من أعلامه وآياته، وهو أنه كان يقول في أوان ضعفه وعنفوان أمره أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه، وتتحزب الأمم عليه، وتقصد لقتاله وقتله واستئصاله واستئصال أتباعه، ويأتونهم من كل وجه. وأن أصحابه يثبتون ويزدادون بصيرة ويقينا في أمرهم عند ذلك. وأن من رآهم ورأى من سار إليهم يكون عنده وفي عقله ورأيه أنهم لا ينجون، فكان ذلك كما قال وأخبرهم الله في تلك الحال، أنه ﷿ سيكفيهم أمر هؤلاء وأمر من ظاهرهم من أهل الكتاب، ويستخلفهم في الأرض، ويؤمن خوفهم، ويبدلهم بالضعف قوة، ويمكن لهم في الأرض، وكان هذا في قصة الأحزاب، وأنزل الله فيها وفي يومها الآية التي تقدم ذكرها في سورة النور. وقد كان ﷺ أجلى بني النضير من اليهود لأذيتهم له وغدرهم به، فرحلوا عن المدينة من جواره، وصاروا إلى قريش وإلى عبس وذبيان وفزّارة وغيرهم من القبائل، وحرضوهم عليه بأنه أكفر أسلافكم وعاب أديانكم واستجهلكم وذهب بسيادتكم ورئاستكم وبأحسابكم
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وفرق آلافكم وحمل الأبناء على قتل الآباء، والآباء على على قتل الأبناء، وهو يزعم أنه يظهر عليكم ويستأصلكم وأنتم غير آمنين مما يوعدكم به، فبادروا مادام في ضعف قبل أن يقوى بأشد مما كنتم عليه ببدر وأحد.
وكانت لليهود بالحجاز رئاسات وضيافات ومنن على العرب، يجيرون من استجار بهم ويمنعون عن جيرانهم ويقاتلون/ دونهم؛ فأثاروا قريشا والعرب على رسول الله ﷺ، فساروا اليه في نحو عشرين ألفا، وجاء حييّ بن أخطب اليهودي النضري إلى بني قريظة من اليهود وكانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن يسالموه ولا يعينوا أحدا عليه أبدا وكتبوا بينهم وبينه في ذلك كتابا. فجاء حييّ بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد رئيس بني قريظة، وقال له: جئتك بشرف الدنيا وبالعزّ، وهذه القبائل من قريش والعرب قد ساروا إلى محمد فكن معنا، فقال: دعني فإن هذا الرجل قد عرفناه بالصدق والوفاء، إن قال نعم فهي نعم، وإن قال لا فهي لا، ما لقوله خلف، وأكره أن يغدر به ولعلكم ألا تظفروا به. فقال حيي: ليس هذا من تلك العساكر التي لقيته قبل هذا، ونحن في كثرة وهو في قلة، ولن ننصرف عنه أو نستأصله، فتندم في قعودك عنا؛ وإنما هو وأصحابه قليلون، وهذه قريش في هذا العدد. وذكر عدد تلك القبائل وما زال بهم حتى غدرت قريظة. فأرسل رسول الله ﷺ بسعد ابن معاذ وسعد بن عبادة اليهم ليعرف ما عندهم وهل غدروا أم لا. فلما بصرت قريظة بالسعدين مزقوا الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وسبوه، فرد عليهم سعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: كفّ، فما بيننا وبينهم أجلّ من السباب.
فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه بغدرهم تعريضا إشفاقا على ضعف
[ ٢ / ٤٤٩ ]
المسلمين، وكانت قريظة بالقرب من المدينة وفي أحد جوانبها. وجاءت قريش والقبائل من وجه آخر، وأشار سلمان الفارسي رحمة الله عليه بحفر خندق، وكان هذا أول مشهد شهده سلمان. فأمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق وأخذ كل جماعة من الصحابة قطعة يحفرونها/، فاعترضتهم صخرة صلبة لا يعمل فيها المعول فهموا بالتعريج عنها، ثم قال قائل: عرفوا رسول الله ﷺ وقد كان ﷺ سار بالمسلمين عن المدينة وعسكر بإزاء العدو. فنزل ﷺ إلى الصخرة وأخذ المعول فضربها ضربة فثار منها برقة عظيمة. فكبر وكبر المسلمون، وقال: رفعت لي صنعاء واليمن فرأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة عظيمة فكبر وكبر المسلمون فقال: رفعت لي قصور الشام كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة ثالثة فكبر وكبر المسلمون وقال: رفعت لي قصور مدائن فارس وفارس وأنتم تفتحونها وتملكونها فأبشروا. وتصدعت الصخرة فصعد رسول الله ﷺ من الخندق وهو مستبشر مسرور، ورتب أصحابه لحراسة الخندق وجعله بينهم نوائب كما هو مذكور.
وكان بالخندق من الضيق ما تطفره خيول شجعانهم، فطفره عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وضرار بن الخطاب، وأقاموا أياما يحاربون، ثم تواعدوا عشية أن يكونوا من غد يحملون حملة واحدة من كل جانب، ويقتحمون على المسلمين. فأرسل الله عليهم ريحا عاصفا قلعت أخبيتهم وأبنيتهم، ونفرت خيولهم وإبلهم، وأخذهم من الرعب ما لم يملكوا أنفسهم، ومروا هرابا على وجوههم، وكفى الله المؤمنين قتالهم، وبات المسلمون من تلك الريح في كل عافية.
فإن قيل: ومن أين لكم صحة هذا أنه جرى، قيل له: قد جاء مجيئا إذا
[ ٢ / ٤٥٠ ]
تدبّره من سمعه وفكر فيه علم وتيقن أن الأمر كذلك، فإن القرآن نزل به مذكرا هذه النعمة ومحتجا بهذه الآية وممتنا على المؤمنين فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا» «١»
فلو كانت هذه الريح وغيرها من الأمور التي جرت العادة مثلها «٢» لما امتن الله به ولا احتج والعدو والولي يسمعه، [هذا] لا يفعله عاقل فكيف بمن يدعي النبوة. ثم يؤكده بأن يجعله قولا لله وأن الله يذكرهم بهذه النعمة.
ثم قال: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» «٣» لما كان قد تقدم به البشرى، فكانوا يقولون: الواحد منا ما يستطيع أن يذهب لحاجته من العساكر التي قد أحاطت بنا وهو يعدنا بملك اليمن وملك كسرى وقيصر. ثم أذكرهم بقول طائفة أخرى «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا» «٤» وقد كان قوم من بني حارثة قالوا ذلك أخبرهم الله بضمائرهم في قولهم، ولا يجوز أن يقول ذلك إلا وهو كما قال، ثم قال:
«ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا.
ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا» إلى قوله: «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
_________________
(١) البقرة ٢١٣- ٢١٤
(٢) هكذا في الأصل، ولعل الأصح «بمثلها» .
(٣) الأنفال ٤٩
(٤) الاحزاب ١٣
[ ٢ / ٤٥١ ]
كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ» «١» يصف جبنهم وخورهم وخداعهم وأنهم إذا زال الخوف وأمنوا قالوا: فعلنا وصنعنا واجتهدنا، ويظهرون احتقار العدو وإن عادوا عاودناهم، ثم قال/:
«يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ» «٢» يحكي عن هؤلاء المنافقين وعن من قلت بصيرته وعن من في قلبه مرض، أنهم يحسبون أن الأحزاب لم يذهبوا ولم ينصرفوا، وأنهم سيرمون شعثهم مما نالهم من الريح ويرجعون، وأن عسكرا مثل هذا في الكثرة والقوة لا ينصرفون بإزائهم في ضعف وهم مع ذلك في قلة، و«يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ، وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا»»
فأخبر عن أسرارهم وعن ضمائرهم وواجههم بنفاقهم وسوء نياتهم، وهذا لا يفعله إلا نبي واثق بتأييد الله له وبنصره إياه، لأن من صواب الرأي ومحكم التدبير عند الحكماء والرؤساء وطلاب الملك وخطاب الدنيا أن يقبلوا الطاعة ممن أظهرها لهم وإن اتهموا ضمائرهم، وأن لا يردوا ما ظهر من نصحهم ولا يقولوا لهم ليس ظاهركم كباطنكم وأنتم أعداء، ليس هذا من حقوق الرئاسة ولا يسوغ في تدبير السيادة ولا يقع هذا من عاقل إلا أن يكون نبيا، لأن الرئيس إذا فعل هذا حملهم على مكروهه وبعثهم على مكاشفته واستفراغ الوسع في الإفساد عليه وفي قتله. وفي أمثال الحكماء: لا تسمّه عاقّا فيعق، وقال في وصاياه التي ترتضيها العقلاء:
اقبل مقالة من يأتيك معتذرا إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلك من يعصيك مستترا
_________________
(١) الأحزاب ١٤- ١٥
(٢) الأحزاب ٢٠
(٣) الأحزاب ٢٠
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وكان أيضا لو لم يكن نبيا لا يأمن أن يكون باطنهم في طاعته مثل ظاهرهم، فإذا قال لهم قد نافقتم وهم بخلاف ذلك لكان طعن في قوله، وإن لم يواجهوه بالكذب قالوه/ من ورائه وذكروه لأتباعه ولمن قد اعتقد صدقه، ويذكرونه لعدوه من اليهود والنصارى. فإنهم كانوا أشد الناس حرصا أن يقع له كذبة أو زلة، فهم كانوا يواجهونه بالتكذيب وليس معهم حجة فكيف إذا صار لهم حجة. فتعلم أنه لم يقل ذلك إلا عن علم ويقين، وهذا باب كبير من الاخبار بالغيوب وهو كثير في القرآن فاعرفه، فهو من الآيات العظام ثم قال لهم:
«لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» «١» فقد كانوا رأوه ﷺ في تلك الشدائد والأهوال، ساكن القلب، طيب النفس يبشرهم بالنصر على هؤلاء وعلى أمم العرب والعجم.
ثم قال: «وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا» .
وقد كانوا يقولون عند قول النبي ﷺ وهو بمكة: أني سأصير في جماعات وعساكر فيقولون: ملكنا أبسط وحزبنا أغلب وجندنا أكثر، فأنزل الله إذ ذاك وقبل الهجرة: «أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ. جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» «٢» فلما رآهم المؤمنون ذكروا هذا الوعد من الله ﷿ فازدادوا إيمانا. ولهذا الوعد نظائر وأمثال كقوله:
«أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا» ومثل قوله: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا» «٣» وغير
_________________
(١) الأحزاب ٢٣
(٢) ص ١٠
(٣) البقرة ٢١٤
[ ٢ / ٤٥٣ ]
ذلك. وقوله: «وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا» لم يرد به الذكر باللسان وإنما أراد الذكر ذكر القلب والفكر في آيات الله ودلائله وحججه، وهذا أعظم الذكرين/ وأجلهما وأنفعهما، والذكر باللسان بعده، ولا يغني عن ذكر القلب شيء البتة. ثم قال: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» «١» فأخبر عن ضمائر المؤمنين السابقين والمهاجرين والأنصار، وأن باطنهم في الإسلام كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم. كما أخبر عن باطن المنافقين ومن في قلبه مرض، وفي إخباره عن بواطن المؤمنين من الدلالة مثل ما في إخباره عن ضمائر المنافقين، فتأمل ذلك لتعرفه فشرحه يطول.
وقوله: منهم من قضى نحبه، أي من قتل في سبيل الله أو مات وهو مقيم على موالاة الله وإيثار مرضاته، ومن بقي ينتظر مثله ونيته وطويته ألا يزول عن ذلك، وما بدلوا تبديلا ولا غيروا. وفكر في قوله: «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا» «٢»
فانظر كيف تمنن عليهم بأنه صرف عنهم هؤلاء الجنود وهذه العساكر بالريح وكفاهم قتالهم، وما نال المسلمين من الريح أذى مع قرب المسافة. بل باتوا منها في كل عافية وبات أولئك في كل بلية، وهذا بخلاف ما جرت به العادة، ولا يقدر على صرف الريح في الجهات وإجرائها على هذه السبيل إلا الله ﷿.
_________________
(١) الأحزاب ٢٣
(٢) الأحزاب ٢٥
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وهمّ النبي ﷺ بالانصراف إلى المدينة والرجوع اليها بعد انصراف الأحزاب، فأتاه جبريل يقول له عن الله: لا تنزع درعك حتى تصير إلى بني قريظة، فسار اليهم ونزل عليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب منه ﷺ مع كثرتهم فامتنعوا بحصونهم، وقال ﷺ: يا يهود يا إخوة القرود «١»، فقالوا يا محمد: ما عهدناك فحّاشا، فقال ﷺ: غدرتم بي ونبذتم/ عهدي، إنا إذا حللنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وبعث اليهم أبا لبابة بن عبد المنذر فقالوا له: يا أبا لبابة أتنزل على حكم محمد قال: نعم، وأومى بإصبعه إلى حلقه، أي أنه الذبح، فأنزل الله ﷿: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» «٢» وما كان من أبي لبابة إلا إيماء بإصبعه، فأخبر الله بما كان من إشارته وما كان بينه وبينهم.
قال أبو لبابة والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، وذهب من وجهه فأوثق نفسه بسارية في المسجد، فقال ﷺ أما إنه لو أتاني لاستغفرت له فأما إذ فعل فلا أحلّه حتى يكون الله هو الذي يحله، وما زالت سارية أبي لبابة معروفة في المسجد، وهذه آية أخرى.
وقد كان بنو قريظة في كثرة وبأس ونجدة، فقذف الله في قلوبهم الرعب عند نزول رسول الله ﷺ. فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فجاء على حمار أقمر، وقد كان أصابه يوم الأحزاب سهم، وكان يقول اللهم لا تمتني حتى تريني في بني قريظة ما أحب، فقال له
_________________
(١) في سيرة ابن هشام أن النبي ﷺ لما دنا من حصون بني قريظة قال: يا إخوان القرود هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته، قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا. سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٤
(٢) الأنفال ٢٧
[ ٢ / ٤٥٥ ]
رسول الله ﷺ: إن بني قريظة قد رضوا بك وبالنزول على حكمك، فقال له الأوس: يا أبا عمرو هم حلفاؤك، فقال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم؛ لينزلوا حتى أحكم. فلما نزلوا قال: قد حكمت بقتل مقاتلتهم، وسبي ذريتهم، وغنم أموالهم، وأن تكون للمهاجرين دون الأنصار.
فقال رسول الله ﷺ: قد حكمت بحكم الله، وهو معنى قوله: «وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ/ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا» «١» .
فانظر كيف يمتن عليهم بهذا، والعدو والولي يسمع، ولا يجوز أن يمن عليهم إلا بما قد كان وعلموه. فانظر كم علم في قصة الأحزاب، وكم آية، وكم دلالة، وكم أعجوبة.
وقد دخل في هذا الباب باب آخر وهو بانفراده حجة تامة، بل في كل موطن منه حجة ودلالة، فمن ذلك قوله ﷿: «سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا.» «٢»
فانظر كيف يخبر عن عدوه أنهم سيقولون ما فيه حجة عليهم قبل أن يقولوه، فيقولون ذلك ويفعلونه كما أخبر عنهم، وهذا من عجيب الأمور،
_________________
(١) التوبة ١٢٠
(٢) الفتح ١١
[ ٢ / ٤٥٦ ]
ولها نظائر، مثل قوله ﷿: «فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ» «١» وقوله: «سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا» «٢» ومثل هذا كثير.
فإن قيل: فما ينكرون أن يكون قد أخبر عنهم بعد أن قالوا.
قيل له: هذا لا يفعله عاقل بأن يقول لأمر قد كان وقد وجد وفرغ منه هذا سيكون، فيكذب هذا الكذب الظاهر عند قوم يعلمون أنه قد كذب وهو يدعي/ الصدق والنبوة وأنه وجده حجة الله وصفوة الله وأنه لا أحد معه في ذلك ولا بعده إلى يوم القيامة، فاعرف هذا وراعه في أماكنه من القرآن إذا تلوته.
وتأمل قوله ﷿: «يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» وقوله:
«بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا» .
فإن العاقل لا يفعل هذا بمن أظهر له الطاعة وإن كان متهما الباطنية، بل يظهر له القبول، هكذا حق الرئاسة وهو الذي تقضيه السيادة وهو الحزم ومن سوء التدبير إظهار تهمة مثله، وهذا لا يفعله إلا من كان نبيا أو رسولا لله صادقا كما قد تقدم شرح ذلك لك.
ومما يؤكد ذلك، أنه ﷺ كان يوصي أمته بالمداراة وبالصفح وبترك
_________________
(١) الإسراء ٥١
(٢) الفتح ١٥
[ ٢ / ٤٥٧ ]
المكاشفة، ويقول: هذا هو الحزم. وقد كان ﷺ واجدا على بعض أحياء العرب، فوردوا عليه وهو معرض عنهم، فقام رجل منهم فأنشده «١»:
فحي ذوي الأضغان تستبق ودهم تحيتك الحسنى فقد يرفع النفل
وإن أظهروا سوآ فأظهر كرامة وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه استماعه وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
فأقبل ﷺ ورضي عنهم وقال: إن من الشعراء لحكماء، وإن من البيان لسحرا، وأعاد قول الشاعر: وإن الذي قالوا وراءك لم يقل. استحسانا له واستصوابا، فلما صار إلى أمر الله ﷿ ما رضي إلا بمواطأة القلب للسان، وأن يكون الظاهر مثل الباطن، ثم ما رضي بأن يكون هذا القول منه ومن عنده حتى قال هذا القول/ قول الله لا قولي، وقول خالقكم وخالق «٢» العالم بضمائركم وما أخفيتم.
وتأمل قوله: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» إلى قوله: «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «٣»
فانظر كيف يقول لأولئك لما جاؤا معتذرين وسامعين ومطيعين: إنكم قد قلتم بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، وإن قعودكم لم يكن لشغلكم بأموالكم وأهليكم بل لظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا.
ويقول لهؤلاء الآخرين الذين بهم ضعف بصيرة وقد جاؤا مذعنين
_________________
(١) كتب في هامش الأصل: «سبب قول النبي ﷺ: «إن من الشعراء لحكماء»
(٢) في الأصل: «خالقي»
(٣) الحجرات ١٧
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وسامعين ومطيعين: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا. فلا يسوغهم دعوى الإيمان مع ضعف البصيرة، ويقول: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» «١» فيعطيهم العطاء الجزيل ويقول: هؤلاء الذين ضعفت بصائرهم أعطيهم أتألف قلوبهم لانحطاط منزلتهم عن منازل المهاجرين والسابقين والأنصار، فيسميهم باسم المنقصة ويلبسهم جلباب المذلة وقد أعطاهم تلك العطايا الوافرة، وهذا خلاف تدبير عقلاء الناس وحكماء البشر، فإن هذا عندهم تضييع للمال وتنفير للناس وجناية على الملوك ونقض عرى الملك وهدم لأركانه.
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» إلى قوله: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» وهذا من ذلك الجنس الذي قدمنا، وهي في قوم من/ المنافقين معروفين وهم عبد الله بن أبي سلول الخزرجي وأتباعه، وهذا كان سيدا في الخزرج مطاعا عظيم الشأن، وكان متقدما في الأوس والخزرج جميعا، وكان رأس المنافقين، يطيعونه ويرجعون اليه، وكان قد حسد رسول الله ﷺ وسبق عليه أمره، وكان سعد بن عبادة يقول للنبي ﷺ اصبر عليه يا رسول الله واحتمله، فو الله لقد نظمنا خرزات تاجه لنسوده حتى جاءنا الله بك.
وكان معه على النفاق جماعة من الأوس والخزرج يؤملونه ويرجون أن تكون الرئاسة له، وكانوا يعدلون قومهم من الأنصار في محبتهم لرسول الله ﷺ وأتباعه.
وكانت الأنصار تحب إسلامه وإجابته وإخلاصه، فيذكرون له صحة الإسلام
_________________
(١) التوبة ٦٠
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وحسنه، ويوبخونه في إبطائه عنه، فيجيبهم إلى ذلك فيسلم؛ ثم ينظر في أمره وأنه ليس له منزلة خبّاب بن الأرتّ، وسهيل بن سنان، وزيد بن حارثة، وبلال مولى أبي بكر الصديق، وعمّار بن ياسر، وأمثالهم من الموالي مع حبه للرئاسة إذ هو رئيس وسيد قبل الإسلام، فيتحسر، ويحمله الحسد، فيرجع ويتردد. وقد كان في بعض غزوات رسول الله ﷺ، إما في غزوة المريسيع أو غيرها قد ازدحم الناس على الماء لضيقه «١»، فوقع بين الجهجاه الغفاري صاحب عمر بن الخطاب وأجيره وبين رجل من الأنصار، فقال الغفاري: يا للمهاجرين وقال الأنصاري: يا للأنصار، وبلغ ذلك عبد الله بن أبيّ بن سلول وهو في مجلسه وفي جماعة من خواصه وخدنه وعبيده وأهل بيته، وكان في هذه الغزاة، فأظهر التعجب من أن يقال يا للمهاجرين وأن يكون أحد يعازّ الأنصار وقومه/ من الأوس والخزرج وأخذ يلوم الأنصار في مجيئهم بهم وأنهم جاؤا بقوم فقراء فواسوهم ومطرودين فاووهم وأنزلوهم ديارهم ومخذولين فنصروهم، فلما قووا واشتدوا واثبوهم وقالوا: يا للمهاجرين، وهذا كما قيل: سمّن كلبك يأكلك، وينبغي لهم أن يقطعوا النفقة عنهم حتى ينفضوا عن هذا الرجل «٢» ولئن رجعنا إلى المدينة لنأخذنهم بهذا، ولننضحن لهم، وليخرجن الأعز منها الأذل. وكان قد قال هذا بحضرة ثقاته وظن أن ذلك لن يبلغ رسول الله ﷺ، فجاء زيد بن أرقم الأنصاري وكان من أهل بيته فأعاد على رسول الله ﷺ المجلس، فذكر ﷺ ذلك للأنصار فجاؤا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول فذكروا له ذلك، وأن زيدا بن أرقم حكى ذلك
_________________
(١) وتسمى أيضا غزوة بني المصطلق. وفي سيرة ابن هشام يوضح أن الذي نادى أولا هو الأنصاري إذ قال: يا معشر الأنصار، والأنصاري هو سنان بن وبر الجهني. انظر لتفصيل الحادث سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٠
(٢) هو يتكلم عن الأنصار فيقول: ينبغي لهم
[ ٢ / ٤٦٠ ]
عنه، فقال: ما قلت هذا، وحلف، وقال: قد كذب من ذكر ذلك عني، وأنا أعرف بحق رسول الله ﷺ من أن أقول هذا، وزيد بن أرقم غلام حدث لا يدري ما يقول. فقالوا له كذا الظن بك، وأقبلوا على زيد بن أرقم تعذلونه وجاء هو إلى رسول الله ﷺ مع أصحابه وخاصته يكذبون زيدا فيما حكاه، ويحلفون على ذلك، وأنهم يعتقدون في قلوبهم وضمائرهم نبوة رسول الله ﷺ وصدقه، فقبل رسول الله أيمانهم وسمع منهم وأقبل عليهم يكذب زيد بن أرقم ولا صدقه، بل أمسك عنه. فأخذه ﷺ الوحي كما كان يأخذه، فأقبل على أصحابه ودعا بأبي بكر وعمر، وتلا السورة، وأخبرهما بصدق زيد بن أرقم وأنه على حداثته قد أجاب وصدق. فقال له عمر بن الخطاب يا رسول الله لم لا تأذن في قتل هذا، تقدم إلى بشر بن البر الأنصاري أو إلى غيره يقتله «١»، وتلا رسول الله ﷺ السورة على الأنصار، فقاموا/ إلى عبد الله بن أبي بن سلول فتلوا ذلك عليه وعرفوه ما كان، وعذلوه ولاموه ولاموا أصحابه ومن حوله ممن يريد هذا، وقالوا: إلى كم يا ويحك، وإلى متى تكون هذه الفضائح ويفضحكم الله مرة بعد مرة، توبوا وارجعوا، فقالوا نتوب ونرجع.
وجاء ابن لعبد الله بن أبيّ بن سلول إلى رسول الله ﷺ وكان مخلصا وكان برّا بأبيه شديد المحبة له، فقال: يا رسول الله، قد بلغني ما كان من أبي وما أحسب ولدا أبرّ بوالد مني ولكني لا أرضى له ما يأتيه، وقد بلغني ما أشار به عمر، فإن أردت قتله فمرني بذلك فإني والله أقتله مع حبي له وبرّي به، وإن قتله غيري خشيت ألا أصبر أن أرى قاتل أبي في الناس فأقتله فأدخل النار، فقال له النبي ﷺ لا تقتله وتأنّ به.
_________________
(١) في سيرة ابن هشام: عباد بن بشر الأنصاري
[ ٢ / ٤٦١ ]
ولما رجع رسول الله ﷺ من هذه الغزاة يريد المدينة، فلما قرب اعترض ابن عبد الله بن أبي بن سلول هذا أباه واعتقل جمله وثنى ركبته، فقال له أبوه: مالك يا بني وما تريد، فقال له: والله لا دخلت المدينة أو يقول رسول الله ﷺ الأعزّ وأنا الأذل، فما زال يدافعه ويسأله تركه وتخليته فلا يفعل، ويمر به الناس على طبقاتهم في سيرهم، فمنهم من يسأله الصفح عنه والتخلية له ومنهم من لا يفعل، وأصحابه وأعوانه يرون ذلك به ويشتد حسرتهم عليه، فما أفرج ابنه عنه حتى قال ذلك ونادى على نفسه. فتأمل ما في هذا من دلالات وعلامات وآيات بينات تدل كل عاقل استدل بها على نبوة محمد ﷺ وصدقه وفيه من ذلك أكثر مما شرحنا فتأمله تجده وهؤلاء المنافقون كبراء ورؤساء في قومهم، وكانوا مطاعين ولهم/ أتباع، وقد كان اليهود يجلسون إلى عبد الله بن أبي بن سلول ويعظمونه ويجلّونه ويزيدون في ذلك لأجل عداوته للنبي ﷺ، ويبعثون الأوس والخزرج على طاعته، ويقولون: سيدكم القديم ولحمكم ودمكم، وإنما محمد وأصحابه دخلاء فيكم. وقد كان الجدّ بن قيس أحد السادة القدماء المطاعين في بني قيلة من الأوس والخزرج «١»، وقد كانت سبيله في النفاق سبيل عبد الله بن أبي بن سلول.
فإن قال قائل: قد لعمري كان هذا من سيرة محمد ﷺ وأفعاله وهو بخلاف سيرة حزمة الملوك، ولن يقوم الملك بمثل هذا التدبير، ولكن إنما فعل محمد هذا في آخر أمره وحين صار بالمدينة وصار في عساكر وجماعات، وحين استتب أمره، فألا فعل هذا بمكة؟
_________________
(١) كان الجد بن قيس المتخلف الوحيد عن بيعة الرسول ﷺ بيعة الرضوان. ثم تخلف عن غزوة تبوك ونزلت فيه الآية: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تغتني) . سيرة ابن هشام ج ٢: ٣١٦، ٥١٦
[ ٢ / ٤٦٢ ]
قيل له: ما في هذا طعن ولا جئت بشيء، بل ما حصلت ولا تدري ما تقول ولو سكت لكان أستر لك، لأنك مازدت على أن قلت: هذا كان بالمدينة ولم يكن بالمدينة، وكان حين صار في عساكر وجماعات، فما في هذا من الطعن، ولو قد تدبرت لعلمت أن هذا زائد في حجته. لأنه بالمدينة ما رجع عن دعوى النبوة والصدق والعصمة كما كان بمكة، وحين صار بالمدينة وفي عسكر وعدوه في عسكر يقصده ويطرقه، فهو إلى الرجال وإلى التدبير بتدبير حزمة الملوك وطلاب الدنيا ومداراة من يتهم باطنه وترك مكاشفة مثل هذا أولى، فما زدتنا بسؤالك هذا إلا قوة في الحجة. وقولك: ألا كان هذا بمكة؟ فكيف يكون بمكة وما هناك منافق البتة؟، وكيف ينافقونه بمكة وهو وأتباعه كانوا بها مقهورين مغلوبين وبها من المسلمين من يكتم إيمانه خوفا من قريش، والذين/ كانوا يظهرون إيمانهم بمكة قبل الفتح أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأشباههم، من تلك الجماعة المعروفة، على ما عليهم في ذلك من الشدة والأذية والبلية من قومهم وسواهم من الرجال والنساء كانوا يضعفون عما يقوى عليه أولئك فيكتمون ايمانهم، فمن أين يكون بمكة منافق. والأمر بالضد مما كان بالمدينة فكأنك تقول له ﷺ: لم لم تكذب وأنت بمكة كما صدقت وأنت بالمدينة، وأيضا فهو كان بمكة وحيدا فريدا، «١» ومن معه في ذلة وقلة وقبل أن يتبعه أحد، فما لان لعدوه بل كاشف وبالغ فيما يغضبهم ويغيظهم وجبههم بالإكفار والتجهيل بمثل قوله: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» «٢» «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» ومثل قوله: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» «٣» ومثل قوله: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ
_________________
(١) في الأصل: وحيد فريد
(٢) الزمر ٢٤
(٣) الفرقان ٤٤
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ» ومثل قوله: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» إلى غير ذلك من نظائره مما لم يكاد يحصى لكثرته، وهذا لا يفعله حازم ولا عاقل إلا أن يكون نبيّا كما تقدم لك شرحه في غير موضع من كتابك هذا.
وتدبر قوله في أصحابه ببدر: «يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» «١» كيف يوافقهم على اليسير مما كانوا يجدونه من الشدة والخوف من عدوهم لقلتهم وكثرة عدوهم.
وفي هذا المعنى قوله: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» «٢» وقوله في قصة أحد: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» «٣» فواقف الذين أرادوا من الدنيا المباح من الغنائم على هذا المقدار، بخلاف تدبير البشر ومن له حرص على طلب الرئاسة والملك، حتى قال ابن مسعود: ما شعرت أن أحدا يريد الدنيا حتى سمعت رسول الله يقول: «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» لأن المهاجرين والأنصار اتبعوا النبيّ لصدقه ونبوته لا لغير ذلك، فإن اتفق لهم رزق مباح لم يكن بذلك بأس.
إلى قوله: «وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ
_________________
(١) الأنفال ٦
(٢) الأنفال ٢٦
(٣) آل عمران ١٥٢
[ ٢ / ٤٦٤ ]
لَكَ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» «١»
وهذا كان قاله عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه يوم أحد وهو من ذاك الجنس.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ» «٢» والعاقل إذا تدبر علم أنهم لو لم يكونوا كذلك في ضمائرهم وطويتهم لما قاله فيهم ولما أخبر به عنهم، لأنهم كانوا ألفا وأربع مائة، فكان لا يأمن أن تكون طويتهم غير خالصة وإن أظهروا له ذلك، فكان لا يأمن أن يهجم منهم على خلاف ذلك، فيتبينون كذبه وهذا لا يفعله عاقل، فكيف بمثل محمد ﷺ وهو يدعي النبوة والصدق ويدعو الناس إلى أن يعتقدوا ذلك فيه، ويريده منهم ومع هذا فيقول إن هذا ليس بقولي وإنما هو قول ربّي وربّكم علام الغيوب. وهذا فيه علوم بغيوب كثيرة [التي]، «٣» لا يعلمها إلا الله ولا يطلع عليها إلا صفوته وأنبياؤه. ولو كان فيهم من ليس بخالص/ الطوية لرجع إلى نفسه فكان يظهر ذلك ولو بعد حين، ولا يدع التحدث به وإن لم يجبه به رسول الله ﷺ وكان يتحدث مع اليهود والرؤساء الذين ذكرناهم من أعداء النبي ﷺ ويخبرهم بما كان عليه وما قاله، وكانوا يسرّون بعثرة لرسول الله ﷺ وزلّة إن لو كانت وحاشاه من ذلك، فكان يبلغ ذلك رسول الله، والمسلمون ويتحدثون به، ويشيع الأمر، كما ظهر أمثاله من قول المنافقين مع إخفائهم لذلك. فتعلم حينئذ بدليل عقلك أن بواطنهم له ﷺ كانت كظواهرهم كما أخبر وكما قال.
_________________
(١) آل عمران ١٥٤
(٢) الفتح ١٨
(٣) هكذا في الأصل، ونظنها زائدة
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وقد كانوا يتعنتون ويتعلقون بالضعيف من الأمور ويسألون، ألا ترى أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد كان يكتب لرسول الله ﷺ، فكان إذا انتهى إلى آخر القصة وقد أملى عليه رسول الله ﷺ: «وكان الله» فيقول ابن أبي سرح:
غفورا رحيما، أو عليما حكيما، فيقول رسول الله ﷺ: هكذا نزلت فاكتب، فقال للناس: إنما يأتي محمد بهذا من تلقاء نفسه، وحكى مثل هذه الصورة، فكيف بما فيه الحجة لهم عليه. ولهذا نظائر مما قد سألوا عنه وترددوا فيه، وليس أحد من أصحابه من أخبر عنه مع كثرتهم شكّ أو تردد أو أخبر عن ضميره بخلاف ما أخبر ﷺ.
ومن هذا الجنس قوله ﷿: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «١» فأخبر عن المهاجرين المكيين بأنهم هاجروا لله وابتغاء لمرضاة الله وشهد لهم بالصدق، ثم قال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ/ الْمُفْلِحُونَ» «٢» فشهد لهم بالفلاح، وهم خلق كثير، أخبر عن طوياتهم وضمائرهم، وهذا من الغيب لا يعلمه الا الله.
ومن هذا الجنس، إخباره في القرآن عن عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به، فأخبر ﷿ ببراءة ساحتها وبغافلتها عما رميت به وأنّ ذلك لم يخطر ببالها ولا همّت به فضلا عن أن تفعله، فقال ﷿: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ
_________________
(١) الحشر ٨
(٢) الحشر ٩
[ ٢ / ٤٦٦ ]
عَظِيمٌ» «١» وقد جلد رسول الله ﷺ أولئك القذفة وقال: الله أمرني بجلدهم وأخبرني بكذبهم في قذفهم عائشة، وتلا عليهم: «إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ»»
أي ما ضركم بل كانت عقبى لكم، فإن الله ﷿ تولى إكذابهم بنفسه، وأنزل فيه القرآن المعجز والآيات البينات التي لا إكذاب لها إلى يوم القيامة، ثم قال: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ» «٣»
ثم عاتب المؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة ووبخهم على ذلك وعلى إمساكهم عن تكذيب أولئك والرد عليهم وحسن الظن بعائشة وبصفوان فقال ﷿: «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» حتى قال: «فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» . فانظر إلى هذا التعنيف النازل بالمؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة في عائشة وقالوا: إنما قلنا ما قيل لا انا قذفنا ولا انا شهدنا.
ثم عاد إلى من كان له في القصة هوى فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فتأمل هذا الوعيد لمن كان له في هذا هوى/ وقوله للمؤمنين الأبرياء: «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .
ثم قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» أي إن هذا مما يزينه الشيطان ويدعو اليه والشيطان لا يريد إلا الباطل ثم قال: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا» أي لولا لطفه بخلقه وحسن اختياره لهم وجميل تدبيره لما زكى
_________________
(١) النور ٢٣
(٢) النور ١١
(٣) النور ١١
[ ٢ / ٤٦٧ ]
منهم أحد أبدا، ثم قال: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
وهذا القول يقوله الله لأبي بكر، فإن مسطح بن أثالة كان من بني عبد مناف وكان ابن خالة أبي بكر وكان في عياله، وقد كان خاض مع الخائضين في شأن عائشة، فلما أنزل الله براءتها حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح وقد كان تاب وندم وكان من المهاجرين، فلما قال الله هذا القول لأبي بكر الصديق قال: بلى، يا رب نحب أن تغفر لنا، فرده في عياله.
فتأمل هذا النكال النازل بالقذفة والفضيحة الحالّة بهم والتوبيخ لمن أصغى لحديثهم والتزكية العظيمة لهذه المقذوفة، وقد وقع في هذه القصة جماعة كثيرة فيما يكرهون على طبقات، وهذا قول يغيظ ويغضب ويخرج المخبات ويذكر بالأحقاد وبالأمور القديمة ويبعث على البهت فضلا عن الإنصاف، فكيف بأمر قريب العهد. ولهؤلاء القذفة والخائضين نفوس وأكباد وعشائر وأحباب، وفيهم مثل عبد الله بن أبيّ بن سلول، ويتصلون بأعداء رسول الله ﷺ من اليهود وغيرهم، / ولهم الحرص الشديد على كذبة أو زلة تقع منه فما قدروا، فلو لم يكن في هذه القصة إلا إنسان واحد أو عائشة وحدها وكان هناك كذب لظهر، فكيف وفيها جماعة، فلو لم يكن الله قد أطلعه وأخبره بصدق عائشة وصفوان لما أخبر بهما فإن كان لا يأمن كذبهما، هذا لا يختاره عاقل سيما وهو يدعي الصدق.
فقد علمت أن الملوك وطلاب الدنيا لا يؤمن غدرهم وكذبهم وبهتهم بل تلك عادتهم وسجياتهم، وهم يطوون أسرارهم ولا يطلع عليه إلا الواحد بعد
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الواحد من ثقاتهم ممن يشاركهم في ملكهم ونعمهم، ثم لا يأمن إن أظهر ذلك على نعمته ودمه، ثم لا يلبث السرّ الذي هذه سبيله أن يظهر ذلك في زمن الملك من جهته أو من جهة ذلك الثقة الذي أطلعه عليه، وليس للناس بإظهار ذلك عناية، وربما لم يكن في ذلك ما يتعلق بالدين وفيه معاداة الناس كلهم، وعنايتهم به وطلب عثرات من أتى به شديدة، ويتمنون وقوع ذلك منه. ومن لا عيب فيه ولا عادة في وقوع الكذب منه ومن يدّعي العصمة فصغار الأمور كبيرة منه، وقد يشيع عليه بما يشبه العيوب والذنوب بأنه عيب وذنب، ويتعلق عليه بمشكل الألفاظ ومتشابه الكلام. وقد كان أعداؤه ﷺ معه وبهم من الكثرة والقوة والملك والسطوة ما قد عرفه الناس، ومع هذا فقد ارتد من ارتد من قبائل العرب بعد موته، وناظرهم أصحابه وحاجوهم وحاربوهم فما أمكن أحد من أولئك الأعداء من المرتدين ولا المنافقين ولا اليهود ولا النصارى أن يقيموا حجة في/ هفوة أو زلة أو فيما يشبه ذلك كان منه ﷺ مع حاجتهم إلى ذلك وحرصهم عليه، فكانوا يدفعون بأس أصحابه عن أنفسهم بذلك ويوقعون الخلاف بينهم بذلك، لأن أصحابه إنما استحلوا دماء من خالفه ديانة لأنه نبيّ ولأنه صادق لا يخطىء ولا يزل ولا يكذب، ولو وقع منه شيء من ذلك لما حلت نصرته ولا تصديقه ولا اتباعه فلو كان فيمن زكاه وشهد على ضميره ونيته من ليس كذلك لما لبث أن يخبر بذلك ويرجع عن نبوته وتصديقه، وكان لا يسر بما أظهره من تزكيته لأنه يعلم أنما أظهر تلك التزكية والتصديق حيلة عليه وخديعة له وسخرية منه، فكيف والذين زكاهم وشهد على ضمائرهم جماعات كثيرة في أوقات متغايرة، وكذا من شهد بنفاقه، فاعرف هذا فإنه باب كبير من ورائه أبواب في دلائل نبوته ﷺ.
ثم عدت إلى ما كنت بدأت به، فمن هذا الجنس قوله ﵎:
[ ٢ / ٤٦٩ ]
«لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» «١» .
فتبين رحمك الله ما في هذا، فقد تقدم لك شرح نظائره، ثم قال: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» «٢» وهذا في قوم معروفين استأذنوه ﵇ ثم قال فيهم: «وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ/ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» «٣» وهذا خلاف تدبير عقلاء البشر، فإنهم إذا خلفوا من خلفوا خوفا من ضرره وهربا من شره وقدموا من قدموا ليهلك فيستريحون من شره لا يفضحون بذلك ولا يظهرونه وإنما يظهرون خلافه، فيقولون لمن خلفوه إنما خلفتك لحاجتي لتكون من ورائي ولثقتي بك ولتعويلي عليك، وكذا يقولون فيمن يقدمونه، ثم قال: «لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ» «٤» يريد ما كان من حرصهم على قتلك واستئصالك حتى طمعوا فيك، لوحدتك ثم لضعف من اتبعك حين آمنوا بك ولقلتهم حتى جاء ما وعد الله من النصر والظفر والظهور، ثم قال: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي
_________________
(١) التوبة ٤٢
(٢) التوبة ٤٣- ٤٤
(٣) التوبة ٤٦
(٤) التوبة ٤٨
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» «١» وقد كان ﷺ قال للجد بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر. يعني الروم. فقال هو وغيره:
بل تأذن لنا فنقيم ونتخلف ولا تفتنا فتغلظ المحنة علينا بأمرك إيانا بالخروج وترك إعفائنا منه، فلعل ذلك أن يثقل علينا فنخالف أمرك فيه.
فقال الله: «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا» أي فيما ذكروا أنهم يحذرونه من المعصية والخلاف سقطوا، والنار من ورائهم محيطة بهم على أفعالهم ونفاقهم وقعودهم عنك.
ثم قال: «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ» وليس من تدبير عقلاء البشر أن يقول لمن أظهر طاعته وأنفق فيها ماله وبذل فيها مهجته: / إن هذا لا ينفعك ولا يقبل منك ثم قال: «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ» وهذا من ذلك الجنس في المكاشفة ثم قال: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» «١»، فقد كان للجد بن قيس ولعبد الله ابن أبي وأضرابهما ممن نافق من الأوس والخزرج أموال ظاهرة ونعم وأولاد، وهم جماعة كثيرة، فأخبر الله نبيّه بسوء أحوالهم في الباطن وأن أموالهم وبال عليهم والله يعذبهم بها بما يكلفهم من إنفاقها، فهم ينفقون أموالهم ويكدّون أبدانهم ويقاتلون أولياءهم مع أعزائهم، وهذا من ذلك الجنس. وليس يريد كفرهم، وإنما يريد تعذيبهم بكفرهم في حال كفرهم، كما قد يقول الرجل لصاحبه: إنما أريد أن تعودني وأنا مريض، وإنما أريد أن تزورني وأنا محبوس،
_________________
(١) الآيات السابقة من سورة التوبة ٣٨ فما بعدها
[ ٢ / ٤٧١ ]
وإنما أريد أن تسد خلتي وأنا فقير، وهو لا يريد أن يكون مريضا ولا محبوسا ولا فقيرا، وإنما يريد أن يعامل بهذه المعاملة وهو في هذه الأحوال، فكذا أراد الله تعذيبهم وهم كافرون، أي في حال كفرهم ولأجل كفرهم وإن كان لكفرهم كارها. ثم قال: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ» «١» وهذا في قوم من المنافقين معروفين اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شرّ من الحمير، فقال رجل كانوا يظنونه منهم وهو مسلم: والله الذي لا إله إلا هو إنه لحقّ ولأنتم شرّ من الحمير. ثم أتى النبيّ ﷺ فذكر ذلك له، فدعاهم فقال/ أنتم القائلون كذا وكذا، فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله ذلك، فقال رجل منهم: قد والله قلنا، وأرى الله قد عرض علي التوبة وبذلها لي، والله لأقبلنها؛ فتاب واعتذر، وهو معروف.
وقد قلت لك: إنك بعقلك تعلم أن هناك قوما «٢» هذه صفتهم وقد قالوا ما حكاه الله عنهم وإن لم نعرف أسماءهم وأعيانهم. وقوله: «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» فقد كان رسول الله ﷺ يعطيهم من الغنائم إذا حضروا الحرب على ظاهر الإسلام، ويعطيهم من الصدقات بظاهر الفقر، فأذكرهم الله بهذه النعم، وهذا كقولك ما لي إليك ذنب إلا نصحي لك ومحبتي إياك.
ثم قال: «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا
_________________
(١) التوبة ٧٤
(٢) في الأصل: قوم
[ ٢ / ٤٧٢ ]
فِي قُلُوبِهِمْ» إلى قوله: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «١» وقد كان النبي ﷺ حث الناس على الصدقة، فجاء عمر بصدقته وجاء عبد الرحمن بصرة يعجز عنها الكف، وجاء عثمان أيضا بما هو معروف من عظم صدقته، وكذلك غيرهم من الصحابة. وجاء رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: لو كان لنا مال لأعطينا أكثر مما أعطى عبد الرحمن، وقالوا لصاحب الصاع: إن الله لغني عن صاعك هذا، فلمزوا من إعطاء الكثير ومن إعطاء القليل، فلهذا قال الله: «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ»
«٢» فلهذا فصل الله ﷿ بين الفريقين. وأما قوله: «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ» فإن الله لا يفعل سخرية الساخرين، ولا ظلم الظالمين، ولا استهزاء المستهزئين، ولا خداع المخادعين، ولا جور الجائرين، / ولكنهم لما جازاهم على سخريتهم جاز أن يقال سخر منهم، وهذا جزاء، كقوله: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ» «٣» و«جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» «٤» فالأولى سيئة والثانية جزاء. ثم قال: «وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا» وهؤلاء قوم معروفون بأعيانهم تخلفوا عن الخروج مع رسول ﷺ إلى غزوة تبوك وقالوا هذا القول، وكان قد خروج في أشد ما يكون من الحرّ، وكانت نصارى العرب قد خرجوا إلى ملك الروم يحثونه على قصده لرسول الله ﷺ، وقالوا له: هو وأصحابه في جهد وضرّ شديد، فانتهز الفرصة فيهم. فبادره رسول الله ﷺ وخرج بأصحابه وهم في ضرّ شديد وإعواز وعدم القوت، وتوجه نحو
_________________
(١) التوبة ٧٥
(٢) التوبة ٧٩
(٣) البقرة ١٩٤، وفي الأصل: ومن اعتدى
(٤) الشورى ٤٠
[ ٢ / ٤٧٣ ]
الشام في عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل، وأقام بتبوك وملك الروم بدمشق، فراسله النبي ﷺ ودعاه إلى إجابته والدخول في طاعته ووبخه وكان له معه ما هو معروف.
«وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ»، والمعذّر بالتشديد هو المقصر الذي لم يستفرغ وسعه، والمعذر بالتخفيف الذي قد قدم فيما بينه وبين أخيه وصاحبه ما هو غاية في العذر «١» وكان ابن عباس ﵁ يقرأ: المعذرون بالتخفيف، ويقول: لعن الله المعذرين، ذهب إلى الذي يعتذر بغير عذر.
ثم قال: «يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» «٢» .
وكذا يجب على المسلم أن يرضى ما رضي الله وعمّن رضي الله ويسخط ما سخط الله، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يرضى بقدر الله» فالرضى بقدر الله واجب، وسخط المعاصي فرض لازم، فالويل لمن رضي بمعاصي الله والويل لمن لم يرض بقدر الله «٣» .
وقوله ﷿: / «الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا» إلى قوله:
إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .
وكان رجل من كبار الأوس يقال له أبو عامر عبد عمرو بن صيفي وكان يعرف بأبي عامر الراهب، وقد كان أظهر الترهب وأنه يطلب الحنيفية ودين
_________________
(١) جاء في هامش الأصل: المعذر بالتشديد: المقصر. المعذر بالتخفيف
(٢) التوبة ٩٦
(٣) جاء في هامش الأصل: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يرضى بقدر الله» .
[ ٢ / ٤٧٤ ]
الحق. فلما قدم النبي ﷺ المدينة لقيه أبو عامر فقال: يا محمد إلام تدعو، فقال إلى دين الحنيفية الذي تطلبه بزعمك، فقال له: ما أنت عليه؟ فقال له رسول الله ﷺ: بلى، ودعاه فأبى، وحسد رسول الله ﷺ، وقال له أبو عامر:
الكاذب منا أماته الله غريبا شريدا طريدا، يعرض برسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: نعم فعل الله ذلك بالكاذب منا. ثم أقبل أبو عامر على قومه ينهاهم عن اتباع رسول الله ﷺ وعن طاعته ويجتهد، وأعلام رسول الله ﷺ وآياته تتزايد وتظهر ويكثر أتباعه من قوم أبي عامر فيزداد غيظا. واتخذ مسجدا يجمع اليه الناس فيحادثهم وينهاهم من اتباع رسول الله ﷺ، ويزعم أنه على الحنيفية، وأن دينه سيظهر ويصير في جماعة وعز، فكان يجتمع اليه قوم من المنافقين، ويجلس اليهم اليهود ويقوون منهم الخلاف على رسول الله ﷺ ثم إنه خرج إلى مكة وبعثهم على غزو النبيّ وحربه، ويقول: أنا معكم وقومي من الأوس معكم، فإذا لقيتم محمدا صرنا إليكم. وكان معهم في وقعة أحد، فلما تنازلوا نادى أبو عامر قومه معاشر الأوس، أنا أبو عامر فقالوا: لا مرحبا بك يا فاسق، وسبّوه ولعنوه، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر. وقد كان خرج إلى مكة من قومه جماعة كثيرة وهم على رأيه في رسول الله ﷺ، وكانوا نحو خمسين رجلا، فقاتلوا المسلمين/ مع قريش قتالا شديدا، ثم صار أبو عامر إلى الروم ولقي قيصر ملك الروم بالشام، فدعاه إلى قتال رسول الله ﷺ والمسلمين وحرّضه على ذلك، وهوّن أمرهم عنده بضعفهم وفقرهم وقلة عددهم وكثرة عدوّهم، وخوّفه العواقب إن هو لم يفعل ذلك بما لا يأمنه من قوة الإسلام. ثم إن أبا عامر مات بالشام طريدا غريبا وحيدا كما دعا رسول الله ﷺ، وهذا أيضا من أعلامه في إجابة دعوته.
وقوله: «أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ» دلالة على أن
[ ٢ / ٤٧٥ ]
الفتنة بمعنى النعمة «١» وفيها دلالة على أن الله قد أنعم على الكافرين والمنافقين بنعمة الإيمان، وأكمل عقولهم وقواهم وأزاح عللهم، فبدلوا نعمة الله كفرا وأبطئوا عن التوبة والتذكر.
وانظر إلى ما في قوله: «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» «٢» وهذه نزلت في هؤلاء الثلاثة من المؤمنين خاصة، وهم «٣»: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ابن ربيعة وكلهم من الأنصار، وكان هؤلاء تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم ندموا واغتموا غمّا شديدا وحزنوا لذلك حزنا عظيما ضاقت صدورهم به، فأخبره الله ﷿ عن صدق نياتهم وخلوص ضمائرهم وما فيها من الحزن والغمّ بتأخرهم وما كان ليتلو ذلك إلا وقد علم وتيقن ما في ضمائرهم، وفي هذا من الدلالة مثل ما تقدم، والكلام فيه مثل الكلام في ذلك، فاعرفه.
وكان «٤» تخلف عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة خلق كثير من المسلمين نحو ثمانين رجلا، وذكروا/ ما أخرهم، وصدقوا عن أنفسهم، ومنهم من لحق به بتبوك قبل أن يرجع إلى المدينة. وكانت هذه الغزاة صعبة شديدة، خرجوا في الحر الشديد وكانوا في إضاقة «٥» وفي قلة من الزاد، وكان الزمان
_________________
(١) جاء في هامش الأصل: «قوله تعالى: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) دلالة على أن الفتنة بمعنى النعمة.
(٢) التوبة ١٢٦
(٣) جاء في هامش الأصل «قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» نزل في كعب بن مالك وهو وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة.
(٤) في الأصل، وكان كان
(٥) هكذا في الأصل، ولعلها ضائقة.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
حريقا، وأقبل ﷺ من تبوك، حتى إذا دنا من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه من المؤمنين، فقال رسول الله ﷺ: لا يكلمنّ رجل منهم ولا يجالس حتى آذن لكم، وأعرض عنهم رسول الله ﷺ والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وعن أخيه، وحتى إن المرأة لتعرض عن زوجها. فمكثوا أياما، ويجعلون يعتذرون إلى النبيّ ﷺ بالجهد، ويحلفون له، فرحمهم ﷺ واستغفر لهم. وقالت بنو سلمة لكعب بن مالك امش إلى رسول الله ﷺ فاعتذر اليه وبايعه لعله يقبل منك، فأقبل معهم ورسول الله ﷺ جالس في المسجد يبايع، فسلم عليه فأعرض عنه، فقيل إن كعبا قال: لم تعرض عني يا رسول الله، فو الله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت، فقال رسول الله ﷺ: فما خلفك عني؟ قال:
أما إني لا أعتذر إلى رسول الله ﷺ بعذر، لقد كنت شابا موسرا ولكن أصابني فتنة فتخلفت. فسمع مرارة بن ربيعة وهلال بن أمية بالذي قال كعب فقالا مثل قوله، فأعرض عنهم رسول الله ﷺ، فقاموا من عنده، فقالت بنو سلمة لكعب: والله ما أصبت ولا أحسنت ولو اعتذرت لقبل منك، فقال لهم كعب: والله لا أجمع اثنتين: أتخلف وأكذب وقد اطلع الله على ما في نفسي فقالت بنو سلمة: والله إنك لشاعر مفوه بليغ جرىء على الكلام، فقال كعب:
لن أجترىء على الكذب.
فمكث هؤلاء الثلاثة قريبا من شهرين لا يكلمهم أحد من/ المسلمين ولا يجالسهم، حتى أعرض عنهم نساؤهم، ووجلوا أشد الوجل، وخرجوا من أهاليهم إلى البرية، وطلبوا الفساطيط يأوون اليها بالليل ويتعبدون الله. وكتب جبلة بن الأيهم ملك غسان إلى كعب بن مالك أنه بلغنا أن صاحبك نبا بك وأقصاك هلم إلينا فإن لك متحولا ولا تقم على الهوان؛ فأقبل كعب بكتابه إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال يا رسول الله: ما زال إعراضك عني حتى رغب فيّ
[ ٢ / ٤٧٧ ]
المشركون يدعونني إلى الشرك، فلم يراجعه رسول الله ﷺ. فرجع كعب أحزن ما كان وأشده كربا، وقد أقام أياما في الفسطاط ينتظر التوبة وهو بالحمى فضاقت عليه برحبها، فرجع إلى سلع «١» فكان يقيم به بالنهار صائما ويأوى إلى داره بالليل، حتى نزلت التوبة له ولصاحبيه ورضي الله عنهم ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة فقام من الليل فتوضأ واستن ثم قال لأم سلمة: الحمد لله الذي أنزل لإخواننا التوبة، فقالت: من هم يا رسول الله، فقال: كعب ابن مالك وصاحباه، فقالت أم سلمة: أفلا أبعث اليهم وأبشرهم، فقال رسول الله ﷺ: أصبحي، فصلى رسول الله ﷺ الصبح وانصرف، فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار فقال لهم: قد تاب الله على إخوانكم الليلة، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا وسعى أبو بكر وعمر يبتدران كعبا ليبشراه، فسبق أحدهما صاحبه، فارتقى المسبوق على سلع فصاح: يا كعب بن مالك، أبشر بتوبة الله، فقد أنزل الله فيكم القرآن. وكعب جالس في مسجد قومه فسمع الصوت فوقع ساجدا يبكي سرورا بالتوبة واجتمعت اليه بنو سلمة رجالهم ونساؤهم يهنئونه بالتوبة، وأقبل كعب سريعا إلى رسول الله فبايعه واستغفر/ له وبشره بالتوبة التي نزلت فيه وفي أصحابه، وقرأ عليه: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ» إلى آخر القصة.
وهذا كعب بن مالك أحد الشعراء والسادة والبلغاء وكذلك صاحباه فمن السادة، وكانت هذه حالهم في تخلفهم وما امتحنوا به وما صدقوا به عن أنفسهم والإخبار عما في ضمائرهم، لتعلم حسن هذا التدبير وإدلال رسول الله ﷺ بالصدق والأمانة والبعد من كل ريبة ومن كل حيلة ومما جرى عليه
_________________
(١) لتفصيل حادثة الثلاثة الذين خلفوا ومنهم كعب ﵁ انظر سيرة ابن هشام ٤: ٥٣١- ٥٣٧
[ ٢ / ٤٧٨ ]
أمر البشر، فتدبر ما يقرأ ويكتب لتعرف أعلام النبوة وتظهر لك حيل المحتالين على المسلمين في تشكيكهم فيها وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون، فإن القوم الذين قدمنا ذكرهم حين كادوا الإسلام تستروا بالتشيع، وقالوا:
يجوز على أنبياء الله وحججه «١» تزكية المشركين ومدح الكافرين وشتم النبيّين والبراءة من الصديقين على طريق الخوف والاتقاء، وإنما قالوا ذلك لما قد قهرهم من مدح رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين لأبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة من المهاجرين والأنصار، فقالوا: إن هذا المدح على طريق الخفية من هؤلاء واتقاء لهم ولبأسهم، وأنت ترى مكاشفة رسول الله ﷺ للأعداء في حال الوحدة وهو خائف يترقب، وهو في أيديهم وفي قبضتهم مقهورا مغلوبا، وقد تقدم شرح ذلك، وتقدم لك أيضا أن هؤلاء المهاجرين والأنصار قد علمنا أنهم أحباب رسول الله ﷺ وأولياؤه وثقاته وأمناؤه، وأنه كان يحبهم ويتوالاهم، وأن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، وأنه قد فرض على أمته وأهل طاعته محبتهم وموالاتهم كما فرض عليهم البراءة من الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحرث، وعتبة بن ربيعة وأمثالهم من أعدائه من قريش ومن اليهود والنصارى/ على ما تقدم لك من شرح ذلك، وقد تقدم لك أيضا أن أنبياء الله وحججه لا يجوز أن يتقوا وإن خافوا وإن غلبوا وإن قهروا.
وأعجب الأمور أن رؤساء الجاهلية وأقيال العرب والمتبوعين والمطاعين كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، وعامر بن الطفيل. وأضرابهم قالوا لرسول الله ﷺ: إنا نحب أن نجلس إليك ونسمع منك ونحن وجوه الناس، وإنما حولك هؤلاء الفقراء والعبيد كصهيب بن سنان، وخبّاب بن الارتّ، وعمّار ابن ياسر، وبلال، وأرواح ثيابهم كأرواح الجلود العطنة، ونكره أن ترانا
_________________
(١) جمع حجة
[ ٢ / ٤٧٩ ]
العرب معهم، فاجعل لنا يوما ولهم يوما. فهمّ رسول الله ﷺ بذلك ولم ير به بأسا، رجاء لإسلام هؤلاء وأنهم متبوعون مطاعون يسلم بإسلامهم الخلق الكثير، فأنزل الله: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» «١» وقد كان قوم من هؤلاء الرؤساء الذين قدمنا ذكرهم قالوا: يقدم هؤلاء العبيد والموالي والفقراء علينا، فأنزل الله: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «٢»
وفي هذا المعنى نزل قوله ﷿: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا» «٣» .
فانصرف رسول الله ﷺ عن ذلك العزم ولم يفرد أولئك الرؤساء/ بمجلس يخصهم، وقدّم هؤلاء الفقراء والعبيد والموالي، فكانوا أقرب الناس اليه، ويجلس اليهم ما جلسوا، ولا يقوم عنهم حتى يقوموا. وقد كانوا عرفوا ذلك منه، وكانوا إذا أقبلوا يقول لهم: سلام عليكم مرحبا بكم، بأبي من عاتبني فيهم ربّي اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. يريد المتواضعين للمسلمين.
فتأمل هذا التدبير، وكم كان من الرؤساء من قريش وغيرهم يبطئهم
_________________
(١) الأنعام ٥٢
(٢) الأنعام ٥٣- ٥٤
(٣) الكهف ٢٨
[ ٢ / ٤٨٠ ]
عن الإسلام أنهم قد علموا أنهم إذا أسلموا لم يتقدموا عند رسول الله ﷺ على هؤلاء الموالي والعبيد، بل لم يكن رسول الله ﷺ يسوي بينهم، وإنما كان الناس يتقدمون عنده على السابقة والهجرة والبصيرة. فلما فتحت مكة وأسلمت العرب ويئس عدو الإسلام من الطمع فيه تحدث أبو سفيان وأمثاله من بني عبد مناف، أن الذي أخرنا عن الإسلام أنا حسدنا بني عمنا من بني هاشم ولقد أوفى الحارث بن هشام على مرقب حين خرج من مكة [١]، فلم يبق بها نافخ ضرمة إلا خرج مودعا له ومستوحشا لفراقه، فقال: ما بلد أحبّ إليّ من بلدكم ولا قوم أحب إلي منكم، ولكن حدث هذا الأمر فسبق اليه رجال ليسوا من أقدارنا، ولئن سبقنا عمار وبلال وصهيب إلى الإسلام فلن يسبقونا إلى الجنة، وأنا حبيس في سبيل الله ما حييت. فكان منه ومن عكرمة ابن أخيه وغيرهما من بني مخزوم وهم كانوا أعداء رسول الله ﷺ ومن مسلمة الفتح من الجهاد في سبيل الله وفي قتال المرتدين بعد وفاة رسول الله ﷺ حتى ردوهم إلى دين الإسلام، ومن جهاد الفرس والروم، ومن الصبر على تلك الشدائد، ما هو مذكور في كتب العلماء.
وفي هذا المعنى ما كان آذن عمر بن الخطاب يخرج وببابه سادات/ العرب فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ أين خبّاب؟ فينهضون مقدّمين مكرّمين، وبالباب سهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وعيينة بن حصن، وأمثالهم من السادة. فنظر اليهم سهيل بن عمرو وقد تمعرت وجوههم من جلوسهم بالباب والإذن لأولئك قبلهم فقال لهم: ما لكم معشر العرب تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ الله لهم في الجنة غدا أفضل، وهذا سهيل بن عمرو
[ ٢ / ٤٨١ ]
كان من أعداء رسول الله ﷺ ومن أشدهم عليه وهو من مسلمة الفتح، فاسمع قوله وتأمل أمره.
وكم يحدّث معاوية وآل أبي سفيان وآل مروان في ملكهم وفي سلطانهم بعد مضي أئمة الهدى أن الذي أخرهم وأخر أباهم عن الإسلام الأنفة أن يكونوا كمن قد قدمنا ذكره.
ومنهم من أخره الحسد والمنافسة، ومنهم من أخره منع إخوانه وساداته وهذا باب مفرد.
وقد علمت أن الملوك والجبابرة قد تكون لهم الهفوات والزلات فتقف عليها ثقاتهم ووزراؤهم وشركاؤهم في الملك ومن يخافهم على دمه في التحدث بعيوبهم فيحدثون به في حياتهم ويلقونه إلى ثقاتهم ولا يملكون أنفسهم لثقل الكتمان على الناس، فأما إذا مات الملك أو الرئيس فيحدثون به كل أحد مجاهرين، هكذا جرت العادة ودلت عليه العبرة، وهؤلاء تحدثوا بهذا في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته، لتعلم وثاقة أمر النبوة وأن أمرها وأساسها وضع على مثل الجبال. وما كنا في هذا الباب وإنما كنا في بطلان قول الذين رموا الأنبياء بكتمان الحق وإظهار الباطل، فاتصل الكلام بما أشبهه فخرجنا إلى هذا.
/ ثم عدت إلى بيان بطلان قول هؤلاء فتأمل قوله: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا» .
وقد كان بعض سادات العرب وأغنياؤهم قصد رسول الله ﷺ ببعض شأنه، فأقبل ﷺ على كلامه رجاء إسلامه وأتاه في تلك الحال ابن أم مكتوم
[ ٢ / ٤٨٢ ]
- وكان أعمى- يكلمه، فتشاغل رسول الله ﷺ عن جوابه بذلك السيد فعاتبه الله هذا العتاب في شيء هذا قدره.
فكيف يسوغ أن يظن عاقل متأمل بالنبيّ ﷺ ما ادعاه هؤلاء عليه!!
وتأمل قوله: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ» «١»
وهذه نزلت في قصة زينب بنت جحش وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ قد زوجها بزيد بن حارثة وكان مولى.
وكان قد زوّج أيضا ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ المقداد بن الأسود وكان من الموالي أراد رسول الله ﷺ بطلان مذاهب الجاهلية في الأكفاء، وكانت زينب هذه شرسة الأخلاق كثيرة النقار لزيد والخصومة له، وكان ذلك يشق على رسول الله ﷺ ويكره أذيّة زيد، وكان زيد لا يصبر ولا يطيق أخلاقها وكان رسول الله ﷺ كالمتندم على تزويجها به ويقول في نفسه: ليتني كنت تزوجتها فكنت أحق باحتمالها والصبر عليها من زيد وغيره لقربها مني/ وكان زيد إذا همّ بطلاقها نهاه رسول الله ﷺ عن ذلك وقال:
اصبر واحتمل وأمسك عليك زوجك، فلم يصبر زيد، فطلقها، فأحب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فكره استحياء من زيد وغيره، فقال الله ﷿ له هذا القول في شيء ليس بمعصية، ثم أمره بالتزويج بها لما أراده ونواه من صلة رحمه، ولئلا يخرج المؤمنون في التزوج بأزواج أدعيائهم ومن يتبنّونه ولم يكن من أصلابهم، فقال ﷿: «فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها
_________________
(١) الأحزاب ٣٧
[ ٢ / ٤٨٣ ]
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» .
فتأمل هذه الأقوال في هذه الأمور الصغار، وتأمل دعوى هؤلاء على رسول الله ﷺ كأنما يحدثونك عن مسيلمة أو عن كسرى وقيصر في سيرتهم، لا عن محمد رسول الله ﷺ وسيرته وتدبير الله له.