ان ابا بكر لما مرض مرض موته قال: يا ليتني يوم ظلة بني ساعدة قد كنت وليت عمر او ابا عبيدة، فكنت أكون وزيرا خيرا من ان اكون اميرا، وليتني حين بعثت خالدا الى الشام كنت بعثت عمر الى العراق فكنت
[ ١ / ٢٧٣ ]
قد بسطت يميني وشمالي. ثم عزم على استخلاف خليفة يكون بعده، وأخذ يشاور في ذلك؛ فقال لرهط من المسلمين: إن وليت عليكم رجلا منكم أترضون؟ فقال عليّ بن ابي طالب: لا إلا ان يكون عمر، فأمسك؛ ثم خلا بعبد الرحمن بن عوف وشاوره في عمر وأخذ رأيه فيه ثم قال له: اكتم يا ابا محمد ما كان بيننا الى ان اقوله لك، ثم شاور عثمان بن عفان، ثم شاور اسيد بن حضير في رهط من الأنصار في ذلك، فقال له اسيد: / ما اعلمه إلا الخيرة بعدك لولا ما فيه من شدة فقال له ابو بكر: يا ابا يحيى اني قد رمقته، فكنت اذا شددت في الشيء اراني فيه اللين، وإذا لنت في الشيء اراني فيه الشدة، ولو قد وليكم للان واشتد.
ثم اظهر ابو بكر الامر للناس وذكر لهم رأيه في عمر، فقال طلحة وغيره: ان عمر رجل مهيب، له هيبه وليس بخليفة، فكيف اذا صار خليفة؟ فاعدل بنا عنه الى رجل هو اخفض جناحا وألين جانبا فكان جواب ابي بكر ما قد تقدم؛ فكيف يظن عاقل تدبر الامور ان هناك رجلا قد اقامه رسول الله ﷺ وفرغ لهم منه، وكلهم ومعهم ذلك الرجل الذي يدّعي هؤلاء، يطلبون رجلا يصلح في دين رسول الله وعند رسول الله للقيام بأمر امته؟ وهل هذا إلا كقائل قال في جماعة كثيرة قيام في الشمس وهم يطلبون الشمس ويسألون عن الشمس، وتأمل الحال، وكيف ينطق كل واحد بما عنده وبما يراه، غير راهب ولا خائف من الأنصار ومن المهاجرين ومن ابي سفيان ومن بني هاشم ومن خالد بن سعيد لتعلم سلطان هؤلاء الخلفاء كيف كان.
فكان المسلمون يفرغون الى ابي بكر في كل صغير وكبير، فيقول لهم:
أتظنون انكم تجدون عندي ما كنتم تجدونه عند رسول الله ﷺ، لا تجدون
[ ١ / ٢٧٤ ]
ذلك، إن رسول الله ﷺ كان يأتيه الوحي، وإنما انا مثلكم، فان احسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني؛ ويسأل عن مسألة فيقول: اقول فيها برأي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، فيستحسن المسلمون هذا منه ويحمدونه عليه، ولا يقول قائل كيف يزيغ إمام المسلمين وكيف يخطىء، وعند الإمامية ان إمام المسلمين لا يخطىء ولا يزل.
وقد قال عمر ايضا مثل قول ابي بكر مرات كثيرة، وقال عثمان مثل ذلك.
وما بلي به علي/ وما قاله في هذا الباب فأكثر مما ابتلي به أبو بكر وعمر وعثمان، فإنه ابتلي من اهل زمانه ومن اصحابه طول خلافته بالإضلال والإكفار فما احتج هو لنفسه بالنص ولا بالعصمة، ولا احتج له من في زمانه ممن كان يخاصم عنه من ولده وأهل بيته وشيعته بشيء من ذلك، وكانوا وكان هو ايضا لا يأبون ان يجوز عليه ما يجوز على اهل الشووى وعلى الخلفاء قبله.
وكان ما يتدين به من الاختيار اكثر وأشهر مما كان من الخلفاء قبله، ولهذا قالت العلماء: إن العلم بأن رسول الله ما نص على علي ولا استخلفه اقوى من العلم بأنه ما نصّ على بلال، أو عمار، وأبي ذر، او ابن مسعود، فانه ﵁ قد بقي بعد الخلفاء خليفة وإماما معه مائة الف سيف تطيعه، وقد نازعه خلق كثير في الإمامة وناظروه، وادّعوا عليه الخطأ والضلال والإكفار، فما ادّعى النص ولا العصمة ولا احتج في مشافهة ولا مراسلة ولا مكاتبة بشيء من ذلك، بل كان يحتج بأن طاعتي وجبت لأنه بايعني الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي كما وجبت طاعتهم.
ومن نعمة الله على المسلمين ان بقاءه ﵁ بعد الخلفاء خليفة وإماما وسلطانا ومعه مائة الف سيف تطيعه، فما سار في تركات رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٧٥ ]
إلا سيرة ابي بكر وعمر وعثمان، ولا حبا السواد ومصر وفارس وأرمينية وأذربيجان وخراسان إلا ما حباه الخلفاء قبله، ولا قرأ إلا المصحف، ولا أقرأ اولاده والناس الا هذا المصحف، وملك الارض كان كله بيده إلا كرة فلسطين، وأقام التراويح بنفسه وأقامه عماله في ممالكه كلها، وكان يقيم إماما للنساء في التراويح، وأثنى على الخلفاء قبله بما يطول شرحه وقد ماتوا وبلوا، وهو يلعن معاوية ويبرأ منه وهو حي ومعه اكثر من مائة الف/ سيف، وكذا صنع بالخوارج. فهو لا يخاف الجبابرة الاحياء، وعند الإمامية انه قد خاف الموتى وهو سلطان عظيم الشأن، وقد بيّنا ان هؤلاء في حياتهم وسلطانهم ما كان يخافهم محق «١» .
فإن قيل: ومن سلم لكم انه كان يقيم التراويح، بل يقول انه قد نهاهم عنها، فقالوا: واعمراه، فلما قالوا ذلك، اقامها لهم.
قيل له: لا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى انه قد كان نهاهم عن هذا المصحف فقالوا وا محمداه، او قال: قد كان نهاهم عن هذه الصلاة وقال لهم:
لها باطن وهي شخص، ألا تسمعونه يقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا ينهى إلا الشخص كما يدعيه عليه الاسماعيلية فصاحوا وا محمداه، او كمن ادعى انه كان يعيد في آخر ذي الحجة ويقول: هذا اليوم الذي نص عليّ فيه رسول الله ﷺ واستخلفني كما يفعل الامامية ذلك في زماننا ببغداد، وانه كان يقيم المناحات بالشعر على فاطمة وابنها الحسن الذي زعم الامامية ان عمر قتله، كما يفعل الامامية ذلك ببغداد والكوفة. وبأي شيء يعلم العاقل
_________________
(١) في الاصل: يخاف، ولكن السياق يقتضي ما اثبتناه
[ ١ / ٢٧٦ ]
المتأمل ان العباس وولده وبنو هاشم كانوا يقيمون التراويح الا والعلم الذي يعلم به ان عليا كان يقيمها بنفسه وعامله قرظه بن كعب «١» بالكوفة وعامله بالبصرة وبمكة والمدينة وسائر بلدان الاسلام التي في ملكه وسلطانه اقوى واقهر.
ولو ادّعى مدّع ان ابن مسعود بالكوفة وابا عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام كانوا لا يرونها ولا يقيمونها، هل كانت الدلالة على بطلان دعواه الا ظاهرة، والدلالة على بطلان من ادّعى ذلك على امير المؤمنين اقوى واقهر. والعجب ان رؤساءهم والذين لقنوهم هذا/ المذهب قد قالوا: انه اقام التراويح.
وإذا قيل لهم: هبكم انكم ادعيتم انه كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان كان مغلوبا مقهورا، فما باله حين مات هؤلاء [و] «٢» صارت الخلافة اليه وصار السلطان بيده والفيء يجبى اليه فيعطيه من يرى وهو في العساكر والجيوش، لم يدّع «٣» النص وتعطيل التراويح ويظهر المصحف الذي تدعون ويسير في اموال رسول الله ﷺ ما تدعون ويظهر البراءة من ابي بكر وعمر وعثمان سيما وقد ماتوا، كما اظهرها في معاوية والخوارج وهم احياء وفي عساكر؟
قالوا: ما فعل ذلك ولا قدر عليه لأن جنده وأعوانه من المهاجرين والانصار والتابعين بعدهم كانوا اولياء ابي بكر وعمر، فلو اتهموه ببغضهم لقتلوه، فما زال مظهرا لنصرتهم وموالاتهم الى ان خرج من الدنيا.
قالوا: وكذا فعل الحسن والحسين ﵃ اجمعين.
_________________
(١) في الاصل: كعب بن قرظه، والصواب ما اثبتناه، وهو احد كبار مساعدي علي بن ابي طالب ﵁ وحضر معه صفين سنة ٣٧ هـ.
(٢) في الاصل: صارت
(٣) في الاصل: يدعي
[ ١ / ٢٧٧ ]
والآن يدعي هذا المدعي في هذا الزمان انه كان قد نهى عن التراويح، فلما صاحوا واعمراه خافهم فتقدم واقامها لهم، فما يجري كلامهم على تحصيل ولكن كما يسنح لهم.
ومما كان ينبغي ان يقدم قبل هذا، ما كان من عهد عمر حين جرحه فيروز النصرانيّ، فإنه ورد على عليّ والمهاجرين والانصار وجميع المسلمين من ذلك ما ذهلت له عقولهم أسفا عليه؛ فانه قد كان دوّخ ملوك الفرس والروم وأذلهم، وغلب على ممالكهم، وألجأهم الى الهرب، وبلغت خيوله افريقية وأوائل خراسان وأوائل الهند، فذلّ الشرك كله به، وغزا الاسلام بمكانه وسلطانه. فخاف المسلمون ان تكرّ ملوك الشرك عليهم بفقده، فاجتمعوا وانفردوا عنه/ مفكرين، وأملوا ان يبتدىء ويستخلف عليهم. فدخل عليه أهل الامصار فقالوا له: أوصنا يا امير المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فيه هدى الله نبيّكم وهداكم من بعده، وفيه نجاتكم، قالوا:
أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم، قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام، قالوا: اوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم، قالوا: اوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما رآه اصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر أحدا للخلافة دخلوا عليه، وابتدأ ابن عباس يسأله الاستخلاف؛ وافتتح الكلام، فقال:
قد توليتها حياتي واجتهدت لكم رأيي ونصحت لكم جهدي ومنعت نفسي وأهلي، وأرجو ان انجو منها كفافا لا عليّ ولا لي؛ فأثنوا، وابتدأ علي يبشره عن رسول الله ﷺ بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله ﷺ بمثل ما شهدت، وشيع غيرهما ذلك وسألوه الاستخلاف، فقال: ما أحب ان اتحملها حيا وميا، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك
[ ١ / ٢٧٨ ]
الاجر؛ انظر يا امير المؤمنين لأمة محمد ﷺ، فقال: دلوني على من أستخلف، فقال له المغيرة: انا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا امير المؤمنين، وما يمنعك من إخوانك، وأشار الى عليّ وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة، فقال عمر:
إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني أن رسول الله ما استخلف وأن ابا بكر استخلف- ثم قال:
هي في واحد من هؤلاء الستة الذين شهد لهم/ رسول الله بالجنة وقبض وهو عنهم راض: علي وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول الله ﷺ، والزبير حواريّ رسول الله ﷺ، وطلحة وقاية رسول الله. ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له. وقال لعلي: إن وليت هذا فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان مثل ذلك، وقال له:
لا تحمل بني ابي معيط على رقاب الناس، ثم اقبل على عمار ومقداد في ان يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري: إن الله لم يزل يعزّ هذا الاسلام بقومك فكن في خمسين منهم، فإذا متّ فليصلّ عليّ صهيب، وليصلّ بالناس الى ان يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء لئلا يستبدّ مستبد، وقال: لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم احدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدّوا في امركم، وجاهدوا عدوكم.
فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم، فكم في هذا من شاهد على بطلان دعاوي هؤلاء القوم، وما حاجة الصحابه ان يختار لهم عمر خليفة وقد فرغ لهم من ذلك رسول الله ﷺ وهو قائم العين نصب اعينهم. وأعجب من هذا قول عمر وهم يسمعون ان رسول الله ﷺ ما استخلف، وأعجب منه ان الذي يدّعون ان رسول الله استخلفه معهم في ان رسول الله ما استخلف،
[ ١ / ٢٧٩ ]
وأن الخلافة بالاختيار لا بالنص، وأنها في واحد منهم وفيهم الهاشمي والاموي والزهري والتيمي والاسديّ، ففيمن كانت منهم كان صوابا، لا ينكر ذلك احد من المسلمين. وأعجب من هذا قوله لعلي: ان ولوك فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، فكيف لم يقل له: ما أحتاج الى توليتهم لي؛ ولأنّي رسول الله واختارني وشهد بعصمتي، / وكيف تقول هذا لي؛ وكيف تقول إن رسول الله ﷺ ما استخلف؟