فمن أعلامه التي حدثت وهو ﷺ بمكة، انقضاض الكواكب وامتلاء السماء بها من كل جانب على وجه انتقضت به العادة وخرج عن المعتاد. وهذه آية عظيمة، وبيّنة جليلة، وواضحة جسيمة.
وقد نطق القرآن بها فقال حاكيا عن الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ/ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا» «٢» .
فان قيل ومن أين لكم هذا وقد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقرّ بنبيّكم؟ وخبرونا عن طريق معرفتكم بذلك هل هو ضرورة
_________________
(١) هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي (٢٣٥- ٣٠٣ هـ) شيخ المعتزلة في عصره وإليه تنسب الجبائية. نسبته الى جبي من قرى البصرة، وتفسيره المذكور من اهم مؤلفاته، استفاد منه من بعده القاضي عبد الجبار والحاكم ابو السعد والزمخشري. وفيات الاعيان ١: ٤٨٠. دائرة المعارف الاسلامية ٦: ٢٧٠.
(٢) الجن ٨ وما بعدها.
[ ١ / ٦٤ ]
أم اكتساب؟ قيل له: العلم بذلك طريقه الاستدلال والاكتساب، ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف، وسبيله سهلة قريبة، فمن نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف.
والدليل على ان ذلك قد كان، ان رسول الله ﷺ قد تلا هذه السورة واحتج بذلك على العدوّ والوليّ، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل الى قوم يدعوهم الى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم الى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن قد انتقضت، وهو يعلم انهم يعلمون ان هذا أمر لا اصل له وأنه قد كذب فيما ادعى. هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان، فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل المعروف الراجح الموصوف، ثم يقصد الى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي/ لا يغيب منها. وقد كتب الناس عنهم علمهم بذلك، ودونوا منه شيئا كثيرا، وأكثرهم مأواه تحت السماء، هي تسقفهم، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر، وقد سبقوا رسول الله ﷺ في السن والزمان والعلم بالكواكب، فكيف يقدم على قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته، ولأمر ينفرون به اصحابه عنه على حال لا مزيد عليها؟ فأين كانوا عن هذا الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده؟ ومن هذه سبيله لا يكون لها رئاسة، ولا يتبعه احد، ولا يكون له قدر. وقد يتبعه قوم عقلاء ألبّاء «١» فضلاء لأنه
_________________
(١) ألباء: جمع لبيب. انظر القاموس المحيط.
[ ١ / ٦٥ ]
نبي ولأنه صادق، وطاعة لله وتقربا الى الله، واستبدلوا باتباعه بالعز ذلا وبالراحة كدا ابتغاء مرضات الله، وتكلفوا في اجابته بتلك الشدائد التي قد قدمنا شرحها، فكيف اقاموا عليه وهو يكذب هذا الكذب الظاهر.
وهناك من اعدائه قريش والعرب واليهود والنصارى وكيدهم عظيم، كيف لم يوافقوا على هذا ويجمعوا الناس عليه؟ وكيف لم يقولوا لأصحابه وهم إخوانهم واولادهم ومنهم: يا هؤلاء، فارقتم أديانكم، وجهلتم اسلافكم، واكفرتم آباءكم وشهدتم عليهم بالفضيحة، طاعة لرجل فرض عليكم مجاهدة الأمم، وبذل دمائكم واموالكم في ذلك، وألزمكم التكاليف الشديدة من شريعته، وهو يكذب هذا الكذب الظاهر البارز للعقول/ والأبصار؟ وفي تركهم لذلك دليل على صحة هذه المعجزة.
وأعجب الامور انه يتلو عليهم قول الله جل وعز: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «١»» اي لا يجدوا بك كذابا، ولا يجدون في قولك كذبا وإن حرصوا على ذلك واستفرغوا وسعهم، ولو قدروا ان يجدوا له عثرة او ذلة او ادنى شبهة لما واثبه قبل الناس كلهم إلا اصحابه، ولا قبله إلا خاصته وثقاته وبطانته.
فإن قيل: فلعلهم لم يفعلوا هذا به وإن وقفوا على كذبه لئلا يفضحوا أنفسهم ويشمتوا عدوهم، ولئلا يقول الناس لهم خدعتم فامسكوا لهذا.
قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم
_________________
(١) الانعام ٣٣
[ ١ / ٦٦ ]
الاعداء، [وخسروا الدنيا والآخرة «١»] .
وجواب آخر:
وهو ان هؤلاء الذين اتبعوا الاعلام التي كانت معه من القرآن وغيره وقد شهدوا على انفسهم وآبائهم بأنهم كانوا في ضلال وباطل وفضائح وما استنكفوا من الرجوع عن ذلك، فلو حسوا «٢» بأدنى شبهة فضلا عن كذب لبادروا ورجعوا وكان ذلك اروح لهم، وأخف عليهم، وأبين في عذرهم وقيام حجتهم، فان مراجعة الحق اولى من التمادي في الباطل.
وجواب آخر:
وهو انهم لو وقفوا على امر يرتاب به لسألوه عنه، وعنف بعضهم بعضا في الاقامة عليه وفي ترك قتله والبراءة منه، / ولأذاعوه وأظهروه وإن ضرهم وغمهم وساءهم، فان الجماعة الكبيرة لا يجوز ان تكتم ما قد عرفت وإن ساءهم وإن ضرّهم وإن ذهب برئاستهم وحطّ من اقدارهم. فأعرف هذا فانه اصل كبير. هذا فيما يقفون عليه خاصة، فكيف بأمر الشهب وهو شيء يعرفه الناس عامة من وليّ وعدوّ، فتعلم انها آية عظيمة وحجة ظاهرة.
وانظر كيف اوردها وأدلّ على العدوّ والولي واستطال بها فقال: «قل أوحي اليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن
_________________
(١) ما بين القوسين كتب قريبا من حاشية الورقة، فيحتمل ان تكون من الاصل او ان تكون من المعلق على الكتاب.
(٢) حسست الشيء: احسسته، وحسست به ايقنت به. انظر القاموس المحيط.
[ ١ / ٦٧ ]
تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوّا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا.
وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري اشرّ اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا» فانظر كيف ذكر هولها وعظمتها وارتياع الجن والانس لحدوثها، وانهم لا يدرون لأي شيء حدثت وهل حدوث ذلك لعذاب اهل الارض بذنوبهم، ام لموعظتهم وإرشادهم.
وقد جاء مع هذا ايضا ان «١» الكواكب لما انتقضت اخذ الناس في الخروج من/ اموالهم، وقالوا: ما حدث هذا إلا لفناء الدنيا وانقضاء مدتها، فقال عبد نائلة بن عمر والثقفي «٢» لأهل ثقيف: أمهلوا فإن افادة المال بعد اتلافه تشق وتصعب، فانظروا الى الكوكب المنقضة، فإن كانت من الكواكب المعروفة المتقدمة فهو لفناء الدنيا، وإن كانت كواكب الآن حدثت والآن خلقت فهو لأمر. فحدثت إحدى الليالي، فنظروا فإذا هي كواكب الآن حدثت، فأمسكوا عن اموالهم وترقبوا ما يأتيهم من الاخبار، فاذا قد اتاهم ان رجلا من قريش بمكة قد زعم ان الله ارسله الى خلقه لينذرهم، فقالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم.
_________________
(١) في الاصل: من، ولعل الصحيح ما اثبتناه.
(٢) انظر ما اورده ابن كثير في تفسير سورة الجن عن هذه الحادثة.
[ ١ / ٦٨ ]
فإن قيل: او ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب، وفي كتب العجم ذكر لذلك.
قيل له: إن ابا علي وابنه ابا هاشم «١» واصحابهما قالوا: ما ننكر ان يكون قد كان قبل مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة، وامتلأت السماء به، فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان، فإن الماء قد كان قبل نوح ﵇ يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة، فلما جاء نوح صلى الله عليه زاد/ الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر المعتاد، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة. فليس في شعر الشعراء ولا فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة، ولا تكذيب لهذا الخبر، وهذا جواب سديد شاف كاف، لأن النبي ﷺ انما احتج بامتلاء السماء بالشهب لا بالأمر المعتاد، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان، فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه، فلا يجوز ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول: هذا من آياتي ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق، فيكون بمنزلة من قال: من الدلالة على نبوتي ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع.
فأما ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ﵀، فانه يذكر في كتاب «الحيوان» انقضاض الكواكب، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة،
_________________
(١) ابو هاشم الجبائي هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي «٢٤٧- ٣٢١ هـ» من كبار رجال المعتزلة له طائفة تنتسب اليه تسمى بالبهشمية، ويعتبر القاضي عبد الجبار من تلاميذه ورجال مدرسته. وفيات الاعيان ١: ٢٩٢ وتاريخ بغداد ١١: ٥٥.
[ ١ / ٦٩ ]
وذكر الشعر الذي ذكر في هذا المعنى لهؤلاء الشعراء، فقال هو وابراهيم النظّام وغيرهما: إنه ليس في هذا الشعر امر بيّن قد اراد به صاحبه انقضاض الكواكب ولكنه امر محتمل. وذكروا في بعض هذا الشعر أنه مولد وقد قيل في الاسلام، قاله بعض الزنادقة ونسبه الى الأوائل، وذكروا في بعضه ان قائله وان كان كافرا جاهليا فقد ادرك المبعث وأوائل المبعث؛ فأبطلوا ان يكون في هذا متعلق/ او يحتاج فيه الى جواب.
واستبعد ابو عثمان ان يكون هذا امر قد كان ظاهرا قبل الاسلام، قال:
وإلا فأين كان القدماء من الشعراء، كامرىء القيس ومن تقدمه، وكنانة وزهير «١» وشعراء القبائل القديمة، كيف لم يذكروا هذا في اشعارهم وهو أمر بارز لأبصارهم؟ وهم قد شهوا بالحيات والعقارب والجعلان والخنافس والبراغيث وبالقمل وبكل شخص وبكل ما دب ودرج؟ وليس ببعيد ما قاله. فأما جواب أبي علي واصحابه: فما نبالي ولو كان الشعر ملء الدنيا للأوائل، فما له في هذا تأثير.
قال ابو عثمان: وأما ما يدّعى من ذكر الشهب في كتب العجم الاوائل فهو امر لا سبيل الى العلم به لأنها منقولة في الاسلام، وانما نقلها الواحد بعد الواحد من أعداء الاسلام، ومن هو اشد الناس حرصا على تكذيب النبي ﷺ وتشكيك المسلمين، فهو لو كان عدلا مسلما ما علم ذلك بخبره، فكيف وحاله ما وصفنا؟.
وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام،
_________________
(١) يقصد زهير بن ابي سلمى.
[ ١ / ٧٠ ]
ونسب بعضها الى الهند، وبعضها الى الروم، وبعضها الى اليونانية، وبعضها الى القبط، وبعضها الى النبط، وبعضها الى الفرس، فانما وضعها الواحد بعد الواحد، وزعم انه وجده لأهل تلك اللغة، وزعم انه عالم بتلك اللغة فنقله، فهو امر لا يقع به علم وليس معنا اكثر من دعوى هذا الواضع، فبمقدار ما يكتبه ويترجمه ويلقيه الى الورّقين فيدور/ في ايدي الناس فيقول من لا علم له ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له الى طرق اهل العلم: هذا من كتب الأوائل؛ فاعرف هذا، فانه باب كبير وكل احد أمس الحاجة اليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس، وأعداء الاسلام كثير، وهم بينهم، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون.
فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في ايام بني العباس ونسبت الى أمم العجم، لا سبيل الى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل، وانما كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول الله ﷺ ووصايا السلف بعده، ولعله انما اخذ ذلك وحصّل معانيه من القرآن ومن حديث رسول الله ﷺ، وغيّر اللفظ ونسبه الى أمم العجم والعلماء. وأهل التحصيل يتهمون عبد الله بن المقفع فيما وضعه من «كليلة ودمنة» وكتاب «اليتيمة»، وما زعم انه وجده للفرس، فقالوا: ما معنا في هذا اكثر من الدعوى، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم، فارسي الأصل، قد جرى من المجوسية على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه.
[ ١ / ٧١ ]
وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي «١» . وقد وضع سهل بن هارون بن رهبونة «٢» الكاتب الفارسي صاحب المأمون، كتاب «ثغرة وثعلة»، يعارضه به كتاب «كليلة ودمنة»، وجعله على ألسن الطير والبهائم، وذكر فيه حكم العرب كما صنع ابن المقفع «٣» في كليلة ودمنة عن هذا/ الذي سماه برزوي الطبيب، فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء صلى الله عليهم في اديانهم. وقد دار في أيدى قوم من المنجمين كتاب زعموا انهم وجدوه لجابان منجّم كسرى ملك فارس، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوّة تحدث في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة. فذكر ايام رسول الله ﷺ، ثم ايام ابي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ولم يذكر اسماءهم، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا. فافتتن به المنجمون حتى ظنوا ان «٤» صنعتهم حق، وأنها تؤدي الى علم، وفتنوا بذلك خلقا كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب، وجعلوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد
_________________
(١) هو ابان بن عبد الحميد بن لاحق، شاعر مكة، اتصل بالبرامكة ومدحهم ونظم لهم كليلة ودمنة شعرا وكتبا اخرى فارسية، توفي سنة ٢٠٠ هـ. دائرة المعارف الاسلامية ١: ١٦ والاعلام ١: ٢٠.
(٢) كاتب بليغ فارسي الاصل، ومن واضعي القصص، ولاه المأمون رئاسة خزانة الحكمة، وكان شعوبيا يتعصب للعرب على العجم. معجم الأدباء ٤: ٢٥٨، فوات الوفيات ١: ١٨١.
(٣) كتب المعلق في حاشية الكتاب العبارة التالية: «في نسه ذلك الى المفيد وقد قال الناس ان الذي حكاه عن هذا الرجل الذي سماه» .
(٤) في الاصل: انهم، ولعل الصواب ما اثبتناه.
[ ١ / ٧٢ ]
رؤساء المنجمين في زمانه ببغداد، وكان يتقدم عند كثير منهم على رؤساء منجمي زمانه ومن كان في عصره كابن زكريا «١» النوبختي، وكابن فرخان شاه النصراني «٢» وغلام زحل «٣»: من اين لك يا أبا الطيب ان هذا الكتاب وضعه جانان لكسرى؟ فقال هذا مشهور دائر بين المنجمين لا يشكون فيه، فقال له: عن هذا وصحته سألتك، هل هو اكثر من انك وجدت كتابا مكتوبا منسوبا الى جانان منجم كسرى؟ من اين ان هذا كما كتبه هذا الكاتب وأخبر به هذا المخبر وما معنا وما معكم اكثر من الدعوى؟ وانما هذا رجل وجد كتابه في الاسلام/ وفي ايام بني العباس وفي زمان الديلم منها، وادعى فيه انه قديم وجده فارسيا فنقله، وانما وضعه بعد ان مضت ايام رسول الله ﷺ وأيام خلفائه وايام بني امية والصدر الكبير من بني العباس وعرف ذلك وتيقّنه، فوضع الكتاب بعد ذلك، وحذف اسماء القوم ليظن انه قد وضعه قبل ان يخلقهم الله، فيدعي من يقرأ كتابه ممن لا علم له له الصدق والحذق، ولصنعة النجوم الصحة. وإلا فأرنا إن كان قد اخبر فيه عمّن يأتي من الخلفاء او غيرهم، او ذكر ايامهم واعمارهم على التحقيق كما ذكرها عمن تقدم، حتى يكون لك في ذلك شبهة، فتحير ابن فليت من هذا بعد الخطاب الطويل، ولان بعد شدته، وسكن بعد نزوته، وقال: لعل الأمر ان يكون كما قلت، فقال له المعتزلي: ما اسرع ما رجعت عن تلك الدعاوى، فقال: انا اخبرك، قد قرأت اربع نسخ من
_________________
(١) في الاصل ابن كريا، ولعله ابن زكريا النوبختي.
(٢) ابن فرخان شاه النصراني: هو ابن نضير بن فرخانشاه المنجم الاعجمي المتوفي سنة ٣٦٧. القفطي ٣٥٦.
(٣) هو عبيد الله بن الحسين ابو القاسم المعروف بغلام زحل، قال القفطي من افاضل الحساب والمنجمين، توفي سنة ٣٧٦. تاريخ الحكماء ٢٢٥، الفهرست ٣٩٥.
[ ١ / ٧٣ ]
هذا الكتاب المنسوب الى هذا الرجل، وكلها مختلفة، وقد ذكر فيها ان البيت يسقط حجّه وتعظيمه، وانا اتوقع كل سنة واسأل عن الحاجّ فاذا هو لا ينقطع حجّه. ولم يكن بنا قول ابن فليت ولا استدلاله فانه ليس بشيء قوي، ويمكن الخصم ان يدّعي ان ذا سيكون، او يشغب بغير هذا، ولكن الذي ذكره واضع الكتاب ليس في صنعة النجوم شيء منه ومن الاصابة على طريق التفصيل، وانما تتفق لهم الإصابات عن غير علم كما تتفق للعّابين الخاتم والزوج والفرد، وللمتفائلين/ برؤية الثعلب، وللمتطيرين بالغراب والبوم، وما يتفق لهؤلاء من الاصابة اكثر واحسن واسرع لحذاق منجمي الملوك، وهذا يكفيك في بطلان صنعة النجوم، ولم نكن في الرد عليهم، ولكن عرض هذا فذكرناه، وستجد في الرد عليهم اكثر من هذا.
ولكن ذكر الكتاب المنسوب الى جانان وامثاله، يضعه أعداء الأنبياء ليشكوا في اخبارهم، وليجعلوا صوابهم جاريا مجرى إصابة المنجمين، ولينفقوا صنعة النجوم، وليرغبوا الناس في الفزع اليهم وفي التعويل عليهم ويستأكلوهم، ولتتم حيلتهم عليهم وهذا الجنس يسميه المنجمون الهاذور، وانت تجد هذا كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي «١» في القرانات كذا وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون «٢»: كذا وكذا قبل
_________________
(١) واسمه ميشا بن ابري المنجم اليهودي المشهور، عاش زمن المنصور وبقي حتى ايام المأمون. قال القفطي: وكان فاضلا اوحد زمانه في الاخبار بأمور الحدثان وكان له خطر قوي في سهم الغيب ومن مؤلفاته كتاب القرانات. تاريخ الحكماء للقفطي ٣٢٧
(٢) هما اخوان من اصل مجوسي، اسلما واشتهرا بالذكاء والادب والفصاحة، ووزرا للخليفة المأمون العباسي، وكان الفضل يلقب بذي الرياستين.
[ ١ / ٧٤ ]
أن يكون فكان كذلك.
وربما وقع لبعض المؤرخين والاخباريين ممن لا علم له بصنعة الكلام مثل هذه الكتب والاخبار فيذكرها ويضمنها كتبه، فيقرؤها من لا علم له ولا سأل العلماء عنها فيتحير ويضل. وقد صنع الناس في الاسلام مثل هذا، فقصدوا الى امور قد كانت ووقعت فعملوا فيها اشعارا ونسبوها الى قوم قد تقدموا وادعوا انهم قد عرفوها قبل ان تكون، كما صنعوا في قصيدة نسبوها الى رجل يقال له ابن ابي العقب ذكر فيها دولة بني العباس وكيف ابتداؤها، وذكر جماعة من خلفائهم واين ماتوا واين قبورهم، وادعوا انه اخذ هذا عن الأئمة وعن الاوصياء، وهو امر لا اصل له وكذب لا يشك/ فيه، وانما سبيله ما ذكرنا، فاعرف ذلك فانه باب كبير، والمخرق به والمشاكل به كثير، وللجهل به ضلت طوائف من هذه الأمة ممن خالف المعتزلة من طوائف الشيع وغيرهم.
وهذه سبيل الكتب المنسوبة الى اليونانية كأفلاطن وأرسطاطالس وغيرهم، فانها نقلت في الاسلام، وناقلوها ومدرسوها انما هم الواحد بعد الواحد الذين لا يعلم بأخبار جماعتهم شيء، وهم مع هذا أعداء رسول الله ﷺ وأشد الناس حرصا على التشكيك في الاسلام وصدّ اهله عنه، وهم يتسترون بالنصرانية والنصارى لا يرضونهم، ويشهدون عليهم بالالحاد وتعطيل الشرائع والطعن في الربوبية وفي جميع النبوات، وقد حرموهم ونهوا عنهم، كقسطا
[ ١ / ٧٥ ]
ابن اقا «١»، وحنين بن اسحق وابنه اسحق «٢»، وقويرى «٣»، ومتى بن يونس «٤»، ويحيى بن عدي «٥»، وهؤلاء مع قلتهم ما جمعهم زمان واحد.
وكان يوحنا القس «٦» مدرس أقليدس والمجسطي وغيره يقول: قد حذف الذين نقلوا كتب هؤلاء كثيرا من ضلالهم وفاحش غلطهم عصبية لهم وابقاء عليهم، واعاروهم واعطوهم ما ليس لهم من معاني الاسلاميين وبيانهم، والعدو اذا كان متدينا لم يؤمن حنقه، فكيف بمن لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف عقابا.
ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب.
وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي»
المنسوب الى ارسطالس
_________________
(١) هو فيلسوف شامي نصراني، اشتهر بالترجمة من اليونانية الى العربية، وبرع في علوم كثيرة. عاصر يعقوب بن اسحق الكندي. انظر تفصيل كتبه في الفهرست ٤١١، والقفطي ٢٦٢.
(٢) انظر ترجمة حنين بن اسحق وابن اسحق في هامش ص ٥٣.
(٣) واسمه ابراهيم قويري ويكنى ابا اسحق، ممن اخذ عنه علم المنطق، وعليه قرأ ابو بشر متى بن يونس. الفهرست ٣٦٧، وطبقات الأطباء ٧٧.
(٤) ابو بشر متى بن يونس النصراني المنطقي. قال القفطي: وكان ببغداد في خلافة الراضى بعد سنة عشرين وثلاثمائة وقبل سنة ثلاثين وله مناظرة جرت بينه وبين ابن سعيد السيرافي النحوي. القفطي ٣٢٣.
(٥) هو ابو زكريا يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا المنطقي، قال ابن النديم: واليه انتهت رياسة اصحابه في زماننا. قرأ على ابي بشر متى وعلى ابي نصر الفارابي وعلى جماعة مذهبه من مذاهب النصارى اليعقوبية. الفهرست ٣٦٩.
(٦) يقصد يوحنا بن ماسويه، كان نصرانيا شماسا سريانيا في ايام الخليفة هرون الرشيد، وقد ولاه ترجمة الكتب الطبية القديمة، وله في تاريخ الحكماء للقفطي ترجمة طويلة. انظر القفطي ٣٨٠.
(٧) يقصد كتاب الآثار العلوية لأرسطو، نقله الى العربية ابو بشر متى. الفهرست لابن النديم ٣٥١
[ ١ / ٧٦ ]
فإنه نقله بعض هؤلاء لبعض الخلفاء من بني العباس ليتحفه به، فما وجدوا فيه ذكرا مصرحا لانقضاض الكواكب، وإنما هو قول محتمل يتأوله بعضهم ويدعى انه أراد به ذلك، وهو بأنه شيء يثور من الارض ويرقى الى الجو/ أشبه.
وقد كان هرون الرشيد ضغط الروم وحاصرهم في بلادهم واذلهم الى ان اجابوا الى اداء الجزية واتقوه بها فأخذها منهم، وكتب اليهم كتابا بيّن لهم توحيد الله وانفراده بالقدم وصدق نبيّه ﷺ، وذكر فيه قطعة كافية حسنة من اعلام النبوة وأنفذه الى ملك الروم مع رجل من المعتزلة إما معمّر او غيره، والكتاب إنشاء ابي الربيع محمد بن الليث الكاتب القرشي «١»، وهو موجود في رسائل تاج الاصفهاني «٢» لا اشك، وقد حدثني بعض اهل العلم انه مذكور في «المنثور والمنظوم» لابن ابي طاهر «٣» . وقد ذكر في هذا الكتاب آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن
_________________
(١) هذا ابو الربيع محمد بن الليث الخطيب، كتب ليحيى بن خالد، وله ولاء ببني امية، وكان بليغا مترسلا كاتبا فقيها متكلما، ذكر له صاحب الفهرست كتاب «جواب قسطنطين عن الرشيد» ولعله هو المقصود هنا. إلا ان صاحب الفهرست يضيف رواية تشير الى ان نسبه يتصل بدارا، احد ملوك الفرس، بعد ان ذكر انه كان شديد الميل على العجم وأن البرامكة كانوا يكرهونه لذلك. ابن النديم ١٧٥.
(٢) هو محمد بن بحر ابو مسلم الاصفهاني، معتزلي ومن كتاب الكتاب. كان عالما بالتفسير وغيره من صفوف العلم توفي سنة ٣٢٢. ذكر له ياقوت في معجم الادباء كتابا باسم «مجموعة الرسائل» لعله هو المقصود هنا. «٢٨٠ هـ.» معجم الادباء ٦: ٤٢٠
(٣) هو احمد بن طيفور الخراساني مؤرخ وأديب، له كتاب تاريخ بغداد، وأما كتاب المنثور والمنظوم فيقع في اربعة عشر جزآ. ياقوت ١: ١٥٦.
[ ١ / ٧٧ ]
ان يقال، لتعلم صحة هذه الآية وخوض العلماء فيها قديما.
وقد قال ابو علي ﵀ واصحابه كما قد ذكرنا عنهم ما لا يضرنا ولو ذكر الاوائل كلهم الحجة في الزيادة الناقضة للعادة وامتلأ السماء به عند مبعثه.
وقد جاء في الاثر ان كوكبا انقض فقال النبي ﷺ: ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية «١»؟ فقال اصحاب ابي علي لأصحاب ابي عثمان «٢»: هذا يدل على انه قد كان لانقضاض الكواكب اثر ثم زاد في المبعث زيادة انتقضت العادة به، فقال اصحاب ابي عثمان: إنما اراد النبي ﷺ بقوله لهم: ما كنتم تقولون في ذلك في الجاهلية، يريد قبل اسلامهم وقبل تصديقهم له. وعلى كلا القولين فالآية ثابتة والحجة قائمة، وليس/ في هذا خلاف في كونها ووقوعها.
وأما ارسطالس هذا فلا معول على ما يقوله، وإن كان اصحابه قد صدقوا عليه فهو غير كامل العقل، لأنهم حكوا عنه ان هذه الاجسام العلوية من الشمس والقمر والكواكب لا يجوز ان تنقسم ولا تتجزأ ولا تتبعض، وان الشمس ليست حارة ومحال ان تكون حارة، وان هذه الاجسام محال ان تكون حارة او باردة، او رطبة او يابسة، او ثقيلة او خفيفة، او لينة او خشنة، ومحال ان تكون هذه الكواكب اكثر مما هي بكوكب واحد، او ينقص منها كوكب واحد، ومحال ان تكون الشمس اكثر مما هي او اقل، ومحال ان يكون لها لون او ريح او طعم.
_________________
(١) انظر لما ورد في انقضاض الكواكب من آثار تفسير ابن كثير ٤: ١٩٢ و٤٢٩.
(٢) يقصد اصحاب ابي علي الجبائي وأبي عثمان الجاحظ.
[ ١ / ٧٨ ]
وهذا الذي احاله هذا الرجل جوازه قائم في العقل، يعلمه كل عاقل من عالم وجاهل، ونظار وغير نظار، فإن كان عاقلا وبلغ به المحل واللجاج الى أن ركب هذه المجاحدة والمكابرة فيما هو في فطر العقول كلها وفي اوائلها، فمن يعده او يعتد بقوله او يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته وهو عورة كله من اوله الى آخره؟ ولو لم يكن له من الجهل والخروج من العقل إلا هذا لكفاه وأغناه، بل لو قسمت هذه الجهالة على جميع اهل الارض، من اولهم الى آخرهم لحطت منازلهم، واسقطت اقدارهم، حتى لا يعدوا فيمن ينقض عليه ويرد قوله. كيف، وله من الجهالات المستخفة المسقطة غير هذا مما إن طلبته وجدته ووقفت عليه.
ومن جهله انه اعتقد ان السماء والشمس والقمر والكواكب، عاقله مميزة سميعة بصيرة ضارة نافعة تحيي وتميت/، وان كل حادثة في هذا العالم من فعلها وتأثيرها. والعلم بأن السماء والشمس والقمر والنجوم جمادات وموات كالعلم بأن شعاع الشمس وشعاع القمر وضوء الكواكب والبرق والغيم والريح والمطر والبحر والماء والهواء والارض والنار جماد موات، ولا فرق بين من ادعى في الارض والنار والماء والهواء والنبات ذلك او ادعاه في الكواكب، بل كانت دعواه في الطعام والشراب والهواء واشباه ذلك انها حية قادرة نافعة ضارة تحيي وتميت اجدر وأدخل في الشغب ممن ادعى ذلك في الشمس والقمر والسماء والكواكب، فيقول: وجدت الهواء حيث كان جاز ان يكون معه الحيوان، وحيث لا يكون لا يكاد يوجد حيوان، وإذا ركد مرض الأصحاء ونهك المرضى وتعفن عنده الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حيّ سميع بصير قادر يحيي ويميت.
ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه
[ ١ / ٧٩ ]
يتلف الحيوان والنبات، فعلمت انه حي ناطق سميع بصير نافع ضارّ.
ثم يصير الى الارض ومرافقها فيذكر منها مثل ذلك، لما فيها من النبات والمعادن.
وكذلك في النار قال: ألا ترى انها تعقد شيئا كالبيض وما أشبهه، وتحل شيئا كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وما أشبه ذلك، وتبيض شيئا وتسود شيئا، فعلمت ان هذه الأشياء كلها حية ناطقة سميعة بصيرة فعالة.
وهذا قول ماني، حتى قال في اجسام العالم كلها وفي كل جزء منها، حتى قال ذلك في الحديد والحجارة والحطب. والمنانية تقول في الاصوات التي تسمع عند قلي السمسم والباذنجان واصوات/ غليان القدور واصوات الحطب عند التشقيق، هذا كله صراخ وضجيج منها، لما تجره من الآلام.
والمنانية تزعم ان الفلاسفة عنها اخذت هذه المذاهب، وانما ذكرت لك بهذا المكان لتعرف مقدار عقول الزنادقة والملحدة، ولولا فتنة قوم من الرؤساء والكتاب والوزراء بهم لما ذكرناهم، ولكن هؤلاء لغافلتهم وسوء تمييزهم قد اغتروا بهم لما ذكرناهم. وصارت هذه الباطنية تدعو اليهم، وتضع الروايات الكاذبة عن اهل البيت فيهم، فوجب ان نذكرهم بما فيهم ويصدق عليهم، ليعرفهم الناس.