ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله ﷺ: «بيت لا تمر فيه جياع أهله» . وهذا قصر مولانا العزيز ما فيه أحد يأكل التمر ولا يشتهيه، وما هم جياع بل شباع «٢» قلنا: قد علم هو ﷺ وأصحابه الذين قال لهم
_________________
(١) لقمان ٣٤
(٢) جاء في هامش الأصل «تأويل قوله ﵇ بيت لا تمر فيه جياع أهله»
[ ٢ / ٦١٤ ]
هذا أن ها هنا أمما كثيرة لا تجد التمر وفيهم من لا يشتهيه، وهم شباع، وإنما أراد بذلك أهل المدينة وأمثالهم من بلدان النخل، والقوم الذين هم أكلة التمر، وأقواتهم التمر، فحضهم على اتخاذ النخل لقوت عيالهم، وهذا من مسائل أهل الخيبة/ والافلاس.
ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله: ﷺ «الشفاء في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله» وقوله: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» فقالوا: نحن لو أطعمنا العسل المحموم والمبرسم أضررنا به وربما قتلناه، وكذا صاحب الصفراء، ولو حجمنا المفلوج والملقو وصاحب الرطوبة لضره ذلك وأسقمه، قالوا: وقد يقرأ القرآن كله على العليل فلا يبرأ، وربما مات، ولا يعرف الناس في أدوية العين ما الكمأة.
قلنا «١»: ما قال النبيّ ﷺ لا دواء إلا هذا ولا شفاء إلا في هذا، وإنما قال:
في هذا الشفاء، وقد صدق ﷺ. فإن الناس يجدون في العسل من الشفاء في الأدوية والأغذية والمطاعم ما يعم نفعه ولا يمكن دفعه، وفي الحجامة شفاء عظيم لخلق كثير، ولم يأمر ﷺ بذلك في كل مرض فيكون لقائل مقال، وقد قال ﷺ: ماذا في الأمرّين من الشفاء: الصبر والشقاء. وذكر ﷺ الشفاء في أشياء كثيرة من فواكه ونبات يطول شرحها، ونهى عن أكل أشياء كثيرة في أمراض، ونهى الرمد عن أكل التمر، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﷺ مما يطول شرحه، وإن لم يكن معالجا طبيبا فما وجد في قوله مع كثرة ما قاله كذب، وقد علم هو ﷺ والذين قال لهم هذا الذي أراده، وأن الناس قد يتداوون بهذه الأشياء ومع هذا فيموتون ويهرمون، وعلى أن هذه الأدوية
_________________
(١) جاء في هامش الأصل: «تأويل قوله ﷺ: الشفاء، في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله، وقوله: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» .
[ ٢ / ٦١٥ ]
لا تفعل الشفاء بل لا تفعل شيئا البتة لأن الفعل لا يكون إلا من الحيّ القادر وهذه الأدوية موات، والشفاء لا يفعله إلا الله ﷿، وقد يفعله بلا دواء ويفعل السقام مع التداوي، ولكنه/ ﷿ قد أجرى العادة بأن يفعل الشفاء عند التداوي في بعض الأحوال والأوقات دون بعض، كما قد يفعل النبات عند البذر والسقي وقد لا يفعله مع ذلك، وقد ينبت ما لا يحرثه العباد وقد أجرى العادة بالشفاء من الأمراض المتفاوتة المتضادة بالدواء الواحد وهو القرآن فما كان للناس دواء في القديم غيره، حتى لا يكاد يحصى من شفاه الله بذلك لكثرتهم، ولا يحصي عددهم إلا الله وحده، وكانوا يستحيون من الله أن يصفوا أمراضهم للاطباء والمخلوقين وإن كان في ذلك رخصة، لأنهم قد علموا أن السقام والشفاء من الله لا يفعله غيره ولا يقدر عليه سواه، فكانوا لا يشكون ذلك إلا إليه ولا يعرفون قارورة ولا ذكر طبيعة.
ولما مرض أبو بكر الصديق ﵁ قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟
فقال: لا الطبيب أمرضني. ولما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا شاورت طبيبا؟ فقال: قد أردت هذا، ثم ذكرت عادا والقرون الخالية وقد كان لهم أطباء فماتوا ومات الأطباء.
وقال الحسن: أدركت أقواما والله ما كانوا يعرفون الهليلج ولا التليلج «١» وهذا ماء زمزم وهو غليظ وهو لما شرب له، ولو جمع جميع من داواه المتطببون فماتوا عن علاجهم لما كانوا أشطر من وهب الله له الشفاء من علته عند شرب ماء زمزم وحده.
وعلى أن ذلك الماء وحده يصلح للامراض المتفاوتة المتضادة المختلفة، وهذا الذي ادّعينا في القرآن وفي ماء زمزم هو ما كان عليه الصحابة في الصدر الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، إلى تابعي التابعين والذين بعدهم، يعرفه
_________________
(١) ثمران يستعملان في العقاقير
[ ٢ / ٦١٦ ]
كل من سمع أخبارهم وتصفح سيرهم، وخلق/ كثير على مثل طرائقهم في بلدان الاسلام يستشفون بالقرآن وبماء زمزم من أمراض متفاوتة.
وربما ادّعوا ذلك عند سماع كلامنا، فيقولون: الترياق الكثير قد نعطيه في الأمراض المتفاوتة، ولو كان ذلك كما ادّعوا لكان آكد لما قلنا، ولكن ما يكاد يوجد ذلك في أدويتهم وأخلاطهم كما وجد الناس ذلك في القرآن وفي ماء زمزم.
فأما قولهم ليس في أدوية العين ماء الكمأة فإن هذا قول من لا يعرف الربوبية ولا العادة ولا الطب ولا الأطباء، فان أدوية الأمم مختلفة غير متفقة، فطبّ الهند غير طبّ العرب، وطبّ الروم غير طبّ الفرس، وطبّ سكان المدن غير طب سكان القرى، وطبّ البوادي وسكان الجبال وبيوت الشعر والوبر غير طب أهل القرى، ولحنين ابن إسحق كتاب ذكر فيه أدوية كثيرة لا يعرفها بقراط ولا جالينوس ولا ذكرها، منها: الجدريّ والحصبة، وزعموا أنه لا يعرفها، حتى قال ابن زكريا الرازي: يشبه أن يكون قد عرفها. فإنه قال: العدس جيد لغليان الدم، فقيل له: كذا تظن أنت يا ابن زكريا. فإن قيل: مثل هذه الأمراض الهائلة العامة الشاملة حتى لا يكاد ينجو منها إنسان إلا القليل، وحتى صارت تعرض لبعض البهائم، وهي خطيرة، لا تقتصر من جالينوس وبقراط وطب الروم واليونانيين على هذا المقدار مع كثرة كلام جالينوس في كتبه في صفة الأمراض والمرض ومن داواه.
وكثير من بلدان خراسان يتداوون من الحمايات الحادة باللحمان وبالشواء والاسفيداج وهو الشفاء عندهم، وأهل هراة/ وقاين وما إلى ذلك، «١»
_________________
(١) قاين: بلد بين نيسابور وأصبهان، وهراة: من أمهات مدن خراسان معجم البلدان
[ ٢ / ٦١٧ ]
يتداوون من الحمايات بتذويب الإلية والشحوم ويتحسونه حارا ويستشفون به، وأهل نيسابور يتخذون من ورائهم في الحمايات بالسمن، وأهل طبرستان يتداوون من الأمراض بالثوم في الشتاء والصيف ويقولون: هو في الشتاء حار وفي الصيف بارد، وأهل جبال فارس يتداوون من الحمايات بالفراخ ولا يتدافعون انها باردة.
وحتى أن كثيرا من الادوية تنفع حينا ثم لا تنفع بعد ذلك بل يكون داء قاتلا، لا لشيء أكثر من انهم وجدوه كذلك. ألا ترى أن جالينوس كان يعالج المقروحين ومن في صدره قرحة السعال وحمى الدق بالفلفل والزنجبيل وما أشبه ذلك، وهذا عند غيره، وفي هذا الزمان، وفي هذه الأمراض من الادواء القاتلة.
ولقد عرض ببغداد في زمن موسى بن سنان، وإبراهيم بن بكس أبو ابن بكس هذا الضرير الطبيب، والحسن اليهودي وأمثالهم من حذاق المتطببين ببغداد وهي إذ ذاك أعمر ما كانت، وهؤلاء القوم على البيمارستانات وخدمة الملوك، فعرض القفّاع وكثر، فقال موسى بن سنان لإبراهيم بن بكس خذ يا أبا إسحق الى ساعورك من هؤلاء المقفعّين مائة وتقاسموهم، فقال ابن بكس فرجعت في علاجهم إلى أدوية جالينوس وأوصافه، فما داويت أحدا منهم إلا مات، وما زالت الجنائز حتى مات منهم ستون، فكففت عن علاج الباقي وهم أربعون، فما مات منهم أحد.
والكتاب المعروف بالميمر لجالينوس وهو سيفه وتجاربه الذي كان يداوي به المرضى، لا يقربه المتطببون ولا يداوون أحدا به، وكذا الكثير من كتبه «١»،
_________________
(١) مكررة في الأصل
[ ٢ / ٦١٨ ]
وقد كان أبو الحسن بن زهرون الصابي الحراني واحد الطب ببغداد ورئيسه يتسقط جالينوس في صناعة الطب ويستجهله لما ذكرنا من علاجه. وكان أبو الحسن بن/ نفيس وهو أحد رؤساء المتطببين. (وهو أستاذ ابن بكس هذا) «١» .
يعتذر هو وغيره لجالينوس بأن الادوية ما تجري على سنن واحد، وأنها قد تنفع في أمراض بعينها في زمن من الأزمان ثم تضر في تلك الأمراض في زمن آخر.
وكانوا يقولون: اعتبروا بما وجدنا في سني نيف وثلاثين وثلثمائة لما حدث القحط والغلاء ببغداد، وعدم أكثر الناس الاقوات وصاروا مرضى مطرّحين على الطرقات لا دواء لهم ولا غذاء، ونحن نتردد إلى المياسير والملوك نداويهم ونصف لهم التفاح الشامي والبنفسج ويجدونه ويتداوون بما نصف لهم، ولهم من يمرضهم ويخدمهم فيموتون ويبرأ الكثير من أولئك الذين على الطرقات.
واختلاف الأدوية كاختلاف الأغذية، ألا ترى أن أجناس الانعام وذوات الحوافر تغتذي بالاحطاب والأتبان والحشائش المرة الكرهة القاتلة لحيوان آخر من الانس وبالنوى، فيصير هذا الحطب وغيره شحما ولحما ولبنا.
والسمك والخنازير والدجاج وكثير من الحيوان يأكل القذرة ويخلق الله بذلك في أجوافها شحما ولحما ولبنا، والنعام يغتذي بالحصا والنار والحديد ويحمى له سيخ الحديد فيبلعها فتذوب في قوانصه ويخلق الله من ذلك شحما ولحما وبيضا ويدرق الثفل مثل الماء الجاري، والظبي يغتذي بالحنظل ويشرب ماء البحر، والأرانب تغتذي بالأيهل وهو سمّ قاتل، والسقمونيا ترعاه البهائم
_________________
(١) في الأصل: «وهو أستاذ هذا ابن بكس»
[ ٢ / ٦١٩ ]
والاقنيمون الأقريطشي ترعاه البهائم وتحيا به والبيش تأكله البهائم التي هي على هيئة الفأر وهي معروفة به، وكل هذه سموم قاتلة لحيوان الانس، والحيات يأكلها قوم، ويأكلها الأيّل والقنفذ والسنّور وغير هذا من الحيوان، / ولا ينكر اختلاف الأغذية والأدوية إلا جاهل.
على أن الطب ليس بعلم، وإنما هو شيء وجد بالتجارب، ثم لا تدوم تلك التجارب ولا تمضي على طريقة واحدة، بل تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا كما قد رأيت وسمعت، وذلك من آيات الله ودلائل توحيده وإنما أجرى به ﷿ العادات ولا يديمه على طريقة واحدة بل يزيد فيه وينقص منه ويجعله في وقت ولا يجعله في آخر، حراسة للحق، ولئلا يلتبس الدليل بما ليس بدليل، لأنه ﷿ لا يفعل الجهل والضلال.
وقولنا في الطب ليس بعلم لأن كان علما لا يتغير قطّ، كالعلم بأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، ولا بد من أن يكون قبل الفعل، ويكون حيا قادرا، وإن كان فعله منسقا محكما فلا بد أن يكون عالما.
ولهذا يقول حذاق الطب: إذا قيل لهم في مريض قد أجمعوا على دوائه بدواء معين، فيقال لهم: إن سقيناه هذا يعافى ولا بد؟ قالوا: لا ندري.
قيل لهم: فإن لم نسقه يموت لا محالة؟ قالوا: لا ندري، ونحن فقد يطيعنا القليل فنداويه ونرى أمارات الصلاح فيه ثم يرد من زيادة المرض ما لا نحتسبه، وقد يعصينا ونرى أمارات الهلاك ويرد من العافية ما لا نحسبه.
هذا معروف مذكور في كتبهم، ولسنا مع ذلك ننهي عن التداوي، بل سبيل كل أحد أن يرجع إلى الله ﷿ ويستشفي بالقرآن وبماء زمزم وبالصدقة فمن شاء أن يقتصر على ذلك فعل، ثم إن كانت له عادة بالتداوي
[ ٢ / ٦٢٠ ]
تداوى بعد أن يقدم ما ذكرنا، فقد جاءت الرخصة بالتداوي بما يحل من الشريعة لأنه قد جاء في الأثر: «ما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم، «١»» وجاء: «عود بدنا ما اعتاد» «٢» .
ثم ليس إلى السلامة/ سبيل وإن دامت الصحة، وقد قال ﷺ الله كفانا بالسلامة داء، وهذه كلمة قصيرة كثيرة المعاني، فإن الانسان وإن دامت صحته فهو معها يهرم ويبلي ويتغير وإن كان طبيبا حاذقا مقتدرا، وكان أبو عثمان عمرو عبيد كثيرا ينشد قول القائل:
يهوى البقاء فان مدّ البقاء له وصادفت نفسه فيه أمانيها
أبقا البقاء له في نفسه شغلا مما يرى من تصاريف البلى فيها
وقال آخر:
إذا مات المعالج من سقام فأحرى بالمعالج أن يموتا
وقال آخر:
يعيش راعي الضأن في جهله عيشة جالينوس في طبه
وربما كان راعي الضأن في جهله أدوم صحة وجلدا وبقاء من جالينوس ومن حذاق الأطباء، وأنت تجد هذا عيانا من الرعاة والملاحين والزبالين وأشباههم، وقل ما يوجد طبيبا حاذقا سليما من الأمراض، هذا أبو الحسن بن بكس عرض له الرمد وأبوه حيّ وبالغ في علاجه، فذهبت احدى عينيه، ثم طب وحذق وزادت صناعته وذهبت الآخرى بعد ذلك، والمعروف بالتلميذ،
_________________
(١) جاء في هامش الأصل من حديث ابن مسعود، وروي مرفوعا من حديث له.
(٢) جاء في هامش الأصل تعليقا على هذا: «هذا من كلام الطبيب الحارث بن كلدة: ومن رفعه إلى رسول الله أخطأ» .
[ ٢ / ٦٢١ ]
به فتق وغيره من الأمراض، وابن سابور قد عرضت له في خصيتيه أذرة قد أثقلته لا يمكنه أن يركب، وسنان الصابيء أكثر أسقاما، وتلميذه أبو عبد الله بن المعلم ها أنت تشاهده أصفر سقيما قد نهكته البواسير، وابن المهزول وأبوه طبيب حاذق مات وما بلغ ثلاثين سنة، وابن بنت أبي الحسن ابن بكس امرأة أبي الحسين الطبيب عرض لها مرض أشب ما كانت، وأبوها طبيب، وزوجها طبيب، وعمها طبيب، وحموها طبيب، قد اجمعوا على علاجها فماتت بأسرع من ذاك.
وهذا بيت بني زهرون/ الصابئين ومحلهم في الطب والعلم بصنعته المحل العظيم، ولهم من القيام على أنفسهم والمراعاة للطب وتوفيته حقه، وهم خلق كثير ومنزلتهم في الجانب الشرقي من سويقة عباسه، وأمراضهم وأسقامهم تكاد تزيد على أمراض الجهال الفقراء الذين تقل مبالاتهم بالحياة والصحة، وأكثرهم يموتون في الشباب والكهولة، ويقل فيهم من تعلو سنه ويهرم، والذي بلغ منهم نيفا وثمانين سنة هو أبو الحسن بن هرون أبو أبي الخطاب، وابنه أبو الخطاب دفنه شابا في حياته، وهذا أبو الحسن بن أبي الخطاب يحيا وهو شاب وبه مرض عظيم، وهؤلاء حذاق الطب وأبناء الحذاق.
ولم تعيرهم بالأمراض فإنها من فعل الله ومما يبتلي به عباده، ولكن ذكرنا هذا للاعتبار والتنبيه على آيات الله ﷿ وهو المبتلي والمعافي، ولأن أكثر هؤلاء الأطباء يعتقدون أن الأدوية تفعل، ولها طبائع تفعل الصحة، وتنفي الأمراض، وغير ذلك من الجهالات، وينكرون النبوات، ويكذبون الانبياء ويستجهلون المسلمين وأهل الشرائع، وينكرون الربوبية والبعث والنشور، وعندهم من الحمق والجهل والعجب ما لا يبالون بمن قتلوا من المرضى وأسقموا من الأصحاء، ويقولون في أنفسهم وفيما بينهم إن التقينا فاقتصوا منا كيف
[ ٢ / ٦٢٢ ]
شئتم، وإلى غير ذلك من جهلهم وحمقهم وإرصادهم للمسلمين بما يطول شرحه.
وقد عرفت حال من تقدم في زمانك من أسلافهم وتجريدهم في الإلحاد مثل قسطا بن لوقا، وحنين بن اسحق، وابنه اسحق، وأشباههم. وقد عرفت مكاشفة ابن زكريا الرازي، فهذا كان نصرانيا بن نصراني، يتستر بالنصرانية ويذهب مذاهب الملحدة، ثم أظهر الإسلام وتسمى/ بمحمد، وكان اسمه يوحنا. وإنما فعل ذلك مكيدة للإسلام، وكان يقول: محال أن يقدر الله أن يخلق الانسان من غير تناسل ويكمل له عقله وقوته ضربة، وأنه لو قدر على ذلك لفعله ولم يفعله كما نرى حالا بعد حال، وليس ما يشاهده العقلاء من خروج الفروج من بيضته كاسيا كاسبا غنيا عن أبيه وأمه وعن أمثاله، وخروج فرخ الوز سابحا لا يحتاج إلى ما يحتاج اليه العقلاء من المعلمين للسباحة، وما يبنيه النحل، وينسجه العنكبوت ودود القز، وكل هذا ضربة واحدة، وقد تقدم لك ذكر أمثاله في المصباح.
ونسي ما خلقه الله ضربة واحدة من السموات والأرضين والجبال، ومن بياض القطن والطير والخيل، وما خلق الله ألوانه ضربة واحدة، وكذا طعومه وأرائحه، فإنه كان ينكر القدرة على خلق العنب وأمثاله ضربة، وكان يقول:
لا بد من أن يكون أولا حصرما أخضر، ثم بدت فيه بعد ذلك الحلاوة الحلاوة والسواد. وكان يقول في الشيب: إنه من تعفن الرطوبات في أصول الشعر، فيقال له: الخيول والطيور وغيرها من المخلوقات بيضاء ضربة ولا رطوبة.
وكان يقول: ليس لله نعمة في خلقهم، وما خلق الله من الصحة والاسماع والأبصار والقول والجلد والشهوات وما يجدونه من اللذات، ويقول: هؤلاء
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الذين اعتقدوا هذا جهال حمير لا يميزون، وإنما الذي يجدونه من اللذة راحة من ألم فيهم ووجع يعتريهم، كالذي يجد من الراحة من أثقله بوله وغائطه حين يضعه، وكالذي يستريح بحك جربه ويضع المرهم على شجّته وجرحه.
وكل عاقل في الدنيا يفرق بين ما يلتذ به وبين ما يتداوى به من جرحه، ويتمنى بقاء ما فيه من شهوة وشباب وجلد ويحرص على اجتلا به، / ويأسا على ما فاته منه، ويبكي وينوح على ما فاته منه كما يبكي على فقد أحبابه، ولذهاب سمعه وبصره، ويتمنى ردّ ذلك عليه، ويستوصف الأطباء ما يقوي الشهوة ويعيدها وهو لا يتمنى الجرب ليحتك، ولا القروح والجراح ليتداوى، ولا أثقال الغائط والبول له ليقعد لإخراجه. وهذا من الجهل الواضح الذي يعرف بالحس، والعجب أن لابن زكريا في مواضع من كتبه في الطب أبوابا في حفظ الشهوة والصحة والشباب والجلد والقوة، ويوصي بذلك أتم الوصايا.
ثم فهم ينسون المشاهدات، ويدفعون الضرورات، وقد شغلهم الغيظ على من جعل هذه نعما من الله ووعد بأمثالها في الجنة، ويدعون لأنفسهم ولمن أطاعهم في ظنهم أنهم يبرّونه ويديمون صحته وجلده، وحالهم وحال الملوك الذين استطبوهم وأطاعوهم ما قد عرفه الناس.
وبنزار هذا الذي زعم أنه العزيز وفرعون مصر ظهرت بثرة في مشط قدمه قد أضنته ونغّصت عيشه وقد جمع لها حذاق الأطباء، وبذل لهم الرغائب، وهم حوله ومعه لا يفارقونه، وهم آثر الناس وأوجبهم عنده، وما يزداد مرضه إلا قوة، وهو جلد وسيم جسيم.
وقد كان سلطان بلخ عرض له مرض فوصف له ابن زكريا الرازي ما رغبه حتى رحل اليه، فاقترح على هذا السلطان مسألة أبي القاسم البلخي رحمة الله عليه إجابته عما يسأله، ففعل السلطان ذلك، وألزم أبا القاسم هذا فأجابه،
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ثم قال لابن زكريا: قبل كل شيء فما رأيت أحمق منك، فقال له ابن زكريا: ليس هذا من خلقك وأنت موصوف بالحلم وحسن الأدب، فقال له أبو القاسم ﵀: أنا أبين لك ذلك، أنت رجل تنكر ما يقوله المسلمون وأهل الشرائع/ في الربوبية والنبوات وتراه جهلا، وهم يرون ما أنت فيه كفرا يحل دم من ذهب اليه ورآه، وأنت بينهم وهم معك وحولك في ألوف فراسخ، وأنت تبدي ذلك وتناظر فيه ولست تحسب الأجر والثواب في المعاد ولا في العاجل على ذلك لأنك لا ترى بالمعاد والجزاء، فهذه واحدة. وأخرى، أنك تدعي صحة الكيمياء، وأنك تجعل الحجر والمدر ذهبا وفضة، ولك في ذلك كتب تنكر على من أنكر ذلك وكذّب به، ومع هذا فقد خاصمتك امرأتك في نفقتها ونفقة ولد لك وأحوجتها إلى أن رفعتك إلى الحكام ليفرضوا عليك كما يفعل ذلك بأفقر الناس وأقلهم حيلة، فهذه ثانية. وأخرى، أن ينصرك من الضعف، ويعينك من المرض اللازم ما هو بيّن، وأنت تدعي علم الطبائع ولك حذق في الطب والتقدم فيه والازراء على من تقدمك من الأطباء، كابن ماسويه وغيره، وعلى أطباء أهل زمانك، فكان من عذر الرازي في سقم بصره حبّه الباقلاء وكثرة أكله له، وأنه يفضله على اللوز، وأنه أطيب منه، ثم من بعد هذا نزل الماء في عيني الرازي هذا وعمي، وكان يجيء بمن يقدح الماء منه ويجيء بمن عمي من نزول الماء في عينه فيستوصفهم كيف عموا، ومتى نزل الماء في أعينهم، وما كانت أغذيتهم، ويجيء بمن يقدح الماء من عيونهم عنده ويدبرهم على أحوط ما يكون في ذلك ليجرب وينظر كيف الأثر في ذلك. وكد وبذل وجمع الأطباء فما رجع عليه بصره، ومات أعمى. وقد كان يعرض له من وجع أذنه ما يقلق القلق العظيم، ويمنعه النوم والقرار، ويتداوى بكل ما ذكره المتطببون في ذلك وهو على كل حال/ يتقدم في صنعة الطب،
[ ٢ / ٦٢٥ ]
كثير الكتب والمقالات في ذلك، حتى دخلت امرأة على امرأته ورأت ما به من القلق، فسألت امرأته عن ذلك فقالت: من وجع أذنه، فقالت المرأة الداخلة:
هذا وهو طبيب، وقد سمعت أن الخنفساء الميتة إذا أغليت مع دهن الورد وقطر في الأذن من ذلك الدهن منع من وجع الأذن، فقالت له امرأته ذلك، فقال: افعلوا وبادروا لعله ينفعنى، ففعلوا وقطروا في أذنه فزعم أنه نفعه.
ومثل هذا من الأدوية يحكيه جالينوس كثيرا أنه استفاده من القوابل ومن الأكرة ومن الملاحين، وكم قد عرض لحذاق الطب من الأمراض التي لا تظهر، وكم هي فيهم وبأي أمراض ماتوا، فنعوذ بالله من الذهاب عن الله ومن التوكل على غير الله، وإنما ذكرنا هذا لكثرة دعاوى هؤلاء الجهال.
وكم قد بقي الناس وهم لا يعرفون الفصد، وكانوا أطول أعمارا وأصح أجساما، والروم لا تعرف اليوم لا الفصد ولا الحجامة، ولا الدواء المسهل ولا القيء، ولا تتداوى بشيء من ذلك، هذا الغالب عليهم، وأجسامهم صحيحة وصحتهم وجلدهم متصل حتى يقال إن أكثرهم إنما مرضهم مرض موته، ولو أراد المسلمون أن يستغنوا عن الأطباء بمعرفة صنعة الطب لفعلوا، وكان مطلب ذلك والوقوف عليه أقرب وأيسر من معرفة اللغة والنحو والعروض، وهو أن يقرأ شيئا «١» من كتبهم، وطول مشاهدة المرضى، ولو تكلف هذا من قد عرف صنعة الكلام، وأن الفعل لا يكون من الجماد ولا من الموات، ولا يقع إلا من الحي القادر، وأنّ هذه الأدوية إنما هي بمجرى العادة، وأنه قد يكون ولا يكون، وينفع ولا ينفع، وأراح المسلمين من هؤلاء/ الأطباء فإنهم جهال بالأصول، والغالب عليهم الالحاد والقسوة وقلة
_________________
(١) في الأصل: شرا
[ ٢ / ٦٢٦ ]
المبالاة، ومن كان منهم يظهر المجوسية فليس بمجوسي، أو يظهر النصرانية فليس بنصراني، أو يظهر اليهودية فليس بيهودي، أو يظهر الإسلام فليس بمسلم، هذا الغالب عليهم، وكذا وجدهم من خالطهم وبحث عنهم، فما أحوج الناس إلى من يجعل الطب في أمناء المسلمين الأتقياء، فإنها أمانة عظيمة، وإن كان ليس في البقاء مطمع، ولا إلى السلامة سبيل، ولكن يتخلص المرضى من تعذيب الملحدين لهم، وممن يتمنى الاسقام ليأخذ أموالهم وتسؤه صحتهم وسلامتهم، فما في الأرض أغيظ من دوام صحة الناس من هؤلاء الأطباء، لما في ذلك من الاستغناء عنهم، وعلى أن الناس ممن هو طبيب نصراني وليس بملحد في مكاره وكذا الصيدلاني وبائع الدواء إذا كان ذلك.
وقد كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن علي البصري ﵀ «١» يذكر عن ثقة حدثه أن قوما من النصارى قالوا لعبد الله غلام إسرائل الصيدلاني النصراني، وكان في المخرم في الجانب الشرقي ببغداد، أن فلانا يؤذي النصارى ومنك يشتري الأدوية فأكفيناه، فقال: أفعل.
وأبو الحسن بن كعب الأنصاري أحد علماء المسلمين، وكان صديقا للشيخ أبي بكر أحمد بن علي الرازي رحمهما الله، وكان بينه وبين الصابئين المتطببين خصومة في صنيعه، فدسوا إلى طبيبه وأعطوه مجمعا للمباضع ففصده وأشار بالفصد عليه فقتله.
وذكر الشيخ أبو عبد الله عن حنون المتطبب وكان صديقه وصديق أبي الحسن الكرخي ﵀، وحنون هذا، هو أبو أبي الطيب المؤمل هذ الذي يحيا وأسلم.
_________________
(١) هو شيخ قاضي القضاة عبد الجبار الهمذاني توفي حوالى سنة ٣٦٧
[ ٢ / ٦٢٧ ]
/ قال حنون قال لي المروزي الطبيب وكان أستاذي: يا حنون، اذهب إلى فلان فقل له: عني ينبغي أن تفصد، وافصده ولا تكثر فضولك، قال:
فذهبت وأبلغت الرجل هذا فقبل وفصدته ورجعت اليه، وقلت له: ما كان به حاجة إلى الفصد، فقال لي: كذا هو، ولكن كان لي عليه وظيفة من دراهم يحملها إليّ، وقد قطعها عني، فأردت أن يحتاج إليّ فقصدت إسقامه بالفصد.
وأما أبو هاشم بن أبي علي رحمهما الله «١»، فقتله أبو حسن اليهودي المتطبب لاعتراضه ونقضه لكتب أرسطاطالس، وكان جاره يؤنسه ويخالطه ويريه المحبة، فشكى اليه يوما شيئا يجده، فقال: المصلحة أن تفصد، فركن إلى قوله، واستدعى حسن أخاه موسى ففصده، فلما خرج الدم، قال له أبو هاشم هذا دم جيد صافي فلم تخرجه، فقال له موسى هو جيد الكيفية إلا أنه كثير الكمية، فمرض أبو هاشم عقيب ذلك ومات.
وكان حسن هذا ظاهر اليهودية وهو ملحد، وكان أحد أطباء الملوك ببغداد. أما موسى هذا، فذكر عنه أحد تلاميذه أنه دخل على عليل وسأله عن خبره فأخبره بما يتداوى به وبما يغتذى به فقال له موسى من أشار عليك بهذا قال فلان الطبيب، قال: نعم ما أشار عليك، وقام وخرج وركب، قال تلميذه وهو يعقوب بن يوحنا هذا الواسطي، منزله الجانب الشرقي في دار الروم وفي درب البصرى، فلما ركب موسى مشيت مع البغل وجاريته في أصل ذلك المرض من غير أن أشير إلى العليل، واستفتيه في أدويته فأفتاني بضد ما كان ذكر له ذلك المريض، فقلت له فهذا/ العليل هذا مرضه وقد أخطأ
_________________
(١) أبو هاشم هو عبد السلام الجبائي المعتزلي المشهور ويعرف أتباعه بالبهشمية وقد تأثر به قاضي القضاة كثيرا، حتى أنه يعتبر ممثلا لمدرسته في كثير من الأمور.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
عليه طبيبه واستصوبته أنت قال: نعم على عمد، قلت له: [قلت] «١» ولم؟ قال: عليك بين طبيبين اقتل حتى يمر.
وكم لهم مثل هذا ولقد قال طبيب لسلطان كبير وهو موفق بن المتوكل، وكان جسيما وسيما أكولا، وهناك من يكره حياته، فأكل يوما ألبانا كثيرة في ألوان كثيرة، قال طبيبه وأنا واقف وهو يأكل ولا أنهاه وأقول في نفسي هذا يفلج اليوم، لأنه زمن ويأكل هذا لا محالة، فإن لم يفلج، فالطب باطل. فلما أكل وفرغ دخل الخيش ونام فيه، وصرت إلى منزلي، فلما كان بعد قليل سمعت قعقعة بغل البريد فقيل لي: أجب الأمير، فقلت في نفسي:
فلج لا محالة فركبت وحثيته؛ فإذا هو في حمى عظيمة مطبقة دموية، فاحتاج أن يفصد من يديه ويخرج من الدم أربعمائة درهم، فكان ذلك بالضد من صناعة الطب وقوانينه.
ومن تدبر وجد العجائب من آيات الله في كل شيء، وخيانات هؤلاء كثيرة، وقد أساء إلى نفسه من استعملهم في الطب والجراح وائتمنهم. وهذه الصفة مما ذكرنا أن هذه الصنعة ليست بعلم وإنما هي تجارب بحسب ما أجرى الله العادة.
وفي الأفاعي ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، وتلسع بعض الناس فتموت الأفاعي ولا ينال الملسوع مكروها، وقد تلسع الإبل والقنفد والسنّور وابن عرس وغيرها فلا تضرّ، هذا عام في الحيوانات، فأما في الإنسان فنادر.
وزعم الكندي المتطبب «٢»، أن الخليفة المعتصم استدعاه قال فقال لي من
_________________
(١) كذا في الأصل، وهي زائدة
(٢) هو أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي من أوائل الذين كتبوا في الفلسفة والطب عند العرب
[ ٢ / ٦٢٩ ]
تكون: قلت: أنا يعقوب ابن اسحق الكندي، فقال لي: عندنا إنسان يرسل عليه الأفاعي فإذا لسعته/ ماتت ولم يضره، وأنا أحب أن تشاهد ذلك. قال:
فأتى برجل طوال نحيف أسمر خلاسيّ، ثم دعا بسلال الأفاعي فقال: يا فتى نرسلها عليك؟ فقال: على اسم الله، رسمى قبله. فأقبل عليّ المعتصم وقال:
رسمه علينا أن نطعمه الكباب ونسقيه النبيذ وتعطيه دينارا، أحسبه قال على كل أفعى. قال: ففعلوا ذلك، وأرسلوا عليه الأفاعي فأي أفعي لسعته ماتت مكانها وهو كأنشط ما يكون، فقال لي المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقلت:
أنظر فيه وأعاود الفكر وأعرّف أمير المؤمنين، قال الكندي: وقد عمل رسالة في هذا الباب، فعدت إلى المعتصم فأخبرته أن هذه الأفعى قد طال مكثها وقد ضعف سمّها وشربت الماء، فهات الأفاعي التي ما شربت الماء قال الكندي: فجيء بها وأرسلت عليه فمات.
وهذه غفلة من الكندي، هب الأمر كما قال وسمّها قد بطل أصلا فما السبب أنها تموت إذا لسعت، وقد كان ينبغي أن تجرب هذه الأفاعي في غير هذا الرجل، فإن لم تضر أحدا غيره فقد أصاب الكندي.
وعقارب الفاطول «١» يموت بعضها من لسع بعض ولا تموت عن لسعها غير العقارب، ومن عجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى، وقد تلسع أكثر الناس فلا تموت، والعقرب التي يحدث من لسعها الموت على غايته ضعف الخلقه، ولعلها أن تكون أضعف من العنكبوت الصغير وأبرتها كالشعرة، وهي توجد بالبنذنجيين «٢» وبرامهرمز وبعسكر مكرم من كور الأهواز، والأطباء يرجعون في التداوي من لسعها إلى أهل تلك البلدان، فيقولون لهم:
_________________
(١) لعلها: الناطلين، انظر معجم البلدان، الجزء الخامس
(٢) انظر معجم البلدان الجزء الأول
[ ٢ / ٦٣٠ ]
بأي شيء جرت عادتكم بالتداوي من هذه العقارب، فيذكر شيوخهم وعجائزهم للاطباء، / فيعلمونهم ويكتبونه في كتبهم. وعقارب () «١» قتالة، وثم عقارب كبار تضرب القمقم وغيره فتحرقه بإبرتها ولا يكاد يموت أحد من لسعتها، بل ربما ماتت هي، وكل ذلك من آيات الله ﷿. وفي الحيوان من يعرض له عند لسع العقارب البرد والخدر، ومنهم من يعرض له الحمى والالتهاب. ولقد لسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج، وهي مشهورة ذكرها الأطباء في كتبهم. وكم يجدون في تجاربهم وما يحدث على الأيام مما ليس في كتب المتطببين ولا في تجاربهم بل هو بالضد مما كتبوه فيكتبونه ويخلدونه وكل ذلك من آيات الله، ويزيدك علما أن الطب تجارب، وشيء قد أجرى الله به العادة لقوم خلاف قوم، ثم لا يستمر كما قد تقدم لك بيانه. ومن الناس من يأكل العقارب والحيات.
وهذا الكندي هو أحد الملحدة الذين ظاهرهم الاسلام، وهو كوفيّ، وكان أحد المياسير، فأنفق أمواله كلها «٢» في مكاره الاسلام وفي الطعن على الأنبياء أجمعين، وله رسالة يدعي فيها أن سبب المد والجزر إنما هو زيادة القمر، وفي الأرض بحار كثيرة ليس فيها من المد والجزر ما في بحر فارس، وكلها تحت السماء، وعلى جميعها يطلع القمر. وكم لهذا الكنديّ من الجهالات كما لابن زكريا الرازي في الخواص والكيمياء، فاطلب كتبه في الكيميا وقف عليها وما يحكيه عن نفسه وغيره، لتعرف غباء أعداء الاسلام وكذبهم وفضائحهم.
والرازي يزعم أنه خرج إلى ملك بخارى ليعالجه وأن الثلج منعه في طريقه
_________________
(١) كلمة ممحية من الأصل
(٢) في الأصل: «كله» ولعل الأصح ما أثبتناه
[ ٢ / ٦٣١ ]
من الاجتياز، فنزل على رجل كبير واسع النعمة، وكان له ابن قد أضناه المرض فطال عليه فصار كالخيال لطول الضنا، قال/ فأرانيه وشاورني فيه، فلم يكن له دواء ولا فيه رمق، فيئست منه وأمرت بمداراته والرفق به لقرب أجله، وخرجت إلى بخارى وأقمت طويلا، ثم عدت فنزلت عليه، وإذا بحضرته فتى ذكيّ حرك ظريف فأعجبني ذكاؤه وحركته، فسألته عنه، فقال: هذا هو العليل الذي كنت رأيته، فاشتد تعجبي، فقلت، كيف كان؟ وبأي شيء داويتموه؟ فقال: ضاق صدره وأشتد ضجره، فقال لامرأة كانت ربته قد حمل إليها يوما سكباج: أطعميني، فأبت وبقى السكباج في الدار مكشوفا «١»، فأقبلت حية فأكلت ما في الصفحة ثم قذفته في الصفحة وتقايأته، فمشى الغلام الى الصفحة فشرب ما فيها وأكله ليقل المرض ولعله يستريح، ثم أن المرأة جاءت ورأت الصفحة فهمت تأكل ما بقي فيها فنهاها الغلام، وأخبرها الخبر فأرمت «٢» القصعة ثم عرض للغلام عرق وألقى من جلده كالنمشاء ثم أفاق وقام، وهذا كما ترى، فقال الرازي: أنا ما يدريني أن في دارك حية عمرها خمسة آلاف سنة.
فانظر إلى كذبه وقله تحصيله وقلة حيائه وتحرزه مما يتحرز منه العقلاء فيها، أنه لا يعلم ان الأمر كما أخبر الغلام وإن غلب الظن على صدقه، وأخرى أنه لو كان يعرف أن دواء هذا العليل في قيء حية عمرها خمسة آلاف سنة لو صفه لهم لما رأى العليل، وأخرى إخباره بعمرها كأنه قد حصل ذلك واضطر إلى العلم به، وما يدريه لعل عمرها ثلاث سنين ولشبابها نفع سمها ولو كانت هرمة لما انتفع، فهو لا ينفصل من الدعاوي، وهذا من جنس قولهم: إن
_________________
(١) في الأصل «مكشوف»
(٢) كذا في الأصل
[ ٢ / ٦٣٢ ]
أفعى ولغت في خمر وقذفته/ في وعائه، وأن رجلا مجذوما «١» شربه فبرىء، وهو سبب إيجادهم أقراص الأفاعي. فإن كانوا صادقين فهذا من الجنس الذي أخبرنا عنه من آيات الله في إجراء العادة وما تقدم من ذكر ذلك.
ويحيى بن خالد صاحب مربعة الأحنف يذكر أن العقارب لسعت أصحاب «٢» ضروب من الحمايات فافاقوا.
ويحيى بن خالد هذا [كان] «٣» طبيبا حاذقا مأمونا معروفا بالصدق، وكان يعالج ولا يتكسب بصناعة الطب، ويحفظ له الناس من اللطائف وحسن التأني شيئا كثيرا.
وكم تجد منهم من يصف الدواء للعليل وهو حريص على برئه فيقول له:
إن قبلت رأيي وشربت هذا الدواء وفصدت عوفيت من ساعتك، فيطيعه فيموت. فإن قيل له في ذلك أخذ في التخريج والدعاوي، وإذا قيل للعقلاء منهم: ما السبب أن الإنسان إذا صب عليه الماء الحار بوّله؟ قال: نريد عللا مشدودة بخوص إن أردتها ذكرناها.
وكذا قيل لهم ما السبب المثير للعطش عند أكل السمك واللبن والباقلاء وهذه كلها باردة رطبة بطبع الماء، وما السبب في انقطاع العطش عند أكل الثوم وهو حار يابس والعطشان يدخل الحمام فينقطع عطشه ويدخله الريان فيحدث له العطش، فأما الجاهل الملحد المعاند فيأخذ في البهت والكذب والدعوى الباطله.
_________________
(١) في الأصل: «مجذوم»
(٢) في الأصل: «صاحب»
(٣) زيادة مني على الأصل تقتضيها صحة العبارة
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ومن جناياتهم انهم يرسمون في الطب والمدخل الى الطب الكذب الذي ليس من الطب بسبيل، كمسائل حنين في المدخل إلى الطب، أن أجسام هذه الحيوانات مركبة من الهواء/ وهو حار رطب، والعقلاء كلهم إذا أرادوا أن يبردوا شيئا أو يجففونه أبرزوه للهواء، ثم يقول: ومن الأرض وهي باردة يابسة، والأرض جسم من الأجسام تجوز عليه الحرارة والبرودة وكذا الماء وكذا النار يجوزان يغلبها الله ويخلقها شجرا ومدرا وثلجا ويخرجها من أن تكون نارا، وحنين لا يدري أمن هذه الأشياء خلق الله السماء وغيرها من الأجسام أم من شيء آخر أم من لا شيء، كما خلق النار لا من نار ولا من شيء، وكما خلق الماء لا من ماء ولا من شيء، وكما خلق الأرض لا من أرض ولا من شيء، وكما خلق الشمس لا من شمس، وكذا القمر والكواكب خلقها لا من كواكب ولا من شيء، وقد خلق السماء من دخان كما خلق كثيرا من الحيوان من الماء، وإنما فعل ذلك ﷿ ليعتبر العقلاء من الملائكة والانس والجن، ولو شاء أن يخلق كل ذلك لا من شيء لفعل كما خلق ما قدمنا ذكره وما لم يذكره لا من شيء ولا لشيء.
أما ترى الإنسان المدبر المصنوع كيف يفعل الاصوات والحركات والتأليف والإرادات والاعتقادات والسكون لا من شيء، فيكتب ويا بني ويصوغ ويخيط وينسج وغير ذلك من أفعاله لا من شيء، فكيف للقديم الأزلي ﷾ الحيّ القادر العالم الحكيم الغنيّ عن كل شيء الذي لم يزل ولا يزال. على أنه ﷿. إن كان قد خلق الرمّان والتفاح والسفرجل وأشباه ذلك من النار والماء والهواء والأرض أو من الكواكب والسماء فهو أبدع من خلق أعيانها لا من شيء، وأدل على القدرة وسعة العلم، ولكن نحتاج في هذا إلى خبر منه ﷿.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
فإن قالوا وجدنا في هذه/ الاجسام ماء ورطوبة، قلنا: غير منكر أن يخلق الماء الذي فيها لا من هذا الماء كما خلق هذا الماء لا من ماء بل خلقه لا من شيء.
وإذا قيل لهم زعمتم أن الهواء حار رطب فتبردون البارد بالحار، وزعمتم أن الصفراء حارة يابسة والعقلاء يجدونها رطبة سيالة يطفأ بها النار، قالوا:
إنما قلنا الهواء حار رطب والصفراء حارة يابسة بالطبع قلنا: فهذا طبع وقول يكذبه الحس واللمس، وهذا كما قيل لابن عبد الوهاب الكاتب وكان قصيرا معجبا: أنت وإن كنت عند الناس قصيرا فأنت في الحكومة والطبيعة والحقيقة وعند الله طويل، وعلى أن القول: من أي شيء خلق الله ﷿ هذه الاجسام؟ ليس من الطب بسبيل بل هو مشغلة عن الطب؛ وقد فطن لهذا حذاق الأطباء فانصرفوا عنه وتوفروا على معرفة العادات والتجارب، وعلى أن فرط الجهل والحيرة تحمل هؤلاء على الكلام في مثل هذا، ولفرط غيظهم من الأنبياء والمسلمين لقولهم: إن الله خلق الأشياء لا من شيء، واخترعها بغير شيء.
وأنت تجدهم يغتاظون من تحريم الخمر والأنبذة ولحم الخنزير، يشيرون بذلك على المرضى، فإن وجدوا مسلما يتوقى شرب الأنبذة كلها قالوا: الأنبذة من دوائك، وأهل العراق يبيحون لك. وإن وجدوا من يترخص ويأخذ بقول أبي حنيفة في الأنبذة، ذموا عنده التمر وما يكون من التمر، فإن وجدوه يشرب مطبوخ العنب ويتوقى ما سواه قالوا: ليس المطبوخ بشيء وإنما الشفاء في الذي لم تمسه النار، ولذا قال جالينوس: وبها تعجن الأدوية، كل هذا عداوة/ لرسول الله ﷺ، ويذكرون عن أفلاطن أنه قال: ما دخل جوف ابن آدم شيء شرّ من الماء.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا، فذكر له طبيب بجند يسابور فأحضره، فمكث في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه، فلما طعم طلب من الخدم خمرا، فقالوا له: ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا، سبيل فقال: أنا رجل ذمىّ وأستحله وبه أحفظ صحتي، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شرّه، وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت، فقيل له: ما شاء فليصبك مالك إلى هذا سبيل، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو يشرب الخمر، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه.
وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء، حتى قال قائل منهم: والله ما حرم نبيّ العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل عقله، فانّ الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدّا محيلة له وكذا الغناء، وما شيء أفضل من العقل، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء، وقد وجد في العسل وغيره ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة العقل، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر الأمراض، وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه.
قال فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضلة لها ولا خير منها، فنبيّ العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء، هذا قول من كان له عدوا ومكذبا.
وقد ذكر الناس/ فضل عقول أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير بما هو مذكور في غير هذا الموضع، والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات بوجود الماء وتلفهم مع عدمه، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره، بل تزيد الخمر
[ ٢ / ٦٣٦ ]
في بلائهم، وهم، يذمون النخلة، وخيرات الدنيا مقسومة بين النخلة والنعجة والتمور من الأغذية الشريفة النافعة التي يحيا بها الحيوان الأنس وغيره.
وفي التمر مع اللذة بأكله إخراج التعب وراحة للمكدود، والملاحون يسمونه لأجل هذا مسامير الركب، ولما قيل للأعرابي: صف النخلة قال:
جذعها بناء وكربها صلاء وسعفها ضياء وثمرها غذاء، ومقدار النعمة بالنخلة يضيق هذا المكان عنه وعن شرحه، ولأبي عثمان عمرو بن بحر ﵀ «١» كتاب في فضيلة النخلة على كل نبات، وهو كتاب كبير حسن جدا، وجهل هؤلاء عظيم وجناياتهم لا تستقال، ولعل من قد قتلوه بأدويتهم مع حسن نيتهم فيه وحرصهم على برئه أكثر ممن أفاق عند علاجهم، وكم فيهم من قد غلط في نفسه وأولاده وأهله بعلاج هذا لحذاقهم فضلا عن المبتدئين.
ولهم إصابات في الحمايات إذا ابتدأت وكم تلبث ومتى تنصرف وكم دور يكون وبأي شيء يكون بحرانها، إما بالعرق أو بالرعاف أو بالقيء أو بالبول أو بغير ذلك، هذا يعرفونه بالتجربة، ويغلب في العادة، وقد لا يكون.
كما يعرف الملاحون الريح متى تسقط وكم تلبث، يعرفون هذا في البحار وفي الأودية ويعرفون أزمانه كما يعرفون أوقات المدّ وأزمان زيادته، وأوقات الجزر، وينتظرون ذلك، / وكما تعرف القوابل غيره من الحمل، وذكر هو أو أنثى، وكم تلد أمه بعده من ذكر وأنثى مما يتفق لهن فيه إصابات حسنة، وكل هذه عادات وتجارب. فإن قيل: فاذا كان الدواء والسمّ لا يقتل، فلم تذمون الساقي لذلك والشارب له؟ قلنا: نذمه ونؤثمه على ما حدث من فعله من الشرب والإسقاء، وان كان ما يحدث من الموت من فعل الله، لأن الله
_________________
(١) يقصد أبا عثمان الجاحظ
[ ٢ / ٦٣٧ ]
أجرى العادة بفعل الموت عند ذلك، ونذمّه كما يذم من إلقاء غيره إلى السباع، وكما يذم من سعى بالناس إلى الولاة ودل على أموالهم وإن لم يأخذه الولاة ولا أكلهم السباع، لأن الغالب من ولاة الجور أخذ الأموال ومن السباع الأكل، كذا الغالب فيما أجرى الله به العادة: الموت عند شرب الدواء المسموم والسم، فليس لأحد أن يفعل ذلك، وكذلك لا تلم الساقي ولا الشارب إذا تناول ما جرت العادة بالسلامة معه وإن حدث عقيبه الموت، ألا ترى من أطعم غيره طعاما لذيذا ينفعه به فمرض عقيب ذلك ومات لم نلمه لأن الغالب في العادة السلامة.
ونلوم من سقى غيره سما قاتلا فعوفي وانتفع بذلك أتم منفعة، فإنا نلومه ونضلله ونؤثمه، والرجوع في جميع ذلك إلى غالب العادة.
فان قيل: فلم ابيتم أن يقع الفعل من الجماد والموات بالطبع، قلنا: لو وقع الفعل بأيّ وجه كان من الجماد والموات ومن ليس بحي ولا قادر لكان لا اعتبار بأن يكون الفاعل حيّا قادرا، ولا حاجة بالفعل إلى أن يكون فاعله حيا قادرا، ولوجد البناء والكتابة/ والصياغة وغير ذلك من الانسان وإن جهل وإن عجز وإن اجتهد في أن لا يقع ذلك منه وان مات، فلما لم يقع ذلك منه وهو ميت، وقد علمت وتيقنت أن الفعل لا يقع إلا من الحيّ القادر، وإن كان متسقا محكما ففاعله لا بد عالم.
ولو وقعت الافعال من الجماد والموات بالطبع أو بغير ذلك، لوقع من الحجارة والسحر والماء والنار والهواء وغير ذلك البناء والصباغة والنجارة والكتابة على أن هذه الأشياء كلها دون ما أضافوه إلى الأدوية والسموم من الأفعال، لأن الموت والحياة والعافية والسقم أعظم من الخياطة والكتابة وجميع ما ذكرنا، والعجب لجهل هؤلاء إجازتهم وقوع الحياة والموت والصحة والسقم من الجماد
[ ٢ / ٦٣٨ ]
بالطبع ولا يقع منها كتابة ثلاثة أسطر ولا نساجة بارية طولها ثلاثة أذرع.
فإن قيل: إنكم قد دفعتم الضرورة بقولكم إن الفعل لا يقع من الجماد والموات فنحن نجد الشبع يأكل الخنزير ويزول معه الجوع، وكذا الريّ عند شرب الماء وكل هذا معلوم باضطرار.
قيل له: المعلوم باضطرار زوال الجوع بأكل الخبز والعطش بشرب الماء، هذا لا ينكر ولا ينكره عاقل، فأما من ادّعى أن الفعل للخبز والماء، وأنه قد علم ذلك باضطرار، فقد ركب جهلا، لأن الحيّ الناطق العاقل المستطيع ليس يعلم ما يقع منه من الكتابة والبناء أن فعله باضطرار، وإنما يعلم ذلك باستدلال.
ألا ترى أن العقلاء يختلفون في ذلك، فيقول المنجمون ان من وقع منه الوفاء والعدل فذلك من فعل/ المشتري، ومن وقع منه الجور والغدر فذلك من فعل المريخ فيه، ويقسمون الأفعال كلها على ذلك، ويجعلونها لغير من ظهرت منه.
وكذا تقول المنانية، فتجعل ذلك للنور والظلام، ويقولون آخرون إنه لحملة الفلك والكواكب في حيوان الأرض، ويقول المجبرة: إنه من فعل الله فيهم، فإذا كان فعل الحيّ القادر العالم ليس يعلم أنه هو الفاعل له باضطرار، فكيف صرتم أنتم تعلمون باضطرار أن الاحراق فعل النار، والشبع فعل الخبز، والذي فعل الماء والعافية فعل الدواء بالضرورة، وهذا قول من لم يعرف فعلا ولا فاعلا قط.
وان كان حكم النار مخالفا لحكم الدواء والخبز والماء، لأن النار قد خلق الله فيها الحرارة والاعتماد صعدا، فهي اله للعباد في الاحراق والتقطيع،
[ ٢ / ٦٣٩ ]
والانسان المثير لها هو المحرق بها لا هي، كما أن القاتل بالسهم الذي يرميه وينفذه في المقتول هو القاتل لا السهم، وكذا الضارب بالسيف والقاتل به هو المفرق لأجزاء المقتول بالسيف لا السيف، وكذا القاتل بالحجر هو القاتل به لا الحجر.
وقد قال أبو هاشم وغيره: إن العاقل يعلم باضطرار أن الجماد لا يقع منها فعل ولا تفعل، كما يعلم أنها لا تسمع ولا تبصر، وإن كان ماني القس الذي تقدم ذكره يقول إنها تسمع وتبصر وتحس.
ولكن لما وقع الاسهال عقيب شرب بعض الأشياء ظن هذا الجاهل أن ذاك فعل الدواء، كما ظن هذا عند صوت الخشبة إذا شقت ونشرت أن ذاك صحيح منها لتألمها، فاحتجنا أن ننبه على فرط جهلهم، وإن كان الأمر في الوضوح كما قال ابو هاشم/ وهم في هذا كمن قال للبيضة فعل الديك، والحيوان فعل أبيه، لأن ذلك يؤخذ عقيب سفاد هذه الفحولة، كما أن الاسهال يكون عقيب شرب الدواء.
فإن قالوا: فقد يكون السفاد ولا يكون الولد وقد يكون ولا يكون، قيل له: وقد يكون الاسهال عقيب الدواء وقد لا يكون، حتى أن الطبيب يعطي لمن بدنه مملوء بالصفراء دواء ليسهله عشر مجالس فقد لا يسهله، وقد يريد يسهله مجلس واحد، فربما جاءه عشرة مجالس، وربما أسهله مائة، وقد وجدنا الحنظال والسقمونيا يأكلها كبير الحيوان فلا يقتلها ولا يسهلها. بل يغذوها ويحييها كما قد تقدم شرح ذلك.
وكذا قال أبو علي ﵀ للفلكيين والمنجمين حين قالوا: إن النبات فعل الشمس لأنا نجدها إذا طلعت على الأرض ظهر نباتها، فقال لهم: ولم
[ ٢ / ٦٤٠ ]
إذا كان ذلك وجب أن يكون هذا الفعل وهذا الأثر للشمس، ثم قال: وقد تطلع على جميع الأرض والجبال وأكثرها لا ينبت شيئا، وقد تغيب الشمس عن الأرض مثل مقدار طلوعها عليها من الزمان، فلم وجب أن يكون هذا الأثر لطلوعها دون أن يكون لغيابها، والنبات بحاله.
وقال لهم: قد يحرث الحراث الأرض في وقت الحرث ويسوق إليها الماء ويلقي لها السماد والتراب بحسب حاجتها فتنبت وتريع عند هذا الفعل منه، ومتى لم تحرث ولم تبذر ولم يسق الماء إليها لم تنبت قليلا ولا كثيرا وإن طلعت عليه الشمس والقمر والكواكب، فلو جعلتم هذا الانبات والريع فعلا للفلاح الحراث كان أشبه/ وأقرب من جعله فعلا للشمس لأن الحراث حيّ قادر عالم، ولو كانت الشمس حية قادرة عالمة فإن النبات والريع يجدونه عند فعل الحراث لا عند طلوع الشمس. فكيف والشمس والقمر والكواكب جماد وموات، والعلم بأنها جماد وموات، كالعلم بأن الغيم والبرق والماء والريح والنار والذهب والياقوت والزجاج جماد وموات.
وماني يدّعي في أجسام السماء والأرض كلها قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها بأنها سميعة بصيرة حساسة دراكة، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادّعى لشعاع الشمس والقمر كذلك، وأنه كاتب وخطيب، وإنما ذكرنا هذا لتعجب من جهله وجهل أتباعه ومن قال بقوله.
فإن قيل: فلم لا قلتم: إن النبات والريع فعل الحراث كما ألزمتموه مخالفكم؟ قيل له: لو كان ذلك فعله لفعله في كل وقت ولبت في كل وقت ولجاء على ما يدبره من القوة والكثرة، فلما لم يكن كذلك علمت، أنه ليس يفعله وإنما هو شيء قد أجرى الله العادة به عند حرث الحراث وعند طلوع الشمس وقد لا يكون كما قد تقدم ذكر ذلك.
[ ٢ / ٦٤١ ]
وكان مما يسأل عنه هؤلاء الدعاة الذين قدمنا ذكرهم قوله ﷺ: «صوموا تصحوا» قالوا «١»: فها هنا من يصوم فيسقم وربما تلف، قيل لهم: هذا القول قاله لمن يصلح بالصوم ويحتاج إلى الصوم، وقد عقل المخاطبون ذلك عنه، ألا ترى أنه قال لهم بأن المسافر والمريض والهرم لا صيام عليه، وأن الفرض يسقط عنه، وهكذا شرع وبيّن، فتلا عليهم ما أوحى إليه ربه ﷿/.
وكان مما يسألون عنه، قوله ﷺ «سافروا تغنموا» و«بورك لأمتي في بكورها» قالوا: وقد وجدنا من يسافر فلا يغنم ومن يبكر فربما سلب أو قتل «٢»، قيل لهم: قد مضى الجواب في مثل هذا، وهو أنه ﷺ أمر بذلك من يحتاج إليه ليفعله على الوجه الذي يغلب على عقله أنه يسلم وينتفع، ألا ترى أنه ﷺ لم يأمر بذلك المرضى والزمنى ولا في الأوقات المحرقة، بل قد نهى عن ذلك وتلا عليهم الوحي قوله ﷿: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٣» وقوله «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» فقد عقل أولئك الذين خاطبهم عنه ﷺ مراده في ذلك، وأنه ما أمر بذلك في كل حال، وإن كان هناك مطر مانع أو برد أو حر أو عدو مخوف، وقد نهى ﷺ عن ركوب البحر وعن كل ما فيه غرر وخطر، حتى جاء عنه أن من يأت على سطح غير محجر فقد برئت منه الذمة، وأن من ركب البحر عند هيجانه فقد برئت منه الذمة.
ومما يطيعون عليه ﷺ قوله: «لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لاجبت» قالوا: فهذا تعرّض بالناس ورغبة في أموالهم وحيلة على
_________________
(١) جاء في هامش الكتاب «تأويل قوله ﵇: صوموا تصحوا»
(٢) جاء في الهامش: تأويل قوله ﵇: «سافروا تغنموا»
(٣) البقرة ١٩٥
(٤) النساء ١٠٢
[ ٢ / ٦٤٢ ]
على ما في أيديهم، أي هاتوا لي شيئا وأهدوا لي شيئا واطعموني شيئا، قيل لهم:
إن نزاهته وترفعه شيء معلوم من انه صلى الله عليه ملك جزيرة العرب وهي أوسع من جزيرة الروم، وهي من شجر عمان إلى أوائل الشام في الطول وفي»
منهم عظيم الشأن، وهي الآن باقية فا «٢»
/ وحازه وجى له وحمل ما له إليه، فحرم نفسه وأزواجه وأهل بيته من ذلك كله وبذله ووهبه للناس كما تقدم شرحه لك في غير موضع من كتابك هذا.
والمعلوم من سيرته انه كان يكافيء المهديّ بأضعاف هديته، والمنصف لا ينصرف عن الأمر المعلوم المتيقن باللفظ المحتمل، فكيف وهذا القول منه ﷺ من الآداب الشريفة والوصايا الكريمة، ونهي منه عن احتقار الفقراء والمساكين، وأنه يجب على الأغنياء أن يقبلوا منهم ما يهدونه إليهم وإن كان حقيرا قليلا، وأن يجيبوهم إذا دعوهم في ولائمهم، وإن قل ذلك، وأن يظهروا لذلك البشاشة والمسرة والطلاقة، وكان ﷺ يقول: «إياكم والتكلف، وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده، وبئسما لأحدكم أن يتكلف ما ليس عنده، وبئسما له أن يحتقر ما عنده، وبئسما لأحدكم أن يحضر عند أخيه فيحتقر ما يقدمه إليه.» «٣» وهذا معروف من وصاياه، وقد أخذه عنه أصحابه، فلهذا قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ لرجل دعاه في وليمة شرط أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تؤخر عنا ما
_________________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) في هامش الأصل «قال ﵇: إياكم والتكلف وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده» .
[ ٢ / ٦٤٣ ]
عندك. ولهذا قدم سلمان الفارسي ﵀ لزواره خبزا وملحا جريشا وقال لهم: كلوا فهذا الذي حضر، ولولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت، وكان سلمان أميرا في ثلاثين الفا من قبل عمر بن الخطاب «١» .
في باب الدين والدنيا مربحة من بلايا عظيمة «٢»
قد يحمله ذلك على اغتصاب أموال الناس/ وعلى احتقار الفقراء فيوقعه في كل ما يكره من تنغيص العيش والكد في العاجل والعذاب الآجل، ولو أخذت في شرح قدر المنفعة بهذه الوصية لطال به الكتاب، فكم فيها من نفي الكبر الذي لا يليق بالإنسان، وهو المعطب له والجالب عليه مقت الله ومقت عباده، وهو المعرض لزوال نعمته، وهذا من تواضعه صلى الله عليه ومن بركاته على العالمين بوصاياه الشريفة النافعة في الدين والدنيا، التي قد ذهب الناس عنها يمينا وشمالا، ولو طلبوها واستعملوها لأغنتهم وأعانتهم على الدين والدنيا.
وقد جمع أبو أحمد الحسن بن سعيد العسكري رحمة الله عليه ألف وصية فاطلبها واكتبها، فهذا من المحاسن التي قد ظنها هؤلاء أنها من المساوىء ولكن الخيبة والافلاس أحوجهم إلى ذلك حين لم يجدوا فيه ﷺ مطعنا.
وكذا طعنوا في قول أبي بكر الصديق حين أراد أن يستخلف عمر وقال له طلحة أو غيره: ما تقول لربك وقد استخلفت علينا فظا غليظا؟ فقال:
أبربي تخوفني؟ إذا سألني قلت له: استخلفت عليهم خيرهم وأنفعهم لهم وأحرصهم على رشدهم وأقواهم عليهم، فقال هؤلاء الطاعنون: هذا تجبر
_________________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وتكبر منه وليس كما ظنوا، ولكن هذا قول واثق بالحجة مدل بالحق، وهذا نظير ما قال الله لرسوله ﷺ أن يقوله لأعدائه: «قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» «١» ونظيره قول هود ﵇ لقومه «٢»
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه لك «٣»
/ سقط عليّ.
وطعنوا في قوله ﷺ: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فافعلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهو يبدؤنا بالذي فيه الداء وهذا ليس بمنكر، وقد تشاهد ذباب النحل وفي شعرته الذي يلسع بها الدواء «٤» وفي جوفه العسل وهو الشفاء.
ويطعنون عليه بأنه كان إذا أكل لطع إصبعه، قالوا هذه هي القذارة، وأين هو عن آداب كسرى والفرس، فإنهم كانوا لا يأكلون إلا بالبارشين وبما قطع بالسكين..
وهذا أيضا من محاسنه وفضائله في أنه كان يلطع إصبعه، ويردف خلفه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويعين خادمه، ويمشي مع الضيف والأرملة والفقير في حاجتهم، ويصنع لهم، وكم له في ذلك من وصية، وكذا كان خلفاؤه وأمراؤه لرعيتهم، وذلك مذكور في موضعه، والانسان لا يعاف ريقه ولا ريق ولده وأحبابه، والريق أحد النعم العظيمة من الله على خلقه وفي جفافه
_________________
(١) الأعراف ١٩٥
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٤) كذا في الأصل ولعل الأصح: الداء
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وبطلانه من فم الانسان هلاكه، وبه يسيغ طعامه، وما في ذلك من النعم أكثر من أن يحصى، وهذا من تواضع الأنبياء وتعريف الناس أقدارهم، ولهذا بصق ﷺ يوما على كفه ثم وضع أصبعه عليه وقال: يقول الله ﵎.
«ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، جمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وإني أو إن «١»
يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك «٢» للظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود، ما/ غرّك بي إذ كنت تمر بي قدادا. [وهو الذي يخطر في مشيته ويقدم رجلا ويؤخر أخرى ويتكبر.]
ولهذا قال مالك بن دينار للمهلب بن أبي صفرة وهو يمشي وكان ملكا عظيما وسلطانا كبيرا، ما هذه المشية التي يمقتها الله إلا بين الصفين، فقال له المهلب: أو تعرفني قال: نعم، قال ومن أنا؟ قال مالك: أنت الذي أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفه قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فاستحيا المهلب وقال له: قد عرفتني حق المعرفة، وكم مثل هذا في وصايا السلف وآدابهم ﵃، وهؤلاء يعيبونهم ويطالبونهم بالعجب والكبر، الذي لا ينبغي لمن صفته ما قال مالك بن دينار، كما يعيبونه ﷺ بأنه حرم المسكر والغناء، ولبس الحرير والديباج، واستعمال أواني الذهب والفضة، وكشف العورة والاشتراك في الزوجة.
_________________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٤٦ ]
ونزار المتسمي بالعزيز لا يحرم ذلك ويتزيّن بالجوهر، ويركب إلى الصلاة بالمزاهر، وبين يديه العبيد والملاهي مجردين، ويستقذرونه ﷺ ويستنطقون كسرى والمجوس، وهم يتنزهون عن الماء ويتطهرون بالبول، فالبول طهورهم والميتة طعامهم، وأمه امرأته وصديقة وكيله في وطنها اذا غاب عنها، والهربذ يطهرها بالبول حين يعاين فرجها ويباشر ذلك بيده، وأكل الميتة هو ما يشدونه من البقر في عيد لهم ويأمرونها بعد الشد الوثيق «١»
حتى تموت وحل أكلها وهو «٢» فانظر من قد استضعفوا و«٣»
/ ولا الطهور كما قد تقدم ذكر ذلك، وهم لا يأكلون مع المسلمين في بلادهم في صفحة واحدة، فاعرف هذا من أحوال هؤلاء وتعديهم على الله وعداوتهم لرسول الله ﷺ.
وكان الحسن بن احمد ملك البحرين قال لأبي الحسن الحرزي حين أخذ جوهر مصر وجاء أبو تميم بعده. يا أبا الحسن، ما ترى أبا تميم يفعل إذا دخل مصر؟ وما الرأي له أن يفعل؟ فقال له الحرزي: إن هو قدم ورفع حجّابه وتواضع وأنصف الرعية وتباكى وقال إنما خرجت لغزو الروم وارتجاع الثغور ورحمة للناس من جور الديلم فهو يملك الأرض، فما بين يديه أحد، إنما هو ولد سيف الدولة، وناصر الدولة، ومعز الدولة، وهم في غفلة وبطر، وجندهم الديلم وهم شيعة، فرجعت جواسيس الحسن بن أحمد من مصر فذكروا دخول أبي تميم وزيّه وركبه الذهب وملابسه المذهبة حتى خفه وما
_________________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) بياض في الأصل حوالي نصف سطر
[ ٢ / ٦٤٧ ]
على رأسه وفي عمامته من الجوهر وما في أدنى دابته، وأنه أطعم الناس على موائد من ذهب وفي أواني الذهب، وكثرة حجابه، فقال: الحسن لأبي الحسن الحرزي: قد سمعت ما هو عليه فما عندك؟ فقال له الحرزي: اصفع قفاه فما بين يديك أحد، كلكم قد ظهرت مخرقته وماتت فضيحته، وكان الحرزي جريئا عليهم يحتملونه ويستنصحونه ويحدثهم بحيلهم ومخاريقهم ويكشفونها له ويستزيدون له في الحيل ثقة به. فأكب الحسن على أبي تميم كما ذكرنا وطمع فيه ذلك الطمع ونصحه تلك النصيحة وتشاتما وتفاضحا «١»
به ومات عقيب ذلك واغتنم أبو تميم «٢»
وأعطاهم ما أرادوا قبل أن يبعثوا/ عليه غيره، وأخرج إليهم أربعين كتابا من كتبهم إلى آبائه وإليه وما بينهم من المخالصة وأن الدعوة واحدة كما تقدم.
وإنما جر هذا الكلام عيب هؤلاء الجهال على رسول الله ﷺ بلطع إصبعه وكونه لم يفعل من التجبر والتكبر ما يفعله الملوك، وهذا من محاسنه وآثار نبوته.
وكقوله ﷺ: «من احب أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار»، وما أكل متكئا قط وكان يجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد وأجلس كما يجلس العبيد» ويلبس الصوف ويعقل العنز، ودخل مكة حين فتحها في عشرة آلاف وهو على رحل رث، وإن عثنونه لينال واسطة رجله من التواضع، ما زاده الله تسليطا وتمكينا إلا ازداد
_________________
(١) بياض في الاصل حوالي نصف سطر
(٢) بياض في الاصل حوالي نصف سطر
[ ٢ / ٦٤٨ ]
لله هيبة وإجلالا، ومن المساكين قربا وبهم رأفة وملابسه معروفة، وقبض ﷺ وحاله معروف، وبردته التي يتجمل بها الخلفاء تساوي دانقين.
ويوسف بن دحية ملك عمان وحدها يلبس الوشي المثقل بالذهب، ويستعمل أواني الذهب والفضة وله العبيد والكراع والأثاث والخزائن، وكذا ملك البحرين وملك عدن، وكذلك ملك صنعاء واليمن، وقد ملك ﷺ هذا كله ونجران وتيماء وتبوك ووادي القرى، وغير ذلك مما يطول تفصيله، فلو أراد ما أراده هؤلاء لقدر على أكثر مما قدروا عليه، وقد ذكرنا ذلك وغيره من حال خلفائه وزهدهم فهؤلاء «١»
واعلم ان قول الحرزي وعيسى ابن ٢
لأبي طاهر ولأبي تميم ولأبي ٣/ التدبير فكلكم قد افتضح مع تستركم به، إنما هو غباوة عن معجزاته ودلائل نبوته، وأنه شيء تولى الله حراسته ونقض العادة به، فما زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أسكته خصم، ولا أخجله عدو، مع كثرتهم وجلدهم وطول مقارعتهم كما قد تقدم لك، ولكن هؤلاء الجهال لا يشعرون، قد جعلوا ما أعطاه الله من النصر والحجة أنه شيء ناله بوفور عقله وسداد تدبيره.
كما يقول هشام بن الحكم وابن الراوندي وأمثالهما في أبي بكر الصديق ﵁ بأنه كان ناقصا وجبانا وجاهلا ومجنونا، وأنه ما بايعه أحد ولا أطاعه كثيرا أحد كما هو مذكور لهم ومشروح في كتب الامامية.
فقيل لهم: فكيف استوى له أن يغلب بني هاشم وشيعتهم وأتباعهم
_________________
(١) ١ و٢ و٣: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وهم أعقل الناس وأشجع الناس وأفطن الناس وأشرف الناس حتى أطيع في حياته ونفذت وصيته بعد وفاته، فأطيع خليفته بعده ووصايا خليفته بوصاياه فنفذت بعد موته فأطيعا حيين وميتين.
قالوا هذا عجز فيه الدهر، فكان عذرهم في انقطاعهم أن سموا ما أعطاه الله من الحجة عجز فيه الدهر، كما قال أولئك في حجة رسول الله ﷺ أنه وفور العقل وسداد الرأي والتدبير.