ومن آياته ﷺ، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنيّ كسنيّ يوسف ﷺ،
[ ١ / ٨٠ ]
فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر وماتت الماشية، وحتى اشتووا القد «١» وأكلوا العلهر «٢»، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال. فوفد حاجب ابن زرّارة الى كسرى فشكا اليه ما نالهم، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ورهنه قوسه، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض، وهو قوله ﷿: «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٣»» . والدخان الجدب «٤»، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون كأنه دخان، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها، وهذا شيء قد كان ومضى، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت، لأنه ﷿ يقول: «يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٥»» . ثم ورد على نسق/ «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» يعني يوم بدر، وهذا كله يدل على ان الدخان قد انقضى ومضى، وانه بدعائه، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ان ينكشف ولا يخف. وقد قال في هذا: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم.
_________________
(١) القدّ في الاصل هو القطع المستأصل او المستطيل او الشق طولا، ويطلق على جلد النحلة. انظر القاموس المحيط.
(٢) في حاشية الكتاب ان العلهر هو الدم يخلط بالوبر.
(٣) الدخان ١٥ وما بعدها
(٤) في الحاشية: الدخان، الجدب
(٥) الدخان ١٥ وما بعدها
[ ١ / ٨١ ]
قال اصحاب عبد الله بن مسعود «١»: كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصّا عند ابواب كندة- يعني الكوفة- يقصّ، يزعم ان آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: - وجلس وهو غضبان- ايها الناس اتقوا الله، ومن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ: (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) «٢» . إن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال:
اللهم سبعا كسنيّ يوسف صلى الله عليه، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى اكلوا الجلود المنتنة والجيف، وينظر احدهم الى السماء فيرى دخانا من الجوع؛ فأثاه ابو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنك حيث تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم. قال ابن مسعود:
فكانت الدخان سنين كسنيّ يوسف ﵇ فكشف عنهم، اما ترونه قال: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ) بعد ان قال له: فارتقب فارتقب ﷺ ووقع، ثم دعا فكشف. والبطشة/ الكبرى يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان والبطشة واللزام.