وهو ان افعال رسول الله ﷺ وأقواله ووصاياه وعهوده، تشهد بأنه ما عهد في رجل بعينه، وان الامر في الخلافة بعده الى خواصه واصحابه ليختاروا من يرون، وان الخلفاء بعده يجوز عليهم الخطأ والزلل؛ ألا تسمع
[ ١ / ٢٥٢ ]
قوله ﷺ «١»: «أنفذوا جيش أسامة» وقوله: «لا تتركوا بعدي في جزيرة العرب دينين، ولا تجمعوا فيها دينين» «٢» وقوله: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فخذوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، وإلا فكونوا أشقياء حرّاثين تمشون خلف أذناب البقر، وتأكلون كدّ أيديكم. أطيعوهم ما أطاعوا الله ورسوله، فاذا عصوا الله ورسوله فلا طاعة لهم عليكم؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٣» .
وقوله: «هذا الأمر في قريش ما اذا استرحموا رحموا، واذا حكموا عدلوا، واذا قسموا أقسطوا، واذا عاهدوا وفوا؛ فإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل» .
ومثل هذا من اقواله كثير، ويعلم هذا من دينه، كما يعلم من دينه أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وان اليمين على المنكر والبينة على المدعي، والنفقة على الزوج دون المرأة، وما أشبه ذلك من شريعته. وهذه الوصايا منه انما هي لأصحابه وخاصته، فمن اشكل عليه بعد هذا انه ما نص على رجل بعينه، وان الخلفاء بعده يجوز ان يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ذلك، فقد اشكل عليه الواضح من شريعة رسول الله ﷺ/ وجلّى سيرته، والمكشوف عن شريعته ووصاياه.
_________________
(١) في الحاشية كتب: وصايا رسول الله (ص)
(٢) انظر طبقات ابن سعد. الجزء الثاني القسم الثاني ص ٢٤ بلفظ آخر «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» .
(٣) انظر شرح الجامع الصغير للمناوي ١: ١٤٩، وخضراءهم اي سوادهم ودهماءهم. وهنالك احاديث كثيرة في هذا المعنى، كلها تضع شرطا في التبعية لقريش هي الاستقامة على الحق والتقوى والرحمة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فإن قيل: كيف اشكل هذا على هؤلاء القوم؟ قيل له: ليس يعرف هذا بكمال العقل وان كان واضحا، وانما يعرف بكثرة السماع وحسن الاصغاء والتأمل، وجودة التحصيل وصحة النقل.
ألا ترى ان في هؤلاء من يقول: ان في القرآن زيادة، وفيهم من يقول:
فيه نقصان، وفيهم من يقول: للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن يخالف ما عليه الفقهاء والعامة، والى ما يذهب اهل التناسخ وقوم من الصوفية. وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله، يعلم علما يقينا ان هذا خلاف دين النبي ﷺ؛ وقد عرف اصحابه من سيرته جواز الاختيار في الائمة والامراء، وعملوا بذلك في حياته ﷺ. ألا ترى انه لما انفذ عسكرا لغزو الروم قال لهم: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة؛ فهلك هؤلاء الامراء الثلاثة فاستعمل الجيش بعدهم خالد بن الوليد المخزومي اميرا عليهم، فدبرهم وساسهم ولقى العدو بهم، فما انكر النبي ﷺ ذلك بل صوبهم، وسمي خالد بن الوليد سيف الله. وقد كان النبي ﷺ انفذ عما لأبي موسى الاشعري اميرا على جماعة فهلك، فاستعملوا بعده ابا موسى، فما انكر رسول الله ﷺ ذلك بل صوبهم؛ بل انهم انما فعلوا هذا لأنهم قد عرفوه من سيرته.
وقد ولى رسول الله ﷺ ابو العلاء بن الحضرمي «١» البحرين، وانفذه في
_________________
(١) أرسل الرسول (ص) العلاء بن الحضرمي الى المنذر الساوي بالبحر بالكتاب التالي: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله الى المنذر ساوي. سلام عليك فاني احمد الله إليك الذي لا إله الا هو، واشهد ان لا اله الا وان محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإني اذكرك الله ﷿ فان من ينصح فانما ينصح لنفسه وان من يطع رسلي ويتبع امرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي، وان رسلي قد اثنوا عليك خيرا، واني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما اسلموا عليه، وعفوت عن اهل الذنوب فاقبل منهم، وانك مهما تصلح يغفر لك عن عملك، ومن اقام على يهوديته او مجوسيته فعليه الجزية» . السيرة الحلبية ٣: ٢٥٢.
[ ١ / ٢٥٤ ]
جماعة، وعهد إليه عهدا معروفا، وقال ﷺ/ في هذا العهد: وانا اشهد الله على رجل وليته امرا من امور المسلمين فلم يعدل فيه قليلا كان ام كثيرا فانه لا طاعة له، وهو خليع محاولتيه، واني قد برأت المسلمين الذين معه من عهدهم وايمانهم منه ومن ولايته، فليستخيروا عند ذلك الله ثم ليستعملوا عليهم افضلهم في انفسهم؛ واشباه هذا في وصاياه وعهوده وسيره كثيرة، وأنت تجده متى طلبته، وفيما معك اتم كفاية.