وقد ولى رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع وفيه عليّ ابن أبي طالب وغير واحد من بني هاشم، وأبو بكر الأمير والمصلي والخطيب والدافع بالناس دون عليّ، ودون أحد من بني هاشم. وقد استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الصلاة في مرضه، فصلّى ببني هاشم وبالمهاجرين والأنصار وبالناس كلهم وهناك من بني هاشم خلق كثير، فكانوا في كل ذلك سامعين ومطيعين وما كلفهم من الشدائد فأعظم، ولمثل هذا قال أمير المؤمنين لمعاوية في كتابه اليه، وقد ذكر فيه الشدائد التي كلفها رسول الله ﷺ بني هاشم: فكان إذ حمي الناس ودعي إلى البراز قدم رسول الله ﷺ أهل بيته فوقّى بهم/ أصحابه حرّ السيف وحرّ الأسنة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وقتل أخي جعفر يوم مؤتة، وقتل زيد بن حارثة يوم مؤتة، وأراد من لو شئت لذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع نبيّ الله ﷺ غير مرة غير أن آجالهم عجلت ومنيته تأخرت، فما سمعت ولا رأيت أحدا هو أنصح ولا أطوع لله ولرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر من أهل بيته، وفي المهاجرين خلق كثير يعرفونه لهم، فجزاهم الله خيرا.
فتأمل رحمك الله هذه السيرة من رسول الله ﷺ، فإنها ضد سيرة طلاب الدنيا وخطاب الملك في أولاوهم أقاربهم وأهل بيتهم، وفي هذا كلام كثير، وقد تقدم له نظائر وأمثال، وقد تقدم ذكر وصاياه لأصحابه في مرضه فارجع اليها وتأملها.
وتأمل حالهم حين قبض رسول الله ﷺ، وقد خاضوا فيمن الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع أمير
[ ٢ / ٥٦٠ ]
المؤمنين، وما كان من السقيفة، وقد جرت تلك الخطوب التي قد تقدم لك ذكرها يوم موت رسول الله ﷺ على وجه الأرض لم يدفن بعد، وقد تذاكروا وخاضوا وأدلى كل قوم بما لهم من الفضائل وبما قاله رسول الله ﷺ في كل فريق، وقد تجاذبوا الامارة وفيمن تكون الرئاسة، فانظر كيف أجمعوا كلهم على تزكية رسول الله ﷺ، والتسليم لأوامره، والاقتفاء بأثره، والطلب لوصاياه فما هناك أحد منهم أظهر معتبة أو شك في شيء من أمره وأفعاله ﷺ ولا سأل على طريق الاستفهام عن شيء من أموره بوجه من الوجوه، هذا والعهد قريب، وفيهم من يريد شرف/ الرئاسة في قومه، فما رجعوا إلا إلى وصاياه في أن يكون في الأخيار من قريش، وهذا موضع يخرج في الأضغان ويظهر الشحناء.
ثم انظر كيف جعلوها فيمن كان يجله ويعظمه ويقدمه، وفي أهل السابقة، وهناك من سادات العرب وذوي الشرف والنخوة والعدد والعدة وكثرة العشيرة وظهور الثروة ما لا يحصى كثرة، ثم هناك من الأقارب من سادات بني هاشم خلق كثير، ولو لم يكن إلا العباس مع فضله وعقله الذي كان يدعى حليم قريش، وإذا كان حليم قريش وقريش أحلم العرب إذ ذاك وأعقل العرب فهو حليم العرب كلها، فجعلوها في أبي بكر وهو أضعف حيّ في قريش وأقله عددا وأظهر فقرا، فقد كان له مال فأنفقه على رسول الله ﷺ وفي نوائب الإسلام، حتى لم يكن له ثوب يكفن فيه حين مات فوصّى أن يكفن في أطماره الرثة، فلما قيل له: ألا تشتري لك ثوبا جديدا يكفيك فيه، فقال:
الحيّ أحوج إلى الجديد.
ولما استخلف، غدا إلى السوق وعلى عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا خليفة رسول الله ﷺ أصبح غاديا يبايع
[ ٢ / ٥٦١ ]
الناس في الأسواق، وله بشأن المسلمين شغل، ولن يبلغ أحدا خبره من سادات العرب وملوك العجم إلا احتقروا أمركم، فأتوه وكلموه في ذلك «١»، وقالوا له قولا غليظا شديدا، فقال: إنما أنا كاسب أهلي، فإن أنا أضعتهم فأنا لمن وراءهم أضيع، وقد كرهت أمركم وحرصت أن أكون وزيرا فأبيتم إلا بيعتي وأكرهتموني. وكان من أمرهم معه ما هو مذكور.
فتأمل هذه المواطن والمقامات، فكم فيها من دلائل وعلامات على سلامة/ النبوة من كل دنس، وطهارتها من كل لبس.
فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أن أبا بكر غلبهم وقهرهم، وأنهم في السقيفة اتزروا بالأزر الصنعانية واقتتلوا على الملك والخلافة؟ قلنا: قد فرغنا من هذا، وبينّا بطلان هذه الدعوى، وأن القوم الذين اعتقدوا نبوة النبيّ ﷺ وتدينوا بصدقه واتبعوه بتلك الشرائط التي قدمنا ذكرها، هم الذين اجتمعوا على خلافة أبي بكر واستخلفوه واعتقدوا إمامته فطهارته، وتقربوا إلى الله بطاعته وامتثال وصاياه وأوامره، فلا فرق بين من ادّعى هذا وأن أبا بكر غلبهم وقهرهم وخدعهم وسحرهم، وبين من ادّعى ذلك في رسول الله ﷺ وادعى ذلك في أمير المؤمنين، ومن أطاعه واعتقد إمامته. ولا فرق [بين] «٢» من ادعى أنهم لبسوا الازر الصنعانية أو ادعى أنهم تقاتلوا عليها بالسيوف والرماح على الخيول، فإن الملك بمثل هذا يؤخذ لا بالأزر، وإنما هذه دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ﷺ.
وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة
_________________
(١) جاء في الهامش «لما استخلف أبو بكر ﵁ غدا إلى السوق على عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ»
(٢) زيادة مني على الأصل اقتضاها السياق
[ ٢ / ٥٦٢ ]
والبأس والنجدة، وهم أكثر من جميع المهاجرين وجميع قريش الذين بالمدينة وتبعه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، فكيف كان يغلب الأنصار بهؤلاء الثلاثة؟ ولو أراد أن يغلبهم بكل من بالمدينة من قريش لما أطاقوا ذلك، ولكن الأنصار ﵏ طلبوا في بدء الأمر الخلافة فلما بيّن لهم أبو بكر أنه لا ينبغي ذلك رجعوا عنه لله وابتغاء وجه الله.
قال متكلم الشيع: خدع أبو بكر/ الأنصار بأن قال: منكم الوزراء ومنا الأمراء، فأطمعهم ثم غدر بهم، فما استوزر أحدا منهم لا هو ولا من بعده من الخلفاء، فلهذا أجابوه واتبعوه.
قلنا: هذا من دعاويكم التي لا دليل عليها، والوزارة التي ذكرها أبو بكر لهم إنما هي المعونة والمؤازرة في طاعة الله لمن يلي الأمر من قريش، فهذا زيادة في كلفة الانصار في شدة الوطأة عليهم والمشقة الشديدة فيما ألزمهم من معونة الخلفاء، فأين الإطماع الذي ادعيتم عليهم؟ وهذا الذي شرطه أبو بكر عليهم إلى النفور عنه وإلى الايحاش منه أقرب، فهذه الوزارة التي شرطها عليهم.
وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال:
ولّوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة «١» ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند وفاته: ليتني يوم سقيفة بنى ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي عبيدة، وكنت وزيرا لا أميرا يريد معينا، وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا اليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا.
_________________
(١) في الأصل: أبو عبيدة
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد سلطان الزمان منه جباية الأموال، وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك، وتمدحه الشعراء، ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار والبحار، كابن كلّس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر/ هكذا ينبغي أن تكون، «١» أو ما علموا أن موسى سأل ربه فقال: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» «٢» وقال رسول الله ﷺ: وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، ولولا فساد الزمان وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام.
وبعد فإن العاقل يعلم بطلانه من كل وجه، فإن الأنصار لو كان غرضهم الدنيا لقالوا لأبي بكر: ولم ندع الأمارة ونصير تبعا لك والدار دارنا والبلاد بلادنا والبادية باديتنا والعدد والعدة فينا والبأس والنجدة لنا، وأنت وصاحبك وجميع قريش جئتمونا هرابا الينا مستجيرين بنا، فما بنا حاجة اليك أن تكون من أتباعنا وحاشيتنا فكيف تكون أميرا علينا، وما حاجتنا والدنيا طلبتنا ونيتنا والعاجلة بغيتنا أن نتكلف هذه التكاليف الشديدة التي أتانا بها صاحبك، من الصلاة والصيام والزكاة والحج والمواساة والحدود ومعاداة الأمم والمجاهدة للملوك حتى يقيموا دينه ويتملكوا بشريعته، ونسفك دمانا في ذلك، ونكفر أسلافنا الذين خالفوا دينه وشريعته.
_________________
(١) ابن كلس: هو يعقوب بن كلس كان أحد وزراء الاخشيديين وهرب إلى الفاطميين وكان من أهم أسباب دخولهم مصر. أما ابن بقية فهو أبو طاهر محمد بن بقية وزر ببغداد سنة ٣٦٢ هـ.
(٢) طه ٣٠
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وهذا مثل دعوى من ادعى أن رسول الله ﷺ خدع المهاجرين والأنصار بغير ما ادعى هؤلاء عليهم، فقال ﷿: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «١» فأخبر عن نياتهم وشهد بصدقهم، وقال في الأنصار: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ/ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» «٢» فأخبر أنهم يؤثرون الفقر في طاعة الله، ويواسون المحتاجين في ذات الله، مع ما بهم من الخصاصة، وشهد لهم بالفلاح، وقال رسول الله ﷺ: لو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديهم، وقال لهم: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، إلى غير ذلك مما قاله فيهم ﵃.
فهذه الشيع تقول فيهم بخلاف ما دل عليه العقل وبخلاف ما قال الله وبخلاف ما قال رسوله، ولكن الأنصار ﵏ لما علموا أن الإمامة لا تكون فيهم جعلوها في الفاضلين من مهاجرة قريش، ولو أرادوا الدنيا والملك لكذبوا أبا بكر حين قال لهم إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» أو كانوا يقولون: وإن قال هذا فإنا لا نقبل، فقد كانوا على ذلك قادرين والغلبة والعز لهم وفيهم، ولو أرادوا الدنيا والملك لقدحوا في رسول الله ﷺ ولكذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء، فتعلم بهذا صحة النبوة وسلامة رسول الله ﷺ من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره،
_________________
(١) الحشر ٨
(٢) الحشر ٩
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وإن الأنصار ما أرادوا إلا الله والدار الآخرة في تصييرهم الخلافة في أبي بكر وأمثاله من قريش، وأنهم قدموه لأن رسول الله ﷺ قدمه، ولقوله ﷺ:
«ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم»»
فكان أبو بكر وعمر هما اللذان يليانه إذا قام لصلاته، وإذا استوى في مجالسه، ولهذا قالوا/ وهم يصفون مجالس رسول الله ﷺ ومنازل أصحابه عنده، قالوا: إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تكون كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل اليه رسول الله ﷺ بوجهه وألقى اليه حديثه، وسمع الناس.
ولقد أقبل العباس يوما فتنحى له أبو بكر وأجلسه معه، فعرف السرور في وجه رسول الله ﷺ بتعظيم أبي بكر للعباس، فاعرف هذا فإن الإمامية اليوم يروون عن رسول الله ﷺ أنه كان يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم من المهاجرين والأنصار، وأنه كان يتلو في ذلك القرآن كما كان يتلوه في لعن فرعون وهامان وقارون وإبليس وأبي لهب وأبي جهل، وهذا باب ينبغي أن تراعيه، فإن الأدلة تشهد ببراءة هؤلاء من كل عيب، كما تشهد ببراءة رسول الله ﷺ، والكلام على الفريقين ممن كشف قناعه في الطعن على رسول الله ﷺ واعتقد افتعاله واحتياله ونسب الطعن عليه بتهمة أصحابه.
وأيضا فإن أبا بكر ما قبض الأموال لنفسه ولا لولده ولا لأصهاره ولا لأهل بيته، ولا أقطعها القواد والجند فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ويجتازون.
_________________
(١) جاء في هامش الأصل «قال رسول الله ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وقد قال أبو علي محمد بن عبد الله العلوي المصري الفاطمي الحسيني أفقه أهل بيته في زمانه، وأرواهم لأحاديثهم وأخبارهم، وكان رحمة الله عليه من الزهد والنزاهة والعبادة بالمنزلة التي لم يكن في أهل بيته وزمانه مثله، فقال ﵀: من الدلالة على براءة ساحة أبي بكر الصديق مما رمته/ الرافضة به أنه منع العباس وفاطمة وأزواج النبي ﷺ أموال رسول الله ﷺ وجعلها في سبيل الله، فإنه إنما فعل هذا وتم له وأقدم عليه مدلّا بالحق الذي كان عليه، ولو كان مبطلا لأعطاهم إياها وأكثر منها، لأنه برسول الله ﷺ عزّ، وبه تقدم، وبه كانت له الرئاسة، وبه صار صدّيقا، وأصحابه وأنصاره جعلوه خليفة، فلو كان مبطلا وطالب دنيا لأعطاهم ذلك وأرضاهم بكل ما يقدر عليه ليتم له ما يطلبه من الملك، فليس من الحزم أن يمنعهم هذا المقدار وينفرهم ويوحشهم لأجل شيء هذا قدره، وقد كان عاقلا حازما بالأمور عارفا بالأمور لا يدفعه عن هذا من عرفه، فإنما منعهم ذلك لأن رسول الله ﷺ منعهموه «١» .
ذكر أبو عليّ ﵀ هذا ومعناه في رسالته التي بين فيها من الرافضة، ومن الناصبة، ومن الشيعة.
يزيدك بذلك علما، أن معاوية بعد أن قاتل بني هاشم وقتل منهم ومن شيعهم، وملك الأرض، واستتب له الأمر، حتى ما بقي أحد يقاومه أو يدفعه، جعل لأعدائه من بني هاشم ومن كان يخافه من قريش العطاء الجزيل، استكفافا لهم، وليتم له ملكه، وليستقيم له أمره وسلطانه. فكان يعطي الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃ لكل واحد منهم في كل سنة ألف ألف درهم، ويقضي حوائجهم، ويتبع ذلك بغيره من الألطاف والهدايا. وأبو بكر ﵁ لم يعطهم شيئا من ذلك، بل كان يعطيهم
_________________
(١) في الأصل: منعموه
[ ٢ / ٥٦٧ ]
على قدر الحاجة، ويسوي بين الناس كلهم في العطاء.
ولما اتسعت الأموال في زمن عمر، ودوّن الدواوين، وأعطى من شهد بدرا، / وسوّى بين الموالي والعرب ممن شهدها في ذلك، سألوه الصحابة في أن يجعل للحسن والحسين مثل ذلك، وكان مقدار خمس مائة دينار، تقربا إلى رسول الله ﷺ، وبرا به ﷺ فقد كان يحبهما، فأشاروا عليه بذلك، وأذنوا له فيه، فجرى أمر عمر على ذلك، وعليه عمل عثمان، وعليه عمل أمير المؤمنين حين صارت الخلافة اليه.
ولقد سأل خالد بن المعمر السدوسي أمير المؤمنين في أن يزيدهما ﵄ في عطائهما فلم يفعل، وراجعه، فغضب أمير المؤمنين فقال: ما كنت لأزيدهما على ما فرض لهما عمر، وسأله عبد الله بن جعفر في أن يزيد عائشة وهي بالبصرة فقال: ما كنت لأزيدها عما فرض لها عمر. وسأله أخوه عقيل ليزيده على ما فرض له عمر فلم يفعل، وراجعه فلم يفعل. وسأله جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن أخته أن يعطيه فما زاده على ما فرض له عمر، وقال له أتريد أن يكون خالك سرّاقا. وكان ﵁ لا يأخذ في خلافته وسلطانه إلا ما فرض له عمر، ومثل هذا كثير.
فإن قيل: ولم لا عرف رسول الله ﷺ أئمته وأزواجه أنهم لا يرثونه فكانوا لا يحتاجون أن يسألوا أبا بكر؟ قيل لهم: الذي يلزم رسول الله ﷺ أن يقيم الحجة، ويقول، وقد فعل، وعند حاجة أهله إلى ذلك عرفوه ووجدوه قد قاله وعلموا ذلك، ومن كان الحق طلبته ففي أقل قليل مما ذكرنا كفايه، ولو لم يكن إلا فعل أمير المؤمنين ﵁ وشبهه.
وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله ﷺ أحبّ إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم، وهم
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فتحوا الدنيا ودعوا/ أهلها إلى حب رسول الله ﷺ وبني هاشم، وسلموها اليهم. ولم نقل هذا من طريق حسن الظن بهم، ولكن بدلائل العقول التي قد تقدم ذكرها في غير موضع من هذا الكتاب.
وقد سأل موسى أخاه هارون ﵉ وأخذ برأسه يجره اليه، ثم رجع اليه حين عرف الجواب عند حاجته اليه. فعير منكر أن تعرف فاطمة وأهل رسول الله ﷺ ما احتاجوا اليه من أبي بكر.
ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرف الله موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرفه وجه الصواب في حرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر اليه بأنه نسي. ولم لا عرف سليمان ﵇ حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف الهدهد ومساءلته وطول مراجعته؟ ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار، ما صحبوا رسول الله ﷺ للإعلام التي كانت معه، ولا لبصيرة في دينه، وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم، وينافقونه وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف بيته، ونحّوا خليفته ووصيّه في حياته وبعد موته، وضربوا/ بنته وقتلوا جنينها في بطنها.
وقد علمت رحمك الله على أي وجه كانت إجابتهم لرسول الله ﷺ ومتى أجابوه ومالقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه
[ ٢ / ٥٦٩ ]
كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود الله، وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها، ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها طلب فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال:
لا، هو خير لكم وأقواكم عليكم. وقال: اللهم إني وليتهم ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، وقد حضرني من أمرك ما حضر، اللهم عملت فيهم بالعدل جهدي، وآثرت محبتك على محبتي، واجتهدت لهم الرأي، فوليت عليهم خيرهم لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على رشدهم، ولم أرد به صحابة عمر وأنا خارج من الدنيا داخل في الآخرة، فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبيه نبيّ الرحمة ﷺ، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، وأسلم لعمر أن لا يكون تلبس من هذا الأمر بشيء، وذلك أن الفارغ من أمر الناس يقبل على شغل نفسه، وأن والي الناس يتعرض فيما لا يدري ما يختم له به في آخر عمره، فإن هذه الدنيا قد/ غرّت من كان قبلكم وتنافسوا فيها فأوردتهم موارد الهلكة، فندموا حيت لا تنفعهم الندامة، قد انقطعت الآمال، وعاينوا أعمالهم، فلا يقبل من محسن عمل ولا من مسيء نزوع عن خطيئة، فمن استطاع أن يقدم عملا يعيذه الله به من مساوىء يوم القيامة فليفعل.
فما حقد عمر على طلحة ما قاله ولا تنكر له ساعة قط، ولقد جعلها عمر شورى في ستة من غير رغبة كانت من واحد منهم اليه في ذلك ولا مسألة، ولم
[ ٢ / ٥٧٠ ]
يقل أحد من أولئك السابقين الذين لم يدخلهم في الشورى لم لا أدخلتنا فيها، ولا قالوا هذا بعد موته، ولا عيب أحد عليه، وقد جعلهم كلهم لصهيب رعية وهو مولى، فصلى بهم ثلاثة أيام إلى أن استخلفوا عثمان، فما أنكروا ذلك.
لتعلم زهدهم فيها، وأنهم كانوا يرونها مع الكلف الثقيلة، فإذا وجدوا من يقوم بحقوقها ويحمل أثقالها استراحوا اليه وتمنوا مكانه.
ولما دفن عمر، وأخذ أهل الشورى في الانصراف، ناداهم المهاجرون والأنصار إلى أين أيها الرهط، أما سمعتم عهد أمير المؤمنين، اجلسوا واختاروا واحدا منكم، فجلسوا ناحية يتشاورون، فقال أبو طلحة الخزرجي: أبرموا أمركم أظنكم تتنافسونها، لقد كنت أرى أنكم تتدافعونها، فتبرؤا من المنافسة فيها، وأنهم إنما يديرون الرأي في واحد منهم.
فتعلم من ذلك أن أمرهم الزهد فيها، وأن الطريف الغريب أن يرغبوا فيها، فردوا الأمر إلى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم، فأخرج نفسه وابن عمه منها، وأخرج الجماعة واختار عثمان وقال: قد شاورت ونظرت، فما رأيت الناس يعدلون بعثمان أحدا، فبايعه الناس وعبد الرحمن/ وبايعه عليّ بعده، فما أنكر ذلك أمير المؤمنين ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد بن أبي وقاص ولا تعتّبوا، ولهذا كان يقول عثمان للذين تنكروا له في آخر عمره: أدخلت في الشورى من غير طلب مني ولا رغبة، ثم اجتمع الناس عليّ من بين أهل الشورى من غير طلب ولا رغبة فبايعوني، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون متبعا غير مبتدع.
وأما أمير المؤمنين ﵁ فقد عرضت عليه، وعرضها عليه «١» العباس وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبيّ وبعد عثمان فأباها وردها،
_________________
(١) في الأصل: على
[ ٢ / ٥٧١ ]
واختلفوا اليه أياما كثيرة فامتنع منها، ومد يده فقبضها وقال: اختاروا غيري أبايعه وتبايعونه.
وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ولكن للطلب بدم عثمان، فقد كان حرقوص بن زهير وتلك الجماعة أفحشوا فيما أتوه، وقد كانوا شكوا إلى طلحة عمال عثمان فأعانهم على عثمان، وظن أنهم صادقين، فتجرؤوا على عثمان بمعاتبة طلحة له ومعونته إياهم عليه.
فلما اغتالوه وقتلوه، ندم طلحة أشد الندم على ما كان منه إلى عثمان. ولما نزل هو والزبير وعائشة ومن كان معهم حين ساروا إلى البصرة الجفير أرسل عثمان ابن حنيف الأنصاري عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤليّ إلى عائشة فقال:
انطلقا فاعلما علمها وعلم من معها، فقالا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله ﷺ أم رأي رأيتيه، فإن أميرنا بعثنا اليك، فهل أنت مخبرتنا؟ قالت: «١» بلى هو رأي رأيته والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يعطى لبنيه الخمر، إن الغوغاء من/ أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ فأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تره، ولا عذر أنا نقمنا عليه ضربة السوط، وموقع النحاية المحماة، وإمرة الوليد وسعيد، فعدوا عليه فاستحلوا منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص الإناء «٢» فركبوا هذه منه ظالمين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم
_________________
(١) في الأصل: قال
(٢) ماص الإناء: غسله، وفي حديث عائشة ﵂ في عثمان ﵁، مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه. اللسان، مادة ماص
[ ٢ / ٥٧٢ ]
ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا، وقرأت:
«لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» «١» إلى آخرها، ثم قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان فما أنصفنا عثمان إذ لم نغضب له من سيفكم، فهذا شأننا، معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر نحثكم على تغييره وننهاكم عنه.
فخرجا من عندها فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال: أو لم تبايع عليا؟ قال: بلى، وذكر شغب المصريين- الذين غزوا عثمان- في البيعة، وقولهم للناس: من لم يبايع قتلناه، ثم قال: وما أستقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فسألاه، فقال مثل ما قال طلحة سواء. فهذا الذي أخرجهما لا طلب الإمارة والمنافسة فيها. ثم أقاما بالبصرة وترددت الرسل بينهم وبين أمير المؤمنين، وتقرر الأمر بينهم على أن يقدم أمير المؤمنين عليهم البصرة، ويكون الأمر له، ويستقبلون النظر فيمن غزا المدينة، فأفسد الأمر عليهم ابن السوداء/ وأمثاله، كما تقدم ذكره.
فإن قيل: كيف تقولون ما كان لهم في الإمارة رغبة وهذا عثمان قد قال له عبد الرحمن بن عدس في المصريين ليملأ الكتاب الذي وجدوه عن عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح في ضرب المصريين المتظلمين وحبسهم، وأن لا يسلم الأمر إلى محمد بن أبي بكر الصديق ولا يلتفت على الكتاب الذي معه، فقالوا له: إمام المسلمين يكتب بضرب المسلمين وحبسهم ويظهر شيئا ويبطن خلافه، فقال: ما كتبت ولا أمرت ولا علمت، قالوا: نصدقك، ولكن تختلع لضعفك عن القيام بها، ولخبث بطانتك. فقال: لا أنزع قميصا قمصنيه الله، فما خلعها «٢» حتى قتل.
_________________
(١) النساء ١١٤
(٢) في جعلها، في الأصل
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صاروا خوارج، وأرادوه أن يتوب عن الحكومة أو يعتزل الأمر فما فعل، وقاتلهم وقتلوه وما نزل عن الخلافة. وقد سأله أهل الشام أن يعتزل لينظروا في الأمر، وفيمن قتل عثمان، ثم يولون الأمر بعد ذلك من يرون، فما اعتزل، وقد خلعه رسوله وصاحبه الذي أرسله حكما في دومة الجندل فما قبل حكمه.
وقد تولاها الحسن فما اعتزل حتى اضطهده معاوية، وقد أرسل الحسين إلى أهل الكوفة وطلبها، وخرج اليهم لأجلها، فلما أحاط به عدوه أرادوه أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وعلى حكم يزيد بن معاوية ويبايعه ويقر له بالخلافة ويبرأ من الخلافة، فما فعل حتى قتل، فأية رغبة تكون أشد من هذه الرغبة.
قلنا: الذي عمله عثمان وعليّ والحسن والحسين هو الصواب، وما كان يحل لهم أن يختلعوا، ولو فعلوا لعصوا ربهم، لأنهم كانوا أحق بالأمر ممن ينالهم الاختلاع، وهو فرض قد تعين عليهم القيام به، وقد كانوا أدخلوا فيه/ وصحت البيعة لهم، وإنما قلنا إن المهاجرين الأولين لم يكونوا يرغبون فيها إذا وجدوا من أمثالهم من يقوم بها، فأما بعد دخولهم فيها فلا يحل لهم الافراج عنها وتركها لأجل الجهال الذين خالفوهم فيها، بل يجب عليهم مجاهدتهم إذا وجدوا أعوانا، فإذا لم يجدوا كان لهم أن يعتزلوها إلى أن يجدوا أعوانا كما فعل الحسن ﵁ حين أسلمه أهل الكوفة.
وما يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه تمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين ﵄، وكما فعل القرّاء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن
[ ٢ / ٥٧٤ ]
مروان، وكما فعل أهل المدينة في وقعة الحرة، وكما فعل أهل مكة مع ابن الزبير حين مات معاوية، وكما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما فعل يزيد ابن الوليد بن عبد الملك، فيما أنكروه من المنكر.
وبزهد المهاجرين الأولين في الخلافة كان يضرب المثل كما قد تقدم ذكر ذلك، وعثمان وعليّ ﵄ فما عهدا في أحد البتة وأبو بكر وعمر لما عهدا لم يكن العهد في أحد من أولادهما ولا من أهلهما.
ولما عزم معاوية في العهد لابنه يزيد فرق الأموال، وأخذ له على أهل الشام، وأرسل إلى المدينة وكان أميرها من قبله مروان بن الحكم وأبا زرعة روح بن زنباع الجذامي، ففرق الأموال، وقام مروان في الناس خطيبا وقال لهم: إن أمير المؤمنين معاوية قد جعل لكم ملجأ تلجئون اليه بعده وهو ابنه يزيد فقوموا وبايعوا، فلكم كذا وكذا، وذكر ما لمن أطاعه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: يا بني أمية إن هذا الأمر كان لرسول الله ﷺ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان أهلا فلم يفعل، وكان لأبي بكر/ وكان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا، وقد كان في عمر وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية، كلما هلك هرقل قام هرقل، فانفلّ الجمع، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: «وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي» «١» إلى آخر القصة، فسمعت عائشة من وراء الحجرة فقالت:
كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله ﷺ أباك وأنت في ظهره.
فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي
_________________
(١) الأحقاف ١٧
[ ٢ / ٥٧٥ ]
بكر وغيرهم ينطقون بالحق في زمن الجبابرة الذين قد أفنوا الأمم بالسيف ومما يكاد أحد ينطق إلا بما يهوون ويريدون، ومنها إدلال هؤلاء بصحة إمامة أبي بكر وعمر وبراءتها من كل عيب، فما نطق مروان ولا أحد من بني أمية بعيب مع حاجتهم إلى ذلك، وفيهم الملك ولهم الامر، والذي قد غاظهم وأغضبهم ولد أبي بكر.
ولما حج معاوية أخذ من كان يصلح للإمامة من قريش ومن كان يخافهم مثل الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر، فقال لهم: بايعوا ليزيد، فقال له ابن الزبير: ارض منا بسيرة رسول الله ﷺ فإنه ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو بسيرة أبي بكر فتنص على رجل مرضيّ عند الأمة ليس من أهلك، أو كما فعل عمر فتجعلها شورى من قوم مرضيين معروفين ليس فيهم أحد من أهلك، فلك ولنا بهؤلاء أسوة. فغضب معاوية، وهددهم، وتوعد الناس وقال: لستم في زمن أبي بكر وعمر وإنما هم بنو أمية، من عصاهم أوجلوه السيف، فلاذت تلك الجماعة بعائشة وخافوه على أنفسهم فأرسلت اليه فجاءها وكلمته في أمرهم/ وقالت له: قد كان لمن يقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت في ابنك، فما زال يخرجها من باب وتخرج معه حتى أيبست ريقه انقطاعا في يديها، إلى أن قالت: إنما هو ملك بباطل تجعلونه بني أمية فيمن تهوونه.
وفي هذا مثل ما في الذي قبله وأكثر، قال قائل من الإمامية: أنتم تزعمون أن عليّا كان يرضى سيرة أبي بكر وعمر وقد قال له عبد الرحمن بن عوف في الشورى: أوليك هذا الأمر على أن تقضي بكتاب الله وبسنة رسول الله وسيرة أبي بكر وعمر قال: أما بكتاب الله وسنة رسول الله فنعم، وأما سنة أبي بكر وعمر فلا، فما الذي يبقى بعد هذا؟
[ ٢ / ٥٧٦ ]
قيل له: هذا يبطل من وجوه منها: أنكم تقولون أن عليا ﵁ «١»، كان في زمن هؤلاء في تقية وخيفة، يمتثل أمرهم ولا يجسر يردّ عليهم ولا يظهر خلافهم، وكذا كان بعد موتهم، وفي سلطانه وخلافته ومعه مائة ألف سيف، يقولون: ما جسر أن يظهر مخالفتهم ولا عيبهم ولا الرد عليهم، لأن أعوانه ومن كانوا معه كانوا يتدينون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلو عابهم أو اتهموه بعيبهم لقتلوه.
قلتم: إنه خرج من الدنيا وما أظهر ما في نفسه، وإنه سار في أموال رسول الله ﷺ في خلافته بسيرتهم، وقرأ هذا القرآن، وصلى التراويح، وحيا الأرض كما حيوها، ومدحهم على منابره بالمدح العظيم الذي قد امتلت الكتب به، وإذا سألناكم قلتم: هذا كله صحيح قد فعله عليّ وقاله، إلا أن باطنه فيه خلاف ظاهره، وإنما قاله تقربا إلى أنصاره وأعوانه لأن ذلك كان يعجبهم، ويرون إمامة هؤلاء فقاله خوفا منهم وتقربا اليهم، فكتب أسلافكم مملوءة بأنه قد فعله تقية وخيفة، والآن تذكرون بأنه قد كاشف في البراءة منهم ومن أفعالهم في زمن عثمان وقبل/ أن تصير الخلافة اليه، فأنتم لا تعملون على تحصيل، ولقلة حيلتكم وأنه ليس معكم حجة في مذهبكم (ما) «٢» تأتون بالشيء تظنونه حجة لكم فتنقضون به على أنفسكم من حيث لا تشعرون، ففي هذا كفاية.