من آياته وهو أنه ﷺ لما نزل بالمدينة ودعا إلى ربه وبها وحولها من اليهود وخلق كثير، فدعاهم ووعظهم وبين لهم، فرجع الرؤساء والأتباع وتواصوا بالانحراف عنه وبالصدّ وبالقصد له، وكان عددهم كثيرا وشوكتهم شديدة، فمشوا في الأوس والخزرج في الصدّ عنه، ومالوا إلى عبد الله بن أبي سلول، وكان الأوس والخزرج على أن يملكوه عليهم إلى أن جاء الإسلام فانتقض ما عزموا عليه. وكانت اليهود تدّعي أنها على بصيرة/ من أمرها، وأن الجنة لها، وأن نعيم الجنة خالص لها، فأخبر الله نبيّه أنهم ليسوا من أمرهم على يقين كما يدعون، وأن رهبتهم لكم شديدة، وأنك إن دعوتهم إلى تمني الموت لا يتمنونه، فقال: «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ثم قال: «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ «١» أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ» «٢» إلى آخر القصة. ثم أعاد هذا التقريع والتوبيخ في سورة أخرى وفي زمان آخر فقال: «قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ثم قال: «وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» «٣» . فما تمنوه أبدا مع هذا الاقتضاء والمطالبة التي تغيظ وتغضب، ومع شدة عداوتهم لرسول الله ﷺ وحرصهم على تكذيبه وفضيحته وزلة تكون منه، وقد بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم وأولادهم وحاربوه
_________________
(١) في الأصل: فلن يتمنونه
(٢) البقرة ٩٤- ٩٥
(٣) الجمعة ٦- ٧
[ ٢ / ٤١١ ]
وأعانوا عدوه عليه، وتكلفوا كل شدة وكل مشقة في ذلك وما أقدموا على تمني الموت مع سهولته وقربه، وهو أن يقولوا: ليتنا متنا. وهذه الآيات العظام والأعلام الكبار الهائلة الواضحة المكشوفة الباهرة القاهرة التي ما فكر فيها عاقل إلا ملأت قلبه علما بنبوته ﷺ وصدقه، وبهرت عقله، فإنك ما تدري أمن إقدامه ﷺ على الإخبار عنهم بأنهم لا يتمنون ذلك مع خفته وسهولته ومع علمه بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته تعجب، أم من إحجامهم عن ذلك مع شدة حاجتهم اليه. ولم يقل هذا من عندي ولا من مولى/ بل هذا من قول الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم والعالم بسركم وجهركم، فجعله كتابا يقرأ وقرآنا يتلى، ليكون أشد وأغيظ وأبلغ في الحجة وأظهر في التنبيه، ولتعلم أنه ما قال هذا لهم إلا وهو عالم أنهم لا يتمنونه. وهو أعجب من قوله للعرب أنكم لا تأتون بمثل هذا القرآن، وهذا مقام لا يقومه مثله مع عقله وعظم دعاويه إلا مع اليقين، لتعلم ثقته بربه جل وعز وسكونه إلى ما يوحى اليه.
وقد تحيرت الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ، وتاهت عقولهم عند هذه الآيات، فهم يلعنون العرب لم لم يأتوا بمثل هذا القرآن، وكون اليهود لم لم يتمنوا الموت فيكذبونه فيستريحون ونستريح. وهذا يقوله مثل الحدّاد وصاحبه أبي عيسى قبحهم الله.
فمرة يقولون: كانوا جهالا بلها فقيل لهم ما قد تقدم ذكره من أن من رمى أعداء رسول الله ﷺ من قريش واليهود والنصارى بالجهل والغباء فهو كمن رماه ﷺ بذلك. ومرة يقولون: قد كانوا عقلاء وفطناء ولم يكونوا أهل جدل ونظر فيعرفوا مثل هذا، قلنا: لو كانوا مثلكم في النظر والجدل لعميت قلوبهم كما عميت قلوبكم. وبعد فما حاجتهم إلى جدلكم ونظركم ليعرفوا ما دعاهم اليه ﷺ وهم بهذا أعلم الناس، وهو شيء يعرفه الرجال والنساء
[ ٢ / ٤١٢ ]
والصبيان من كل أمة، فإن من استعالى على خصمه بأنه لا يأتي بمثل ما أتى من كتابة أو سباحة أو فصاحة أو خطابة أو شعر فإنه قد عرف الوجه في ذلك، فإن الصبي يقول لقريبه: أنت لا تحسن تكتب كما أكتب ولا تحسب كما أحسب ولا تطفر هذا الجدول كما أطفر، فإن خصمه يدري ما أراده منه وبأي شيء قد طالبه/ وما الوجه في مغالبته وإكذابه، وكذا تمني الموت قد عرفته اليهود وعرفوا كل أحد منهم ما أراده ﷺ.
فذكر ابن الراوندي أن الوراق كان يقول: إنما لم يتمنوا الموت لأن اليهود والنصارى كانوا يؤمنون بموسى وغيره ممن كان يدعي النبوة، وقد أخبر هؤلاء في كتبهم بنبوة محمد ﷺ فلم يقدموا على التمني لهذا. فقيل له: فهذا يدل على نبوة أولئك ونبوة محمد جميعا فقد لزمكم القول بكتبهم أجمعين، وأنتم تنكرون ذلك كله. قال: إنما إخبار هؤلاء عن مجيء محمد ﷺ كما يخبر المنجم عن ما يكون، فيقولون ذلك. قيل له: ومتى كان مثل هذا في أخبار المنجمين أن يخبروا عن مثل مجيء محمد ﷺ، وفي أي زمان يجيء، وبأي شيء يجييء، ومن أي بلد يجيء، ومن أي جيل، هو وابن من هو، على التفصيل الذي جاء به، مثل هذا لا يكون في أخبار حذاق المنجمين ولا ما يقاربه ولا ما يدانيه، وإنما يتفق لهم الإصابة في شيء مجمل قليل يسير بعد أن يكذبوا ويخطئوا «١» في ألف شيء، فيتفق ما يتفق لهم من ذلك بطريق التجارب والزجر، كما يتفق للصبيان من الإصابة في إخراج الزوج والفرد وفي اللعب بالخاتم، بل ما يتفق للصبيان في الإصابة أكثر وأسرع وأحسن وأبدع، وكذا ما يتفق للقوابل في أن الحمل ذكرا أو أنثى، وكذا ما يتفق لمن يزجر الطير ويضرب بالحصا، وكذا ما يتفق للمتفائلين بالثعلب والمتطيرين بالبوم ولمن يزجر الطير، فكذب المنجمين
_________________
(١) في الأصل «يكذبون ويخطئون» .
[ ٢ / ٤١٣ ]
وخطئهم أكثر من كل كبير، وهو شيء لا يستنكر، وهم يعترفون بهذا فيقولون: لا تعجبوا من خطئنا ولكن اعجبوا من/ صوابنا، وإنما صوابهم كمجنون نطق بحكمة، أو صبي أتى بنادرة، فإن الناس يحفظون ذلك ويعجبون به لأنه أتى من غير معونة، ولا يحفظون ما يكون من المجانين والصبيان من الجهل والكذب، فكذا ما يكون من المنجم، يخطىء في ألف شيء ويكذب في ألف شيء فلا يحفظ عليه لأن ذلك غير منكر منه، فإذا اتفق له الصواب في شيء واحد تعجبوا وحفظ لقلته من مثله ولأنه أتى من غير معدنه. وعلى أن الناس يكذبون المنجمين ويدّعون لهم ما ليس لهم ولا في صنعتهم، ويضايقون الأنبياء ويتعنتوهم، وقد تقدم قبل هذا شيء على المنجمين فارجع اليه.
ثم قال هؤلاء الزنادقة: إنما لم يتمنوا الموت لأنهم لو تمنوه بألسنتهم لقال إنما عنيت أمنية القلوب، فإن قالوا له: قد تمنينا بقلوبنا، قال لهم: قد أخبرني جبريل أنكم لم تفعلوا ذلك.
قيل لهم: قد حصلوا لنا غير متمنين بألسنتهم، وانتقضت العادة وقامت الحجة وظهرت البينة، وحصلتم تعللون ما لم يكن وما لم يقع، وقد كنتم نسبتم اليهود في تركهم التمني إلى البله، والآن فقد نسبتموهم إلى التميز والتحصيل وإلى غاية الذكاء والفطنة، ومن هذه مرتبته كانوا يقولون له: أنت قلت لنا لن نتمنى ذلك أبدا وهاقد تمنيناه وهذا إكذاب لخبرك ظاهر بين.
فرجوعك إلى ما في القلوب هو الانقطاع على أنك قد نفيت التمني منا نفيا عاما لما كان منه باللسان وما كان منه بالقلب، فإذا تمنيناه باللسان فقد أكذبناك وقد أفضحناك وقامت حجتنا عليك، وقولك بعد هذا أن جبريل أخبرك أنا ما تمنيناه بقلوبنا قدح منك لأنا نحن نقول لك: إن جبريل ما أتاك ولا يأتيك فكيف يكون دعواك حجة علينا. فتعلم بهذا/ بطلان كيد الخصوم في توكلهم لليهود
[ ٢ / ٤١٤ ]
بعد أربع مائة سنة، وبعد فكيف لم يقولوا له: أي الأمنيتين أخبرت إنا لا نفعلها ليبينوا للناس أنه لا حجة عليهم فيما أخبر به عنهم في أنهم لا يتمنون الموت مع حرصهم على تكذيبه وإبطال حجته.