وهو ان قريشا لما حرضوا على قتل رسول الله ﷺ وإبادته وإطفاء نوره، وعلى التنفير منه والصدّ عنه والله تعالى يصرفهم بألطافه عنه مشوا اليه، وهم: الوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأمية بن خلف، وعتبة بن خلف، والجماعة من قريش، قالوا: يا محمد، انك قد سفهت أحلامنا، وكفّرت أسلافنا، وعبت آلهتنا وأدياننا/، وشتّتّ كلمتنا، وقطّعت أرحامنا، فهلمّ الى أمر يكون بيننا وبينك، فتعبد أنت آلهتنا التي نعبدها ونعبد إلهك، وتعبد آلهتنا التي كنا عبدناها ونعبد إلهك، ثم تعبد ما عبدنا ونعبد ما عبدت؛ فإن كان معنا خير كنت قد أصبت منه، وان كان معك خير كنا قد أصبنا منه، وتكون كلمتنا سواء، وتسالمنا ونسالمك، وتكون لنا ونكون لك؛ فأنزل الله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» فأخبر انه لا يصير ولا يجيب الى ما قالوا، ولا يقبلهم بهذا الشرط، ولا يكونون على هذا الوجه عابدين لله على الوجه الذي عبده، فكان كما قال.
وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر، وهذا لا يكون إلا من علّام الغيوب، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى. فهذا
[ ١ / ٤٠ ]
يدلّك على خضوع قريش واليهود والنصارى وجميع اعداء رسول الله ﷺ وانقطاعهم في يده، وانه لا مطعن في آياته. ولهذا المعنى قال الله:
«فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» «١»، أي لو قاربتهم وأجبتهم الى ما دعوك لأجابوك، ولو داهنتهم لداهنوك. فتأمل قوله:
«قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» كيف يجبههم بالإكفار والتجهيل والتضليل، وهم أشد عالم الله أنفة ونخوة وجبرية، ودفاعا عن انفسهم، ومواثبة لعدوهم، وهو بمكة معهم وفي ايديهم وفي قبضتهم، والعزّة والغلبة والكثرة لهم لا له، فهيجهم على نفسه بهذا القول، وبعثهم على مكروهه، فنجاه الله منهم.
وهذا قول/ لا يقوله عاقل وحاله ما وصفنا إلا وهو على غاية الثقة بالله، بدفعه عنه، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، فمن أي شيء تعجب رحمك الله؟ أمن إقدامه، أم من مصير الأمر الى قوله وحكمه.
فاعرف هذه القصة واحفظها فانها عظيمة جليلة، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» فكأنما قرأ ثلث القرآن» . وكان يقال في صدر الاسلام ل (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) المقشقشتان «٢»، اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ واندمل: تشقشش الجرح.
_________________
(١) القلم ٩
(٢) قشقش: في اللسان يقال تقشقش الجرح: تعرض قرحه للبرء، والقشقشة: تهيؤ البرء، والمقشقشتان: قل هو الله احد وقل اعوذ برب الناس لأنهما كانا يبرأ بهما من النفاق، وقيل: هما قل يا ايها الكافرون وقل هو الله احد. اللسان مادة قشش.
[ ١ / ٤١ ]
وقوم من الكتاب وعمال السلطان يعرفون ببني ابي البغل «١»، يدعون انهم من المسلمين ومن الشيعة وهم يميلون ميل القرامطة، ويلزمون صنعة النجوم، وبقاياهم بالبصرة في سكة قريش، ومنهم ابو محمد بن ابي البغل، وهذا خلقه وصنعته، وهو حيّ الى هذه الغاية وهي سنة خمس وثمانين وثلثمائة، يقولون في «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ»: هي من البوارد ومن الأشياء التي لا معنى لها، ويتحدثون بذلك في دواوينهم ومحافلهم، ويضربون في ذلك الأمثال؛ وهذا لجهلهم بالأسباب، ولو كان لهم تحصيل وتدبير وقصدوا الانصاف وطلبوا العلم من موارده لعلموا ان هذا من معجزاته، ولكن العجب قد شغلهم، وهم يعدون انفسهم من الخاصة وهم أسقط من سقاط الغوغاء، ولولا ان هذا شيء قد شاع في الكتاب وأشباههم في جميع البلاد لما ذكرته لك، ولكنه شيء قد دار وصار اهل الذمة مع القرامطة يلقون/ به العامة والضعفاء من المسلمين، وليس للاسلام قيّم ولا ناصر بل كل السيوف عليه، فالله المستعان.
وأخرى تبين لك جهل هؤلاء ونقضهم ونقض كل طاعن في القرآن، ان الذي جاء بهذا القرآن ادّعى انه كلام الله وقوله، وان الجن والإنس لا يأتون بمثله ولا بمثل سورة منه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وانه حجة الله على خلقه الى يوم القيامة؛ وقد سمعه الناس كلهم منه، وقد
_________________
(١) ورد في الفهرست تحت عنوان ابن ابي البغل: اسمه محمد بن يحيى بن ابي البغل ويكنى ابا الحسين، استدعى من اصفهان، وكان يلي الوزارة في ايام المقتدر، وكان بليغا مترسلا فصيحا من اهل المروآت، وكان شاعرا ايضا مجودا مطبوعا، فله ديوان رسائل كتاب رسائله في فتح البصرة. الفهرست ١٩٧.
[ ١ / ٤٢ ]
طالبهم ان يأتوا بمثل سورة منه فلم يأتوا مع شدة الحاجة الى ذلك، وقد بذلوا ما هو أعزّ وأعظم في دفعه وإبطال أمره من الأموال والأنفس والأولاد. واذا كان هذا شأنه من السخف والركاكة، وفيه الكذب والتناقض على ما يدّعي هؤلاء، أعداء الاسلام، فكيف يحتج عاقل بما هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه له: تتحدّانا بشيء ركيك بارد غثّ متناقض؟ وكيف لم يقل أعداؤه له ذلك؟ وكيف يتبع ويطاع من هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه لأتباعه: يا ويحكم فارقتم دينكم، وأنفقتم أموالكم، وسفكتم دماءكم، وعاديتم الأمم، واتبعتم رجلا حجته هذا القرآن وفيها الكذب والتناقض؟ ومثل هذا لا يطاع ولا يتبع، بل يكون في سقوط المنزلة بمحل من يركب قصبة ويركض في الاسواق ويقول: انا الملك، وانا الأمير، ويشتم الملوك والأمم والرؤساء، ويتعادى خلفه الصبيان؛ ومثل هذا لا يعاديه أحد ولا يضربه ولا يسبه فضلا ان يقتله/، لأنه لا يضرّ احدا ولا يغضب عاقل من فعله وقوله وإن شتمه وتواعده. فلم غضب أولئك العقلاء من قريش والعقلاء من العرب والدهاة من اليهود والنصارى وطبقات الأمم والملوك منه ومن أفعاله، وبذلوا أموالهم وأولادهم ودماءهم في عداوته وفي الصدّ عنه والمنع من اتّباعه، ورحلوا الى الملوك يشكونه ويضجّون منه، ويبعثونهم على قتله، ويخوفونهم سطواته وغلبته على ممالكهم؟ فقد رحلت قريش الى النجاشي ملك الحبشة في هذا، ورحلت نصارى العرب الى قيصر ملك الروم في هذا، وقد صار النضر بن الحارث بن كلدة الى الفرس في هذا، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما هو مذكور ولعله ان يرد عليك، وهذا مع «١» انه جواب لكل عدو لرسول الله ﷺ، فهو كاف.
_________________
(١) في الاصل: مع ما
[ ١ / ٤٣ ]