إن بين ابي بكر وعمر وتلك الجماعة وبين بني هاشم مع اخوة الاسلام فضل مودة وصداقة، يمدح بعضهم بعضا ويزكّي بعضهم بعضا، ويتصاهرون،
[ ١ / ٢٤٥ ]
ويرى بعضهم بعضا أهلا للإمامة والولاية، وينصح بعضهم بعضا. ألا ترى أنهم بايعوا ابا بكر، وصلّوا خلفه، وغزوا معه؛ ونفذوا وصيته بعد موته في عمر، فاجتمعوا كلهم في طاعته؛ ونفذوا وصايا عمر بعد موته وصلّوا خلف صهيب، ورجعوا الى عبد الرحمن كما وصّى، فغزا امير المؤمنين علي بن ابي طالب مع ابي بكر ﵄ الربذة والى ذي القصّة «١» .
ولما همّ ابو بكر بالخروج عن المدينة والمسير الى اصل الردة، اخذ امير المؤمنين علي بعنان فرسه وقال له: اقول لك كما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: سمّ سيفك، وارجع مكانك، ومتعنا بنفسك، وأتا أقول لك:
أنقذ جيشك وارجع الى المدينة، فإنك إن هلكت لم يكن للاسلام بعدك نظام، فقبل رأيه ورجع.
وقد غزا غير واحد من بني هاشم في زمن عمر، وفي غزواته هلك الفضل ابن العباس بالشام في طاعون عمواس في خلافة عمر، وقد خرج العباس معه الى الشام وغيره من بني هاشم، وخلف عليا أميرا على المدينة في بعض خرجاته الى الشام، فانه خرج اليها اربع مرات، فدخلها في بعضها، وفي بعضها لم يدخل، وزوجه امير المؤمنين عليّ ابنته ام كلثوم وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ، / وكان له منها زيد ورقية.
وقبل ذلك ما زوج رسول الله ﷺ ابا بكر الصديق اسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحل من رسول الله ﷺ محل ابن الأخوات وتختص به وبنسائه وتكون في بيوته. وكانت من المهاجرات بدينها الى ارض الحبشة وإلى المدينه، وكانت قبل ذلك امرأة جعفر بن ابي طالب، وكان له منها
_________________
(١) انظر الطبري ٣: ٢٤١ و٢٤٧
[ ١ / ٢٤٦ ]
غير واحد من الأولاد، فجعل رسول الله ﷺ أبا بكر كافل بني هاشم ومربي ابنائهم، فربّى اولاد جعفر بن ابي طالب وكفلهم وأدبهم، منهم: عبد الله ابن جعفر بن ابي طالب، وأخوه محمد. وكان عبد الله بن جعفر يذكر من برّ ابي بكر بهم ورأفته وتأديبه لهم ما يطول شرحه. وخلف امير المؤمنين علي وعمر على المدينة في خروجه الى جسر مهران «١»، وأشار عليه حين تكاتبت الأعاجم بإخراج المسلمين من ديارهم «٢»؛ وكان يزدجرد بن شهريار ملك فارس الذي أخرجه عمر من ملكه حيّا مقيما عند خاقان ملك الترك وقد صاهره يستعينه على المسلمين، فراسل أهل مملكته بإخراج المسلمين من ديارهم، وأنه يوافيهم في الجيوش ويسير الى المدينة فيقتل عمر ويستأصل الاسلام، فكتب المسلمون الذين في ممالك الفرس الى المسلمين بالكوفة بهذا، وكتب أهل الكوفة الى امير المؤمنين عمر، فخطب الناس وقال: ايها الناس، إن الشيطان قد جمع جموعه، وإن الأعاجم من اهل جرجان وطبرستان والريّ وأصفهان وهمدان ونهاوند، قد تكاتبوا وتعاهدوا في اخراج المسلمين من ديارهم وقصدهم الى بلادكم، وهذا يوم له ما بعده، فأشيروا عليّ.
فقام طلحة بن عبد الله، فقال، / فجزاه خيرا ثم امره بالجلوس، ثم قال:
أشيروا عليّ، فقام عثمان بن عفان، فقال: أرى يا امير المؤمنين ان تكتب
_________________
(١) سمي الجسر بذلك لأن قائد الفرس كان مهران بن مهر بنداد الهمذاني وكان قائد المسلمين المثنى بن الحارثة، وسميت المعركة معركة جسر مهران. وكان عمر ﵁ قد هم بالخروج مع المسلمين في تلك الموقعه.
(٢) كان ذلك في سنة ١٩- ٢٠ للهجرة. فقد تكاتبت الفرس واهل الري وقوس واصبهان وهمذان والماهي وتجمعوا الى يزدجرد آخر ملوك فارس. فبعث عمر بعد مشورة الصحابة بجيش وولى عليه النعمان بن مقرن المزني. فتوح البلدان، ٤٢٤.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الى اهل اليمن فيسيروا اليك من يمنهم، وإلى اهل الشام فيسيروا اليك من شامهم، وتسري بأهل هذين «١» الحرمين وأهل المصرين: الكوفة والبصرة، وتلقي العدوّ بنفسك، فاذا رآك في جموعك وعساكرك هاله أمرك، وقل هو وجيوشه في أعين المسلمين، ففعلت وفعلت، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: أشيروا عليّ، فقام علي بن ابي طالب، فقال له: يا امير المؤمنين، أما ما كرهته من مسيرهم فان الله ﷿ لذلك أكره، وإنك يا امير المؤمنين إن سيّرت اهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ديارهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت العرب عليك، فكان ما وراءك اهم لك مما بين يديك، وإن رآك العدوّ ازداد كلبه عليك وقال لأصحابه: هذا واحد العرب فان قطعتموه قطعتم العرب كلها. ولكن أرى ان تكتب الى اهل اليمن، فيكون ثلثهم في اهل عهدهم وثلثهم في ثغورهم ويسير منهم الثلث اليك، وتكتب الى أهل الشام بمثل ذلك، وتقيم بمكانك وتنفذ اميرا يلقاهم، فان هلك أنفذت اميرا مكانه، فقد علمت انّا كنّا في زمن رسول الله ﷺ نقاتل بالبصيرة لا بالكثرة، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: هذا والله هو الرأي؛ إن انا أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم اليهم، هذا والله هو الرأي ان ساعدتموني عليه، فقالوا: نساعدك، فعمل على ذلك، وأنفذ الجيش، وأقام على ما اشار عليه عليّ؛ وكم له معه مثل هذا، وشرحه/ يطول.
وكم قد أشار عليه العباس ونصح له مما هو مذكور معروف عند العلماء،
_________________
(١) في الأصل: هذه
[ ١ / ٢٤٨ ]
وكم قد اشارا جميعا على عثمان وغيرهما من بني هاشم، وكم قد غزا الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس، وغيرهم من بني هاشم مع امراء عثمان الى خراسان وغيرها، وكم كان يقول عمر على المنبر: أقضانا عليّ، ويقول: لا تكون نازلة لا يشهدها علي بن ابي طالب؛ وولاه القضاء بالمدينة، وتولى، فكان يقضي ويفتي، واستسقى بالعباس، وألحق الحسن والحسين في العطاء بالبدريين، ولما دوّن الدواوين، كتبوا اسمه في اول الديوان، فقال لهم: لم فعلتم هذا؟ فقالوا له: انت امير المؤمنين، فقال:
ابدؤوا بطرفي رسول الله ﷺ: هاشم وزهرة، وضعوا عمر وآل عمر حيث وضعهم الله، وأدخل عليا في الشورى: وكان لعليّ في اولاده من يسمى أبا بكر وعمر وعثمان كما يسمي الرجل اولاده بأسماء أحبابه وأئمته، وقد كان للحسين ﵇ ولد يقال له ابو بكر قتل معه بكربلاء، وكان ليلي بن الحسين ولد اسمه عمر، وقد كان في أولادهم مثل هذا كثير، وشرح هذا يطول، وكذلك شرح ما كان بينهم من المودة والصداقة وحراسة بعضهم لبعض، ومدح بعضهم لبعض يطول، وللعلماء فيه كتب مفردة مخلدة، انت تجدها اذا طلبتها. ولكن طال العهد وغلب الجهل، فظن من لا علم له انهم كانوا متباعدين متباغضين، وأن الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء أشد مما كان بينهم وبين معاوية وولده ومروان بن الحكم وولده كما ظنت المنانية ومن ذهب مذهبها، ان عيسى بن مريم «١» ﵇ كان عدوا لموسى وهرون وداود وسليمان/، وأنه كان يحرم أكل اللحمان وذبح الحيوان، وكما يظن من لا يعلم ان هذه الطوائف من النصارى على دين المسيح وفي طاعته. وللبغضاء رحمك الله حال مبينة، وللمحبة آثار وأعلام. ألا ترى ان
_________________
(١) في الأصل بعد كلمة مريم لفظة كان، وهي زائدة.
[ ١ / ٢٤٩ ]
معاوية وآل ابي سفيان وآل مروان، لمّا ابغضوهم وعادوهم، ما ذكروهم في الإمامة ولا رجعوا اليهم في القضاء والفتوى، بل لعنوهم وحاربوهم وقتلوهم، ووصوا اولادهم بذلك، وكذا فعل بنو هاشم من ولد العباس وولد ابي طالب ببني امية.
فإن قالت الرافضة: إنما صنع ابو بكر وعمر هذا ببني هاشم حيلة وخديعة وليخرجوهم من الرئاسة، قيل لهم: من الحيلة والخديعة ان لا يدخلوهم في الشورى، ولا ينبهوا عليهم في الرئاسة ولا يستسقوا بهم، ولا يستشفعوا الى الله بجاههم ومكانهم، ولا يشهدوا لهم بالجنة، ولا يسيروا إليهم بالعلم والمعرفة؛ ألا ترى ان معاوية لما عاداهم ما جعلهم اهلا للخلافة، ولا ذكرهم للرئاسة، ولا استسقى بهم، ولا استفتاهم، ولا استقضاهم، ولا شهد لهم بالجنة، بل كانت سيرته فيهم ما قد علم الناس؛ ولا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى ان ما كان من مدح رسول الله ﷺ لأهله وأصحابه انما كان على طريق المداراة والخديعة، او ادعى ان ما كان من معاوية [مع] «١» آل بني هاشم إنما كان على طريق الرأفة والرحمة.
وبعد فما لأبي بكر وعمر على قولكم الى مداراة الناس وخديعتهم في بني هاشم، وعندكم ان الناس قد علموا ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا ونص عليه، وعرف الكافة انه الحجة على العالم. ثم ان ابا بكر دعاهم الى خلاف ذلك فأجابوه بأسرهم على/ قول بعضكم وهم الكاملية، وعلى قول الهشامية اجابوه إلا نفرا يسيرا كانوا مغلوبين. ودعاهم هو وعمر بعده وعثمان بعدهما الى تغيير القرآن والشريعة، من الطهارة، والأذان، والصلاة
_________________
(١) اضافة على الاصل يقتضيها السياق
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومواقيتها، والصيام ومواقيته، والمواريث، والمناكح، والطلاق، والعتاق، الى غير ذلك، فأجابوهم اليه.
وما سمع الناس بأعجب من امر هؤلاء القوم في دعواهم على ابي بكر وعمر، انهم إنما زكوا بني هاشم مثل العباس وعلي وغيرهما، وأدخلوهم في الشورى، وقدموهم في القضاء والفتوى والرئاسة، للنقص منهم، والحيلة عليهم؛ وهو كمن قال: ان ابا بكر وعمر وعثمان اخذوا الروم والعجم وملوك العرب بالدخول في دين النبي ﷺ، وإدخال اممهم في دينه، والشهادة برسالته، وإقامة شرائعه، وموالاة اوليائه، ومجاهدة اعدائه، انما فعلوا ذلك عداوة له صلى الله عليه، وللحيلة عليه، واخراجه من الرئاسة والنبوة، ولإماتة ذكره؛ وكل امرهم عجب وخروج عما يعقل ويفهم.
فإن قالوا: إنما أدخله عمر في الشورى وقال يصلح للخلافة والرئاسة ليمحو نصّ النبي عليه واستخلافه له، قلنا: فإن ذلك قد امحى على قولكم وأجابه الناس الى محوه وإزالته، فما حاجته الى ادخاله في الشورى لولا محبته له والتنبيه على فضله، ولو اراد ان يخرجه من الرئاسة لما أدخله في الشورى، ولا قال انه يصلح للخلافة والرئاسة؛ وانما الشورى وضعها عمر ليطلب الناس من يصلح في دين رسول الله ﷺ للقيام بأمر امته ﵇، وليرجعوا الى وصاياه وعهوده فيمن يصلح لذلك في دينه وشريعته؛ فلو كان هناك منصوص عليه، او من فيه أدنى اشارة، لما ادخله عمر في الشورى والرئاسة إن كان/ يريد ان يميت ذلك على ما يدعونه عليه، وهذا لا يظنه عاقل، وهو كمن قال انما استسقى بالعباس واستشفع الى الله به ليميت ذكره وليخرجه من الفضل والرئاسة ومن استخلاف النبي له ونصّه عليه، فان الراوندية
[ ١ / ٢٥١ ]
من شيعة بني العباس تدّعي ان النبي ﷺ نص على العباس واستخلفه وجعله وارث مقامه، وأن الخلافة تكون في ولده الى يوم القيامة، كما تدعي ذلك الرافضة في امير المؤمنين.
وبعد فإن كان الذي صنعه عمر في الشورى حيلة على امير المؤمنين ليخرجه من الرئاسة، فلم دخل هو وقبله، وصلى خلف صهيب، ورجع الى عبد الرحمن في الاختيار، فكيف شعرتم انتم بهذا وخفي عليه.
فإن قالوا: فعل هذا خوفا وتقية، فقد بينا ان سلطان هؤلاء الخلفاء الأربعة ما كان سلطانا يخافه محقّ ولو كان عبدا او ذميا، وكشفنا ذلك من غير وجه. واعلم ان الكلام اذا انتهى الى مثل هذا فليس إلا السكوت، فإن شرح المشروح والمجاذبة في امر المكشوف عناء وادخال له فيما يغمض ويخفى، فارجع رحمك الله الى ما كان من ابي بكر وعمر وقول بعضهم في بعض وصنع بعضهم ببعض، تجدهم أولياء واخوانا واصدقاء، وقد تقدم لك في صدر هذا الكتاب ان ابا بكر وعمر وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار كانوا احباب رسول الله ﷺ، وكان يحبهم ويودهم، ويوجب على الناس مجبتهم، ويفرض عليهم مودتهم، وكانوا يحبونه، وهو أحب اليهم من أبنائهم وأنفسهم، ويحبون من أحبّ، ويبغضون من ابغض، وإن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، فارجع اليه.