من آياته وهو قوله ﷿: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» «٢» .
فإن مسجد بيت المقدس قد كان غلب عليه الروم الدهور الطويلة واستولوا عليه مع ملكهم بالشام وأقاموا فيه الشرك ومنعوا من ذكر التوحيد فيه، وغلبت قريش على المسجد الحرام وغيرهم من مشركي العرب، وقد كان أبو بكر الصديق بنى مسجدا بمكة بفناء داره قبل الهجرة فكان يتلو فيه القرآن ويدعو إلى الله وإلى رسوله، وقد كان أجاره رجل من سادات قريش على أن يفعل ذلك.
فمشت قريش إلى الرجل الذي أجار أبا بكر، وهو معروف ولكن لم يحضرني اسمه في هذا الموضع [٣]، فذكروا له محل أبي بكر وحلمه وبيانه ولطفه، وأنه يمر به القيان والعبيد والنسوان فيسمعون دعاءه فلا يلبثون أن يجيبوه إلى
_________________
(١) آل عمران. ١٣
(٢) البقرة. ١١٤
[ ٢ / ٤٣٦ ]
دين محمد، فلا تجره. فقال لهم: إنه رجل يكسب المعدم ويصل الرحم ويقري الضعيف، فكرهت أن يخرج من بينكم ويهرب بدينه عنكم فتعدمون هذا/ الفضل. قالوا: فيلزم بيته ولا يعلن دينه؛ فمنعوه من ذكر الله في مسجده.
فبشر الله نبيه ﵇ وأصحابه بالظهور على هذه المساجد، وملكهم لها ولمن فيها، وأنهم لا يدخلونها إلا أذلاء خائفين مقهورين، أو بأمان وعهد وإذن من رسول الله ﷺ أو من أصحابه. ثم أخبر بخزيهم في الدنيا وعقوبتهم من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فنزل بهم ذلك الخزي بقتل من قاتل منهم وعليهم، والذل بأداء الجزية لمن رغب في الإقامة فيما غلب عليه الصحابة، فكان كل ذلك كما أخبر، وفي هذا غيوب كثيرة.
وقد كانت ممالك الروم وغيرهم قوية ممتنعة فوفى الله لنبيه بتصديق هذه المواعيد، وبفتح هذه الأمصار، وبنزول الخزي على مشركي العرب في الدنيا وسينالهم في الدار الآخرة عذاب عظيم كما قال، وكما صدق في الأول صدق في الثاني، فنعوذ بالله من عذابه وسخطه.