من آياته ﷺ، وهو أن قريشا والعرب تجمعوا وأعدوا الخيل والرجال والسلاح وقالوا: نسير إلى محمد فنقتله ونقتل أصحابه ونأخذ بثأرنا يوم بدر. فساروا في ثلاثة آلاف، وقال رسول الله ﷺ ندعهم حتى يردوا المدينة؛ فقال قوم من الأنصار قد أصابوا زروعنا فنخرج اليهم فنلقاهم وراء المدينة، فصار رسول الله ﷺ إلى رأيهم وسار. ثم فكروا وقالوا: نأخذ بما أشار به رسول الله ﷺ ونقاتلهم في المدينة، فقال رسول الله ﷺ: ما كان لي أن ألبس لامتي فأرجع حتى ألقى العدو. فخرج في سبعمائة وفيهم عبد الله بن أبي
[ ٢ / ٤٢٠ ]
سلول وأمثاله ممن في قلبه مرض، فقال رسول الله ﷺ: ستكون فيكم مصيبة، وذاك أن النبي ﷺ رأى في المنام أن بقرا تنحر فتأوله قتلا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار قد انفصم فكان قتل عمه حمزة ﵁، ورأى أن كبشا أعين قتل فتأوله كبش الكتيبة فكان عثمان بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين. فلما صاروا بأحد التقوا مع المشركين عبّأ رسول الله ﷺ أصحابه قال لهم: إنكم ستهزمونهم، وأقام الرماة من أصحابه في موضع خاف أن يدخل المشركون منه فيصيروا خلف العسكر، وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: / إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى بلغنا بهم بموضع بعيد فلا تبرحوا أنتم، فانهزم المشركون كما قال رسول الله ﷺ ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم، ونظر الرماة إلى الهزيمة فتركوا مراكزهم واتبعوا العدو واشتغلوا بالغنائم وثبت أميرهم مع طائفة وقال: والله لا أعصى رسول الله ﷺ، فلما زال الرماة عن مكانهم دخل المشركون وصاروا من ورائهم ونادى مناديهم بصوت عال: قتل محمد وقتل ابن أبي قحافة وقتل ابن الخطاب. وانصرف عبد الله بن أبي سلول بمن معه، وانهزم المسلمون، وبقي رسول الله ﷺ مع نفر يسير، فما برح وما برحوا مع قلتهم وكثرة المشركين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ونفر من الأنصار؛ وأقبل أبو سفيان بأصحابه نحو الجبل الذي فيه رسول الله ﷺ والنفر الذين معه فصرفهم الله فلم يقدموا عليهم، فنادى أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب، فما أجابه أحد فقال: قتل هؤلاء، فقال عمر: يا رسول الله ألا أجيبه، فقال: أجبه، فقال أبو سفيان:
اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: الأيام
[ ٢ / ٤٢١ ]
دول، والحرب سجال، وأحد ببدر، وحنظلة بحنظلة، يعني ابنه حنظلة.
فقال له عمر: ولا سواء، قتلانا في الجنة يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون، فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب أسألك عن شيء فأخبرني، فقال: قل، فقال:
أما أنت فحيّ، سألتك بالله أمحمد حيّ وابن أبي قحافة حيّ، قال: نعم/، ورسول الله يسمع كلامك ولك منه ما تكره، فقال أنت أصدق، فإن ابن قمئة أخبرني أنه قتل «١» . فقال النبي ﷺ اللهم أقمه في الدنيا قبل الآخرة، فاعتقل عنزا ليحلبها فنطحته فمات.
وفي هذه الوقعة يقول الله ﷿: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» أي تقتلونهم «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ» «٢» إلى آخر القصة.
فتعلم أنه لا يسوغ ولا يجوز أن يقول رئيس قوم لهم: قد كنت وعدتكم أن تقتلوهم وقد صدقتكم فيما وعدتكم وأريتكم ما تحبون ثم عصيتم أمري وخالفتم وصيتي وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في جميع ذلك، فكيف بمن يدّعي النبوة والصدق في جميع ما يقوله ويخبر به.
وقوله: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ» إلى قوله: «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» يعني أولئك الذين أخلوا المراكز «٣» واشتغلوا بالغنيمة «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا
_________________
(١) هو عبد الله بن قمئة الليثي: جرح وجنة الرسول في أحد فدخلت حلقتان من حلق الدروع في وجنته، وانظر لهذه المحاورة سيرة ابن هشام ٣: ٩٣- ٩٤
(٢) هذه الآيات وما بعدها من سورة آل عمران ١٥٠- ١٥٤
(٣) في الأصل: أخلوا بالمراكز.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «١» ثمّ أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم» .
وهذه أيضا من الآيات بأحد، فإن النعاس غشيهم كما غشيهم ببدر، في الموضع الذي يطير فيه النعاس؛ والذي يدلّك على كونه امتنان الله عليهم به ولا يجوز أن يمتن عليهم بذلك والعدو والوليّ يسمع هذا الامتنان، وهو أمر لا أصل له وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم في ذلك. إلى قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ/ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ»، وقال لنبيّه ﵇: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» فأمره بالاستغفار لهم وأن يعود لهم إلى حالهم في مشاورتهم، فإن المشورة فيما لم ينزل به قرآن مستحبة حسنة. والذين أشاروا من الأنصار على رسول الله ﷺ بأن تكون الحرب خارج المدينة كان لهم أن يشيروا بذلك، وكان لرسول الله ﷺ أن يأخذ برأيهم؛ ولقد اجتهد أعداء عثمان في أن يجدوا له عيبا فما قدروا عليه مع طول المخاطبة، فقال له قائل منهم: أنت ممن تولى يوم أحد فقال له عثمان: فلم تعيرني بذنب قد غفره الله، أما سمعت قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» إلى آخر الآية.
وفكر في معنى قوله ﷿: «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «١» أي بذنبكم وتقصيركم وترككم الموضع الذي قال لكم نبيكم ﷺ سنهزمهم فلا تتركوا مركزكم ولا تمسوا غنائمهم حتى تفرغوا. وقد كانوا يوم بدر
_________________
(١) آل عمران ١٦٥
[ ٢ / ٤٢٣ ]
قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى من المسلمين كانوا يوم أحد سبعين فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى من المسلمين كما ذكرنا. فتأمل ما تقرأ وأطل الفكر فيه تقف على المراد به، فإن الذكر للقصة بأحد من قوله: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ» إلى قوله: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» .
فتأمل طول هذه المراجعة والمواقفة للمؤمنين على الوفاء بما ضمنه لهم، وعلى الصدق فيما أخبرهم وفيما كان من تقصيرهم، / فكم فيه من آيات ودلالات.
وانظر إلى هذا الادلال بالحق والاستطالة على العدوّ والولي بالحجة حتى ما يستطيع العدو المكاشف أن يدفع شيئا من ذلك.
وانظر إلى المواقفة والمناظرة التي كانت بين عمر وبين أبي سفيان، هل قدر أبو سفيان وأصحابه وهم يناظرون المسلمين من عسكرهم أن يقولوا:
إن محمدا كذبنا في كذا وأخلف في كذا وكيف تطيعونه وتفارقون أديانكم وبلدانكم وتقتلون أنفسكم لرجل هذه سبيله وما أشبه ذلك، وهذا موضع حاجتهم إلى ما هذه سبيله.
وانظر إلى أهل الردة على طبقاتهم، فقد كانوا أشد الناس عداوة لأبي بكر وقد نال منهم كل منال وقتلهم كل قتلة، فما استطاع أحد منهم أن يقول له: وأنت فقد بدلت دين محمد ونقضت عهوده فكيف أنكرت علينا ما صنعنا، ولم تقتلنا لأنا منعنا الزكاة، وهذا موضع حاجتهم اليه وحجتهم عليه، ولتعلم أنه لم يكن فيه مغمز كما لم يكن في رسول الله ﷺ.
ولما رجع المشركون من أحد وصاروا بالروحاء «١»، أقبل بعضهم على
_________________
(١) معجم البلدان ٣: ٧٦
[ ٢ / ٤٢٤ ]
بعض يتلاومون، وأنهم صاروا في عسكر عظيم وهم لا يشكون في أنهم يقتلون رسول الله ﷺ ويستأصلون الإسلام، فخاب أملهم واختلفت أقوالهم وقالوا:
لا محمدا قتلتم ولا كواعب أردفتم فبئس ما صنعتم.
وقد كان أبو سفيان نادى أصحاب رسول الله ﷺ قبل انصرافه من أحد:
ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى نلتقي بها، فقال النبي ﷺ لمن كان يجيبه من الصحابة: قل نعم إن شاء الله، فلما حضر الوقت تعذر على أبي سفيان الخروج للوعد أو كرهه، فأتى نعيم بن، مسعود فقال له: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم/ بدر الصغرى وقد بدا لي أن لا أفعل، وأكره أن يخرج محمدا وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إليّ، فلك عشرة من الإبل إن حبستهم عني. فقدم نعيم على أصحاب رسول الله ﷺ وهم مجهزون فجعل يثبطهم ويخوفهم ويذكر أن أبا سفيان قد جمع لهم الجمع الكبير، وأنهم إن خرجوا لم يفلت منهم أحد. وجعل يريهم النصح لهم والإشفاق عليهم، فما قبلوا وبادروا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وخرجوا وتخلف أبو سفيان عن الوعد وفيهم نزلت: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» «١» الآية.
فتأمل خيبة المشركين وخلف أقوالهم وحيرتهم مع كثرتهم، وصدق جميع ما وعدهم رسول الله ﷺ، وجرأة المسلمين مع قلتهم وفقرهم وشدة الأمر عليهم.
_________________
(١) آل عمران ١٧٣
[ ٢ / ٤٢٥ ]