشد نصرة في دينه منهم في حياته، وأحدقوا بأبي بكر/ فغزاهم، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، ورد الردة، وغزا فارس والروم، وأذلّ أعداء رسول الله ﷺ بكل مكان. واستخلف عمر، فأزال ملك فارس وهو أشد الملوك وأدخل ملكه في الاسلام، وألحق ملوك الروم بجبال الروم وخلجانها وأخرجهم من الشام ومصر ومن الجزيرة وأدخل هذه الممالك في الاسلام، وقتل الشرك وأماته وأحيا الاسلام وبثّه ونشره وبسطه وبناه وشيّده وجعله عاليا على الأديان كلها وظاهرا على أمم الشرك جميعها. فغاظهم ذلك أشدّ الغيظ، ولم يمكنهم المكاشفة بشتم رسول الله ﷺ، فاشتفوا
_________________
(١) شريك بن عبد الله: هو شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي، عالم بالحديث وفقية ولي القضاء للمنصور العباسي في الكوفة سنة ١٥٣ توفي سنة ١٧٧ هـ. تذكرة الحفاظ ١: ٢١٤، وفيات الاعيان ١: ٢٢٥.
[ ١ / ٦٣ ]
منه بشتم هؤلاء وغرّوا من لا يعرفهم وقالوا لهم: ما هذا القرآن بشيء، وهو مغيّر لا تقوم به حجة، والاسلام مبدّل، والفقهاء جهّال كفار، الى غير ذلك مما هذا سبيله وشرحه يطول، فاغترّوا بهم وقبلوا منهم وصدّوهم عن الاسلام فأوردوهم ما أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي «١»، وفي نقضه الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة والله أعلم.