من هذا ان العباس وبني هاشم بلغهم قول الانصار وما عزموا عليه، فما أنكروا قولهم ان رسول الله ﷺ قبض ولم يستخلف، وان الإمامة تجب بالاختيار، بل مدحهم العباس وأثنى عليهم وأقبل على عليّ وقال له: قد كنت قلت لك ورسول الله ﷺ حيّ عليل انطلق بنا اليه نسأله فيمن يكون هذا الامر فان كان فينا لم تنازع فلم تفعل، والآن فامدد يدك أبايعك فيقال: هذا عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان.
فتأمل رحمك الله هذا البيان وهذا الإفصاح من الجميع، ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف، فكيف لم يقل علي لعمه: كيف نقول إنك لو بايعتني ما اختلف عليّ اثنان ورسول الله قد عقد لي وجعلني الحجة وقد خالفوني.
وانما كان قوله ﵁ للعباس لما قال له أمدد يدك: هذا امر المسلمين، وما كنت لأفتات عليهم بأمر، فإن ارادوني فقد عرفوا مكاني.
_________________
(١) انظر الجامع الصغير شرح المناوي ١: ٤٢٧، وفي الحاكم والسنن الكبرى عن علي. قال الحاكم: صحيح، ونعقب بأنه منكر.
[ ١ / ٢٦٣ ]
فقيل له: أقبل فانهم لا يخالفونك ولا يكرهونك، وقال له ابو سفيان:
اقبل يا ابا الحسن ما يقول ابو الفضل وانا أبايعك، فقال له العباس: اقبل فهذا شيخ بني عبد مناف يبايعك ايضا، فقال ابو سفيان عليّ بنو عبد مناف كلها، بل عليّ قريش ان تبايع ولا تخالف، فقال له العباس: افعل، فقال:
لا يا عم إلا عن ملأ من المسلمين.
فانظر كيف بين ﵁ امر الامامة للمسلمين وباختيارهم، وانه لا يبادر الى القبول لئلا يظن به الحرص على الامارة، فقال له قائل من بني هاشم: فأخبر الناس أن رسول الله ﷺ جعلها/ في بني هاشم، فقال ﵁: والله لئن كنت أول من آمن به فلا اكون اول من كذب عليه.
ومقام آخر، وهو ان العباس خرج الى ابي بكر وهو في المسجد فأخبره بما بلغه عن الانصار، وسأله ان يمضي اليهم ويبين لهم، لعلم العباس بعظم قدر ابي بكر في المهاجرين والانصار. فنهض ابو بكر وتبعه عمرو وأبو عبيدة، وصاروا الى الانصار، فأنكر عليهم ابو بكر ما عزموا عليه، فعجبوا من إنكاره وقالوا: لم تنكر ان تكون الامارة فينا، فقد مضى رسول الله ﷺ وما استخلف، وقد قال فينا كذا، ومدحنا بكذا، فقال ابو بكر:
صدقتم، وقد قال رسول الله ﷺ: ولو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديا لسلكت شعب الانصار وواديهم؛ ثم قال ابو بكر ولكن هذا الامر ينبغي ان يكون في الحيّ من المهاجرين من قريش، فلا تنفسوا عليهم الامارة: أسلمنا قبلكم، وقدمنا الله في القرآن عليكم، وما كان في قريش نفاق.
فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: فإن ابيتم فمنا امير، ومنكم امير. ثم
[ ١ / ٢٦٤ ]
اقبل على قومه من الانصار فقال لهم: البلاد بلادكم، والبادية باديتكم، وأنتم شعب الاسلام الذي لجأ اليه، وإنما عزّ الاسلام بأسيافكم، فإن ابي هؤلاء [ان] «١» يكون منا امير ومنهم امير فأخرجوهم من بلادكم، ثم اقبل على المهاجرين وقال: إن شئتم اعدناها جذعة، انا عزيقها المرجّب وجذيلها المحكك «٢» .
فقال ابو عبيدة: الله الله معشر الانصار، إنكم اول من نصر وآزر فلا تكونوا اول من بدل وغير، وقال ابو بكر لسعد بن عبادة: قد علمت يا سعد إن رسول الله ﷺ قال «٣»: «الناس تبع لقريش، فخيار الناس تبع لخيارهم، وشرارهم تبع لشرارهم» «٤» / قال: صدقت، فقال بشير بن سعد الانصاري: والله لئن كنا اولي فضيلة في جهاد عدونا فما أردنا بذلك الارضاء ربنا والكدح لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل على الناس، فالمنة لله ورسوله علينا. ورجع الانصار عما كانوا عليه، وأقبلوا على ابي بكر وقالوا: من ترضى لنا يا ابا بكر، فقال: رضيت لكم عمرو أبا عبيدة، إن رسول الله اتاه قوم فقالوا: ابعث معنا امينا حق امين فبعث معهم ابا عبيدة، وقد قال في عمر كذا وكذا، فقال عمر: اما انا فلأن اضجع فأذبح في غير
_________________
(١) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
(٢) الجذيل: تصغير جذل، وهو عود يكون في وسط مبرك الابل تحتك به وتستريح اليه، ويضرب به المثل في الرجل يشتفي برأيه. والعذيق تصغير عذق وهو النخلة نفسها، والمرجب: الذين تبنى الى جانبه دعامة ترفده لكثرة حمله ولعزه على اهله، فصرب به المثل في الرجل الشريف الذي يعظمه أهله. انضر لمناقشة الحباب بن المنذر الطبري ٣: ٢٢٠
(٣) كتب في حاشية الصفحة: قال رسول الله (ص): الناس تبع لقريش.
(٤) في شرح الجامع الصغير للمناوي ٢: ٤٦٢. وقد ورد في مسند ابن حنبل ومسلم عن جابر. بلفظ آخر.
[ ١ / ٢٦٥ ]
مأثم احب اليّ أن اتقدم قوما فيهم ابو بكر، ولكن انت يا ابا عبيدة ان شئت بايعتك، فقال ابو عبيدة لعمر: ما سمعت منك فهة «١» في الاسلام قبلها، اتقول هذا لي وفيكم الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله، وقد أمّنا حياة رسول الله ﷺ. فقال عمر: معشر الانصار، قد علمتم ان رسول الله ﷺ قدم ابا بكر واقامه مقامه في الصلاة بالناس، فأيكم تطيب نفسه ان يتقدم علي من قدمه رسول الله ﷺ، قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر، فقال بشير بن سعد الانصاري ثم الخزرجي: قوموا الى خليفة رسول الله ﷺ فبايعوه، فانثالوا على ابي بكر ومدّوا يده فقبضها وقال: بايعوا عمر او ابا عبيدة، ودفعهم عن نفسه بجهده، وقبص يده فمدها عمر، فقال له ابو بكر: أنت أنت يا عمر، انت اقوى وأشد، فقال عمر: شدتي لك انت احق، انت خليفة رسول الله ﷺ، رضيك لنا؛ فما زالوا به حتى بايعوه.
فانظر الى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والانصار وهم يطلبون ويفتشون ما يجوز في دين رسول الله/ ﷺ، ويرجعون الى أفعاله ووصاياه، ويبتغون مرضاته، هل تجد احدا منهم يذكر عن رسول الله ﷺ نصا على رجل بعينه او ما يشبه النصّ او ما تأويله النص من انه كتاب الله او من حديث عن رسول الله ﷺ، والعهد قريب وهو يوم موته، ولم يدفن بعد، وهذا موضع الحاجة الى ذكر ذلك؛ والمناظرة والمباحثة تذكّر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب؟ وما أراد الانصار بالبدار الى إقامة امير يكون على الناس إلا الله، وإلا إحياء الاسلام
_________________
(١) الفهة من العي والغلط
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقمع اعداء رسول الله ﷺ، لينضبط الأمر ولا ينشر «١»؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الاسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ارتد من ارتدّ، فكان الصواب في المبادرة الى إقامة امير، فلما قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، وقصدوا الى افضل قريش في انفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول الله، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وانما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، وبهم عزّوا، وبهم صار رسول الله ﷺ في عساكر وجماعات، وبهم غزا العدو وقد كان ﷺ وهو مقيم بمكة منذ دعا الى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله؛ فسمعته/ قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا الى دعوته، وأجابوه الى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا اموالهم، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا. فلما أجابوه الى ذلك، أمر اصحابه بالهجرة اليهم، فقبلوهم وأظهروا الاسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم، فهاجروا اليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم في الايمان كظاهرهم، فلهذا أسماهم الله الانصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال الله: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «٢» فأخبر ﷿ عن صحة نياتهم وصدق
_________________
(١) يقصد: كي لا يتفرق المسلمون
(٢) الحشر ٨
[ ١ / ٢٦٧ ]
ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الانصار وقال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»»
، لأن الانصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول الله ﷺ آثروهم على انفسهم بمنازلهم، وشاطروهم اموالهم بطيب من انفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال: «والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم»، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول الله ﷺ بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع الى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله/ هذا الموضع.
فهم لما بايعوا ابا بكر سكنت نفوسهم، وباتوا وكأن رسول الله ﷺ لم يمت ولم يفقد من بينهم، فهذا الذي قصدوا بالبدار، وهم كانوا اعلم بما يباشرونه ويقولونه، وقد علموا انهم قد وتروا الامم كلها في طاعة رسول الله ﷺ؛ فقد خلفهم ولا امير عليهم، فخافوا ان يبيتوا وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم امير فينشر امرهم، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة الاسلام بادروا الى من يعقدون له، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول الله ﷺ، ولاغتباطهم بالراحة.
_________________
(١) الحشر ٩
[ ١ / ٢٦٨ ]
وأنت تجدهم وقد شهدت افعالهم بأنهم بعد موته اشد حبا له، وأشد بصيرة في دينه.
ثم إن ابا بكر عاد من السقيفة وقام خطيبا، وأخبر المهاجرين بما كان وقال: والله ما اردت الامارة، ولا نويتها، ولا تمنينها في يوم ولا ليلة، ولا رغبت فيها، ولقد حرصت أن اجعلها في عمر فما تركت، وإنما قبلتها خشية الفتنة، ولأنه لم يكن عليّ امير، وقد رجعت اموركم اليكم فاقيلوني وولوا من شئتم. فقال له عليّ: والله لا يقيلونك ولا يستقيلونك، رضيك رسول الله لديننا فرضيناك لدنيانا، قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك، فصوّب الصحابة جميعهم قوله واستحسنوه «١» .
وانظر اعترافهم ان رسول الله ﷺ قد اعطى أبا بكر اكثر مما اعطوه، وعجب علي ﵁ من طمع الانصار في الامارة وقال: أما سمعوا قول رسول الله ﷺ: «اوصيكم بالانصار خيرا، اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم «٢»»، فلو كانوا هم الامراء لكانت الوصية لهم لا فيهم، ولكن نتجاوز لهم كما وصّى رسول الله ﷺ، والله يرحم الانصار.
فان قال: انهم لم يعارضوا أبا بكر/ خوفا وتقية، فقد بيّنا غير مرة ان سلطان هؤلاء الخلفاء الاربعة لم يكن سلطانا يتقيه محق.
وقيل: إن ابا سفيان لقي علي بن ابي طالب بعد البيعة لأبي بكر فقال له: يا ابا الحسن، ما بال هذا الأمر في اقل حيّ من قريش، إنما هي بنو عبد مناف، إن شئت ملأتها على ابي بكر خيلا ورجلا، فقال له علي: ما
_________________
(١) كتب في الحاشية: صوابه ان مقامه بعد قتل مسيلمة
(٢) انظر الحديث في مناقب الانصار.
[ ١ / ٢٦٩ ]
اريد ذلك، إنا رأينا ابا بكر لها اهلا، واني لأعد بيعتي له من جهادي مع رسول الله ﷺ. ثم اتى ابو سفيان العباس وبني هاشم فقال: ما لنا ولأبي فضل «١»، إنما هي بنو عبد مناف، يا بني عبد مناف ذبوا عن مجدكم وانصحوا عن سؤددكم، ولا تخلعوا تاج الكرامة إذ ألبسكم الله فضلها، انها عقب نبوة، من قصر عنها اتبع، ومن ذبّ عنها اتبع؛ فقال العباس: إن الاسلام قيد الفتك وأخذ بعنان الباطل، فأمهل نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الأمر مخرج نبسط اكفا للجد لا نقبضها او نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد ولا وهن في الأيد. فأنكر علي قول ابي سفيان، ونهى بني هاشم عن الخلاف، وقال لهم: عرجوا عن طريق المنافرة وحطوا تيجان المفاخرة. وقال لأبي سفيان: يا ابا سفيان، إن المسلمين قوم نصحة وإن تباعدت انسابهم، وان المنافقين قوم غششة وان تقاربت انسابهم، يا ابا سفيان، طالما عاديت الاسلام واهله فلم يضره ذلك شيئا، انا وجدنا ابا بكر لها اهلا، ولو لم نره اهلا لما وليناه.
وقد ذكر من هذا امير المؤمنين علي ﵁ بعد مضي عثمان في رسالته الى معاوية إذ يقول له في فصل منها: وقد كان ابوك اتاني حين وليّ ابو بكر ﵀ الناس، فقال انت احق بهذا الأمر بعد محمد ﷺ فهلم ابايعك وانا بذلك على من خالفك، فكرهنا ذلك مخافة الفرقة، / فكان ابوك اعرف بحقنا منك، فإن تعرف منه ما كان يعرف تصب رشدك، وإلا فسيغنى الله عنك.
وقد ذكر معاوية هذا المعنى لابن عباس وبني هاشم حين اخذ الأمر من الحسن، فقالوا له: اغتصبت وأخذت ما ليس لك، فقال لهم: إن كان امر الخلافة يستحق بالقرابة دون الرضا والاجماع فما منع العباس منها وهو
_________________
(١) كذا في الاصل، ولعلها بكر
[ ١ / ٢٧٠ ]
عم رسول الله ﷺ وقد ضمن له ابو سفيان بني عبد مناف؟ فكان جوابهم ان ذاك امر رضيه المهاجرون والانصار واجمع عليه المسلمون، وانت فما رضيناك.
وما كنا في صحة امامة ابي بكر، وإنما كنا في ان الصحابة في كل زمان وأوان يخوضون فيمن يصلح للامامة ولا يذكرون عهدا من رسول الله ﷺ في انسان بعينه مع حاجتهم الى ذلك، بل يجمعون على العمل بالاختيار، فعرض لنا ما كان بين بني عبد مناف، فذكرنا قول بني هاشم، وان ابا سفيان احب ان تكون الخلافة في بني هاشم لأنهم اهله وأقاربه من بني عبد مناف، ولأن السؤدد والرئاسة كانت فيهم قبل الاسلام.
ولهذا قال خالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن وقد قدم بعد وفاته وقد بايع الناس أبا بكر، فعجب من كون الخلافة في أبي بكر دون العباس او علي او عثمان فهؤلاء اعمام رسول الله ﷺ وبنو «١» اعمامه، فقال لعثمان وعلي وقد أتياه ليسلما عليه حين قدم من سفره: أرضيتم بني عبد مناف ان يلي امركم بنو تيم، فقال علي: رضينا، فقال خالد: انتم الشجر الطوال ذوات الظلال فاذا رضيتم رضيناه.
فولاية ابي بكر، وتقدمه على اهل رسول الله وأعمامه وبني اعمامه/ وهم كثرة وفي عزة ومنعة وفيهم اليسار وليس لأبي بكر شيء من ذلك من العجائب، ولهذا قال ابو قحافة وقد جال الناس جولة وهو بمكة: ما هذا؟
قالوا: مات رسول الله ﷺ، قال: فما صنع الناس بعده قالوا: اقاموا ابنك مقامه، قال: أفرضيت بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم، قال: افرضيت
_________________
(١) في الأصل: بني
[ ١ / ٢٧١ ]
بنو المغيرة؟ فقالوا: نعم، قال: ودانت لرجل من تيم؟ قالوا: نعم، قال: فلا مانع لما أعطى الله.
فعجب ابو قحافة من تقدم ابنه والسيّادة والرئاسة انما كانت في بني عبد مناف وبني المغيرة من بني مخزوم دون بني تيم، فلما قدّم المهاجرون والأنصار ومن كان على دين رسول الله ﷺ ابنه ابا بكر، علم ان ذلك الإسلام ومن قبل الله، وان ابنه قد كان اولى بالحسد والابعاد، ولكن القوم رجعوا في توليته الى الدين والاسلام دون الأحساب والأنساب.
ولما بلغ اهل اليمن والبحرين وعمان قالوا لعمال رسول الله ﷺ: هذا الذي بايعه الناس بعد رسول الله ﷺ ابنه او اخوه؟ فقيل لهم: لا، قالوا:
فأقرب الناس منه؟ قيل: لا، قالوا: فما شأنهم؟ قيل: اختاروا أخيرهم فأمّروه عليهم، قالوا: لن يزالوا بخير ما صنعوا هذا.
فتأمل رحمك الله حال القوم لتعرف حقيقتها وتعلم انها بالضد مما قاله هؤلاء، فقد طال العهد وقل التأمل.