من آياته، لما أنزلت: «وأنذر عشيرتك الأقربين»، فجمعهم وقام فيهم وخطبهم ودعاهم إلى مفارقة دين آبائهم، وذكر لهم مالهم في ذلك من نعيم الجنة إن أجابوا، وما عليهم من عاجل العقاب إن أبوا، وأن الله يبعث عليهم جندا من جنوده يجاهدونهم مع رسوله ونصرة لدينه مع ما عليهم من عاجل «١» العقاب، فغضبوا ونفروا ومشوا إلى أبي طالب يشكون ويتوعدون، وأنهم أكثر جندا. وقد ذكر الله ذلك في قوله حاكيا عنهم:
«أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا» «٢» إلى قوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ»، وهذا نزل بمكة قبل الحرب فكان كما قال، فانظر في أي حال توعدهم بهزيمتهم، وعلى أيّ وجه أورده على قلوبهم وأثارهم وغاظهم وأوجعهم، فإنها حال كان فيها في قبضتهم وأسيرا في أيديهم، وهم القوم الذين لا صبر لهم على ضيم، ولا ينامون على وتر، ولا يقيمون على مكابرة الغيظ، كيف يقصر الله أيديهم عنه، ويقيه كيدهم وشرهم، وتلك حالهم، فاحفظ هذا وأمثاله.
واعلم أن أعداء رسول الله ﷺ اجتمعوا وجمعوا كيدهم وقرؤوا كتابه، فزعموا أنه ﷺ في ابتداء أمره وهو مقيم بمكة ما خالف قومه
_________________
(١) في الأصل: من أجل، ولعل الصواب ما أثبتناه
(٢) سورة ص ٥
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ولا أغضبهم ولا أغاظهم، بل كان مصوّبا ومقاربا لهم، ألا ترون أنه قال لهم: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» «١» وأنه قال لهم: (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) «٢» . قالوا: وإنما توعد بالحرب وزال عن هذا حين صار بالمدينة وفي جماعة. وهذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع لاوى اليهودي، وساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا ودبّروا وكادوا المسلمين، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات وسمّوا الكتاب الذي ضمنوه هذا وأمثاله كتاب الدامغ «٣» .
وكل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به، أنه ﷺ حين ادّعى النبوة وساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص، وأكفر كلّ من خالفه، وادّعى أنه يظهر ويغلب، وأنه يصير في جماعات وعساكر، وأنه يقتل أعداءه ومخالفيه ويذلهم، وأن العقبى تكون له. ثم أكّد ذلك بأن جعله قرآنا يتلى.
فمما نزل بمكة من ذلك، قوله: «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» «٤»، وقوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» «٥»، وقوله: «وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا» «٦»،
_________________
(١) سبأ ٢٤
(٢) القصص ٥٥
(٣) كتب في هامش الأصل: كتاب الراوندي، وقد سبق أن عرفنا به. انظر ١: ٥١ من الكتاب.
(٤) القمر ٤٤
(٥) ص ١١
(٦) يونس ٦٥
[ ٢ / ٣٥٧ ]
أي تغلب ولا/ تغلب، وقوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» «١» إلى قوله: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ»، فإنهم قد كانوا بمكة يقاتلون أشد القتال، وكانت محنة المسلمين فيها أغلظ، فإنهم كانوا يضربون ويداسون ويحبسون ويجتمع النفر بعد النفر منهم فيدفعون عن أنفسهم، سيّما حين أسلم عمر، فإنهم عزوا به ونهنه عنهم قليلا، ثم ما أطاقوا المقام. وأمثال هذه من الآيات مما نزل بمكة كثير.
ثم في قوله: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» إكذاب لهم وتضليل لهم، وهو كقول الرجل لخصمه إذا أراد الرفق به لينقاد له ولينظر فيما معه إذا كان مدلا بحجته: أحدنا مبطل وأحدنا ضال هالك، لا يشك عاقل أن هذا تعريض بخصمه.
وكذا قوله: «لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ» هو في هذا القول أشد ما كان في في إقامة الحجة عليهم، فتأمل قوله ﷿: «فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» «٢» إلى قوله: «وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» إلى ما بعد ذلك، وإنما هو كقول الرجل لخصمه إذا ظهرت حجته واتضح قوله وبان بطلان ما أتى به خصمه: ما بعد هذا كلام، وما بعد هذا مقال، وما بيننا حجة. وما يحتاج إلى شاهد ولا دليل.
فمن أبين فضيحة ممن طعن على رسول الله ﷺ بمثل هذا بعد أن جمعوا كيدهم واستفرغوا وسعهم، ولكنهم لشدة إفلاسهم وقلة حيلتهم وخيبة
_________________
(١) الحج ٣٩
(٢) الشورى ١٥
[ ٢ / ٣٥٨ ]
سعيهم لم يجدوا في الطعن عليه إلا التكذّب عليه والبهت له.
وهم الذين قالوا في قوله: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «١»، قالوا: قد أظهر الشك في أمره ورجع عن قوله، وكل عاقل سمع أخباره يعلم باضطرار من قوله وقصده أن لا حقّ إلا ما كان معه/ ومنه ومن عنده ومع أتباعه إلى يوم القيامة، يعلم هذا من قصده قبل العلم بنبوته، ولهذا نظائر مما يذكرونه، وإنما ذكرت هذا لك لتعرف مقدار كيد الخصوم وظهور فضيحتهم، وهؤلاء هم الغايات في التجريد في طلب معايبه والتفرغ لذلك، يمدّ بعضهم بعضا ويعين بعضهم بعضا، ولهم من يزيح عللهم بالأموال من من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء رسول الله ﷺ وممن يتستر بالتشيع، فقد كانوا يأخذون ابن الراوندي وأمثالهم، فيزيحون عللهم، ويجمعون الكتب لهم، ويأتونهم بمن يعينهم ويكتب عنهم ولهم.