وهو قوله: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» «١» . وكانت قريش والعرب قد تفرغوا لمكارهه وتركوا كل شغل، وأفردوا كل قوم بضرب من مكروهه كما كانت تفعل اليهود ذلك به، فكانت خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء والمنع في المواسم والمحافل من أن يستمع منه أو يصغى إلى القول منه، وهم «٢»: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، والعاص بن وائل السهميّ، والأسود بن المطلب الأسدىّ، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والحارث بن الطلاطلة «٣»، فبلغوا منه في الاذلال، فشكاهم إلى الله ﷿ فأرسل إليه جبريل ﵇ فقال له:
إن الله تعالى قد أمرني بطاعتك فمر فيهم بما أحببت، فاستند إلى الكعبة، فمرّ به الوليد، فأومى إلى أخمص رجله، وكان قد مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له، فوطىء على فصل منها، وكان من ذلك مريضا ثم اندمل، فانتقض به عند ذلك ومات.
ثم مر به الأسود بن المطلب/ وبيد النبيّ ﵇ ورقة خضراء،
_________________
(١) الحجر ٩٤
(٢) كتب في الهامش: خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء برسول الله ﷺ ومنع الناس من استماعهم منه ﵇.
(٣) الطلاطلة: الداهية، وهو اسم أمه.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
فرمى بها في وجهه وقال: اللهم أعم بصره، وأثكله ولده، فعمي بصره وقتل بنوه: زمعة، وعقيل، والحرث بن زمعة. ومر به العاص بن وائل، فأومى إلى رجله، فركب حمارا يريد الطائف فطرحه الحمار فدخلت في رجله شوكة فمات.
ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأومى إلى بطنه فأكل سمكا مملوحا ونام، فلما كان جوف الليل عطش، فقام إلى قربة فيها ماء، فوضع فاه على فيها فشرب، فما روى حتى انشق بطنه ومات. وقد علمنا أن كان هناك من كان يستهزىء به، وأن قوله ﷿: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» «١» قد كفيهم، وقد قرأ ذلك عليهم، فعلمنا أن كان هناك مستهزئين وقد كفيهم.