وهو قوله ﷿: «سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» «١» فكان ذلك كما أخبر، حتى تم أمر المسلمين وكانت العقبى لهم، وإن كان في خلال ذلك قد كانوا ينالون من المسلمين ويقتلون منهم إلا أن العقبى كانت لهم عليهم كما قد تبينت ولهذا قال ﷺ: «نصرت بالرعب» . وقد كان المسلمون يرون ذلك ويتحدث المشركون بما يجدونه منه وقالت بنت للحكم بن أبي العاص لجدها:
ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا ولا أعجز في أمر رسول الله ﷺ منكم يا بني أمية، فقال: لا تلومينا يا بنية لا أحدثك إلا ما رأيت بعينيّ هاتين. تواعدنا مع قريش لنأخذه، فلما دنونا اليه سمعنا صوتا خلفنا ظننا أنه ما بقي بتهامة/ جبل إلا تفتت، فغشي علينا وما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى فلما جاء نهضنا اليه، قال فرأيت الصفا والمروة قد التقى أحدهما بالآخر فحالا بيننا وبينه فو الله ما نفعنا ذلك حتى رزقنا الله الإسلام. «٢» .
_________________
(١) الأنفال ١٢
(٢) كان الحكم بن أبي العاص أحد نفر يؤذون رسول الله ﷺ وهم أبو لهب وعقبة ابن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي، والحكم، وكانوا جيران الرسول ولم يسلم منهم إلا الحكم. سيرة ابن هشام ١: ٤١٦
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ولقد قال لهم أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قالوا: نعم قال: فالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فقيل له ذات يوم: هو ذاك يصلي فانطلق اليه ليفعل به ما قال، فما رأيناه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، قالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: بيني وبينه حدق وهول وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
واجتمع مرة الملأ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: قد التبس علينا أمر محمد، فلو علمنا رجلا يعلم الشعر والسحر والكهانة بعثنا به اليه يكلمه ويأتينا ببيان أمره، فقال عتبه بن ربيعة: أنا أعرف الكهانة والشعر والسحر، وقد علمت منه علما فأنا آتيه فلا يخفى عليّ أمره، فأتاه فقال:
يا محمد، أأنت خير أم عبد الله، أأنت خير أم هاشم، أأنت خير أم عبد المطلب، فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا وتفعل وتفعل، إن كانت بك الرئاسة جعلناك رئيسا علينا حتى تموت، وإن كان بك الباه زوجناك عشرة نسوة تختارهن من قريش، وإن كان بك المال أعطيناك ما تستغني به وعقبك، والنبيّ ﷺ ساكت؛ فلما فرغ عتبة قال له رسول الله ﷺ: يا أبا الوليد قد قلت فاسمع: ثم قرأ ﷺ «حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» حتى بلغ إلى قوله: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ/ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» «١» فأمسك عتبة على فم رسول الله ﷺ وقال: أنشدك بالرحم لما كففت. ثم رجع اليهم فقالوا له: يا أبا الوليد رجعت بغير الوجه الذي ذهبت، فقال: يا قوم أمسكوا عن هذا الرجل فإن تم أمره فشرفه لكم، ومضى إلى منزله فقال أبو جهل: ما أرى عتبة إلا قد صبأ واتبع محمدا، انطلقوا بنا اليه. فأتوه، فقال أبو جهل: ما نراك إلا قد صبأت
_________________
(١) فصلت ١٣
[ ٢ / ٤٨٥ ]
واتبعت محمدا، فغضب وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ولكني أتيته، وقص عليهم ما قاله له، قال: فقرأ عليّ: بسم الله الرحمن الرحيم «حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» حتى بلغ «أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» فأمسكت على فيه وناشدته بالرحم وعلمت أن محمدا لا يكذب، وخفت أن يأتيكم:
العذاب.
وقال الزبير بن العوام وهو يذاكر الناس بحال رسول الله وحالهم بمكة قبل الهجرة: رأيت نفرا من المشركين حول الكعبة ورأسهم يومئذ أبو جهل، وأقبل رسول الله ﷺ وهم يتامرون بمناهضته، فقال لهم: قبحتم وقبح ما اجتمعتم له، قال: فخرسوا فما منهم إنسان يكلمه، ولقد رأيت أبا جهل وهو يعدو في إثر رسول الله ﷺ يعتذر اليه ويقول: يا محمد أمسك عنا ونمسك عنك، ورسول الله ﷺ يقول: لا أمسك عنك حتى تؤمن بالله أو أقتلك، فقال أبو جهل وأنت تقدر على قتلي، قال له رسول الله ﷺ: الله يقتلك ويقتل هؤلاء معك، فوّلى أبو جهل وأصحابه فما بقي من أولئك أحد إلا قتل. والصحابة يتذاكرون ذلك ويتعاودونه.
وقصة أخرى كانت لقريش مع رسول الله ﷺ بمكة، وقد قدم رجل من أراش بإبل له/ إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشيّ حتى وقف على نادي قريش، فقال: يا معشر قريش، إني غريب وابن سبيل، وقد غلبني أبو الحكم بن هشام على حقي، فرجل منكم يأخذ حقي منه؟ ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد. فقال أهل المجلس للأراشيّ «١»: ترى ذلك الرجل، يعنون رسول الله، إنه نديم أبي الحكم،
_________________
(١) أراشي نسبة الى قبيلة عربية
[ ٢ / ٤٨٦ ]
إذهب اليه فهو يأخذ لك حقك منه، يهزؤن به لما يعلمون من شدة عداوة أبي جهل لرسول الله ﷺ، والأراشي لا يعرفه. فأقبل الأراشيّ حتى وقف على رسول الله ﷺ، فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حقي قبله وأنا غريب وابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي حقي فأشاروا عليّ بك، فخذ لي منه بحقّي رحمك الله، فقام رسول الله ﷺ معه، فلما رآه أهل المجلس قد قام معه قالوا لرجل منهم: اتبعه وانظر ما يصنع.
فجاء رسول الله ﷺ إلى أبي جهل فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال محمد: اخرج إليّ، فخرج اليه وما معه روحه وقد امتقع لونه فقال له رسول الله ﷺ: اعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، فدخل فخرج اليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ فقال للأراشيّ: الحق بشأنك، فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال:
جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لي حقي، وجاء الرجل الذي بعثوه معه، قالوا له: ما الذي رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إن ضرب عليه بابه فخرج اليه وما معه روحه، فأعطاه حقه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: مالك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، وتحدثوا بأنهم هم أشاروا على الأراشيّ محمد هزآ/ بالأراشي لما سألهم وجيها عندك ونديما يأخذ له حقه، وما ظنوا أن رسول الله ﷺ يسأله ولا إن سأله في الأراشيّ إلا منعه وحرمه ونال منه ومن محمد، فقال لهم أبو جهل: ويحكم والله إن هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعبا وخرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني.
ومرة أخرى اجتمع الملأ من قريش في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى بالهتهم كلها لو قد رأينا محمد لقد قمنا اليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى
[ ٢ / ٤٨٧ ]
نقتله، فأقبلت بنته فاطمة ﵍ تبكي حتى دخلت عليه فقالت: يا أبت إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك ولو رأوك لقد قاموا اليك فقتلوك فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك فقال:
يا بنية أدني وضوآ، فتوضأ ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم على صدورهم فلم يرفعوا اليه بصرا ولم يقم اليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم وأخذ قبضة من تراب ثم قال: شاهت الوجوه ثم حصبهم بها فما أصاب رجل منهم من ذلك الحصباء إلا قتل كافرا.
ومرة أخرى كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويده في يد عثمان بن عفان، وفي الحجر عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل، وأمية فمر بهم رسول الله بين أبي بكر وعثمان، فلما حاذاهم أسمعوه ما يكره، وأدخل أصابعه في أصابع عثمان وطافوا جميعا فلما حاذاهم أيضا قال أبو جهل: والله ما نصالحك ما بلّ بحر صوفة، أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. ثم مضى عنهم/ وصنعوا به في الشوط الثاني كذلك، حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه، وقام أبو جهل يريد أن يأخذ مجمع ثوبه، فدفع عثمان في صدره فوقع لقفاه، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول الله ﷺ عقبة بن أبي معيط، فأفرجوا عن رسول الله ﷺ، فقال لهم ﷺ:
أما والله ليحلّنّ بكم عقابه عاجلا، فما منهم رجل إلا رعب وأخذه إفكك، ثم قال لهم وهم في تلك الحال من الرعب:
بئس القوم أنتم لنبيّكم، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أبي بكر وعثمان فقال: «أبشرا فإن الله مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيّه، إن هؤلاء الذين
[ ٢ / ٤٨٨ ]
ترون يجري الله ذبحهم بأيديكم عاجلا، فقال عثمان وهو يذاكر الصحابة بهذه القصة: فو الله لأجرى الله ذبحهم على أيدينا يوم بدر.
وقال بعض العرب: وقد كان مع عدو رسول الله ﷺ في وقعة حنين: إن محمدا لما أخذ كفا من الأرض ورمانا به وقال شاهت الوجوه، وجدنا في قلوبنا الرعب.
ولسنا نقول: إن الله كان يمنع منه ﷺ في كل وقت ويرعب عدوه منه في جميع الحالات، بل قد ضربوه وسحبوه وخنقوه ووضعوا التراب على رأسه والسّلا والفرث وأخافوه، ولكن بيّنا أن الرعب قد وقع كما قال الله وقامت به الحجة وانتقضت به العادة، فليس يقدح في ذلك أن لا يكون في كل وقت، كما أن العادة انتقضت بقتال الملائكة يوم بدر، فليس يقدح في ذلك ألا يكونوا قاتلوا يوم أحد.