ومما يطعن هؤلاء الدعاة على رسول الله ﷺ ويعيدونه ويبدونه، أنه جاء مرة يطلب مولاة زيد بن حارثة ولم يكن في بيته، وكانت امرأته تخبز، فأخرجت رأسها من التنور وخرجت إليه «١»
وأخرج زيد بن حارثة في سرية ليقتله «٢» من المشيخيين إنما معنى قوله:
«وتخفي في نفسك ما الله مبديه» أي قد زنيت.
والمتأمل يعرف كذبهم في ذلك قبل أن يعلم أنه نبيّ صادق، لأن زيد بن حارثة ﵀ مولاه وصاحبه قديما قبل النبوة وقبل الوحي، خصيص به محب له، يسافر معه ويقيم معه. وامرأته زينب بنت جحش هي بنت عمة رسول الله ﷺ وهو زوّجه بها، وقد رآها صغيرة وكبيرة، لو قال قائل إنه رآها ألف مرة لما خشي أن يكذب. وكانت زينب رحمها الله امرأة سيئة الخلق كثيرة النفار لزيد، وكان رسول الله ﷺ يشق عليه ذلك، ويكره أذية زيد، وينهي زينب عن ذلك، ويعذلها ويأمر زيد باحتمالها والصبر عليها، وكان ﷺ
_________________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٥٠ ]
ودّ لما يرى من نقارها لزيد أنه لم يزوجها به لما يلقى زيد من أذاها، وأنه كان ﷺ قد تزوجها فكان أولى بالصبر على قرابته من الغريب، فأوحى الله إليه أنها مع خلقها مؤمنة، وإن زيدا سيطلقها، فإذا طلقها فتزوجها أنت وضمها إليك. فلم يلبث زيد أن طلقها وجاءه فأعلمه ﷺ ذلك، فقال رسول الله ﷺ لزيد: راجعها وأمسكها، وستر عن زيد ما أوحى الله إليه، فعوتب في ألا عرفه ما أوحى إليه، فلم يؤثر زيد مراجعتها، واعتدّت، فتزوجها رسول الله ﷺ، وكان من قصتها ما قد ذكره الله في سورة الاحزاب، فبين الله ذلك والسبب فيه وعاتبه الله كونه ستر ما أوحى إليه عن «١»
وما زال زيد مقيما على طل ٢ والمحبة وبذل النفس في طاعته ٣
/ مؤتة باذلا نفسه في نصرة رسول الله ﷺ، وقد ودّع الأحبّة. وقد قال رسول الله ﷺ لجند زيد ومن معه: زيد أميركم، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة. فغزا زيد الروم وأقحم في قتالهم، وتصيبه الطعنات والضربات والجراحات فلا يرجع ولا ينثني ابتغاء مرضات الله ونصرة لرسوله إلى أن قتل، وقتل بعده جعفر بن أبي طالب، وبعدهما ابن رواحة، في القصة المعروفة، ونال رسول الله ﷺ من فقدهم ما يألم له الألم المعروف. وأسامة بن زيد منزلته من الاختصاص برسول الله ﷺ والقرب منه منزلة أبيه، وكان حبّ رسول الله كما كان أبوه، وكان يقال له أسامة الحب، وقد امّره رسول الله قبل مرض موته على خلق كبير ليخرج إلى الروم، فخرج في خلافة أبي بكر، وغزا الروم وجاهد في احياء دين رسول
_________________
(١) ١ و٢ و٣: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٥١ ]
الله ﷺ، وقصد اعداءه وأطاع حلفاءه ﷺ بعده، وجاهد وناصح ومضى لسبيله بعد مضيّ خلفاء رسول الله لا يرى لما يدعيه هؤلاء أثرا ولا امارة لا في حياة زيد ولا بعد وفاته، ولا في حياة ابنه ولا بعد ذلك، وهم في المناصحة والالفة والاختصاص والمحبة بعد تزويج رسول الله بزينب كما كانوا قبل ذلك وفي جميع الاحوال، وفي حياة رسول الله وبعد وفاته، وفي حياة خلفائه وبعد وفاتهم، وهناك من أعداء رسول الله ﷺ «١»
المعروفة وأعينهم مادة إلى مطعن ٢..
انواعن هذا وهو أنه قد اغتصب/ رجلا من خاصته امرأته فزنا بها وقبله لعداوته له، وهو يدعي النبوة والأمانة وأنه اختاره لأمانته وثقته على الخلق أجمعين، وأنه وحده صفوة الله وأنه لا نظير له في ذلك إلى يوم القيامة. فأين كانوا عن هذا، وأين كان الصحابة الذين قد اتبعوه لأنه نبيّ وصادق وقد جاء هم بتحريم الزنا وتحريم قتل النفوس بغير حلها، فإن قالوا: قد تكلموا وقد أنكروا، قيل لهم: لو كان كذلك لجاء مجيء أمثاله، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادّعى أن زيد بن حارثة قد تكلم في ذلك وضج وخطب وصار معه جماعة في ذلك، وحاربوا وصاروا إلى الروم مجلبين على رسول الله وراجعين عن دينه، وكذا كانت قصة ابنه أسامة بعده إلا أن هذا قد خفي علينا وخدعنا وظهر لكم أنتم وعرفتموه بفضل عقولكم وفطنتكم، وقد قلنا لكم غير مرة لو اعتبرتم ما جرى على ائمتكم وعليكم من الفضائح مع تستركم بالاسلام وأنكم من الفاطميين لكفاكم في الدلالة على نبوته ﷺ وأنتم تدّعون ما هو في الظهور أعظم من هذا، من أن فاطمة عليها
_________________
(١) ١ و٢ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٥٢ ]
السلام ضربت وقتل جنينها في بطنها جهارا بمشهد من العباس وعليّ وجميع بني هاشم وبمشهد من المهاجرين والانصار وهم أكثر ما كانوا وأوفر، وهذه وقعة أعظم من وقعة كربلاء، ومن شهدها أكثر فكيف لا يدعون على رسول «١»
نجد أبا بكر وعمر وبني هاشم ٢
بين زيد وأسامة ورسول ٣
/ بعضا كما قد تقدم شرح ذلك حتى ينقل عليّ بن أبي طالب إلى عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيزوجه ويفترشها ويولدها، وهذا الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها، وقد قلنا فيما تدعونه من البقيّة وجوها في بعضها كفاية.
وتدّعون أن أبا بكر أنفذ المغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير الانصاري في قتل سعد بن عبادة الانصاري وهو سيدهم فقاتلاه وهذا أظهر مما ادعيتم في زيد، فكيف لا تدعون ذاك وقد ادعيتم ما هو أظهر منه. ونحن نجد الخزرج رهط سعد بن عبادة أطوع الناس لأبي بكر وعمر، يعتقدون إمامتهما ويتقربون إلى الله في الجهاد معهما، حتى ان قيس بن سعد وسعيد بن سعد من أخص الناس بهما ومن أنصارهما وأمراء سراياهما، فما تأمل متأمل ولا تدبر متدبر إلا وجد من الادلة على أكاذيب هؤلاء وأكاذيب أسلافهم الذين قدمنا ذكرهم كهشام وأتباعه.
ومما يخدعون به المترفين والمستجيبين لهم بأن يقولوا: هل علمتم لم حرم محمد أزواجه أن ينكحن بعده، ولهذا سر لطيف باطن خفيّ وهو أن أزواجه
_________________
(١) ١ و٢ و٣ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٥٣ ]
قد كن وقفن على سحره وحيله فخاف أن يتزوجهن أحد بعده فيتحدثن بذلك لما في النساء من الرقة والضعف فعلم هو بهذا فحرمهن، وهذا من حكمته وفطنته، وقلنا قبل كل شيء من أين لكم صحة هذه الدعاوي، أهو شيء علمتموه بالخبر والنقل أو بالالهام «١»
مسائلكم وشبهكم ليست من شبه ٢
الزبالين والكساحين، ولعمري/ إن من كان قادته وسادته وأئمته الذين قدمنا ذكرهم وسيرتهم ومن لهم مثل هذا العزيز فهكذا تكون شبهه ومسائله ودعاويه وحججه، وقد حرم ﷺ على الرجال أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت، فإذا إنما حرمهن لمثل ما قلتم وهو السر اللطيف والباطن الخفي هاتوا حكمتكم وفطنتكم.
ثم نسائلكم ونقول لكم: قولوا لنا ما هذه الحيل وما هذا السحر والذي وقف عليه النساء، اذكروه لنا، فإن قالوا: ما ظهر ولا عرفناه، قلنا: فما يدريكم أن التحريم كان لهذا، وإن قالوا قد ظهر، قلنا: فما أغنى تحريم الأزواج شيئا، وهاتوا هذا الذي وقفتم عليه فإنكم لا تذكرون إلا ما يشبهكم ويشبه أسلافكم، فأما هو ﷺ فأمره في الظهور والانكشاف والبعد من كل ريبة كما قدمنا وذكرنا.
والعقلاء يزدادون بصيرة في أمره ﷺ، أنه جمع بين الضرائر من بنات الاعداء والأولياء وفطمهن من الدنيا، ومما تتناوله يده، وكذا صنع بأهله، وإن هذا
_________________
(١) ١ و٢: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
[ ٢ / ٦٥٤ ]
الاقدام إقدام الأبرياء من كل ريبة ودنية.
ومن مسائلهم أن أبا القاسم المصري الاقليدسي المهندس النازل في قطيعة النصارى، المنقطع إلى «١»
جميلة كانت ٢
فما تعرفها فيقو ٣
عقيب هذا و٤
من المسلمين، ويذهب في هذا أن أمرأة كانت تختلف إليه ﷺ في الريب، فيخدع أصحابه وأزواجه بقوله: هي العافية، وكان هذا من أكبر المطاعن عليه عندهم، وسرورهم بها أتم السرور.