ومما يذكرونه الآن للناس مما هذا سبيله، قولهم للمعتزلة: إنكم تقولون إن هذا الرجل الذي هو نبيكم قد زهد في الدنيا وحمل أهل بيته عنها، وولد العباس وولد أبي طالب لا يتدافعون انهم قد جعل لهم خمس الأرض وخمس ما في أيدي الناس كلهم، حتى يقولوا عظاماؤهم وأغنياؤهم وملوكهم وأهل الثروة منهم: لنا في أموال الناس كلهم الخمس، حتى الأرملة الفقيرة التي تعيش بغزلها لنا فيه الخمس.
فقيل لهم: لو كان ﷺ قد نص على هذا وفرضه لجاء مجيء أمثاله من النصوص، وكان العلم به أقوى من العلم بقسم الصدقات، لقوله: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» «١» إلى آخر الآية، ومن قسمة المواريث بقوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» «٢» إلى آخر الآيات، لأن هذا نص في رجال سادة أشراف معروفين، وكان ينبغي أن يكون رسول الله ﷺ قد قسم فيهم خمس جزيرة العرب فقد ملكها، وأن يكون أمير المؤمنين قد قسم فيهم خمس الأرض فقد كان ملك الإسلام كله إلا كورة فلسطين وحدها، ونفد أمره فيها خمس سنين.
فإن قالوا: قد فعل رسول الله ﷺ ذلك، وفعله أمير المؤمنين حين ملك، قلنا: فقد كان ينبغي أن يكون العلم بذلك حاصلا لمن سمع الأخبار، ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن كونه بالكوفة وبالنهروان، وما كان له مع من
_________________
(١) التوبة ٦٠
(٢) النساء ١١
[ ٢ / ٥٥٤ ]
حاربه بها، لأن قسمة ما ادعوه فعل يتكرر على رجال ونساء صفتهم ما قدمنا، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى أنه ﵇ كان قد أقطع عبيد الله اليمن حين ولاه إياها لتكون له ولولده مما يستحقه من الخمس، وكذا فعل بابن عباس حين ولاه البصرة، وبتمام بن العباس حين ولاه المدينة، وبقثم حين ولاه مكة، وبمعبد بن العباس حين ولاه خراسان، وأنه أقطع عقيل ابن أبي طالب أصبهان، وولد جعفر بن أبي طالب الجبل، والحسن ابنه مصر، والحسين ﵇ عمان والهند، أو ادّعى أن رسول الله ﷺ قسم ذلك عليهم في حياته وتقدم إلى أمته بذلك.
والذي يعرف أهل العلم أن رسول الله ﷺ حرم عليهم الصدقات وأوجبها على أغنيائهم لفقراء المسلمين من ليس من بني هاشم، وجعل للفقراء من بني هاشم من خمس الخمس من الفيء بمقدار ما يسدّ به الخلة.
وقد كان يمنعهم إذا سألوه، فكان أمير المؤمنين يتحدث بذلك فيقول:
ألا أحدثكم عنا وعن رسول الله ﷺ، إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قمّت البيت حتى أثر بثوبها «١»، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقيل لها: إن أباك قد أتاه سبي وهو يقسمه بين الناس فلو سألتيه خادما يكفيك، فاستحيت أن تسأله، فمشى معها عمات رسول الله ﷺ ومشينا معها، فأتيناه وهو مشغول بالنّاس، وطال انتظارنا فرجعنا، فلما فرغ، أخبر بذلك فأتانا، فقال: ما جاء بك يا فاطمة، فاستحيت أن تقول، فقلنا جاءتك يا رسول الله لتخدمها من السبي الذي أتاك خادما، فإنها قد قمت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقال لها: يا بنية أيتام بدر أحق منك، ألا أعلمك ما هو خير لك
_________________
(١) قم البيت: كنسه اللسان، مادة: قمم
[ ٢ / ٥٥٥ ]
من هذا، تسبحين الله كذا وتحمدينه كذا، وذكر الحديث، وهي قصة معروفة طويلة.
وأتته فاطمة مرة أخرى بالحسن والحسين، فقال: يا نبي الله أنحلهما.
فقال: نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت هذا الصغير المحبة والرضا، فما زاد على هذا.
وكم قد سأله ﷺ غير واحد من بني هاشم فمنعهم، وتفصيل ذلك يطول، وهو مذكور في كتب العلماء. وما كان يعطي المحتاجين منهم إلا من خمس الخمس من الفيء، وربما دفعه إلى العباس ليقسمه عليهم.
وكانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير حبسا لنوائبه، وجزأ خيبر ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل، فكان عمر ابن عبد العزيز يعجب من إقطاع معاوية إياها مروان بن الحكم وهي لأبناء السبيل، وقد سألته إياها فاطمة بنته ﷺ فمنعها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله، لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فسألته إياها فاطمة ﵂، فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك. فكان ﷺ يضع ما كان يأتيه منها في أبناء السبيل.
ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله ﷺ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي مال أحبّ إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فعادة رسول الله ﷺ في منع أهله معروفة، وكان يعطي الناس الجزيل الكثير، ويمنع أهله. ولقد سأله رجل غنما ما بين جبلين فأعطاه إياها كلها، وكم من رجل قد أعطاه مائة بعير وأكثر، وكان إذا أتاه المال لا يدخل بيوته حتى يقسمه كله ثم يدخل، وربما أمسى عنده منه شيء فيبيت في المسجد إلى أن يقسمه. وكان أصحابه من السابقين الأولين يتذاكرون سيرته ﷺ في هذا، وأنه كان يأتيه الفيء العظيم فيمسي وإن بيوته لصفر ما أدخلها حلوا ولا مرا حتى يرد عليه من بيوتنا.
ولقد دخلت من الأنصار امرأة على عائشة فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله، إن فلانة الانصارية دخلت عليّ فرأت فراشك، وذهبت فبعثت إليّ بهذا، فقال:
رديه، فلم تردّه، وأعجبها أن يكون في بيتها، فراجعته فقال لها ذاك ثلاث مرات، وكم مثل هذا مع أزواجه في ستر يراه وغيره مما يطول شرحه، وقد عرفت شرطه على أزواجه وما أنزل الله في سورة الأحزاب، وقد تقدم لك ذكر ذلك، وإنما هذا وأمثاله من الأحاديث التي يضعها الملحدة ويتقربون بها إلى بني هاشم ليغروهم بالناس، وليلبسوا عليهم دينهم، ثم يأتون العلماء فيسألون عنها في المطاعن على رسول الله ﷺ، فيشغبون من كل وجه، فقلّ ملحد إلا وهو يدعي التشيع ويصنف الكتب في نصرة الرفض كما هو معروف، وقد تقدم لك ذكر ذلك. والذي يجب على رسول الله ﷺ البيان، وليس يجب عليه ألا يكذب عليه أحد ولا يلزمه ذلك.
وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله ﷺ ليست تلك النخيلات التي
[ ٢ / ٥٥٧ ]
بالحجاز وإنما فدك التي نحلها رسول الله ﷺ فاطمة هو ما سقته الفرات والنيل ودجلة وسيحون وجيحون، فلأولادها يأكلون من مال أمهم، والشيعة يأكلون من مال مواليهم، وكأنك بهذا قد انتشر وصار له إسناد، وادّعوا فيه التواتر.
وكان أبو الفتح هذا ينزل ببغداد في الجانب الشرقي في سوق يحيى، وقريبه مات، وكانت الشيع ترجع اليه في الرواية ويعرض عليه شعراؤهم شعرهم، مثل أبي الحسن عليّ بن وصيف الجلاء الذي تسمى بالناشيء وحمام بن فراس في هذا الموضع معروف [١] .