من آياته ﷺ ودلائل نبوته، وهو قوله ﷿: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» .
فأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه أتى الله بمن يغلبه ويقهره، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدّت/ القبائل الكبيرة من العرب عامة وخاصة على وجوه من الردة كما قد تقدم شرح ذلك، فشمر أبو بكر الصديق لحربهم، وأرسل المهاجرين والأنصار على قتالهم، وقاموا على ساق، فقهروهم وأذلوهم وغلبوهم وظهرت كلمة الإسلام فكان العز للمسلمين، وهذا من الآيات العظام، فانظر كيف قال ﷿ لهم بالمواجهة: «مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» «١» ولم يقل: من يرتد عن دينه، فكانت عدة تحتمل التسويف بل قال: «مِنْكُمْ» .
وفي هذا غيوب كثيرة، فإن القبائل التي ارتدت تلك الأنواع من الردة كانت كثيرة ولها بأس وشدة كما قد تقدم ذكر ذلك، وفي هذا أيضا تأييد لإمامة أبي بكر الصديق، وأنها حق وهدى وصواب ورشاد ودين لله، وقد وصفه الله ومن معه بأنهم يحبون الله وأن الله يحبهم، وأنهم يخضعون ويذلون للمؤمنين وأنهم يستعلون ويشتدون على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله
_________________
(١) المائدة ٥٤.
[ ٢ / ٤١٧ ]
ولا يخافون أحدا ولا يراقبون أحدا ولا يهابون في الله مخلوقا وأن هذا فضل من الله ساقه اليهم وخصهم به، وهذه صفات أعلى المؤمنين درجة عند الله، فلو لم يقف من غلط من اتهمهم ورماهم بالريب إلا من هذا الوجه لكفى وأغنى وزاد على الكفاية «١» . ولو كان أبو بكر ﵁ وأصحابه ارتدّوا وكفروا كما زعم هؤلاء وادعوا لأتى الله بمن يقهرهم ويغلبهم، وإلا كان خبر الله قد كذب وأخلف وحاشا لأخبار الله أن تكون كذلك. وعند هؤلاء الزنادقة أن هؤلاء الصحابة قد ارتدوا، وأنهم أعداء الله وأعداء رسوله وأن أمير المؤمنين ونفرا كانوا معه على الإسلام مغلوبين مقهورين مقصودين بالإذلال والمكروه، وأن أبا بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار كانوا يعزون المشركين وأعداء الدين والمرتدين والمبدلين والمغيرين ويذلون المؤمنين، وهذا ضد/ التنزيل وتكذيب لقول الله فيهم كما قد شرحه الله وبينه في الآية وأظهره من ضمائر هؤلاء ونياتهم. وعلى ما يقوله الخصم كان ينبغي أن يكون التنزيل:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يبغضهم ويبغضونه يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الشيطان فهذه صفاتهم عند هؤلاء الخصوم، نعوذ بالله من العمى.
والذي عند العلماء، أن عليا ﵁ كان في أيام هؤلاء أعز المؤمنين وأجلهم وأعلاهم، نافذ الأمر مسموع الغلب، مثلهم في سلطانه؛ وبه قام سلطان أبي بكر وبأمثاله من المؤمنين، وقد تولى لأبي بكر أتعاب المدينة، وتولى له أموال رسول الله، وسار معه إلى الربذة وإلى ذي القصة، وغزا معه، وأشار عليه بتلك الآراء، وردّه إلى المدينة وأطاعه حياته وبعد موته، ونفذ وصيته في عمر. وكان ﵁ يضرب المثل لأصحابه، وأنه كان
_________________
(١) كتب في هامش الأصل «تشنيع على الروافض» .
[ ٢ / ٤١٨ ]
في سلطان أبي بكر وعمر أنفذ قولا، وأن أولئك كانوا أعرف بحقي منكم، وأني لو كنت الخليفة في زمانهم لكانت طاعتهم إلي أحسن، وكان يقول لعدوه مثل ذلك، ولقد كتب إلى معاوية يتمنى أولئك الذين مضوا من المهاجرين والأنصار فقال: «١»
لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا أو حمزة الليث الهمام الأزهرا
أو أن لي صدّيقها أو عمرا أو من أولاك السابقين معشرا
رأت قريش نجم ليلي ظهرا والخصم في زمانك هذا يقول: ما أسلموا قط ولا لهم إسلام، وأنهم ما زالوا أعداء المسلمين، والذي يعرف أهل العلم والتحصيل أنهم كانوا خاصة رسول الله ﷺ/ وبطانته، وأمناءه وثقاته على نفسه وأهله ودينه، وأنه كان يحبهم ويودهم ويجلهم ويعزهم ويواليهم. وأنه قد فرض محبتهم وموالاتهم وأوجبها على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. والعلم بهذا قبل العلم بنبوته، وهو كالعلم بأن عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمثالهم، كانوا أعداء رسول الله ﷺ، وأنه قد فرض بغضهم والبراءة منهم إلى يوم القيامة. فما يحتاج في هذا إلى تلاوة آية ولا إلى رواية خبر، وإن كان القرآن مملوآ بذلك، والحديث مستفيضا به. فإن فعلت ذلك فمن طريق الزيادة في الحجة والمظاهرة بالبينة. ولحكاية تلك الألفاظ عمل الناس الكتب في تفضيل القرآن وإن كانوا يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يفضله ويجله، وكما عملوا الكتب في تفضيل شهر رمضان وإن كانوا يعلمون أن
_________________
(١) كتب في هامش الأصل: «من شعر علي بن أبي طالب ﵁» .
[ ٢ / ٤١٩ ]
رسول الله ﷺ كان يفضله، وكما عملوا الكتب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الجهاد في سبيل الله، وكما عملوا الكتب على المبتدعين من أهل القبلة بأن القديم الأزلي هو الله وحده، وأنه لم يزل موجودا حيا عالما قادرا غنيا ولا يزال كذلك، وأن جميع ما خلقه وفعله وقضاه وقدره وشاءه وأراده وصنعه ودبره ورضيه وأحبه وأمر به ودعا اليه فكله حق وصواب وعدل وحسن من جميع وجوهه، أين كان وفيمن كان، وأنه يجب على العباد قبوله والصبر عليه والرضى به والتسليم له سواء كان شدة أم رخاء، وأن الكفر بالله وشتم أنبياء الله وتكذيب رسل الله وجميع المعاصي قبيحة، فتلوا في ذلك آيات القرآن وذكروا ألفاظ النبيّ ﷺ/ لما ذكرنا، فاعرف هذا، فالعلم بأن رسول الله ﷺ مدح أبا بكر وعمر وتلك الجماعة من السابقين أقوى من العلم بأنه مدح أحدا وأثنى عليه، أو أنكر أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وتلك الجماعة مدحوا رسول الله ﷺ وأعظموه أو صلوا خلفه، وإنما ذكرنا هذا للحاجة اليه ولأن الناس قد أكثروا فيه في هذا الزمان فما يستغلون الآية.