قوله ﷿ (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) «٢» فذكرهم بعصمة الله له منعة لهم من قتله مع وحدته وكثرة أعدائه وحرصهم على قتله واستئصاله وإطفاء نوره، فصرفهم الله عن ذلك، وقد راموه غير مرة وحرضوا عليه.
فانظر إلى هذا الادلال وإلى هذه الثقة بمنع الله منه، فإن هذا قول يغيظ ويغضب ويحرضهم على مكروهه ويبعثهم على قتله ويزيدهم حرصا على استئصاله، وهذا من الآيات العظام، وهو أعظم من صرف الله كيد فرعون عن موسى، فإن بني «٣» اسرائيل بمصر وهم ستمائة ألف على دين موسى
_________________
(١) الحجر ٩٥
(٢) هود ٥٥
(٣) في الأصل: بنو
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وتصويبه سوى المشايخ والنساء والأطفال وإن كانوا مغلوبين بسلطان فرعون.
وطول مقام موسى مع فرعون بعد ادعاء النبوة سنة واحدة، ومحمد ﷺ أقام بمكة خمسة عشرة سنة، وجاءهم وحيدا منفردا بدينه، خالف الأمم كلها من أهل زمانه، ولم يعتصم. بمخلوق، ولا صوّب أحدا من الأمم ولا من الملوك الجبابرة.
فإن قيل: أو ليس كان عمه أبو طالب يمنع منه، قيل: ليس في هذا قدح فيما ذكرنا، لأنه ما قال أن/ أحدا لا يدفع عني ولا يسوؤه ما نزل بي، وإنما قال في حال وحدته، لا أقتل ولا تقتلونني مع كيدكم لي، وإن ربي أخبرني بذلك، وهو قال لي: «وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ» «١» وهو قال لي: قل لهم: «فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ» وهو قال لي: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» فلو منع نصفهم من قتله لما قدح ذلك في خبره، ودفع أبي طالب عنه يؤكد أمر حجته، فإنه قد كان على غير دينه، وكان على دين أعدائه، ومع هذا كان يدفع عنه ويقول لقريش: هو الأمين الكريم الوفيّ الذي عرفتموه، وتشفع إليهم في الكف عنه، وقد كانوا مع هذا يضربونه حتى يغمى عليه، ويسحبونه، فيقول لبناته وهنّ يبكين: إن أباكنّ لا يقتل بل يؤذى، ويقول هذا للناس كلهم ويناله عمه أبو لهب والنضر بن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من قريش، مع حرص أبي طالب في الدفع عنه، فيقول ﷺ:
لا تنالون مني أكثر من هذا، والعقبى تكون لي، ولن أقتل ولا أموت حتى أظهر. فيزدادون غيظا عليه، ويجددون عزمهم على قتله، ويقول أبو جهل لبني مخزوم: لأقتلنّ محمدا، فإن شئتم حينئذ فأسلموني إلى بني عبد مناف وإن
_________________
(١) الاسراء ٦٠
[ ٢ / ٣٤٦ ]
شئتم فدعوا. فقالوا نحن لا نسلمك لشيء أبدا. فأرصد لرسول الله ﷺ إلى أن وجده ساجدا، فأخذ صخرة ومشى إليه، فلما دنا ليرضح رأسه بالصخرة التزقت الصخرة بكفه وولى هاربا، فأنزل الله فيه: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى- حتى قال: - فَلْيَدْعُ نادِيَهُ» «١» لأنه معروف العداوة سيد مطاع.
فانظر كيف يقول له: «فليدع ناديه سندع الزبانية»، وقد أرصدوا له للقتل مرات لا يحصيها إلا الله، وكان أشد ما عليهم إذا قرأ القرآن وفيه عيبهم وعيب آلهتهم، مثل قوله في سورة ص، وياسين، والفرقان، وما أشبه ذلك، / فإنهم كانوا يثورون له ويفورون من أجله، وكان ذلك شديدا على رسول الله ﷺ لوحدته وضعفه، ولما يعرف من بأسهم وغلظ أكبادهم حتى يقول الله: «وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا، وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا» «٢» . وإنما قال:
«جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا» «٣» لما كان يصيبهم من الغضب والغيظ عند تلاوته القرآن، فأضاف ذلك إلى نفسه لهذا المعنى، لا أنه جعل على قلوبهم أكنة ولا في آذانهم وقرا، وهذا كقول رسول الله ﷺ: (شيبتني هود واخواتها) «٤»، لما كان يلحقه عند الفكر فيما يتلوه منها من خشية الله وخوف نقماته، لا أن هود وأخواتها كانت تفعل فيه الشيب. ومثله قوله ﵇:
(حبّك للشيء يعمي ويصم) «٥» لا أن الحبّ يفعل العمى والصمم، ولكنه
_________________
(١) العلق ٩
(٢) الإسراء ٤٥
(٣) الأنعام ٢٥
(٤) فيض القدير ٤: ١٦٩
(٥) فيض القدير ٤: ٣٧٢
[ ٢ / ٣٤٧ ]
اذا أحبّ الشيء ذهب مكبّا على وجهه فلم يتثبت، فتبصر عينيه ولا يصغي فيسمع قول من ينصح له، وقد قال الله ﷿ «فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا»»
، والنذير لا يفعل فيهم النفور، ولكنهم لما نفروا عند إنذاره نسب نفورهم إليه، وهذا من الاستعارة الحسنة، وهو معروف في اللغة.
فسلامته ﷺ منهم وهذه حالهم وحاله كمن قال: الدلالة على صدقي أني أخوض هذه النار العظيمة وألبث فيها وأخرج منها سليما، فهذه كانت حال رسول الله ﷺ مع هذه الأمم، فإنه أقام بعد ادعاء النبوة بمكة خمسة عشرة سنة بين هذه الشدائد المتوالية والأهوال المتصلة، وهو يخرج إلى المواسم، ويقوم في المحافل، ويبرز إلى القبائل، ويعرض نفسه، ويذكر ما يدعو إليه، وهو وحده ومعه أبو بكر الصديق أو أبو بكر وعليّ/ بن أبي طالب.
وقريش ترصده وتتبعه برجالها ودهاتها في التنفير عنه والصد عنه، فأين كان أبو طالب، وكم يكون أبو طالب مع هذه القبائل والعشائر وهم يتوعدونه وهو لا يلين ولا يفتر.
ولقد كان عمه أبو طالب يعزله فيما أتاه من مخالفة دين آبائه ويسأله أن يكف عنهم وأن يلين لهم، ويضرع له ويطاوله ويدبره في كل جهة، ويخوفه بأسهم «٢» وسطوتهم وأنه لا يأمن قبلهم، فلا يلين، ويقول يا عم:
ما كان لي أن أراهن في أمر الله، حتى يبكي ﷺ من طول معاتبة عمّه له ويقول: ما كنت لأفعل. فإذا قال له إني أخاف عليك منهم، إني غير آمن عليك مكر قريش وإن دافعت عنك، فيقول ﷺ: إن ربي قد ضمن لي
_________________
(١) فاطر ٤٢
(٢) في الأصل: بأسه، ولعل الصحيح ما أثبتناه
[ ٢ / ٣٤٨ ]
صرفهم عني، فيقول أبو طالب: يا ابن أخي، ما اطوع ربك لك، فيقول:
له: وأنت يا عم لو أطعته أطاعك.
وقد مات أبو طالب، وأقام ﷺ بعده وهو على شدته عليهم، وأشد بكثير مما كان عليه في حياة أبي طالب، وغيظهم أشد. فإن القرآن كان يتوالى نزوله بما يكرهون، فيجيب من يجيب منهم رسول الله ﷺ، فيتضاعف غيظهم، ويتجدد عزمهم على قتله واستئصاله، فيجدّون ويشمرّون ويسعون ويرهجون فلا يغني عنهم كيدهم شيئا، «وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» «١» .
ولقد كانوا يمكرون به المكر العظيم، كما قال الله تعالى: «وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ» «٢» وما كان ليقول هذا عنهم والعدو والوليّ يسمعه إلا وهو كما حكاه عنهم.
وفي هذا المعنى يقول ﷿: «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ» «٣» أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة ولن يفي له بما يدعي محمد عليه، فليجتهد جهده، وليستفرغ وسعه في استئصال محمد وإطفاء نوره وطلب كذب يكون/ منه، ثم لينظر هل يجد ما يشفي غيظه، فإنه لا يجد ذلك، بل يجد ما يضاعف غيظه، وهذا أيضا من تلك الأبواب التي تبعث على قتله وتذكر باستئصاله.
وكم كان يلقي من يجيب رسول الله من الذل والضرب والهوان والتجويع
_________________
(١) فاطر ١٠
(٢) ابراهيم ٤٦
(٣) الحج ١٥
[ ٢ / ٣٤٩ ]
والتعطيش والجفاء والسبّ وأصناف المكاره التي يطول شرحها، وهي مذكورة في مواضعها، معروفة لا يشك أهل العلم فيها. حتى يكون مثل عثمان بن عفان مع كثرة ثروته وصلته لأرحامه وشرف رهطه وحلمه وأناته لا يمكنه المقام بمكة، ففر إلى أرض الحبشة ومعه رقية بنت رسول الله ﷺ. وكذلك جعفر بن أبي طالب وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين. وفر الزبير مع شرفه وشجاعته، ومن شئت من الوجوه والأشراف فما أمكنهم المقام وهذه حالهم، فكيف بالموالي والفقراء وقريش تطلبهم، وتعبر البحار في طلبهم، ويكون لهم مع النجاشي ما هو معروف.
ومن هاجر إلى المدينة اتبعوه، فإن وجدوه في الطريق ردوه قهرا، وإن وجدوه في المدينة خدعوه وسألوه زيارة أهله وعطفوه على أبويه ورغبوه في صلة رحمة وأمنوه على نفسه ودينه ما أقام معهم، فكم ممن أجابهم واغتر بهم لما ردوه صفدوه بالحديد وعذبوه، ومن أحسّ منهم بولده قد أسلم قيّده، كما فعل سهيل بن عمرو بابنه أبي جندل بعد الهجرة، وكما صنع أبو أميمه سعيد بن العاص بابنه خالد بن سعد، فإن أبا بكر الصديق لقيه وعرفه حسن الاسلام، فأجابه، فعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه جماعة فأخبروه أنهم لا يجدونه، فقال: الطائف، فجاؤوا الطائف فلم يجدوه، فأخبروه أنه يكون بأعلى مكة في شعب أبي ذر قائما يصلي، فأتوا به إلى أبيه، فأنّبه وبكّته وضربه بمقرعة/ في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال له: اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم، وزعمه أن للناس بعد موتهم دارا يدخلوتها فيخالدون فيها، فما أعجب هذا. وأخواته وأهله يشهدون، بل هم ردوه إلى أبيه، فقال خالد قد اتبعته وصدق والله محمد. وحاجّه ابنه، فغضب أبو أحيحه ونال من ابنه وشتمه، وقال: اذهب
[ ٢ / ٣٥٠ ]
يا لكع حيث شئت، والله لأمنعنك القوت، قال: إن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت. فخرج خالد، فلقيه أبو سفيان صخر بن حرب فقال: قد فعلتها يا خالد، ما شكرت أباك، ولقد هدمت شرفك الذي ينالك، فقال خالد: بل عمرت ذلك الشرف، قال أنت غلام حدث، لو بسط عليك العذاب لأقصرت،
وصار خالد إلى رسول الله ﷺ، فكان يلزمه، وجعل من لقيه من فوقه يؤنبونه، ويستقصرون فعل أبيه وتركه له، وأنه قد كان ينبغي له أن يبسط عليه المكروه ويواليه عليه. فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا أحيحة، ما أدري أضعفت أم ضجّعت الرأي أو أدركتك المأقة «١»، قال: وما ذاك، قال: تركت ابنك يتبع محمدا أو أنت سيد قريش وكبيرها والمطاع فيها، فيتجرأ علينا شبابنا ويقولون: هذا ولد أبي أحيحه قد أسلم ولم يصنع به شيئا، فقال لا ما ضعفت، إني لأقوى قريش نفسا وأكثرها عددا ومالا. وأما قولك: ضجعّت الرأي، فما الرأي عندك في أمره، قال حبسه والتضييق، فقال: والله ضربته حتى كسرت العصا على رأسه، وحرمته القوت، فهذا أشد الأمور عليه، فلم أره حفل بواحدة منها. وأما قولك: المأقه، لقد غاظني أمر محمد أنه أوسطنا نسبا، وأنه نشأ فينا/ كأحسن ما نشأ به أحد من الشباب من حسن الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق، فجاء بدين محدث، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وأذهب بهاءنا واجترأ علينا. وأخرى إن صدقني ظني- وهو صادق- أنه خارج إلى قوم يقوي بهم ثم يدخل بهم عليكم. قال أبو جهل: لا تقل هذا، فما الفرج لنا إلا في اخراجه وتحويله عن ديارنا، فإنه إن خرج عادت إلفتنا، وعدنا لديننا
_________________
(١) جاء في اللسان: ضجع في أمره واضجع وأضجع: وهن، والضجوع: الضعيف الرأي والمأقة: الأنفة وشدة الغضب والحمية، ونكث العهد من الأنفة.
[ ٢ / ٣٥١ ]
القديم الذي كان عليه آباؤنا. فخرج من عنده وهو يقول: تغيّر أبو أحيحة، ما هو إلا الكبر، ما اجترىء عليه بهذا حتى أنسوا ضعفا. ففر خالد إلى أرض الحبشة.
وإنما ذكرت لك طرفا يسيرا من صنيعهم بفتيانهم وأولادهم ومهجهم إذا اسلموا، وشدة الرؤوساء منهم على من لم يبالغ في ذلك، فأمّا ما صنعوا بأبي بكر مع حلمه ونبله وسعة جاهه وكثرة خلّانه من ساداتهم، ثم بمن يليه طبقة طبقة، فأعظم من كل عظيم.