من آياته ﷺ، وهو ما أخبر أصحابه من أنه يمكّن لهم في الأرض ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ويؤمن خوفهم، فيخلصون في عبادته وحده لا يشركون/ به شيئا، فقال ﷿: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ» «١» إلى آخر الآية. وهذه نزلت في غزوة الأحزاب وفي الخندق، وقد تحزبت العرب واليهود عليهم، وغدر من حول المدينة بهم وهم في حومة الموت وشدة الخوف، وما كان بأيديهم إلا المدينة مع من بها من اليهود والمنافقين، فأظهر الله أصحاب رسول الله ﷺ واستخلفهم ومكّن لهم وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وعبدوه وحده وأطاعوه، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون بالاتفاق ولا لحذاق المنجمين، ولا هو مما يغلب في العقل بل الغالب في العقل والظاهر في الحزم والتدبير أن يكونوا هم المغلوبون المقهورون، إلا أن يكونوا من قبل الله، وأن يكون صاحبهم رسولا لله، والذي يدلك على أن هذا نزل وهم غير متمكنين وأنهم قد كانوا خائفين من قوله ﷿: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» «٢» فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن
_________________
(١) النور ٥٥
(٢) النور ٥٥
[ ٢ / ٤٤٦ ]
يقول: هذا قول الله لكم، ووعد الله لا وعدي، وبشارة الله لا بشارتي، وفي هذا دلالة على صحة الخلفاء من بعده، ألا تسمعه يقول: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» ولو قال: الذين آمنوا لكانت عدة تحتمل التسويف والتأويل، فلما قال: «منكم» جعلها فيهم ولهم ومنهم، فزالت الشكوك وارتفع اللبس، ولو كان الأمر على ما يقول الإمامية لكانت هذه الأخبار قد كذبت وهذه المواعيد قد أخلفت لأنهم زعموا أن المستخلف كان علي بن أبي طالب، وأنه ما كان متمكنا ولا آمنا بل كان مقهورا مغلوبا خائفا، فأين تصديق ما وعد الله، فنعوذ بالله من الذهاب عن الحق.
وعندنا أنه/ ﵁ كان في زمن أبي بكر والخلفاء قبله ممكنا غالبا قاهرا آمنا عزيزا نافذ الأمر مسموع القول كما قد تقدم شرح ذلك لك، وبه وبإخوانه من المهاجرين والأنصار كانت خلافة من قبله وعزّ سلطانهم، فالعدة فيه وفي أبي عبيدة بن الجراح وفي سعد ومعاذ وعبد الرحمن وغيرهم من المهاجرين والأنصار، والله ﷿ لا يستخلف إلا المتقين ولا يمكن إلا لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته، وليس لمن أسلم في عام الفتح، وفي هذا خبط، لأن هذه نزلت في عام الخندق وفي غزوة الأحزاب قبل فتح مكة، وأولئك من الطلقاء لا من المهاجرين ولا من الأنصار، وليس هذا بنصّ جليّ مكشوف في خلافة هؤلاء ﵃، ولكنه شيء يعرف بالاستنباط والاستدلال والتدبر في هذه التلاوة، فلا يسوغ في تأويلها وتفسيرها إلا هذا.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ حين ارتدت العرب بعد وفاته وكثر من خالفهم يستبشرون بظهور الإسلام وغلبة المسلمين بهذه الآية وقد تلاها أبو بكر الصديق عليهم في ذلك الزمان وقال لهم ما لعله قد تقدم لك شيء من ذكره، وهذا شيء قد تقدم به الإجماع وسبق به الاتفاق قبل أن يخلق هشام بن الحكم
[ ٢ / ٤٤٧ ]
الذي هو الأصل في الطعن على خلفاء رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار. ومع هذا فقد ذكر هشام بن الحكم أنه أدرك الشيعة وكلهم يتوالى أبا بكر وعمر وعثمان، ويقولون هؤلاء ما أنكروا فضل الوصيّ عليّ بن أبي طالب ولا دفعوه عن حقه، وأن الذين دفعوه عن حقه وأنكروا فضله هم المنافقون الذين كان القرآن يهتف بهم. قال هشام وهذا كله تلزيق وتلفيق/ دعاهم اليه هيبة أولئك القوم فما أقدموا على تهمتهم ولو عرفوهم لا تهموهم، ثم أخذ يذكر ما عنده من تهمتهم، فقد أقر بلسانه أنه لم يسبقه أحد إلى شتمهم ولعنهم، ولو لم يقر لكان العقل يشهد به ويدل عليه.