في الدلالة على نبوته، أن بني النضير من اليهود غدروا به بعد مهادنة كانت بينه وبينهم، فأرسل اليهم بعد أن سار اليهم ونزل عليهم: أنكم غدرتم بي ونقضتم الصلح الذي كان بيني وبينكم، ومع هذا يصعد عمرو بن جحاش ليطرح عليّ صخرة ليقتلني حتى أطلعني الله على ذلك، / فاخرجوا من حواريّ. فأرسل اليهم عبد الله بن أبي بن سلول بغير واحد من أصحابه يشجعهم ويقول لهم: لا تخرجوا من دياركم فأنا معكم ومن ورائكم، فإن قاتلكم محمد قاتلنا معكم ونصرناكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأطلع الله نبيّه على ذلك، فقال ﷿: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» «١» .
فتلا رسول الله ﷺ هذه على الناس وأخبرهم بما كان من المنافقين وبما أسرّوه إلى اليهود ونادى بفضحهم، ثم أخرج بني النضير من ديارهم وأجلاهم فلم يخرج معهم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه كما ضمن لهم وقد قاتلهم النبيّ ﷺ فما نصروهم.
فتأمل كيف أخبر بما أسرّوا وبما تراسلوا وبما قد كان من كيدهم ومحالا يكون إن لو كان كيف كان يكون، ثم كان جميع ذلك كما أخبر وكما فصل، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون لاحد من المتخرصين، إلا لنبيّ صادق من الله.
ولقد ركب ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده من مرض أصابه على حمار عليه أكاف فوقه قطيفة فدكيّة مختطمة بحبل من ليف، وأردف أسامة بن زيد ابن حارثة، فمر ﷺ بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل مزاحم أطمه وحوله خلق كثير من المشركين ومن اليهود ومن المنافقين، وكان فيهم من المسلمين عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير وبشير بن سعد فتذمم رسول الله ﷺ من أن يتجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فقرأ القرآن، / ودعا إلى الله ﷿، وذكّر به، وحذّر وبشّر وأنذر، وعبد الله زامّ لا يتكلم حتى فرغ رسول الله ﷺ من مقالته، فقال
_________________
(١) الحشر ١١- ١٢
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ابن أبي سلول: يا هذا ما أحسن ما تقول إن كان حقا، فلو أنك جلست في بيتك فمن أتاك حدثته ولم تعرضه على من لا يريده، وشيع بعض اليهود كلامه، فأقبل سعد بن الربيع على اليهودي وقال: مالك ولهذا لا أم لك، كف عن هذا المنطق، فقال ابن أبي سلول: وما قال؟ يذهب محمد إلى من أخرجه من بلاده ومولده فأما من لم يخرجه فلا يغشاه، وقال زيد بن اللضيب معينا لعبد الله: انظر يا محمد إلى الذين جاؤك فأخرجوك من بلادك فاتهم واترك من لم يدعك. وخاض المسلمون الذين كانوا في المجلس، وناظروا ووعظوا عبد الله مع إكرامهم له وهيبتهم له، إلى أن قال عبد الله بن رواحة: بل اغشنا بهذا في منازلنا ورحالنا فإنا نحب ذلك. فاغتاظ ابن أبي بن سلول مما كان وقال في ذلك:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل تذل ويعلوك الذين تضارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه وإن قص يوما ريشه فهو واقع
ثم قام رسول الله ﷺ وركب حتى أتى سعد بن عبادة وذكر له ما كان من عبد الله بن أبي بن سلول فقال له سعد: يا رسول الله، والذي أكرمك بالنبوة لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه، أنشدكم الله أتعلمون ذلك، قال القوم: نعم، فما يرى إلا أنك نزعت شيئا في يديه، قال سعد:
والله ليرى أنك نزعت ملكه، لقد جئت. وإنا لنجمع الخرز لنعقد على رأسه التاج، وأنت أحق من عفا عنه لأنه خالك» .
فتأمل ما في هذا وانظر كيف يتكلم كل أحد بما عنده غير خائف ولا هائب، / وانظر إلى عبد الله وتلك الجماعة من قومه، واليهود الذين قد زينوا عداوته لرسول الله ﷺ. وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى دينه واحتج عليهم وتلا القرآن، فما أتوا بشيء يقدح فيما تلاه واحتج به، ولا قالوا هذا كلام
_________________
(١) انظر لتفصيل هذه الحادثة سيرة ابن هشام ٢: ٥٨٧، ولحادثة مربع بن قيظى نفس المرجع ٢: ٥٢٣
[ ٢ / ٤٩١ ]
يقدر على مثله، ولا أتوا بشيء أكثر من قولهم له: ما نريد أن تتلوه علينا ولا تدعونا اليه.
وهذا عبد الله بن أبيّ عربي فصيح ومفكر داهية وملك من الملوك وكذلك من معه فصحاء بلغاء وأعداء، لتعلم وضوح هذا الأمر ويأس الأعداء من قدح فيه، واعرف هذه المجالس والمواطن والمقامات.
ولقد قال له مربع بن قيظيّ من بني حارثة بن الحارث حين اجتاز رسول الله ﷺ عليه في حائطه ومعه أصحابه عامدا إلى أحد، لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فابتدره القوم، فقال لهم رسول الله ﷺ: دعوه فهذا أعمى القلب.
وكم كان القوم يقولون للأنصار جئتم بغريب وغرباء فقراء وعاديتم الأمم وطمعتم في الجنة، جنة لعمري من حرمل، وطمعتم في الحياة بعد الموت، وهيهات لما توعدون. وترد الأجوبة عن ذلك مما هو في القرآن من أنه إن لم يكن ها هنا إعادة ومجازاة فخلق العباد لهو ولعب كقوله: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» «١» وقوله: «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ.
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» «٢» .
أي ليس هذا الأثر/ وهذا الفعل فعل من يجوز أن يكون منه لعب أو لهو أو عبث أو ظلم أو جور. ثم بيّن اقتداره على الاعادة مما هو مذكور في سورة
_________________
(١) المؤمنون ١١٥
(٢) الأنبياء ١٨
[ ٢ / ٤٩٢ ]
بني إسرائيل، وفي سورة يونس، وفي سورة الروم، وفي سورة الواقعة، إلى أن قال رسول الله ﷺ: يا عجبا كل العجب للشاكّ في قدرة الله وهو يرى خلقه، ويا عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، ويا عجبا كل العجب للمكذب بنشور الموت وهو يموت كل يوم وليلة ويحيا.
ويا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور، ويا عجبا كل العجب للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة وهو يعود جيفة وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به، إلى غير ذلك مما كان يذكره ﷺ ويذكره أصحابه ﵏ مما أصله في القرآن، ولم تكن العناية تشتد به استغناء بالقرآن ولأنه تنبيه على ما وضعه الله في العقول فهو متحل بمن نظر ثم فكر واعتبر.
وقد كان لعبد الله بن أبيّ بن سلول حين أظهر الإسلام مقام يقومه كل جمعة، إذا جلس رسول الله ﷺ ليخطب الناس فيقوم عبد الله ويقول: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم كرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا، ويجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام يوم الجمعة يفعل ما كان يفعل، فأخذ الأنصار بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ويقول: والله لكأنما قلت هجرا أن قمت أسدد أمره فوثب علي أصحابي يحذبونني ويعنفونني كأنني قلت/ هجرا، قالوا: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي، فاجتمع اليه قومه ممن على رأيه وفي نفاقه، واليهود يتوجعون له ويقعون في رسول الله ﷺ والمسلمين، ويدبرون الرأي ويعملون الحيل في شيء يصنعونه بالأنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ﷺ فلا يجدون، وهذا من تلك المواطن وموضع الحاجة.
ولما أخذ أولئك المنافقون في التتبع على رسول الله ﷺ، والتعرف لأخباره،
[ ٢ / ٤٩٣ ]
والتحفظ لما يكون منه مع المسلمين ومع غيرهم، وقد اختلطوا بالمسلمين وأظهروا الإسلام، فينقلون الأخبار إلى إخوانهم وأمثالهم من المنافقين واليهود، ويحلون معهم. وكان هؤلاء المنافقون أكثر من ستين رجلا، فلما كثر منهم ذلك تقدم رسول الله ﷺ بإخراجهم من المسجد، فقام الأنصار فأخرجوهم وسحبوهم واحدا واحدا، وأذلوهم، وقالوا لهم: يا أعداء الله، قد اختلطتم بنا وصليتم معنا، وأصغيتم إلى حديثنا مع رسول الله ﷺ، فلا أنتم وجدتم ما تحبون وتتمنون، ثم لا تنتهون ولا تخلصون. وهذا من تلك المواطن التي قد تقدم نظائرها وأنها لا تكون من تدبير البشر، فانظر إلى هذه المكاشفة، فلو وجدوا عثرة أو زلة أو ما يشبه ذلك لذكروه واحتجوا به، فهذا موضع الحاجة إلى ذكره، وهؤلاء المنافقون الذين سحبوا وأخرجوا من المسجد أسماؤهم معروفة وكذلك أنسابهم واحدا واحدا.
وفي هذا تكذيب لمن زعم أن رسول الله ﷺ كان يداهن أصحابه واتباعه ويظهر تزكيتهم ومدحهم وتعظيمهم/ وإجلالهم ولا ينطوي على ذلك ولا ينويه ولا يضمره، وهذا يقوله من زعم أنه من المسلمين، وإنما وضع هذا من أراد الطعن في الإسلام وتحيير المسلمين وتشكيكهم وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون.
ثم انظر إلى اليهود: منهم من بني قينقاع، مثل زيد بن الصليت، وسعد ابن حنيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وعزيز بن أبي عزيز، وغيرهم من رؤساء بني قينقاع إلى بني النضير ورؤسائهم، كحييّ بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني
[ ٢ / ٤٩٤ ]
قريظة ومن رؤسائهم، كعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، والزبير بن باطا بن وهب، واعزال بن شماويل، وقزوم بن كعب، ونافع بن أبي نافع، ووهب بن يهوذا، وأسامة بن حبيب، وغيرهم من رؤساء بني قريظة. فهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ بالمدينة وحول المدينة وإلى من يحبذون «١» رؤساءهم، فقد كانوا حين سمعوا رسول الله ﷺ وهو بمكّة وما ادّعاه من النبوة ثقل ذلك عليهم سيّما على أحبارهم ورؤسائهم، فجردوا في عداوته وظاهروا قريشا والعرب عليه ونهوهم عن أتباعه وتصديقه.
وكانت قريش تشكوهم إليهم، وكان من يجتاز من أهل مكة في متجرهم إلى الشام يذكرون لهم ذلك، وفي قريش من يقصدهم لهذا، كالنضر بن الحارث وأمثاله يطلبون منهم ما يكون فيه تكذيب لرسول الله ﷺ وما ينفر الناس عنه وعن القبول منه مما يجدونه في كتبهم، ويأثرونه عن أنبيائهم ورؤسائهم/، فيقولون لهم: سلوه عن يوسف وما كان من أمره وإلى أي شيء انتهى، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: سلوه عن أصحاب الكهف من هم وكم عدتهم، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: فاسألوه عن رجل مؤمن سار من مغرب الشمس إلى مشرقها، فينزل القرآن في ذي القرنين، إلى غير ذلك. فلما نزل رسول الله ﷺ لمدينة وجاورهم وصار معهم، كانت عداوتهم أشد، وشغلهم به ﷺ وبالمسلمين والدخول بينه وبين الأوس والخزرج والنهي عن اتّباعه. وكانوا معدن الشر والشبه والفتح على العرب أبواب الضلالة، وفيهم شجاعة وثروة، وكان كيدهم أحدّ من
_________________
(١) في الأصل، يحبذو
[ ٢ / ٤٩٥ ]
سيوفهم وأنفذ من رماحهم. وقد رحل بنو النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ إلى قريش وبعثوهم على حربه وقصده، وكان من بني قينقاع وقريظة وخيبر ما هو مذكور وشرحه يطول.
فانظر هل ظفروا مع طول هذا الطلب والحرص بزلة أو هفوة أو عثرة أو ما يشبه ذلك. وقد كان منهم باليمن وبعدن وبوادى القرى خلق كثير يمدون هؤلاء الذين بالمدينة ويصنعون صنيعهم في إلقاء الشبه للعرب، فتأمل هذا فكم فيه من نور وهدى.
ولقد كان هؤلاء وجميع أعداء رسول الله ﷺ يتراجعون أمره فيما بينهم، فإذا هم لا يجدون مطعنا ولا مغمزا. كالذي كان من بني قريظة قبل النكث ونقض عهد رسول الله ﷺ، حين قال عمرو بن سعد للزبير بن باطا: «١» أطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فو الله انكم لتعلمون أنه نبيّ قد بشّر به علماؤنا، منهم. ابن الهيبار، وأبو عمير بن حواش ممن قدم الينا من علماء بيت المقدس يتوكفان قدومه «٢»، وأمرانا باتباعه وأن نقرئه/ منهما السلام، ثم ماتا على دينه ودفناهما بجزيرتنا هذه. فأمسك القوم فلم يتكلم منهم أحد. فأعادوا الكلام، فقال الزبير: قد قرأت صفته في كتاب باطا التي أنزلت على موسى.
وذكروا صلاح بن الهيبار، وأنه حين حضرته الوفاة قال: ما الذي ترون؟
أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، قال: أتوكف خروج نبيّ قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره،
_________________
(١) هو الزبير بن باطا بن وهب، يهودي عدو للإسلام، انظر سيرة ابن هشام ٢: ٥١٥
(٢) جاء في لسان العرب مادة وكف: توكف الأثر تتبعه، والتوكف التوقع والانتظار، وفي حديث ابن عمير: أهل القبور يتوكفون الأخبار، أي ينتظرونها ويسألون عنها. يقال: هو يتوكف الخبر، أي يتوقعه.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
فكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقوا اليه فإنه يسفك الدماء ويسبي الذراري، فلا يمنعكم هذا منه، فقال له كعب بن أسد: فما يمنعك من اتباعه، قال: أنت، قال: كعب: ولم؟ ما حلت بينك وبينه، قال: أنت صاحب عقدنا وعهدنا، فإن اتبعته اتبعنا وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة إنه للعزّ والشرف، وإنه لعلى منهاج موسى وننال معه شرف الدنيا وننزل معه ومع أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا ولا يخفر محمد لنا ذمة، وننتظر ما يصنع حييّ بن أخطب، فقد أخرج إخراج ذل وصغار ولا أراه يقر حتى يغزو محمدا، فإن ظفر فهو ما أردنا أقمنا على ديننا، وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير. وتحولنا من جواره. قال عمرو: ولم نؤخر الأمر وهو مقبل، قال كعب: ما على هذا فوت، متى أردت هذا من محمد أجابني. قال عمرو: بلى إن عليه لفوتا إذا سار الينا وتحصّنّا في حصوننا هذه التي هي قد خدعتنا فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا. قال كعب:
ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا بقول هذا الاسرائيلي لا يعرف لي فضل البتة ولا قدر النعال، قال عمرو بن سعدى: بلى، / لنعرفن ذلك لك، وطال ما بينهم، ونزل قوم منهم ولحقوا برسول الله ﷺ وأسلموا.
فانظر إلى طول البحث والمراجعة بينهم، وإلى أعداء رسول الله ﷺ من رؤسائهم وأحبارهم وهم يصدون عن اتباعه بجهدهم، هل يقول قائل منهم هذا الذي من غدراته ونكثه كذا وكذا، وكذبه يوم كذا، وهذا موضع الحاجة اليه وإلى ذكره، أو أن موسى قد وصّى بأن شريعته لا تنسخ، وأن السبت لا يعطل مما يدعيه اليهود، والمناظرة والمراجعة تذكر بالأمور المتقادمة وتخرج الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله ﷺ فيه مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه ﷺ من مشهد وموقف بهم الحاجة
[ ٢ / ٤٩٧ ]
إلى ما قد ذكرنا وبيّنّا.
وقد علمت مقامه بمكة وقد تفرغوا له وجعلوا شغلهم كله في طلب عثراته وفي الصد عنه، وفيهم مثل أبي لهب، وأبي جهل، وأخيه العاص، والعاص ابن سعيد، والحكم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وابن الأصد الهذلي، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن عبد يغوث، وابن العيطلة وهو الحارث ابن قيس بن عديّ السهمي، والوليد وأبي وأمية ابنا خلف، وأبي قيس بن الفاكه والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي، والأسود بن عبد الأشد، هؤلاء جيرانه، وكانت عداوة أبي سفيان صخر بن حرب، وعتبة وشيبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، مسلمة، والحارث ابني هشام، وأمثالهم، تصغر في جنب عداوة هؤلاء وهو معهم وأسير في أيديهم بمكة، يضربونه، ويخنقونه، ويطرحون/ التراب الفرث على رأسه، ويطرحون الجيف ببابه، فيقول: يا بني عبد مناف، أي وجوار هذا.
وكان الموسم إذا جاء يخرج إلى الموسم فينذر ويدعو إلى الله تعالى ويقول:
أيها الناس، إن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله، هلموا إلى عبادة الله وحده، ويتلو القرآن فيتبعوه ويضربوه، ويرمي عمه أبو لهب أعقابه حتى يدميها، ويتفرقون في الشعاب وعلى الطرق إذا جاء الموسم، ويلقون الناس ليصدوهم عن رسول الله ﷺ؛ فيقتسمون الطرق على عقاب مكة، فيقول لهم الوليد بن المغيرة: تفرقوا حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عنه فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم ساحر، وبعضكم شاعر، وبعضكم غاو يفرق بين الأب وابنه وبين الأخ وأخيه، فإذا انتهوا إليّ صدّقتكم. وهؤلاء
[ ٢ / ٤٩٨ ]
الذين كانوا يفعلون هذا: حنظلة، وأبو سفيان، وعتبة، شيبة، وابو جهل والعاص بن هاشم، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أميّة، وهلال، والسائب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ومنبّه بن الحجاج، وأمية، وأوس بن المغيرة مولى وهب بن حذافة، وزمعة ابن الأسود.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ممن أسلم بمكة يخرجون فيتفرقون مع هؤلاء المقتسمين، فإذا ذكروا ما عندهم في رسول الله ﷺ قال لهم المسلمون: كذب هؤلاء، بل محمد رسول الله صادق يدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى صلة الرحم، ورحمة اليتيم، وإلى كذا؛ ويتلون القرآن وأولئك يمنعونهم ويضربونهم في الموسم الذي يأمن فيه الناس فلا يأمن فيه رسول الله ﷺ ولا أصحابه وهم يدعون إلى الله ويقولون هذا مع كونهم مقهورين مغلوبين وقليلا وضعفاء/ يخافون أن يتخطفهم الناس.
فتأمل هل قدرت قريش أو أهل مكة أن يقولوا فيه ﷺ أنه غدر أو كذب أو احتال أو أتى بفاحشة أو شيئا مما يدعيه أعداؤه وملحدة زمانك، مع طول تلك السنين التي كان مقيما فيها بمكة منذ ادعى النبوة وهي خمس عشرة سنة، فما زادوا في الطعن فيه على التكذّب عليه. وكان أهل الموسم إذا سمعوا قول أصحاب رسول الله ﷺ يقول بعضهم لبعض: قول هؤلاء أحسن وخير.
فتأمل رحمك الله الأمور، وأطل الفكر والتأمل وأصرّ على ذلك، لتعلم حقائق الأمور، فقد بليت في زمانك بمن يقول في الصحابة المكيين والمهاجرين والذين بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول ﷺ لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما اعتقدوا
[ ٢ / ٤٩٩ ]
إلا تكذيبه ولا أضمروا إلا سقوطه واحتياله.
وهؤلاء قوم اتبعوه وهو وحيد فقير ذليل خائف مقهور مغلوب وأهل الارض يد واحدة في عداوته وعداوة أتباعه، فخرجوا باتباعه من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزّ إلى الذل ومن الكرامة إلى الهوان ومن الراحة إلى النصب، ومن الأوطان إلى الغربة. وزعم ملحدة زمانك أنهم فعلوا نفاقا وأنهم كانوا منافقين فمن ينكر بعد هذا أعجوبة، أو ينفي عن الناس حماقة أو يحسن يأخذ ظنّا، وهل هذا إلا كقائل قال: إن محمدا نبيّ المسلمين كان ينافق قريشا والعرب تدافعهم وإن كان قد خرج معهم إلى تلك الأمور، وأنّ السحرة قد نافقوا فرعون وداهنوه في اتباعهم موسى/ وانصرافهم عنه ومكاشفتهم له حين قال لهم: «إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» «١» و«فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى. قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» «٢»
والأعجب من هذا، أنه ﷺ قد أوجب على العباد موالاة هؤلاء المهاجرين السابقين وفرض محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم، وحرّم سوء الظن بهم إلا أن يظهر منهم كبيرة، كما أوجب معاداة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان.
هذا معلوم من دينه ﷺ ودعوته غير ما قد ضمنه الله كتابه من مدح
_________________
(١) طه ٧١
(٢) طه ٧١- ٧٢
[ ٢ / ٥٠٠ ]
المهاجرين والأنصار وملأ القرآن به، وهذا كله خلاف ما يدعيه هؤلاء الذين غرّهم من لقنهم هذا، فإنه كاد بهذا الصنيع للإسلام والمسلمين من حيث لا يشعرون. وإنما أردنا ذكر حال أعداء رسول الله ﷺ من أهل جيرته وبلده وأهل بيته من طبقات قريش مع الدهاء، وأنهم قد توكلوا لجميع أعدائه وكفوهم وزادوهم على الكفاية، فما وجدوا شيئا يكون لهم حجة أو شبه الحجة في إبطال أمره، فبطل كيدهم مع طول العناء وبار مكرهم كما قال الله:
«وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» «١» .
وقد خرج ﷺ إلى الطائف ودعا إلى الله وقال: أجيروني حتى أبلغ رسالة ربي ودعوا ما أنتم/ عليه فإن الله يسخط، وعاب دياناتهم وما كان عليه آباؤهم، وذم قريشا بما تأتيه من تكذيبه، فما كان عندهم في ردّه شيء إلا أن قالوا له: كيف اختارك الله من بين أهل مكة ومن بين الناس كلهم وهناك من الحكماء والعقلاء كفلان وفلان، وفي أهل الطائف فلان وفلان، وإذا كان الله قد اصطفاك فكيف أحوجك إلى نصرة الناس، إلى غير ذلك مما لقوه به من الجفاء وقد غاظهم وأغضبهم ما ذكره من قبح أديانهم وتضليل آبائهم.
فانظر هل يرجعون في تكذيبه إلى حجة أو ما يشبه الحجة، وهل يجدون مطعنا أو مغمزا مع حاجتهم إلى ذكر ذلك في هذه المواضع.
ومن هذا الجنس، لما أمر الله ﷿ رسوله بعرض نفسه على القبائل وهو أمر معروف، وقد ذكره الناس وتحدثوا به، وممن كان يتحدث به عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ بعرض نفسه على القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس «٢» من مجالس العرب
_________________
(١) فاطر ١٠
(٢) في الأصل مجالس، ولعل الصواب ما أثبتناه
[ ٢ / ٥٠١ ]
فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسّابة، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة، قال: ومن أي ربيعة؟
ثم ذكر عليّ ﵁ ما كان بينهم وبين أبي بكر قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟
قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وقد غلبهم خصالا ولسانا، وكانت له عذبتان تسقطان على تربيته «١»، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف/ العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف عن قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق علينا الجهل ولكل قوم جلّ؟ قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين «٢» نلقى، وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلام على اللقاح، والنصر من عند الله: يديل علينا مرة، ويديل لنا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله، وهاهو ذا. فقال مفروق:
قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى ما يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ، وقام أبو بكر يظلّه بثوب. فقال ﵇: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني. فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،
_________________
(١) لعل هنا سقطا تقديره: موضع، فتكون العبارة: موضع تربيته.
(٢) في الأصل: لحين
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» «١»
قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» «٢» فقال مفروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه/ أحب أن يشركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال مفروق: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، هذا زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون الزلة مع العجلة. ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال:
وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حزبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فهو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، التامة والشامة. فقال رسول الله ﷺ ما هاتان الضربتان فقال: أنهار
_________________
(١) الانعام ١٥١
(٢) النحل ٩٠
[ ٢ / ٥٠٣ ]
كسرى ومياه العرب، نزلنا بينهما على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإنّا نرى يا قرشيّ أن هذا الأمر الذي تدعو أنت اليه مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالحق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم لو لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك. فنهض رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد أبي بكر ويقول: يا أبا بكر أية أحلام في الجاهلية- أو أية أخلاق شكّ الراوي الراوي أيهما قال- ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم ببعض وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال علي ﵁/: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ وكانوا صدقاء صبراء وأنفذ رسول الله ﷺ معهم بعد أن تردد اليه منهم قوم بعد قوم يسلمون وينصرفون: مصعب بن عمير ﵁ لتلاوة القرآن والتفقيه في الدين، وكانت الأوس والخزرج قبائل كثيرة وعددا جما فأسلموا طوعا بهذا الشرط وغلب عليهم الإسلام. ولغلبة الاسلام على هذه القبائل ولاستبصار أهلها ما كان في الأوس والخزرج منافقون لما رأوا قومهم وقد عمهم الإسلام وكانوا كثيرا والمنافقون قليل فأحبوا أن يحقنوا دمائهم وأن يشاركوا قومهم في العز فأظهروا الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه.
ثم انظر إلى صنيع قريش فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فقد كان صار بها نحو المائة من كبار المهاجرين، واستجاروا بالنجاشي ملك الحبشة فأجارهم وقبلهم، فعبدوا الله آمنين مطمئنين واستراحوا من المكاره التي كانت تجرى
[ ٢ / ٥٠٤ ]
عليهم من قريش فقد كانت عظيمة، فلما بلغ قريشا أمرهم قلقوا لذلك وقاموا وقعدوا، ثم ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فيهم رجلين منهم، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ثم لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو ابن العاص بن وائل السهمي، وقالوا لهما: إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن أن تكلموا النجاشي، ثم قدّموا للنجاشي هداياه ثم سلوه بأن يسلمهم اليكم قبل أن يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما الملك ثم قالا لكل بطريق منهم أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا/ غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا فيهم إلى الملك أشراف قومهم ليردّهم اليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قرّبا هداياهما إلى الملك فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك «١»، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وما عابوهم فيه. ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو وسائر قريش من أن يسمع النجاشي كلام المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي:
_________________
(١) ضوى: لجأ
[ ٢ / ٥٠٥ ]
لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوم «١» جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم اليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل اليهم فدعاهم اليه. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وأمرنا به نبيّنا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. وكان عمرو بن العاص صديق النجاشي قديم المعرفة به والمهاداة له، وكان يرفعه في مجلسه ويكرمه الكرامة الكبيرة. فدخلوا عليه، وعمرو بن العاص عن يمينه؛ فلما بصر بهم من حول الملك قالوا لهم:
اسجدوا للملك، وكان الصحابة قد جعلوا أمرهم إلى جعفر بن أبي طالب ليكلم الملك عنهم. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله وحده، فزبرهم من حول الملك فما سجدوا «٢» فقال لهم الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم/ فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل، فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجواري، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام؛ فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال
_________________
(١) أكاد، من الكيد، وقوم على هذا الأساس منصوبة لأنها مفعول به
(٢) زبره: نهره وغلظ له بالقول اللسان، مادة زبر
[ ٢ / ٥٠٦ ]
له: فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحلّ علينا. فعدا علينا قومنا فعدبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.
فقال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله من شيء؟ فقال جعفر:
نعم، فقال النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: هذا من عند الله انطلقوا فو الله لا سلمتكم إليهما. فورد على عمرو والبطارقة الذين أعانوه وهاداهم ما كرهوا، وغلظ عليهم. فلما خرجوا من عنده قال عمرو: والله لأبيّتنه غدا/ بما أستأصل به خضراءهم، والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل اليهم واسألهم عما يقولون فيه. وبلغ ذلك المسلمين ولم ينزل بهم مثلها. فاجتمع المسلمون، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه، فقالوا:
نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا ﵇ كائن في ذلك ما هو كائن فقال: فأرسل اليهم النجاشي، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الحصينة. وقد كان رسول الله ﷺ أرسل عمرو بن أميّة الضمري بكتابه إلى النجاشيّ يدعوه إلى الإسلام ويقول له: عندك أصحابي فأجرهم وقرّبهم ولا تتجبّر عليهم، وأرسل إلى المسلمين
[ ٢ / ٥٠٧ ]
بما أنزله الله عليه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» فلما سمع النجاشيّ ذلك ضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود، فتأخرت بطارقته حوله حين قال ذلك فقال لهم: وإن نخرتم، ثم أقبل على المسلمين فقال: اذهبوا فأنتم سّيّوم بأرضي ما أحب أني آذيت رجلا منكم بجبل ذهب. ردوا على هذين هداياهما فلا حاجة لي بها، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فاخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فنال بطارقتهم من هذا ما غمّهم وساءهم، وخرج عمرو وصاحبه من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقام المسلمون عنده بخير دار عند خير جار. ثم أقبل عليهم وبسطهم ورفع منهم ولم يزل يسمع، وأسلم، وأجاب/ رسول الله ﷺ عن كتابه بأني قد أسلمت، وترددت رسله وكتبه إلى رسول الله ﷺ مع هداياه، وأنفذ ابنه إلى النبي ﵇ فغرق في البحر قبل أن يصل اليه، وكان من أمر النجاشي ما هو من المعلوم من إسلامه.
والذي أردنا من هذا أن مثل عمرو بن العاص قد تباهى في سبّ رسول الله ﷺ والتنفير عنه والصد عنه عند النجاشي.
فانظر هل أمكنه أن يذكر في ذلك حجة أو ما يشبه الحجة، أو غدرة، أو زلة. وقد كان رسول الله ﷺ هاجر وكان له مع قريش واليهود والنصارى تلك الوقائع والمشاهد وقد شهدها عمرو وبلغه ما لم يشهده، فانظر هل كان عنده في ذلك شيء ينفر به عن رسول الله ﷺ أو يحتج به على المسلمين وقد استفرغ.
ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن الراونديّ والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش
[ ٢ / ٥٠٨ ]
سبيلهم سبيله في عداوة رسول الله ﷺ والمسلمين، وكم له مع النجاشي من المراجعات في أمر عمرو بن أمية الضمري ليمكنه منه ليقتله فما مكنه، ثم عاد بعد ذلك إلى النجاشيّ بمدة طويلة وسفرة بعد سفرة، فوعظه النجاشي ودعاه إلى الإسلام ورغبه في الهجرة، وقد كان أخوه هشام بن العاص أفضل منه وأجل قدرا فأسلم وهاجر وجاهد في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته واستشهد رحمة الله عليه.
فانظر إلى تدبير قريش في مهاداة البطارقة ليكونوا معهم على المسلمين وليصرفوا النجاشي عن المسلمين، فإن هذا تدبير العقلاء والدهاة والمنكرين، ولا يمكن العاقل الكامل المتأني أن يفعل أكثر من هذا ليعرف عقول قريش وخصوم رسول الله ﷺ من العرب على غيرهم، ثم ما أغنى عنهم فيما راموه من/ الطعن على رسول الله ﷺ.
وانظر كيف لما ذكره المسلمون بأنا نعرف أمانته وصدقه وعفافه إلى غير ذلك هل تهيأ لعمرو أو لغيره من أعدائه أن يقدح فيه أو ينكره، ورسول الله ﷺ ابنهم وهم ولدوه وهم ربّوه ومعهم نشأ ومعهم أقام وسافر.