ان عليا والجماعة ردّوا الامر الى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم للخلافة وعليهم الرضا بحكمه، فقال لهم: تكلموا فأخبروا الناس بذلك، فتكلموا، وقام امير المؤمنين عليّ ﵁، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: لو عهد الينا رسول الله ﷺ عهدا لجالدنا عليه حتى نموت، او قال لنا قولا انفدنا قوله على رغمنا، لن يسرع احد قبلي الى صلة رحم ودعوة حق، والأمر اليك يا ابن عوف وعليّ صدق اليقين وجهد النصح وأستغفر الله لي ولكم. فلم يقل «١» ﵁ إن رسول الله ﷺ ما ولّاه ولا ولّى عليه.
ثم انظر في باب آخر في امر عثمان وما لحقه في آخر امره من الإعراض والخصومة، حتى تجرأ عليه العبيد والنساء والصغير والكبير، هل قرّعه احد من خصومه وأعدائه بأنه جلس في غير مجلسه؟ وقد بالغوا في التشنيع عليه، وهو كان يسمى الخليفة المستضعف، فكيف لم يتقدم الخليفة المنصوص عليه فيأخذ الامر من هذا الذي قد قهر وحصر.
_________________
(١) في الاصل: يقول
[ ١ / ٢٨٠ ]
وأعجب من هذا، ان المصريين أتوه ﵁ بعد ان مضى عثمان فقالوا: امدد يدك نبايعك، فقال: ليس هذا اليكم، هذا للمهاجرين والانصار، من أمّره اولئك فكان اميرا. فانظر كم يقول إن هذا امر المسلمين وأنه بالاختيار. ثم ان المصريين انصرفوا عنه، فجاءه المهاجرون والانصار، فقالوا: امدد يديك نبايعك، فقال لهم: اختاروا غيري تبايعونه وأبايعه، فلأن اكون لكم وزيرا خير من ان اكون اميرا، فدفعهم عن نفسه، فعاودوه فقال لهم: إن عمر كان رجلا مباركا/ وقد جعلها شورى، قالوا: فأنت من الشورى وقد رضيناك، فقال: اختاروا غيري، فدفعهم، فعادوا فقال: قد علمتم اني اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه امركم، قالوا: قد رضيناك، فدفعهم ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما، وقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا، الناس بك ارضى، فترددوا اليه وهو يأبى ويقول: اختاروا غيري فيقال انهم اختلفوا اليه بعد مضي عثمان ثمانية ايام، ومنهم من يقول [] «١» يوما وهو يقول: اختاروا غيري ابايعه وتبايعونه.
هذا، وقد مات ابو بكر وعمر وعثمان وما هناك سلطان ولا خليفة، فأين ما ادعيتموه؟ ثم انه لما اتوا وألحوا عليه فقال بعد الحمد والثناء والصلاة:
ايها الناس، ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واتقاهم لله، ولا يحل بعد إلا برضى المهاجرين والانصار، فاذا رضوا لم يكن الخيار، فان شغب شاغب استتيب، فان ابي قوتل حتى يفيء الى امر الله.
_________________
(١) فراغ في الاصل، والقول الصحيح ما ذكره القاضي من ان عثمان ﵁ قتل يوم ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ هـ. وان عليا ﵁ بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة. انظر الطبرى.
[ ١ / ٢٨١ ]
فانظر الى هذا البيان والكشف، وان الامامة بالاختيار، وانها الى المهاجرين والانصار، فقالوا نبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله، فإن لم تف فلا بيعة لك، قال: نعم.
ثم خطبهم فقال بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ مقدار نعم الله على الخلائق برسول الله ﷺ، ثم قال: ان الله يعلم اني كنت كارها للولاية على امة محمد ﵇ حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ايما وال ولي الامر بعدي اقيم على حد الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فان كان عادلا انجاه الله بعد له، وان كان جائرا انتفض به الصراط انتفاضة حتى تتزايل ما بين مفاصله، ثم تتحرق به الصراط فيكون اول ما يتقي به النار انفه وحر وجهه، ولكن/ لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم. اقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم.
فانظر الى هذا ففيه اتم كفاية، وانظر الى بيانه ان الامام يجور ويخطىء ويزل.
وخطبته المشهورة بالعراق التي لا يستطاع دفعها:
ايها الناس، انه لما توفي رسول الله ﷺ بايعتم ابا بكر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عمر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عثمان فبايعت ورضيت، حتى إذا مضى عثمان تداككتم عليّ كتداك «١» عرف الصبع، فمددتم يدي فقبضتها وقلت: اختاروا لأنفسكم فأبيتم الا مبايعتي، حتى اذا كثر الجمع ووطىء الحسبان وشق عطافه، فأبيت الا أن تكون بيعتي ظاهرة مكشوفة على منبر رسول الله ﷺ وفي مسجده، فبايعني كلّ، لا أرى منكرا، فلما قلد تمونيها
_________________
(١) تداككتم: تهالكتم. وفي الحاشية كتب: صوابه تهالكتم.
[ ١ / ٢٨٢ ]
نكث ناكثون ممن بايعني وقسط قاسطون، فلم اجد إلا قتال من بغى ومحاكمة من اعتدى الى كتاب الله؛ وليس يجب انكار امامة من عقدت له الامامة إلا أن يجور في حكم، او يعطل حدا، او يضعف عن القيام بها؛ فو الله ما عطلت لكم حدا، ولا جرت عليكم في حكم، ولا ضعفت عن القيام بالامامة، فأوجبوا لي على انفسكم مثل ما اوجبتموه لمن تقدمني من ابي بكر وعمر وعثمان يرحمهم الله.
فانظر كيف يذكرهم ببيعة الخلفاء قبله ورضاه بهم، ويجعلهم إجماعا وحجة على الأمة، ويذكر انه صار إماما ببيعتهم له، وأنهم هم قلدوه إياها، وأنه لا يحل انكار امامة الامام الا ان يجور في حكم او يعطل حدا او يضعف عن القيام بها، وأن هذا جائز على كل امام بعد رسول الله ﷺ، وهو ﵁ اعلم بنفسه وبدينه وأفقه في دين الله، فينبغي الرجوع الى قوله لا الى قول هؤلاء/. وقد قال في خطبة له بالمدينة وهو يأمر الناس بتفقد افعاله وأحكامه: رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه، ورأى جورا فردّه، وكان عونا بالحق على من خالفه.
وقد قال الحسن ابنه ﵄ لأهل الكوفة حين استنفرهم الى ابيه: يا ايها الناس، إن امير المؤمنين يقول اني خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما، وإني اذكر الله رجلا رعى الله حقا إلا نفر، فان كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ظالما اخذ مني.
ومن مقاماته بالبصرة يوم الجمل بعد انقضاء الحرب فقال: اين مثوى القوم؟ قالوا: صرعى حول الجمل، فقام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء:
توفي رسول ولم يعهد الينا في الامارة عهدا فنتبع اثره، ولكنا رأيناها من
[ ١ / ٢٨٣ ]
تلقاء انفسنا، فان يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان.
استخلف ابو بكر ويرحم الله ابا بكر فاستقام وأقام، ثم استخلف عمر ويرحم الله عمر فاستقام وأقام، ثم ضرب الدين بحرانه، يرحم الله من يشاء ويعذب من يشاء.
ثم القول الذي كان يقوله ويعيده ويبديه ويذكر ايام الإلفة والاستقامة وما حدث بعد ذلك من الخلاف في آخر ايام عثمان: سبق رسول الله ﷺ، وصلى ابو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا فتنة فما شاء الله «١» - قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة بالله لأن الله يشاء نصرة الحق ولا يشاء الله الباطل- أي اللهم افعل ما تشاء، قد قال الحسن البصري فيما حكاه الله عن احد الرجلين: «وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ» «٢» اي ما شاء الله من شكره وحمده والرجوع اليه.
ولما فرغ امير المؤمنين/ من امر البصرة وبلغه خلاف معاوية وندب الناس الى حربه، دخل عليه ابن الكوّاء وقيس بن عباد اليشكريّ وهناك اصحابه فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، تضرب الناس بعضهم ببعض ليتبين الناس أمورهم فتستولي بها عليهم، أمن رأي رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة أنك احق الناس بهذا الامر، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا عهده اليك رسول الله ﷺ فأنت الموثوق به والمصدق المأمون على رسول الله فيما حدثت عنه.
_________________
(١) في الحاشية: قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة
(٢) الكهف ٣٩
[ ١ / ٢٨٤ ]
قالوا: فتشهّد امير المؤمنين وحمد الله وقال: لأنا والله اول من صدقه فلا اكون اول من كذب عليه، اما ان يكون عندي عهد من رسول الله ﷺ فلا والله، ولو كان عهد من رسول الله ما تركت أخا تيم ابن مرة «١» ولا ابن الخطاب على منبره ولو لم آحذ الا بيدي هذه، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة، مرض ليالي وأياما، يأتيه بلال يؤذن بالصلاة فيقول له: ائت ابا بكر- وهو يرى مكاني- فلما قبض الله نبيه ﵇ نظرنا في امرنا، فإن الصلاة أعظم الاسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فولينا ابا بكر امورنا، فأقام بين أظهرنا:
الكلمة جامعة والامر واحد، لا يختلف علينه منا اثنان، ولا يشهد أحد منا الى صاحبه بالشرك ولا يقطع منه البراءة، فكنت والله آخذ اذا اعطاني، وأغزو اذا أغزاني، واضرب بيدي هذه الحدود بين يديه.
فلما قبض ابو بكر ظن ان عمر اقوانا عليها وأحمل لها منا فولاها عمر، فأقام عمر بين اظهرنا: الكلمة جامعة والامر واحد، لا/ يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد احد منا على صاحبه بالشرك، فكنت والله آخذ اذا اعطاني وأغزو اذا أغزاني، واضرب هذه الحدود بين يديه.
فلما حضرت عمر الوفاة ظن انه إن يستخلف خليفة فيعمل ذلك الخليفة بخطئه إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده واهل بيته وجعلها في ستة رهط من قريش، وكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم الى ان ادع لكم نصيبي منها على ان اختار لله ولرسوله والمسلمين، فقلنا: نعم، فأخذنا ميثاقه على ذلك، واخذ ميثاقنا على ان نسمع ونطيع لمن ولاه امرنا،
_________________
(١) يقصد أبا بكر الصديق ﵁
[ ١ / ٢٨٥ ]
فضرب بيده على يد عثمان، فنظرت في امري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، واذا ميثاقي لغيري في عنقي، فأديت الى عثمان حقه، وكنت اضرب بين يديه الحدود.
فلما قتل عثمان ﵀، نظرت فاذا الخليفتان «١» اللذان اخذاها من رسول الله ﷺ بالعهد في الصلاة قد هلكا ولا عهد لهما واذا الخليفة الذي اخذها بمشورة المسلمين قد قتل وخرجت ربقته من عنقي وقتل ولا عهد له.
فلما قتل، بايعني اهل هذين الحرمين: مكة والمدينة، واهل هذين المصرين البصرة والكوفة؛ فجاء معاوية يقاتلني مع اهل الشام وكنت احق بالامر منه:
كنت مهاجرا وكان اعرابيا، وكنت سابقا وكان طليقا، وكان لي الصحبة؛ قالوا: صدقت، انت احق من معاوية.
فتأمل هذا الشرح والكشف وحصّل ما فيه، فلو لم يكن معك غيره لكان فيه اتم كفاية؛ وإنما سألوه هل معه في ذلك عهد من رسول الله ﷺ ألقاه اليه وحده كما سأل عمران/ بن حصين وأبو الأسود الدؤلي عائشة وطلحة والزبير كل واحد منهم على انفراده، هل معه العهد من رسول الله في مسيره فكلهم قال: لا.
فإن قيل: قد علمنا انه كان يأخذ اذا اعطوه، ويقيم الحدود بين ايديهم، ويعينهم، فمن اين لنا انهم غزوه؟ قلنا: لو لم يكن معنا خبر بأنهم قد غزوه إلا هذا لكفى وأغنى.
وكان ﵁ قد انكر من معاوية تبسطه في زمن عثمان فتنكر له، وأشار عليه بعض اصحابه فقال: انت بقية الناس ولك حق الطاعة،
_________________
(١) في الاصل: الخليفة
[ ١ / ٢٨٦ ]
فأقر ابن عامر «١» ومعاوية وغيرهما فانهم يبايعون لك الناس، ويهدئون البلاد ويسكنونهم. فقال له: والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ولا وليت هؤلاء ولا مثلهم يولى، والله لا اداهن في ديني ولا اعطي الدني في امري.
وكان المغيرة هو الذي اشار عليه بهذا، فلما قدم ابن عباس من مكة استشاره امير المؤمنين فقال: ما ترى فقد اشار المغيرة بإقرار معاوية، فقال:
قد نصح لك يا امير المؤمنين فافعل واقبل، فقال: والله ما اشك ان ذلك خير في عاجل الدنيا لأصحابها، وما الذي يلزمني من الحق والمعرفة ألا اولي منهم احدا، فإن قبلوا ذلك فخير لهم، وإن ادبروا بذلت لهم السيف، وما علي إلا الاجتهاد. فقال له ابن عباس: خلنى اولّه ثم انزعه من غير نقصان ولا إثم، فقال: لا افعل، ما كنت متخذ المضلين عضدا، اخاف ان يظلم مسلما او معاهدا فأجده في صحيفتي، لا اوليه ساعة واحدة.
فراجعه ابن عباس فقال: لا يظلم، فقال: لا أشرك في امانتي الا من ارضاه.
فانظر الى هذه المكاشفة بالحق في جميع اموره لتعلم فرية من نسبه الى الخوف من المخلوقين وقولهم انه كان يقي نفسه بدينه. وكان ﵁ اذا سئل المداراة وخوّف من/ الخلاف يقول: ابا الموت تخوفونني، فو الله ما أبالي سقطت على الموت ام سقط الموت عليّ، وكان يقول: عليّ آنس بالموت من الطفل بثدي امه، ومذ امره الله ونهاه ما رأى منكرا قط ولا
_________________
(١) يقصد عبد الله بن عامر بن كريز، عامل عثمان على البصرة
[ ١ / ٢٨٧ ]
سمعه إلا ردّه وأنكره، ولا رأى معروفا إلا شيده وقوّاه ونصره. وكان ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته. وكان لا يخاف الجبابرة الطغاة الذين يخافهم البشر فكيف [يخاف] «١» ابا بكر وعمر وعثمان، ولا يخاف سلطانهم محق ولو انه عبد او امرأة او ذمي كما تقدم شرح ذلك؟ لتعلم ان معونته لهم ونصرته لسلطانهم وطاعته لهم في حياتهم وتنفيذه وصاياهم بعد موتهم لأنهم أئمة هدى.
وقد كتب ﵁ الى معاوية «٢»: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي امير المؤمنين الى معاوية بن ابي سفيان. اما بعد، فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك رضى لله، فان خرج من امرهم ردوه الى ما خرج منه، فان ابى قاتلوه على ابتغائه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
فما دخل معاوية فيما دخل فيه المسلمون، فان احب الامر اليّ فيك العافية الا ان تتعرض للبلاء، فان تعرضت قاتلتك واستعنت بالله عليك، فقد اكثرت في قتلة عثمان يرحمه الله. فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم الي احملك وإياهم على الحق وعلى كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان ﵁. واعلم يا معاوية انك من الطلقاء
_________________
(١) اضافة على الاصل يقتضيها السياق
(٢) كتب في الحاشية: كتاب علي ﵁ الى معاوية
[ ١ / ٢٨٨ ]
الذين لا يحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى، وقد/ اتاك ومن قبلك جرير بن عبد الله «١»، وهو من اهل الايمان والهجرة فبايع، ولا قوة إلا بالله.
فانظر هل يحتج الا بالاختيار وبالشورى وبالاجماع وبسنة الخلفاء قبله، فهم عنده حجة وقدوة، وكم يقول ويبين ان الامامة الى المهاجرين والانصار فمن بايعون وعقدوا له كان اماما؛ فهو يحتج بأن طاعته طاعة الخلفاء قبله، وعند الامامية ان التدين بالاختيار وبالشورى والاقتداء بأبي بكر وعثمان شرك وكفر، وهم مع هذا يدّعون انهم شيعة لأمير المؤمنين، فهل سمعت بأعجب من هذا.
وانظر مكاشفته بالحق لمعاوية، وقوله في كل انسان ما فيه، وقوله له انك اظهرت الطلب بدم عثمان وما ذاك قصدك ونيتك، وانما نيتك وقصدك وضميرك الملك والدنيا، ولم يكن لك سابقة في الدين تحل لك بها الخلافة، فما تأخذه ﵁ لومة لائم ولا يتقي احدا من المخلوقين. وكان يقول:
ايها الناس، انما اهلك من كان قبلكم خبث اعمالهم حين لم ينههم الربانيون والأحبار فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فان ذلك لن يقدم من أجل ولن يؤخر رزقا. وكان يقول: لا خير في قوم لا يرون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا، ولا خير في قوم يأمن بينهم اهل المعاصي ويعملون بينهم بالكبائر. وكان يقول: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرب الشهداء مني وأفضلهم عندي بعد حمزة وجعفر من قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» «٢» .
_________________
(١) هو جرير بن عبد الله البجلي المتوفي سنة ٥١ هـ.
(٢) انظر شرح الجامع الصغير ١: ٦٤. وقد اورده الحاكم عن جابر بلفظ آخر.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكم له ﵁ مثل هذا الكتاب الى معاوية، يمدح فيه الخلفاء قبله، ويذم معاوية، وكم له من الرسل اليه في هذا المعنى، وما رضى من إنكار المنكر حتى سافر الى اهله بعد المكاتبة فشافههم به. فسار الى معاوية ونزل بصفين، وأقام نحو الشهرين لا يحارب/ ولا يقاتل، ويقيم الحجة على معاوية، ويبين براءته من دم عثمان ومن خذلانه، وانه قد بذل لعثمان النصرة فأباها عثمان وكره القتال، وأراد ان ينصرف القوم عنه راضين بغير قتال، وانه ما ظن ولا ظن عثمان انه يقتل، وان القوم اغتالوه وتسلقوا عليه وقتلوه ليلا. ويستشهد على ذلك المهاجرين والانصار، ثم يحلف بعد هذا ويقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ولا رضيت ولا هويت، ويلعن قتلة عثمان ويقول: اللهم العن قتلة عثمان في الليل والنهار والبر والبحر، ويرفع يديه بذلك حتى يبين ما تحت منكبيه.
وقد فعل مثل ذلك بالبصرة، فقال معاوية نحن نصدقه، ولكن في عسكره شناة عثمان وغزاته يسلمهم الينا. الى ان قال اهل الشام تخلّي معاوية على الولاية وهو يسمع لك ويطيع، فقال: لا افعل، وسألوه في ذلك فما أجاب. فأتاه وفد اهل الشام وفيهم رجل يقال له حوشب ذو ظليم له قدر ونباهة، فقام فقال: ألا ترى يا علي ان الله قد قسم لك قسما حسنا فخذه بشكر، إن لك قدما في الاسلام وسابقة وقرابة من رسول الله ﷺ، وصهرا وتجربة وسنا، فإن تتلف بيننا غدا فإنه لبوار العرب وضيعة الحرمات، ولكن انصرف راشدا وخلّ بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء اصحابك.
فقال له ﵁: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت ان
[ ١ / ٢٩٠ ]
ذلك يسعني في ديني أجبتك ولكان اهون عليّ من المؤونة، ولكن الله لم يرض لأهل القرآن ان يعمل بمعاصي الله في اكناف الارض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، واعلم يا حوشب اني قد ضربت الامر ظهره وبطنه وأنفه وعينه، حتى لقد منعني من نوم/ الليل، فما وجدته يسعني إلا قتالهم او الكفر بما جاء به محمد ﷺ، فكان معالجة القتال اهون من معالجة الاغلال، وكانت مؤونات الدنيا اهون علي من النار.
فتأمل ما في هذا القول من الانوار والحجج الشاهدة ببطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم زعموا انه مكث خمسا وعشرين سنة مع ابي بكر وعمر وعثمان وقد كفروا وارتدوا لا ينكر عليهم بل كان اكبر اعوانهم، وهو يقول هذا القول. وكان اصحابه يقولون لأهل الشام- مثل عمار بن ياسر، وقيس ابن سعد، وشريح بن هانىء، وعديّ بن حاتم، وصعصعة بن صوحان، والأشتر-: ان عليا اذا ظهر سار فيكم سيرة ابي بكر وعمر، وان معاوية لا يفعل ذلك، انما يريد العاجلة ويطلب الدنيا، وان صاحبنا كان يتقدم عند ابي بكر وعمر ويرجعان الى رأيه، وقولهم «١» ان صاحبنا من البدريين والمهاجرين وليس صاحبكم كذلك. فانظر بأي شيء يمدحونه وبأي شيء يحتجون له لتعرف بطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم يقولون: الحجة في إمامته نصّ النبي عليه، وظهور المعجزات عليه بعد النبي ﷺ، وهو ﵁ لا يذكرها هو ولا يحتج بها ولا يعرفها، ولا احد من ولده وأهل بيته وشيعته في زمانه.
_________________
(١) في الاصل: وقوله، ولعل الصواب ما اثبتناه
[ ١ / ٢٩١ ]
ولما رفع اهل الشام المصاحف وقالوا: بيننا وبينكم ما جاء به رسول الله ﷺ، ردونا اليه فقد رضينا به، وهذا كتاب الله؛ فما قال لهم هو ولا اصحابه: فرسول الله قد نصّ عليّ وقال من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا نصّ او تأويله النص او معناه النصّ، او آية كذا او حديث كذا، فما احتج عليهم لا هو ولا شيعته الذين قتلوا بين يديه بشيء مما يذكره هؤلاء.
ولما قال له اصحابه: ضعفت وسكنت في نفسك حتى حكمت الرجال/ في امرك، وأي حاجة كانت بك الى هذا وقد بايعك المهاجرون والانصار، وما احوجنا واياك الى امام مثل عمر يسوسنا ويسوسك، وقد كفرت بما صنعت. فما احتجّ عليهم لا هو ولا من كان يحتج عنه مثل ابن عباس وصعصعة بأني معصوم ولا اخطىء ولا اعصي، وان النبي ﷺ قد نص عليّ وقد رأيتم المعجزات او قد بلغتكم، وما احتج عليهم الا بما قد تقدم لك في كل وقت وكل حال.
وكان يقول والله لتخضبن هذه من هذه ويشير الى لحيته وهامته، فيقول له اصحابه: لو علمنا من ذلك لأبدنا وأبّرنا «١»، فيقول: كيف تقتلونه ولم يقتلني، فيقولون: يا امير المؤمنين اوص واستخلف، فيقول: ما اوصى رسول الله فأوصى ولا استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف، فيراجعونه فيرجع عليهم بمثل ذلك ثم يقول: ان ادع فقد ترك من هو خير مني، وان أستخلف فقد استخلف من هو خير مني. ولما ضربه ابن ملجم الملعون دخلوا عليه، فقالوا: استخلف، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله: استخلف فقال: لا، اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو
_________________
(١) في القاموس: أبر القوم: اهلكهم
[ ١ / ٢٩٢ ]
اسرائيل عن هرون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. قال امير المؤمنين فعلم [الله والله] «١» في قلوبنا خيرا فاختار لنا ابا بكر، ثم اقبل على صعصعة بن صوحان وكان في القوم فقال: ولكن يا صعصعة، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. فتركوه ثم عاودوه فما فعل، وسألوه أن يشير عليهم بأحد فما فعل، فقالوا له: ان فقدناك يا امير المؤمنين فلا نفقدك ان نبايع الحسن، فقال لا آمركم ولا انهاكم. فعادوا القول فقال كذلك انتم ابصر، وكان آخر عهدهم به، وقبض صلوات الله عليه، فلم يقل «٢» غير هذا.
فإن قالوا: فانا/ لا نقبل هذه الاخبار، قلنا: لو قلتم انه ما جرى بينه وبين العباس ما قلنا، ولا كان من الانصار في السقيفه ما ذكرنا، ولا كان من ابي بكر والصحابة في استخلاف عمر ما قلنا، ولا دخل عليّ في الشورى، ولا صلّى خلف صهيب، ولا رجع الى عبد الرحمن، ولا سأل القوم عمر أن يستخلف عليهم ولا قال ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني وان اترك فقد ترك من هو خير مني، بل ما وضع عمر شورى اصلا، وهذا كله كذب، ما كان عندنا في ذلك الا ما عندنا في انكاركم ما كان من امير المؤمنين. وكذا لو قلتم ما كاتب معاوية، ولا رفع معاوية المصاحف، ولا كان من امير المؤمنين وبين اصحابه الذين صاروا خوارج ما ذكرنا، ولكنكم لو سلمتم هذا لبطل مذهبكم، ولو انصفتم لتركتموه وصرتم الى مذاهب امير المؤمنين وهي هذه التي قد ذكرناها، وما شأنكم إلا انكار «٣» ما قد كان وادعاء ما لم يكن، وما لو كان له اصل لكان العلم به قد قهر.
_________________
(١) كذا في الاصل، ولعلها: الله ان
(٢) في الاصل: يقول
(٣) في الاصل: الانكار
[ ١ / ٢٩٣ ]
وفي اقل قليل مما كتبت دليل على بطلان دعاويهم، وانما ذكرنا لك هذا في هذا الموضع لأنك طلبته وذكرت حاجتك اليه.
وكثيرا تسأل الامامية عما كان من عثمان في تولية اقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة الى البصرة، وما ذاك الا لضعفهم وانقطاعهم لأن عثمان لو لم يول اقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرا مشركا عندهم بادعائه الامامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر امير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم امامة ابي بكر وعمر وعثمان، فكلام الامامية/ في هذا الكلام مسلم لو كلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، او كلم النصارى في استحلالهم الخمر، وانما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما اتاه من الحمى وتولية الاقارب ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم الى البصرة ولولا ذلك لكانوا مثل ابي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود.
فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الاصل. واما طلحة والزبير وعائشة فانهم انما سلموا علينا لأنهم سلموا على امير المؤمنين، وتوليناهم وزكيناهم لأنه زكاهم وتولاهم ومدحهم وترحم عليهم بعد كان منهم بالبصرة وبعد موتهم، فلو عاديناهم لكنا قد خالفناه وسرنا بغير سيرته وسلكنا غير سبيله، ونحن لا نرى خلافه، بل هو إمامنا وسيدنا والقدوة عندنا، وهو الذي ظاهره كباطنه وسريرته كعلانيته.
وهذا كلام مع الخوارج فيقال لهم: علي بن ابي طالب إمام هدي، وانما برئتم منه وادعيتم انه كفر بالتحكم وقبل ذلك كان مرضيا، وقد زكى هؤلاء قبل التحكيم، وقد وجب عليكم الاقتداء به. فإن قالوا: ومتى كان
[ ١ / ٢٩٤ ]
هذا منه؟ قلنا: قد كان يتصفح القتلى بعد انقضاء الحرب، فمر بطلحة وهو صريع فنزل اليه واخذ رأسه في حجره ومسح التراب عنه وقال: يرحمك الله يا ابا محمد، يعزّ عليّ ان اراك قتيلا تحت نجوم السماء وفي اودية الارض، ثم انشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه اذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وامر بجمع القتلى وصلى عليهم وامر بدفنهم، ودخل عليه ولد طلحة فأدناه وقربه/ وقال له: يا ابن اخي، خذ كتابي الى قرظة بن كعب الانصاري ليرد عليكم اموالكم وما اخذ منها، فما امرته بإدخال يده فيها، انما اردت قبضها لئلا تمتد اليها ايدي السفهاء وليحفظها عليكم، اتبسط يا ابن اخي في الحاجة تكون لكم فاني ارجو ان اكون انا وطلحة والزبير من الذين قال الله: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» «١» .
ولما قيل له ﵁: قاتل الزبير بالباب يستأذن، انزعج هو وأولاده حزنا عليه وإنكارا لقتله، وصار عندهم مأتم ومصيبة عظيمة، وقال: كيف قتله وليس من اقرانه؟ قالوا اعتاله ومعه سيفه، فقال:
خذوا السيف منه وبشروه بالنار، فأخذ السيف منه؛ فما زال امير المؤمنين يقلب السيف ويقول كم كربة كشفها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ، ولم يأذن له في الدخول عليه. ثم دخل عليه بعد ذلك مع الناس فقال: نحن اهل البلاء فلم نجفا؟ قال: من تكون؟ قال: قاتل الزبير،
_________________
(١) سورة الحجر ٤٦
[ ١ / ٢٩٥ ]
قال امير المؤمنين: بفيك الحجر، بفيك الحجر، ليلج قاتل الزبير النار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبي حواريّ، وحواري الزبير. وسمعته يقول: الزبير في الجنة وطلحة في الجنة، فقال ابن جرموز: انما قتلته أبتغي بقتله عند عليّ الزلفة فبشرني بالنار، وندم على قتله، وصار ينكر ان يكون قتله.
وجهز عائشة بكل ما تحتاج اليه، وشيعها هو وأولاده وقال لأخيها ومن خرج معها: بلغوها، ووصّى باكرامها، وكان يقول لها: يا أمّه، وأمّ المؤمنين سائرة، فمن اراد المسير معها ممن قدم بقدومها فليسر، وقال:
ايها الناس، انها امكم وزوجة نبيكم في الدنيا وزوجته في الجنة، وردها الى سدانة قبر رسول الله والى بيتها، وأعطاها ما كان يعطيها من قبله من الخلفاء.
ولا يحل لامرأة/ زعم هؤلاء انها كافرة، يردها امير المؤمنين الى قبر رسول الله ﷺ [وتعطى] «١» ما يعطى امهات المؤمنين، سيما والمدينة في ملكه وسلطانه، وفيها عماله، وليس به في امرها حاجة الى المداراة والمداهنة بعد مقاتلتها كما كان بزعمهم يفعل مع من تقدم من الخلفاء.
وكم كان يركب اليهاهو واولاده وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ويجلسون اليها ويعظمونها، وقد استغفرت واستغفر لها امير المؤمنين، وقد سمع عمار ابن ياسر رجلا ينال منها والحرب قائمة فقال له: اسكت مقبوحا منبوحا، والله إنا لنقاتلها وإنا لنعلم انها زوجة نبيكم ومعه في الجنة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أم إياها؛ وشرح إكرامه لها واكرام اولاده وهم بالبصرة يطول.
_________________
(١) في الاصل ولا تعطى، ولعل الصواب ما اثبتناه
[ ١ / ٢٩٦ ]
وكانت هي تلعن اصحابه الذين ارتدوا عنه ولعنوه وصاروا خوارج وتبرأ منهم، وتروي عن رسول الله ﷺ تصويبه وتضليلهم، وتقول: أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبّوهم، وتسميهم كلاب النار، ولما بلغها موته استرجعت وقالت: ذهب والله من لم يسفهه الملك ولا أطغته الدنيا، لتصنع العرب ما شاءت فما بقي بعد ابن ابي طالب من يكفّها ولا يردعها، ثم انشدت:
فألقت عصاها واستقر «١» بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
وكم قد طعنت على معاوية وواجهته بالتخطئة لما ورد المدينة ودخل عليها، حتى اخجلته وهو جبار قد غلب، وكم فعل ذلك به اخوها عبد الرحمن بما يطول شرحه. ولا يرد هذه الأخبار إلا معاند أو من قال انه كان يلعنها كما يلعن معاوية ولم يردّها الى المدينة، ومن قال هذا فقد أتى في البهت على ما لا فيه حيلة.
والإمامية تقول: قد فعل هذا ولكن «٢» / على طريق حسن العشرة وعلى سبيل التكرم والتفضل، قيل لهم: هو ﷺ أجل قدرا وأشد ورعا من ان يرد امرأة كافرة او فاسقة الى قبر رسول الله ﷺ ويمكنها منه، ويعطيها ما يعطي امهات المؤمنين ويسميها ام المؤمنين، ويشهد لها بما قلنا، ويترحم على كافرين، ويرد الاموال ويشهد لهما بالجنة، هذا لا يحل في دين الله ولا يفعله مثله ﷺ بوجه من الوجوه، وإنما قوله بشّر قاتل ابن صفية بالنار، وقوله: ليلج قاتل الزبير النار على طريق التزكية له كقول
_________________
(١) في الاصل: استقرت
(٢) مكررة في الاصل لانها اول الصفحة وآخرها
[ ١ / ٢٩٧ ]
رسول الله ﷺ: «تقتل عمار الفئة الباغية» «١» على طريق التزكية لعمار.
فإن قالوا: لم لم يقتل قاتل الزبير؟ قلنا: لم يكن ذلك له وانما هو لولد الزبير، فان شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا.
ومن عجيب الامور ان عبد الله بن الزبير قام بعد معاوية ودعا الى نفسه لإمرة المؤمنين، وغلب على الارض بسبع سنين إلا كورة فلسطين، وانبثّ عماله في الامصار، وعمرو»
بن جرموز حيّ بالبصرة فما تعرضوا له، ولقد قرئت جريدة اهل البصرة على مصعب بن الزبير بالبصرة، فقرأ الكاتب عمرو بن جرموز، فقال قائل لمصعب أصلح الله الامير وعمرو «٣» بن جرموز وقد ساح في الارض وسار في البلاد فقال مصعب: او ظن ابن جرموز اني أقيده بأبي عبد الله، ليظهر ابن جرموز آمنا وليأخذ عطاءنا مسلما فظهر وأخذ وأمن وترفع «٤» ولد الزبير عن قتله وقد كان لهم ذلك، وهو اليهم، فكيف يتعجب عاقل من عفو امير المؤمنين عنه وليس القود له.
وكان عمرو بن جرموز بعد الذي سمعه من أمير المؤمنين شديد الندم على قتله، كثير الاستغفار، شديد/ الاشفاق، وقد بقي بعد زوال آخر آل الزبير ومصير الملك الى عبد الملك، فكان الحجاج يقول له: انت قتلت الزبير؟ - لشدة عداوة الحجاج وبني امية لآل الزبير- فيقول ابن جرموز: ما قتلت احدا، فيقول له الحجاج: وما عليك في قتله،
_________________
(١) انظر شرح الجامع الصغير ٢: ١٤٧. وقد اورده ابو نعيم في الحلية عن ابي قتادة
(٢) في الاصل عمير، الا انه ورد في معظم الكتب التاريخية باسم عمرو
(٣) في الاصل ابن عمير وابن زائدة
(٤) مطموسة في الاصل، والقراءة اجتهادية
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقتله خير لك من جزاء وتدبير حسنات؛ يشجعه الحجاج لينصرف عن الغم والندم بما قاله أمير المؤمنين له في دخول النار بقتل الزبير، لتعلم رحمك الله شهرة انكار امير المؤمنين على من اعترف بقتل الزبير.
ولكن طال الأمر وقل الطالب المتأمل.
فإن قيل: فكيف سبيل تلك الدماء التي كانت بينهم يوم الجمل؟ قيل له: ان امير المؤمنين ﵁ اعلم بذلك وافقه في الدين وأشد في الورع، ولم يكن ليقول في هؤلاء وفي غيرهم ما لا يحل ولا يجوز في الدين، فقد كفانا حكمه عن البحث والطلب، وان كان العلماء قد ذكروا اتفاق رأي امير المؤمنين وطلحة والزبير وعائشة على الصلح ووضع الحرب واستقبال النظر في الأمر، وان من كان في العسكر من اعداء عثمان كرهوا ذلك وخافوا ان تتفرغ الجماعة لهم، وقالوا: لنشغلهم عنا بنفوسهم، فدبروا في القاء الحرب بينهم ما هو مذكور فتم لهم ذلك، وما بك حاجة هاهنا الى ذكره، وأفعال امير المؤمنين تغنيك، فإن اردته وجدته في كتب العلماء «١» .
_________________
(١) بياض في الاصل حتى نهاية الورقة ١٤٠ ثم الورقة ١٤١ فراغ ايضا. ويبدأ بعد ذلك قسم جديد يبتدىء ب بسم الله الرحمن الرحيم، بداية الجزء الثاني من الكتاب.
[ ١ / ٢٩٩ ]