من أعلامه، وهو قوله ﷿ «قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» «٢» وفي هذا إخبار عن غيوب كثيرة، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن:
إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا مجتمعين، فما أتوا به مع حاجتهم الى ذلك وشدة حرصهم عليه، أفمن هذا تعجب؟ أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا
_________________
(١) الضحى ٦
(٢) الاسراء ٨٨
[ ١ / ٨٥ ]
يحصى قبائلها/ ورجالها ونساءها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ونسائها وعبيدها وإمائها وعقلائها ومجانينها، وقد علم ﷺ أنهم في اللغة والبلاغة قبله، وهو منهم تعلم، وهو عاقل، فلولا أنه قد تيقن أنهم لا يأتون بذلك لما أقدم على الإخبار بذلك، سيما والذي ادّعاه امر عظيم وخطب جسيم، وهو النبوة والصدق والعصمة ونفاذ امره في النفوس والأموال ووجوب طاعته على كل احد الى ان تقوم الساعة، وحجته في ذلك كله هذا القرآن؛ وهذه من الآيات التي نزلت بمكة، ولو نزلت بالمدينة او أين نزلت لكانت الحجة بذلك قائمة لا تأثير للأماكن في ذلك ولا للأزمنة، وإنما نذكر الأماكن لأن الأعداء لما أفلسوا وافتضحوا، أخذوا في تشكيك الملوك والمترفين ومن يحب الرّخص ومن لم ينظر ويتأمل ويسمع من العلماء، أن هذا القول إنما قاله في آخر امره وفي آخر عمره.
واعلم أن القرآن حجة من ثلاثة أوجه: فكل سورة منه حجة من طريق الفصاحة والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه على دلائل العقول، فإن ذلك جاء على طريقة انتقضت به العادة، وقد مرّ بك طرف منه في المصباح «١»، ولعل اكثر منه ان يرد عليك، فانما انت في ذكر الإخبار بالغيوب وما يجري مجراها، ثم نصير الى البابين الآخرين والى مسائل الخصوم في ذلك والأجوبة عنه إن شاء الله.
من دلائله وإعلامه ﷺ، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة وما تضمنته من/ خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله عليهم،
_________________
(١) لعل القاضي يقصد بالمصباح اسم كتاب له، الا اننا لم نعثر لهذا الكتاب على اثر في كتب القاضي التي اطلعنا عليها ولا في الكتب التي نقلت عن القاضي او ذكرته.
[ ١ / ٨٦ ]
ومع ولده، ومع ابليس، وما كان لنوح مع قومه، ثم ابراهيم، وإسحق، ويعقوب، والاسباط، وعيسى، وأيوب، وموسى، وهرون، وغيرهم من النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، وهو ما قرأ تلك الكتب ولا عرف ما فيها ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، فتعلم انه ما علم ذلك إلا بوحي الله اليه واطلاعه عليه، وهي اخبار كثيره لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله ﷿.
فإن قيل: أين لكم انه ما قرأ الكتب، ولا كان يختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه وأنتم ما أدركتم زمانه، وقد قال له عدوه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١»» وقالوا: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٢»»؟
قلنا: ما ادّعينا ان خصومه ما ادّعوا ذلك عليه، وليس دعواهم حجة عليه، بل لما انقطعوا وقامت حجته ادّعوا هذا عليه، ونحن وإن لم نكن في زمانه ﷺ، فقد علمنا انه ما قرأ هذه الكتب ولا اكتتبها ولا اختلف الى اهلها، ولا اختلفوا اليه، ولا تلقى ذلك عن احد من الناس، لأنه ما من أحد يطلب فنا من الفنون إلا وله في ذلك تارات وطبقات؛ فأول ذلك ان يكون طالبا وسائلا عمن عنده هذا الادب وهذا الفن من العلم والادب، ثم يختلف الى اهله ويصحبهم، فيكون تارة مبتدئا، ثم متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد
_________________
(١) الفرقان ٥.
(٢) الفرقان ٤.
[ ١ / ٨٧ ]
تعاطاه ﷺ/ ثم اكتتم عليه، لكان ذلك من اكبر آياته وأعظم معجزاته، فاذا العادة قد انتقضت به، فقد اعطاه الخصم اكثر مما ادّعى، ولو جاز ان يخفى ذلك ويتستر على احد من الناس، لما استتر ذلك على محمد ﷺ لأن عدوّه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن احواله من قريش والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير، والطلب منهم شديد ودعواه النفسية عظيمة، وقد ادّعى عليم الفرية والكذب ولنفسه الصدق، وحجته عليم ألا يكذب في شيء ولا يناقض، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق.
وقد عرف عدوه ووليّه منشأه ومتقلبه ومثواه، ومعهم سافر، وبينهم تربى ونشأ، وأزواجه إنما هنّ بنات اعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته، وهن ممن يعتقد صدقه ونبوته، فمن هذه سبيله، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد او بالأقلام المختلفة، ويكتب ويقرأ، ويختلف الى اهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ عنهم، ويتستر ذلك على اهله ونسائه وعدوه ووليه؟ هذا لا يعتقده من تأمل الامور وتدبرها. بل لو كان ذلك له ﷺ يوما واحدا او ساعة واحدة، لعلم به الأولون والآخرون للاحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره. ولا فرق بين من ادّعى هذا عليه، او ادعى انه قد كان مرة تهوّد وأظهر اليهوديّة، وخرج فأقام مرة ببابك، ومرة ببيت المقدس، وأنه كان مرة تنصّر ولبس المسوح وأقام في البيع، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأفام أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان، وأن ذلك/ كله تم له وخفي على اهله ونسائه وعدوه ووليه.
فتأمل رحمك الله هذه الآية فإنها عظيمة جليلة، ولو لم يكن له الا هي لكفت وأغنت. وانظر كيف يقول، قد اقتص قصة نوح ﵇ ثم قال في آخرها: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ. ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا
[ ١ / ٨٨ ]
قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا. فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ «١») وانظر كيف يقول له:
إن هذا ليس من علمك ولا من علم قومك، والعدوّ والوليّ يسمع ذلك.
وتأمل قوله ﷿ في قصة يوسف ﵇ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) «٢» ثم عزاه وقال له: آياتك بيّنة وحجتك قائمة وإن عصوك، فما هاهنا شبهة في مخالفتك، ولا أمر يصدّ عن اتباعك، ولست اول من قامت حجته فلم يتبع، فقال له: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» «٣» .
وانظر كيف يدل ويستطيل ويصول على العدو والولي بأن هذا إنما ناله بالوحي، وانه ما قرأ كتابا ولا خط، وأنه قد كان في غفلة من هذا فقال:
«وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» «٤» .
وقال له في أول سورة يوسف: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» «٥» . ثم يقول في آخر السورة: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
_________________
(١) هود ٤٩ وما بعدها
(٢) يوسف ١٠٢
(٣) يوسف ١٠٤ وما بعدها
(٤) العنكبوت ٤٨
(٥) يوسف ٣
[ ١ / ٨٩ ]
يُؤْمِنُونَ» «١» .
وتأمل قوله ﷿ في سورة القصص: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢»» الى قوله: «وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» وانظر الى هذا الاحتجاج بأنه ما نال هذا ولا عرفه إلا بوحي من الله.
وانظر الى قوله في سورة طه: «وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى «٣»» . فتأمل هذا الاستعلاء على العدو والولي بأن من آياته وعلاماته ما في الصحف الأولى.
وكان مما طعن به ابن الراوندي في هذه الآية ان قال: إن كان معرفته بهذا دلالة على نبوته فمعرفة اليهود بذلك دلالة على نبوتهم، وهذا جهل من هذا الأحمق، لأن اليهود قد قرؤوا ذلك وكتبوه واخذوه عن آبائهم وشاهدوه فلا يكون حجة لهم، وهذا ما قرأه ولا كتبه ولا اخذه عنهم ولا عن احد من الناس كما دلت عليه العقول، فهو حجة عليهم وعلى غيرهم، ولو ان إنسانا ادعى النبوة، وجعل دلالته بأن اخبرك عن كتاب معك ما قرأه ولا وقف عليه وإنما وقفت انت عليه فيما لا يقع بالاتفاق ولا بالحدس، لكان ذلك دلالة في نبوته ولم يكن دلالة لك، وكذلك إذا اخبرك عما اكلت وشربت وادخرت، ولكن اشتبه على هذا الملحد لفرط جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه صنف شيئا للمشبهة،
_________________
(١) يوسف ١١١
(٢) القصص، الآيات ٤٤ و٤٥ و٤٦
(٣) طه ١٣٣
[ ١ / ٩٠ ]
وشيئا/ للمجبرة، وشيئا للرافضة، فسروا به لنقصهم، وشهدوا له بالحذق لفرط غباوتهم وانهم لا يعرفون الاسلام وأهله، فمن اظهر لهم التصويب قبلوه لضعفهم وسوء احوالهم، وقبله اليهود والنصارى وحذقوه، لأنه شتم محمدا رسول الله وأظهر تكذيبه، وهو فقد شتم ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وهارون ويحيى وعيسى وجميع النبيين صلوات الله عليهم اجمعين وكذبهم، ولكن اليهود والنصارى بلا حجة ولا بصيرة في مخالفتهم المسلمين، فمن عادى محمدا ﷺ تولوه وإن كان عدوا لأنبيائهم، كما لا بصيرة لأهل بدع الاسلام من المشبهة والمجبرة والرافضة. وهذه السور مثل القصص وهود ويوسف من المكيات فاعلم ذلك.