من آياته وعجيب أعلامه، وهو إخباره عن اليهود فقال: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا» «١» .
فخبر أن أقلّهم يؤمن ولو لم يكن على بينة من أمره وثقة عن خبر ربه ﷿ وما يوحيه اليه، لم يكن ليقول هذا وهو لا يأمن أن يتبعه أكثرهم ويؤمنون ويدخلون في دينه. ثم قال: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً» ولو لم يكن على يقين لم يقل: «وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» وهو لا يأمن أن أن يتجاوزوا الأذى إلى أخد المال أو إلى سبي/ الذرية وإلى قتل الأنفس، وأن
_________________
(١) آل عمران ١١١
[ ٢ / ٤٣٤ ]
يغلبوه إن قاتلوه ولا يولون الأدبار، فقاتلوه ﷺ يوم قينقاع فنزلوا على حكمة، وقاتلوه يوم بني النضير فأجلاهم عن بلادهم، وقاتلوه يوم بني قريظة فولوا الأدبار فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقاتلوه يوم خيبر فهزمهم وملكهم وأخذ عنوة خيبر بالسيف فرضوا به أن يقرهم على أن يكونوا حرثة يعملون له في النخل.
فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل في هذه الأخبار، فإن مثلها لا يقع اتفاقا ولا من حذاق المنجمين ولا الكهنة، وانظر كيف أخبرهم بها قبل وقوعها، وأنذرهم بما يكون قبل أن يكون، وجعلهم على أهبة، بخلاف تدبير البشر.
وقد كانوا جماعات كثيرة لهم خيول وسلاح وحصون ويمتنعون ويقاتلون من ناوأهم وأرادهم وقصدهم، لتعلم أن هذا من أخبار علّام الغيوب، وهذا من الدلائل الواضحة والأعلام البينة النيرة لأن السيف إذا لقي السيف دبّ الحياء، ولا يأمن من ليس على يقين مما يخبر به أن يقع الأمر بخلاف ما خبر ولا يحمل أحد نفسه على هذا من غير يقين إلا الغاية في الحمق والجهل والنقص.