أن معجزاته ﷺ والآيات التي نقضت العادات يغني بعضها عن بعض ويسد بعضها مسد بعض. فإن من استدل ببلاغة القرآن وفصاحته على نبوة النبيّ ﵇ عرف صدقه وإن لم يعلم ما في القرآن من الاخبار بالغيوب، ومن لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب، وليس كذلك النصوص على
[ ٢ / ٥٠٩ ]
الأمور التي يعم فرضها ويشمل وجوبها، فإن بعضها لا ينوب عن بعض ولا يغني بعضها عن بعض، ولا بد من أن يحصل العلم بكل واحد منها ويكون مجيء جميعها مجيئا واحدا. بيّن لك ذلك أن النص على القبلة لا يغني عن النصّ عن شهر رمضان، والنص على الجمعة لا يغني عن النص على غسل الجنابة، وكذا في الخمر، والخنزير، والزنا، واللواط، والأمهات، والأخوات، والبنات، وجميع الفروض العامة الوجوب، فاعرف ذلك.
وإنما ذكرنا هذا لأن قوما من الإمامية والرافضة ادّعوا أن رسول الله ﷺ نصّ على إمامة رجل بعينه، وأوجب على جميع الخلق من الذكور والإناث والعبيد والأحرار والمسافرين والمقيمين والمرضى والأصحاء طاعته واعتقاد ولايته وموالاته.
فقيل لهم: لو كان الأمر كما يدعونه لجاء العلم بذلك مجيء أمثاله من الفروض العامة الواجبة، لأن قوله ﷺ: هذا إمامكم/ وهذا حجة الله عليكم بعدي يجري في شمول وجوبه مجرى نصّه على نبوته، وقوله: أنا رسول الله اليكم فهذا أعم في الفرض من القبلة وشهر رمضان، فإذا علمنا نصّه على القبلة وشهر رمضان فقد كان ينبغي أن يكون العلم بما يدعون أقوى.
قالوا: فاجعلوا ما يدّعيه من النص كالمعجزات التي هي غير القرآن. قيل له: إن إخراجكم هذا النص عن نظائره وأمثاله من النصوص من أدل الدليل على ضعف يقينكم فيه ويأسكم من صحته، وكفى بهذا بيانا منافيا في بطلان ما يدّعونه.
وأيضا، فقد علم كل من سمع الأخبار أنه ﷺ قد ادّعى النبوة وادّعى أن معه آيات ومعجزات ودلالات لا يرتاب بذلك من صدّقه ولا من كذّبه،
[ ٢ / ٥١٠ ]
فوازن ذلك ونظيره أن يعلم كلّ من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ قد نص النصّ الذي تدّعونه، وهذا فليس بمعكم ولا لكم، فقد صار ما صرتم اليه من أمر هذه المعجزات عليكم لا لكم.
وأيضا، فإن هذه المعجزات التي مع النبيّ فيها ما يعلم كل من سمع الأخبار أنه ﵇ قد ادّعى أنها حجة له في نبوته، ومنها ما اجتمعت الأمة عليه، وما تدّعونه فلا يعلم باضطرار ولا فيه إجماع، فهذا كما ترون في بعده مما تدعون.
وجواب آخر، أنه ينبغي أن تعلم أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القرآن يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن، وهذا تجده فيمن كثر سماعه واشتدت عنايته بمبعث رسول الله ﷺ وبمقامه بمكة وبهجرته إلى المدينة وبسيرته وبمكاتباته وبمراسلاته وبغزواته، ولهذا تجد أبا الهذيل، وعمرو بن بحر الجاحظ ومحمد بن شبيب، وأمثالهم من القدماء يدّعون في كتبهم التي صنفوها في النبوة في المعجزات التي ليست في القرآن العلم الضروري، وكذا أبو عمر/ الباهلي، وقد ذكر أبو هاشم في نقض الفريد نحو هذا، فادّعى في استسقاء النبي وفي إخباره عن المقتولين في غزاة مؤتة وفيما كان بين النبي ﷺ وأهل مكة من المراجعة في غلبة الروم على فارس علم الاضطرار، فاعرف ذلك، ولتشتد عنايتك بهذه الأمور لتساويهم في العلم بذلك.