مما نزل بمكة قوله: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» «٢» أي شرف ونبل وجلالة، فهو عز ومعجز. ثم قال: «وسوف تسألون» أي عن شكر هذه النعمة، فكان كما أخبر وكما فسر فان القرآن بانت آياته، وظهرت بيناته، وقامت حجته، وكملت النعمة على رسول الله ﷺ وعلى صحابته به، فشرفوا وعزوا بمكانه، وذلك من الأمور البينة الواضحة؛ فانك تجد الفقهاء والعلماء قد أجلّوا القرآن ومن قرأ القرآن ومن عرف علوم القرآن، ولهذا قال ﷿ لقريش في ابتداء المبعث: «قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ» «٣» يريد القرآن، وانه عز ونبل وشرف، وستشرف به امم ممن/ تمسك به ودعا اليه، وقد فاتكم ذلك لإعراضكم، فكان ذلك كما أخبر.
_________________
(١) سورة ص ١١
(٢) الزخرف ٤٣
(٣) القمر ٤٣
[ ١ / ٨٤ ]
وفي هذا المعنى قوله ﷿ «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» «١» فتأمل ما في هذا، فإنه ﷺ ما عرف العزّ بالأبوين كما يعرف من رباه أبواه؛ فان أباه مات وهو حمل، وماتت أمه وهو رضيع، فاواه الله اكرم إيواء، فلما كمل، آتاه النبوة وعصمه وصانه، وأخبره ان الآخرة خير له من الأولى، فإنّ آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعزّ، وثواب الآخرة خير من الأولى؛ «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى»، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف القرآن.
وفي مثل هذا المعنى قوله ﷿: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) فإن ذكره ارتفع بالصدق والوفاء وقيام الحجة، فما وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلّت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم له، وطلب العلل وطول المجادلة.