ومن عجيب أمرهم أن رؤساءهم وأهل العقل منهم إذا افتضحوا يأخذون «٥» في الصلاة عليه والوصف له بالحكمة ووفور العقل وملك النفس وطول الصبر حتى لم يفتضح، وأنا من أولنا إلى آخرنا مع التستر به نفتضح في كل طرفة عين.
فانظر إلى اختلاطهم وحيرتهم وفضيحتهم في كل ما يأتون به ويتعرضون له، وكيف ينقضون على أنفسهم ويكذبون أقوالهم بألسنتهم.
ثم يقال لهم: هذا رجل قد أسخط الامم وعاداها وغاضبها وأغضبها، وادّعى رئاسة ليس فوقها رئاسة لمخلوق، وفرض طاعته، وألزم الناس إقامة شرائعه وإنفاق أموالهم في إحياء دينه وسفك دمائهم في مجاهدة عدوه،
_________________
(١) ١ و٢ و٣ و٤ بياض في الأصل حوالي نصف سطر
(٢) في الأصل «يأخذوا»
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وكلف تلك التكاليف الشاقة الصعبة الذي قد تقدم شرحها، وقال ان من أنكرها أو تسخطها كفر بالله وحل دمه، وكان له في الآخرة العذاب الدائم.
وأتباعه إنما أطاعوه لأنه عندهم نبي صادق، وتقربوا إلى الله بما أصابهم في اتباعه على ما قد تقدم من شرحه، وهو بزعمكم يكذب ويناقض في الآيات والأحاديث «١»
ليزني بنسائهم ٢ عن تدبيره ولا ينفر ٣ لا يستوحش
/ منه خاصته وبطانتة، وقد اختلف على الرؤساء وعلى من لم يدّع ما ادعاه في أقل القليل كما شرحنا وقدمنا من المحققين والمبطلين، وسلم هو هذه السلامة التامة، وكان له أصحابه في حياته وبعد موته، إن هذا لهو أكبر معجزاته وأعظم آياته وقد انتقضت له العادات في هذا أيضا كما انتقضت في غيره، فهذه شهادة منكم له يتأكد بها حجته عليكم.
وينبغي أن تعلموا أن الايات التي يسأل عنها هؤلاء وأمثالهم من أعدائه ﷺ، والأحاديث التي صحت عنه ما أراد بها ما يظنونه ولا ما يذهبون إليه.
إذ لو كان كذلك لكان أولئك الاعداء الذين كانوا معه وفي بلده وفي زمانه من قريش والعرب واليهود والنصارى، وأحوالهم في الفطنة والعداوة والدهاء والكيد ما قدمنا وشرحنا، ينطقون بذلك ويحتجون به ويجادلونه ويجادلون أصحابه، وكان هذا أسهل عليهم مما تكلفوه من إبطال أمره واطفاء نوره
_________________
(١) ١ و٢ و٣ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وتفريق الناس عنه بمفارقة أوطانهم وإنفاق أموالهم وسفك دمائهم، وبهذا الاحتجاج كان أبو الهذيل والشحام يسكتون الخصوم.
وابن الراوندي والحداد والوراق «١» رسول الله ﷺ ليس ممن يطعن عليه ٢
ذلك عليه وتحت ٣
على الشدائد من ٤
من البلاغة فيجد ٥
/ واسع الحلم، عنده من الصبر ما ليس عند غيره، فلهذا ضبط نفسه من أول أمره وقبل ادعاء النبوة، فما عرفوه إلا بالنزاهة والطهارة والثقة والأمانة، فكان يعرف عندهم بمحمد الأمين، فبفضل العقل تم له ما تم، واستترت عيوبه وحيله، وإن لم نقطع عليه فنحن نجوزه، فأخرجوا معشر المعتزلة هذا التجويز من قلوبنا وإن كان ضعيفا. ذكر هذا المعنى ابن الراوندي في الفريد في غير موضع منه. فيقال لهم: إن هذا الذي ذكرتموه فإنما المعنى فيه شهادتكم له بالمعجزات والآيات التي لم تجدوا فيها مطعنا فعبرتم عنها بفضل العقل والحزم والصبر والحلم وقد سلمتم سلامته من كل فضيحة.
وقولكم إنه منذ أوّل أمره قد كان أحسّ بفضل عقله وصبره وحزمه وفصاحته فأمسك عن ذلك ولم يظهره إلى وقت ادّعى فيه النبوة، كمن ادّعى عليه وله أنه ولد كامل العقل وافر الحلم، وأنه أحسّ بذلك من نفسه فلم
_________________
(١) ١ و٢ و٣ و٤ و٥ نقص في الأصل حوالي نصف سطر.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
يظهره إرصادا للنبوة، وأظهر التصابي «١»
وقد كان ﷺ ٢
يقصد إلى ٣ حالهم ٤ يحيط بهم ٥ واحدا ٦ له على أن ٧/ الله اختارني وحدي على العالمين إلى يوم القيامة، أن أحدا لا يأتي بمثل ما معي ولا بمثل سورة منه إلا وهو على يقين أن أحدا لا يأتي بذلك، هذه قضية العقل، فتعلم أنه قد كان على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، وقد تقدم نظير ذلك، وإنما يقال فيمن أراد السلامة من الناس فطلب رضاهم، وانحط في هواهم، وتجنب ذمهم وسخطهم، وتودد إليهم بما يهوونه أنه عاقل، وقد سلم من ذمهم بعقله، كما قيل استحق اسم العقل من رضي عنه الجميع المختلفون.
وهذا ﷺ أتى بما يسخط الأمم كلها فأكفرها وشرع جهادها، وفرض قتالها وقتلها، واستباحة حريمها وسبي ذريتها، وإهانة ملوكها وجبابرتها، حتى كذبوه وشتموه وضربوه وحصروه وأجاعوه وطلبوا نفسه وقتلوا أتباعه وبذلوا الوسع كله في مكارهه، إلى غير ذلك، فكيف يقال في هذا ﷺ أنه
_________________
(١) ١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ نقص في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
ناله من «١»
/ فاذا حصل فعلوا فيه فعل طلاب الدنيا كما فعل غيرهم ممن قدمنا ذكره فما منهم أحد في ابتداء أمره وفي أول طلبه إلا وقد تودد إلى العامة بأنه يريد الدين والدار الآخرة، فإذا قدر وملك واستولى أثر في نفسه وأهله وولده وتنعم وتمرغ في الدنيا، فكيف انتقضت العادة بهؤلاء ولو ادّعى مدع في زهد رسول الله ﷺ ومنعه نفسه وأهله وولده وكذا في عليّ بن أبي طالب ﵁ مثل ما ادّعيتم في هؤلاء كان يكون الجواب فيه إلا الجواب في هؤلاء.
وأخرى أنكم معشر الامامية تدّعون أن رسول الله ﷺ نصّ نصوصا تلزم الخاصة والعامة والرجال والنساء والاحرار والعبيد والمرضى والأصحاء والمقيمين والمسافرين، وأنه ﵇ بينّ لهم هذا الفرض وبلّغهم إياه بحسب وجوبه وشمولاه وعمومه، فأعلمهم إياه، وجعلهم على يقين من وجوبه.
وأن هؤلاء اغتصبوه ﷺ مصلاه ومقامه في حياته وفي بيته ونصب عينيه وبحضرته وبحضرة أهل بيته وخاصته ٢
/ حياتهم وبعد موتهم، كما قد بينا من إنفاد وصية أبي بكر وعمر، فامتثلوا ذلك كله حتى أن من يدعون النص والإمامة دخل في ذلك وأظهر السمع والطاعة لهم في حياتهم وبعد موتهم خوفا من أتباعهم وشيعتهم وأنصارهم، فمن بقي يتقونه أو يخافونه أو يجدعونه، وكل شيء قد ادعوه ودعوا اليه قد أجيبوا اليه، وقد أطيعوا فيه بغير حجة بزعمكم، مع علم الناس أن ذلك خلاف رسول الله ﷺ وخلاف دينه، إذ هو من الفروض العامة، وهم يأخذون الناس بحب
_________________
(١) ١ و٢ نقص في الأصل حوالي نصف سطر.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
رسول الله ﷺ وموالاته وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وهم بزعمكم يبغضونه ويعادونه ويبغضون من أحبه ووالاه، ومن كان يوالي ويحب، فهل سمع بأعجب من أمر هؤلاء القوم فيما يدّعونه، فبخلاف العقل والنقل والأثر كدعوى الملحدة على رسول الله ﷺ.
ومما يصول به هؤلاء الدعاة وأتباعهم من المتصلة بالشام ومصر، أن يقولوا للمسلمين: اسمعوا منا ما نقوله في إلهكم الذي تعبدونه ثم «١»
يطول شرحه ٢ وفعل فإن الحا ٣ إن ما لكم اله ٤ ففيه تبارك ٥ السموات والا ٦/ حلما عنهم ورحمة وإمهالا لهم ليتوبوا، وأنهم إنما ينقلبون في قبضته وبقدرته التي أعطاهم لطاعته، أو لم ينظروا إلى الجبابرة والفراعنة كيف اصطلمهم؟
«هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا» .
ومما يغيظهم في شأن رسول الله ﷺ أن يقولوا: انظروا اليه كيف لم يبشر بأحد بعده، ولا علق القلوب بمن يأتي بعده كما فعل من كان قبله من ابراهيم، وموسى، وعيسى، وأمثالهم، فطم الناس كلهم وقال: لا نبيّ بعدي، فصار من يدعي هذا قد أكفرته أمته وبادروا إلى قتله، فهذا الحسد والشره.
_________________
(١) ١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ بياض في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فيقال لهم: ابراهيم وموسى وعيسى وأمثالهم كذابون عندكم أصحاب حيل وطلاب رئاسة، وما ها هنا عندكم رب ولا نبي ولا باعث ولا مبعوث، ومن قال إني رسول الله فقد كذب عندكم، ومن قال يأتي من بعدي رسول الله فقد كذب عندكم، فكأنكم عتبتم عليه إذ لم يكذب ولم يزد في الكذب، هذا على «١»
شرا.. ٢
الين من بعده ٣ كما قال ٤ سود ٥ به فافتضح ٦ ابن خويلد ٧ وكاهنا ٨
/ فأرسل اليه أبو بكر الصديق بمن يجاهده، وأحاطوا به، فقال قومه: أين ما كنت تعدنا من النصر والظهور، فأردف وقال لأصحابه من استطاع أن يكون هكذا فليفعل ووّلى هاربا أصحاب أبي بكر الصديق ﵁ فأخذوه أسيرا وأتوا به أبا بكر الصديق ﵁.
_________________
(١) ١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ نقص في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
[ ٢ / ٦٦١ ]
هذا آخر ما وجدته في النسخة التي نقلت منها إن شاء الله أن عليه بل كتابة بغير تحيز، ومن أراد تحصيله العبد الفقير إلى الله علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن البكري في ربيع الأول سنة وستمائة، «١» وهو يتوسل إلى الله ﷿ بجاه محمد ﷺ أن يجعله من المتقين حتى يتوفاه على ذلك ويبعث عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم بحمد الله
_________________
(١) المتوفي سنة ٦٨٤ هـ. شوزت الذهب ٥: ٣٨٨
[ ٢ / ٦٦٢ ]