مما جاء من آياته، وما أخبر به عن سلامته وقيام حجته وظهور أمره ودينه على الدين كله، قوله في سورة بني إسرائيل وهي مكية: «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا، وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا»، «٢» فتأمل ما في هذا القول من امتهان الخصم وإذلاله وتهيجه وإغضابه وإثارته والعلو عليه، وأنه مفتضح لا حجة معه ولا حراك به، وهم أشد الناس حرصا على
_________________
(١) الاحقاف ٩
(٢) الإسراء ٨١
[ ٢ / ٣٥٩ ]
تكذيبه وفضيحته واستئصاله وإطفاء نوره.
ومثله قوله: «قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ» «١» أي: قد أخرسهم حقك وأسكتهم وأماتهم فما يجدون سبيلا إلى تكذيبك، وهذا أشد على قريش والعرب من ضرب السيوف ووقع السهام، وهم المعروفون بغلظ الأكباد والفرار من العار.
ومثله قوله: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» «٢» وقوله: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» «٣»، فتأمل في هذا فإنه قول مختصر وفيه معان عظيمة، ولقد قال/ ﷺ: (أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا) .
ولو بلغهم دون هذا عن ملك الصين أو الروم لما صبروا حتى يذبّوا عن مجدهم وينضحوا عن أنفسهم، فكيف عمّن هو معهم وفي قبضتهم ومنهم، وقد ادّعى ما فيه كل الرئاسة والسؤدد، وما ترك شيئا يغيظهم ويغضبهم ويسقط من أقدارهم وأقدار آبائهم إلا وقد أتى به وارتكبه، وألجأهم إلى تكذيبه وإقامة حجة عليه، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ولقد كان يبلغهم أن كسرى ملك فارس يسفه أحلام العرب ويستخف عقولهم، فيقلقهم ذاك ويحزنهم، ويرسلون إليه من يستأذنه في النطق بين يديه فيما بلغهم عنه، ولا يصبرون وإن كانوا مقهورين مغلوبين والملوك تتحيّفهم وتستركهم «٤»، وليس أحد يبكي من الهجاء ويحزن من الضيم
_________________
(١) سبأ ٤٩
(٢) النمل ٨٠
(٣) فاطر ٢٢
(٤) هكذا في الأصل ولعلها تسترقهم
[ ٢ / ٣٦٠ ]
غير العرب وسيما قريش، فكيف بهم مع رجل يقيم على هجومهم خمسا وعشرين سنة بكتاب يتلو فيه ليلا ونهارا مثل قوله: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ»،»
وقوله: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» «٢» ومثل قوله: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» «٣»، ومثل قوله: و«لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» «٤»، ومثل هذا كثير، فتأمل تجده، وتأمل ما في هذا من الادلال بالحق والدعاء إلى البحث والنظر، وعرض ما معه على عقول العقلاء لينظروا/ فيما أتاهم به، والمبطل لا يفعل هذا.
فتأمل مذاهب النصارى والمجوس فإنهم يمتنعون عن البحث والنظر والتفتيش والقياس، وكذا يصنع الفلاسفة، فإنهم ينهون أصحابهم عن المتكلمين ويقولون: هؤلاء سوفسطائية، ويقتصرون على الرضا عن أنفسهم والعجب بما معهم.
وانظر إلى هذه الطائفة: القرامطة التي قد طبقت الأرض، وفيها الملك، واستهوت الأمم، كيف يحلفون من يجيبهم على كتمان ما يلقونه إليه، وأن لا يخرج به إلى أحد، ولا يشكو ما به إلى أحد، ولا يعرض ما معه على أحد لينظر
_________________
(١) الجاثية ٤٣
(٢) الفرقان ٤٣
(٣) البقرة ١٧١
(٤) الأعراف ١٧٩
[ ٢ / ٣٦١ ]
ما عنده، هذا مع الملك القاهر والتستر بالاسلام، فتأمل ما في هذا.
ولقد ضاقت قريش ذرعا بما يسمعونه منه ﷺ ليلا ونهارا، ويتربصون به الموت فلا يموت، ويرومون قتله مع وحدته فلا يتم. فأجمع رأيهم على هجرته وهجرة الأدنين من بني هاشم، مؤمنهم وكافرهم، إلا من جرّد في قصده مثل تجريدهم، وترك مبايعتهم ومناكحتهم، ومنعهم من ابتياع ما يؤكل ويشرب، والتضييق عليهم والإساءة إليهم، وحصرهم في شعب من شعاب مكة، حتى يقتلوا محمدا أو يسلموه اليهم حتى يقتلوه أو يمثلوا به. وتحالفوا على ذلك، وكتبوه في صحيفة علقت في بيت الله الحرام بمكة. فمكث ﷺ ومن معه من أهله في ذلك الشعب أربع سنين متواليات في الحصار الشديد، لا يدخل إليهم ما يتقوتونه إلا بالحيلة والمسارقة، ولا يقدر أن يخرج منهم إنسان في حاجة إلا عن غفلة من المشركين أو ليلا.
وقد شملهم الخوف فلا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، وأهله/ يتضرعون إليه بأن يلين لقومه من قريش و، يمسك عن عيب آلهتهم، أو يرجع عن تضليل آبائهم، ويخوفونه فلا يلين، ولا يزداد إلا شدة وصرامة. ثم أخبرهم بعد أربع سنين: أن ربي أوحى إليّ أني قد سلطت الأرضة على الصحيفة التي كتبها المشركون فأكلت كل موضع منها فيه ذكر عقوق أو قطيعة وتركت ما سوى ذلك، فقال له عمه أبو طالب وكان كافرا مقيما على دين قريش: يا ابن أخي، انظر ما تقول، فإني لست آمن إن لم يكن الأمر حقا أن يشتد علينا قومنا ويزيد أذاهم لنا، فقال له رسول الله ﷺ: ما قلت لك إلا حقا، فامض لشأنك.
فنزل أبو طالب وقريش في أنديتها، فلما رأوه قالوا له: نرجو أن تكون يا أبا طالب جئت لصلاح وخير، وأن يكون ابن أخيك قد أقصر عن شأنه وما نكره من أمره، قال أبو طالب: للخير والصلاح جئت. فلما استقر به مجلسه
[ ٢ / ٣٦٢ ]
قال: إن محمدا أخبرني، وو الله ما كذب قط قبل أن يقول إن ربه أرسله فكيف الآن، إن ربه أوحى اليه في هذه الليلة أنه سلط الأرضة على الصحيفة التي تمالأتم على كتبها علينا فأكلت منها كل موضع فيه ذكر عقوق وقطيعة ومأثم، فانظروا فيما ذكر، فإن كان الأمر على ما قال فعلام تستجيزون ما أنتم عليه.
فأحضرت الصحيفة وفتحت، فوجد الأمر على ما أخبر به النبي ﷺ عن ربه، فخزي المشركون، وفرح المسلمون، وفرّج الله عن بني هاشم، فخرجوا من الحصار الذي كانوا فيه، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وكان هذا من الفتوح العظيمة.
والأمر في شأن هذه الصحيفة معروف، يعرفه أهل العلم كمعرفتهم بما كتبه النضر بن الحارث بن كلدة من أخبار رستم واسفنديار «١»، حين دخل/ إلى الفرس يشكو إليهم رسول الله ﷺ، ويأتي بما يعارض به القرآن. وكالعلم بما كتبه رسول الله ﷺ إلى كسرى ملك فارس مع عبد الله بن حذافة السهمي «٢»، وبما كتبه إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي «٣» وبما كتبه إلى المقوقس ملك مصر مع حاطب بن أبي بلتعة «٤»، وبما كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة. فأهل العلم لا يرتابون بشيء من أمر هذه الصحيفة، كما لا يرتابون بما قدمنا ذكره. فاعرف
_________________
(١) النضر بن الحارث هو ابن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، كان إذا جلس النبي ﷺ مجلسا جلس النضر بعده فحدث بأخبار ملوك فارس ورستم واسفنديار. مات على الشرك سنة ٢ هـ.
(٢) هو عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، صحابي أسلم قديما وبعثه النبي إلى كسرى، هاجر إلى الحبشة وحضر فتح مصر وتوفى بها أيام عثمان سنة ٢٣ هـ. الاعلام ٤: ٢٠٦.
(٣) هو دحية بن خليفة الكلبي، صحابي بعثه الرسول إلى قيصر يدعوه للاسلام، حضر كثيرا من الوقائع، نزل دمشق وسكن المزة وتوفي سنة ٤٥ هـ. الاصابة ١: ٤٧٢.
(٤) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله ﷺ بعثه الرسول إلى المقوقس صاحب الاسكندرية، توفى سنة ٣٠ هـ. الاصابة ١: ٣٠٠.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
هذا فإنه باب من أعلامه، ولا تظنه من أخبار الآحاد والنفر، وإنه جاء مجيء ما قدمنا ذكره من تلك الأمور التي جاءت مجيء القرآن، ولها نظائر.
وإنما أردنا ذكر شدة قريش على رسول الله ﷺ والمسلمين تلك السنين، فقد كانوا منهم في مثل النار المتأججة.
واستأذن الصحابة رسول الله ﷺ في الهجرة والفرار لما يلقون من الأذى، فأذن لهم، غير أبي بكر، فإنه احتبسه لنفسه، وقال له: أقم عليّ، فلعل الله يأذن لي في الهجرة فتكون معي، فأقام. ومات أبو طالب، واشتدت قريش على رسول الله ﷺ، وقالوا: إلى كم نصبر على سبّ محمد لنا ولآبائنا وآلهتنا، وإلى كم لا نناجزه، فإما حبسناه، أو أخرجناه إلى حيث نرى، أو قتلناه، خذوا فيما يريحنا منه، وقدموه ولا تؤخروه. فاجتمعوا ودخلوا دار الندوة، وكتموا سرهم، ولم يدخل معهم إلا من انتخبوه من ثقاتهم. فقال قائلهم: انظروا في شأن هذا الرجل، فو الله ليوشكنّ أن يواتيكم في أمركم بمن قد بايعه من أصحابه، وقد تسمعون وعيده، وأنه يملككم ويملك الأرض. فقال قائل منهم: شدوه وثاقا واحبسوه، فيكون أسيرا في أيديكم إلى أن يموت، وقال بعضهم: أخرجوه من بين أظهركم لتستريحوا منه؛ وقال قائل ليس هذا/ برأي. حتى قال أبو جهل: فإني أشير برأيي: أرى أن يؤخذ من كل قبيلة غلاما شابا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، فيضربونه ضربة رجل واحد حتى يقتلوه، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقومون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فوديناه لهم «١»، وقطعنا عنا شأفته واسترحنا منه.
_________________
(١) أي قبلوا أن يأخذوا ديته
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فأجمعوا على هذا الرأي، ورسول الله ﷺ لا يعلم ذلك، ولا أحد من المسلمين. فأتاه جبريل فأخبره بما عزموا عليه، وأمره بالهجرة. فاجتمعوا ببابه ينتظرون اجتماع الفتيان ليقتلوه في ليلته، فخرج وهم ببابه وهو يتلو: «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» «١» وجعل على رؤوسهم التراب، ومضى إلى بيت أبي بكر في الهاجرة، وقد كان يأتيه في كل يوم مرة، فأتاه في ذلك اليوم مرتين: في الهاجرة وفي ساعة مبكرة، وخلا بأبي بكر وأخبره بما عزمت عليه قريش، وبما أتاه جبريل به، وقال له: إنّ ربي قد أمرني بالهجرة وأن آخذك معي، فبكى أبو بكر مسرورا.
وقد كان أبو بكر أعدّ راحلتين يعلفهما ورق التمر منذ أخبره رسول الله ﷺ بأنه ينتظر أمر ربه في الهجرة. فخرجا جميعا من بيت أبي بكر، وصار إلى الغار، وطلبته قريش فلم تجده صبيحة ذلك اليوم، وطلبت أبا بكر فلم يجده، فتحرقوا والتهبوا، وهاجوا يطلبونه ويطلبون أبا بكر بمكة وشعابها وجبالها، وجعلوا لمن أتاهم برسول الله ﷺ مائة ناقة، ولمن أتاهم بأبي بكر مائة ناقة، أسيرين أو مقتولين. وقد كان رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ تغشّ: ببردي ونم في مضجعي فإنه لا بأس عليك، ولن يصلوا إليك. وصار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار، وسارت قريش في طلبهما ومعهم قائف «٢» .
وحين دخل/ رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار، ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار ومعهم القائف يطلب آثارهما، فلما انتهى إلى ثور انقطع الأثر، فقال قائل منهم: ادخلوا الغار،
_________________
(١) ياسين ٩
(٢) هو الذي يقتفي الأثر
[ ٢ / ٣٦٥ ]
فقال أميه بن خلف: وما أراكم للغار، إن عليه لعنكبوتا كانت قبل ميلاد محمد، فمذ ذاك نهى النبي ﷺ عن قتل العنكبوت، وقال: إنها جند من جنود الله. وتحرق أبو جهل على فوات النبيّ ﷺ، واستبد أسفه، وقال: أما والله إني لأحسبنه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا «١» .
صفة حديث الغار من الجمع بين الصحيحين:
قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فعولنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنقض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنقض ما حوله «٢»، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردناه، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام، فقال لرجل من أهل المدينة، فقلت أفي غنمك لبن، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي، قال: نعم. فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعب والتراب والقذى، قال: فرأيت البراء يصرف بيده على الآخرى ينفض، فحلب لي في قعب معه كتبة «٣» من لبن، قال: ومعي أداوة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ وكرهت أن أوقظه «٤» من نومه، فوقفت حتى استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله، اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن
_________________
(١) كتب الناسخ معلقا: من غير نسخة الأصل
(٢) كتب في هامش الصفحة: حاشية، نقض الأرض، أي: ينظر هل فيها ما يخاف منه
(٣) جاء في اللسان: الكتبة: السير الذي تخرز به الزادة والقربة
(٤) في الأصل: أيقظه
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الرحيل، قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس.
واتبعنا سراقة بن مالك ونحن/ في جلد من الأرض «١» فقلت يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» «٢» فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت إلى بطنها أذى، فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما عليّ فادعوا الله لي، فالله لكما عليّ أن أردّ عنكما الطلب. فدعا رسول الله ﷺ، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ثم قال: وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي وغلماني في مكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. فقد منا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال: أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك.
فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الخدم والغلمان الطرق ينادون:
ايا محمد، يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله «٣» .
فهذا من آياته العظيمة الباهرة، قد نطق بذلك القرآن، فقال ﷿:
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٤» .
ولقد يئست قريش من رسول الله، وقالوا إنه لا محالة مقتول، لما لجّ المشركون وألحوا وقصدوا لهذا الكيد. وقد كان فيهم من يكره أذاه والعنف به
_________________
(١) أرض جلد: أرض صلبة مستوية المتن غليظة اللسان
(٢) التوبة ٤٠
(٣) صفة الغار من نسخة غير نسخة الأصل، فقد أشار الكاتب إلى أن نسخة الأصل تبدأ من كلمة: فهذا
(٤) الأنفال ٣٠
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وإن لم يصدقه، منهم جبير بن مطعم «١»، فإنه كان عنده أنهم سيقتلوه، فخرج حتى لحق بدير من الديارات فكان فيه حتى لا يشهد قتله. فأقام عندهم، فسألوه عن خبره ولأي شيء أقام عندهم، فأخبرهم، وقص عليهم قصة رسول الله ﷺ، وساق دعوته. فعجبوا لذلك، وقال له رئيسهم: تعرف شبهه لو تراه مصورا، فقال: نعم، إنما عهدي به قريب. فأراه صورا مغطاة، فجعل يكشف صورة صورة فيقول: أتعرف، فيقول: لا، حتى كشف عن مثل صورته، فقال جبير: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله/ وحسنه وبعد ما بين منكبيه. فقال له الرئيس: فتخاف أن يقتلوه، فقال:
أظنهم قد فرغوا منه، فقال له الرئيس: لا والله لا يقتلونه، وليقتلن منهم من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنّه الله، ولكن قد وجب حقك علينا فامكث ما بدا لك. فمكث عندهم حينا.
ثم قدم مكة، فوجد رسول الله ﷺ قد نجا من أيديهم وهرب إلى المدينة، فتعجب من قول رئيس الدير، وازداد بصيرة بشأن رسول الله ﷺ. فقالت له قريش حين قدم مكة وقد خرج رسول الله ﷺ ونجا من كيدهم: قد تبين لنا أمرك، وعرفنا شأنك، هلم أموال الصبية التي عندك التي استودعكها أبوك، قال: ما كنت لأفعل هذا حتى أموت، يعيّر بها ولدي في أمانة، ولكن أدفعها اليهم. فقالوا: إن عليك عهدا لله وميثاقه لا تأكل من طعامه، قال:
نعم.
فقدم المدينة وقد بلغ رسول الله ﷺ الخبر، فدخل عليه فقال له فيما
_________________
(١) هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، صحابي جليل، كان من علماء قريش وسادتها ونسابتها، روى الحديث عن رسول الله. توفى سنة ٥٩ هـ. الأعلام ٢: ١٠٣
[ ٢ / ٣٦٨ ]
يقول: إني لأراك جائعا، هلموا طعاما، قال جبير: لا آكل حتى أخبرك، فإن رأيت أن آكل أكلت. فحدثه بما أخذوا عليه، فقال له رسول الله ﷺ:
فأوف بعهد الله ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. وتحدث جبير بحديث أهل الدير وما كان من الصورة، وأنه رأى مع صورة النبي صورة أبي بكر قد أخذ بعقب رسول الله ﷺ قال: فقال أهل الدير: فهل تعرف هذا الذي أخذ بعقبه، قلت: نعم، قالوا: نشهد أن صاحبكم نبيّ وأن هذا الخليفة من بعده.
ولعظم شأن هذه الآية ما قد أعاد الله ذكرها، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «١» فذكر المؤمنين بهذه الآية، وعظم هذه المعجزة، وما احتملت عليه، مع نجاته منهم، وما أغشى أبصارهم حين خرج وهم ينظرونه، وسلامة عليّ ﵁ كما قال له، وما كان من نسج العنكبوت. وفي الحديث الصحيح، أن أبا بكر نظر إلى أقدام المشركين فقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
وانظر إلى قوله ﷿: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ»، أي: فقد عرفتم نصري له حين هاجرتم وتركتموه مع صاحبه وحيدين، فأبطلت كيد المشركين مع
_________________
(١) التوبة الآيات ٣٨، ٣٩ دلائل- ٢٤
[ ٢ / ٣٦٩ ]
كثرتهم ووحدته، وصدقت وعدي بمنعي عنه وعصمتي له، وأكذبت أقاويلهم، وهو معنى قوله: «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» فتأمل هذا ففيه آيات بينات باهرات، وهذا الخطاب والعذل والاستزادة إنما هي للمؤمنين. ألا تسمع قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» . وأيضا فلا يجوز أن يقول للعدو: «إلا تنصروه» .
ولقد قال العلماء من السلف: إن الله أفرد أبا بكر الصديق بفضل الصبر على جميع المؤمنين من غير تأثيم لهم، كأنه يقول: لو صبرتم مثل صبره ولم تترخصوا لكان ذلك أفضل، فإن أبا بكر يفضل صبره عليهم. وقوله:
«لا تحزن» ليس بنهي، وإنما هو بشرى، كقوله لموسى وهرون: «لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى» «١» وكقوله لأم موسى: «وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ» «٢» وقوله: «إن الله معنا، بالنصر والتأييد، كما قال: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» «٣» . وأبو بكر في هذا الحزن ممدوح لأنه خاف على رسول الله ﷺ الأذى والعنف من المشركين، فجازاه الله بأن بشره أنه/ معهما بالنصر والتأييد. قال أهل العلم في قوله: «فأنزل الله سكينته عليه»، يعني على أبي بكر، فأما النبي ﷺ فقد كانت السكينة عليه قبل ذلك.
ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال وهو يثني على أبي بكر حين توفى: كنت ثاني اثنين، وصاحبه، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة والمواطن الكريمة. وقالوا
_________________
(١) طه ٤٦
(٢) القصص ٧، وفي الأصل: لا تخافي إنا رادوه
(٣) النحل ١٢٨
[ ٢ / ٣٧٠ ]
في قوله: «وأيده بجنود لم تروها»: إنه أيد أبا بكر كما يؤيد المؤمنين من غير أن يروهم، وبشره رسول الله ﷺ بذلك فعلمه وتيقنه بتعريفه إياه. وإنما ذكرنا حال أبي بكر عند ذكر الآية التي هو مذكور فيها، ولأن الخصوم يسألون عن ذلك، ولحاجتك اليه، ولأن الطاعنين على أبي بكر بمثل هذا هم الطاعنون على رسول الله ﷺ بما قدمنا وبأمثاله من الآيات التي يسألون عنها، وجعلوا الطعن على أبي بكر وأمثاله من المهاجرين والأنصار وآكد الطرق إلى تكذيبه، والطعن عليه، والإيحاش منه، والتنفير عنه، وأيسرها التشكيك في صدقه ونبوته، وهم: أبو شاكر الديصاني، وأصحابه: الحداد، وأبو عيسى، وابن الراوندي، والحصري «١» ولكلهم كتب في الطعن على رسول الله ﷺ، وفي نصرة الإمامية وطبقات الرافضة، ولأن الطريق في العلم ببراءة أبي بكر والمهاجرين والأنصار مما رموهم به، كالطريق في العلم ببراءة رسول الله ﷺ مما رموه به.