وهو أنه ﷺ قال حين دعا إلى الله وفي حال وحدته وضعفه:
إن الله أرسلني ووعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها، فيكون سلطاني أقهر من سلطان كسرى وقيصر، فأغلب الملوك، ويعلو ملكي وملك أنصاري وأتباعي كل ملك في الأرض. ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ وقرآنا مخلدا يتلى، يعرفه العدو والوليّ فقال: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ/ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا» «١» وقال أيضا:
«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» «٢» فكان كما قال وكما أخبر، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى جعل أهله العالين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والقاهرين الملوك والجبابرة بالعز والملكة. ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الممانعة والدفع والمغالبة، وعلى وجه يجعل العدوّ على أهبة، بخلاف تدبير حزمة الملوك ودهاة الجبابرة. فأخبر بهذا وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب كلها مستولية، وهي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك، كل واحد منهم عظيم الشأن، ثم ديانات اليهود وملوكهم، وديانات النصارى والروم وملوكهم بالشام ومصر والمغرب والجزيرة وأرمينية، إلى غير ذلك، وديانات الفرس وممالكها، وهي كانت أعظم ممالك الأرض وأوسعها ملكا وأشدها بأسا، وممالك الهند. فغلب ملوك العرب في جزيرتها، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها، وممالك النصرانية والروم، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر
_________________
(١) الفتح ٢٨
(٢) التوبة ٣٢
[ ٢ / ٣١٤ ]
والأخفاق والاقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه، وأسنده إلى عقاب يعتصم بها، ومعاقل يأوى اليها، وقلاع ومطامير وخلجان وبحار يمتنعون بها. ثم ركب البحار إليهم، فأخرج الروم من الشام ومصر وأرض المغرب ولعلها مسيرة سنين، وهي اليوم في أيدي عدة ملوك، وغلب على أرمينية، وصار ملوكها يؤدون الجزية، وسار الاسلام حتى نزل على القسطنطينية وهي محصّنة/ ممنّعة بالبحار والخلجان والجبال والأسوار، فمذ غزاهم خلفاؤه وأصحابه كانوا في ذلة وفي شعاب ورؤوس مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم واستسلموا، وكانوا كأعراب يطلبون النجعة أو كلصوص يطلبون الغرّة ويطرقون النيام، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة بين المسلمين فينتهزون الفرصة، فأما أن يكون ملك يظهر لهم ويقيم بإزائهم ويعاديهم الحرب ويناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس والروم وملوك الترك والهند فلا.
فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم أصحاب رسول الله ﷺ إلى سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في زمن الديلم، والسلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة على بن حمدان، وهو معروف الديانة والطوية للاسلام والغزاة وأهل السيرة والعنف بالرعية، ومما كان يلجئهم بالجور الى الهرب إلى الروم، وشرح ذلك يطول.
وكانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين وشغلهم عنا وألجأهم إلينا، وهو ملكنا الأكبر ودمستقنا الأعظم «١» .
فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر، فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه
_________________
(١) الدمستق هو لفظ استعمله العرب مرادفا لكلمة -gouverneur أي حاكم- في اللغات الأجنبية.
[ ٢ / ٣١٥ ]
وصار من بلدان الاسلام كمولتان والمنصورة وغيرها من المدن والأمصار البحرية ما هو معروف، وشرحه يطول، ومن طلبه وجده. فقد اعتبر العلماء وأهل التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجيء نبينا محمد ﷺ في الوحدة والفقر والفاقة ومنافرة/ الأمم كلها ومعاداتها، حتى ما اعتصم بمخلوق ولا صوب ملكا ولا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك، ثم صار أمره في القهر والغلبة ما صار أمره إليه. فإن ظاهر الأمر وموجب التدبير والعقل أن ذلك لا يتم ولا يكون، وأنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل الله الذي لا يغلبه شيء. فإن أمره ﷺ كان كريشة دفعت الجبال فسيرتها وطيرتها، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها وسوتها بالأرض. فتأمل هذه الآية العظيمة، وكل آياته عظام.
وما قلنا إنه نبىّ لأن دعوته قامت ودولته اتسعت، ولكن لما قدمنا وشرحنا من وحدته وفقره وتبرئه من الأمم وإكفارهم وإسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة، ومجيء ذلك كما قال وأخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره الله ﷿، وقد علم ذلك من سمع أخباره ودعوته باضطرار، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره قبل أن يكون شيء «١» منه وأن الأمر كان كما أخبر.
ومعروف من سيرته أنه ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل وفي المواسم ليتبعوه، ويشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها ومحاربة الملوك، فيقال له:
إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا ولا تصبر عليه ولا نحن من رجال معاداتهم ومعاداة غيرهم من الملوك، فيقول: أرأيتم إن منحكم الله ملكهم وأفرشكم نساءه أتطيعونه وتعبدونه؟ فيتعجبون من هذا القول، ويقول
_________________
(١) في الاصل: شيئا
[ ٢ / ٣١٦ ]
بعضهم لبعض: ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة وقد ناصبه قومه وهو/ يقول هذا، ويقول بعضهم ما هو إلا عاقل، فإن كان رسولا لله كما قال فسيكون ذلك، فيقال: بمن يكون هذا، وأين خزائن الملوك وعساكرها وغضبها لملكها وأنفتها وكبرياؤها ونخوتها حتى يترك هذا يغلبها، ولهذا قال الله تعالى: «وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» «١» .
ولشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن، أنه ﵇ لما توفي وارتدت العرب، جال أهل مكة جولة، وهمّوا بالردة، فاستخفى عتّاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ على مكة «٢»، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا ونهاهم عن ذلك، فقالوا: محمد قد مات والناس قد رجعوا عن دينه، فقال لهم سهيل: إن يكن محمد قد مات فإن الله لم يمت. وقد علمتم أني أكثركم قتبا في برّ وجارية في بحر، فأقروا أميركم، وأنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردّها عليكم جذعة وإن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها. قالوا ومن أين علمت، قال: إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له ولا عزّ، قام في ظلّ هذا البيت فقال: اني رسول الله، وإني سأظهر، فكنا بين ضاحك وهازل وراجم ومستجهل، فما زال أمره ينمى ويصعد حتى دنّا له طوعا وكرها، والله لو كان من عند غير الله لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش، وإن هذا، وأشار إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، ولكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب.
وسهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي
_________________
(١) القصص ٥٧
(٢) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، من أشراف العرب في صدر الإسلام، أسلم يوم فتح مكة واستعمله النبي عليها عند خروجه إلى حنين سنة ٨ هـ. وبقي واليا عليها إلى في خلافه عمر، توفي سنة ١٣ هـ.
[ ٢ / ٣١٧ ]
منها، وهو صاحب القضية يوم الحديبية، وله تلك الناظرة والمجادلة، وكان أحد أعداء رسول الله ﷺ والمجردين في ذلك، وكان إذا تلا رسول الله ﷺ القرآن بمكة يقوم خطيبا وكأنّ كلامه يخرج من/ صدع صخرة، فينثال الناس عليه. وهو القائل وهو على باب عمر مع وجوه قريش وسادات العرب وقد حجبوا، فخرج آذن عمر فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟
فينهض هؤلاء الموالي مكرمين ويحجب أولئك، فرآهم سهيل وقد تمعّرت وجوههم «١» فقال لهم: مالكم تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن غبطتهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ الله لهم غدا في الجنة أفضل.
ولما أبى أبو بكر الصديق قبول الصلاة والجهاد ممن منع الزكاة. قال له أصحاب رسول الله ﷺ: يا خليفة رسول الله، من نقاتل ومن ندع. لا طاقة لنا بحرب العرب كلها، اقبل من هؤلاء الصلاة ودع الزكاة فلعلهم إذا رغبوا في الصلاة أن يرغبوا في الزكاة. حتى إذا فرغوا من قولهم تكلم أبو بكر فقال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وخلق فسوّى، وأغنى وأفنى، إن الله جل ثناؤه بعث محمدا ﷺ والاسلام غريب شريد قد رث حبله وولىّ أهله، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا ولا يصرف عنهم سوآ حين غيّروا أو حرفوا، والعرب الأميّون صفر من الله، أضلهم دينا وأشدهم عيشا، فجمعهم الله بمحمد ﷺ، فنصرهم من أنفسهم، ووعدهم بالنصر على عدوهم. فلما توفي الله محمدا ﷺ، ركب الشيطان مركبه الذي كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،
_________________
(١) جاء في اللسان: غضب فلان فتمعر لونه ووجهه: تغير وعلته صفرة.
[ ٢ / ٣١٨ ]
أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» «١» وقد ارتدّ من حولكم ومنعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أرغب من يومكم هذا، / والله لا نبرح نقاتل على أمر الله جل وعزّ حتى ينجز الله لنا وعده ويفي لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفة ربّه في أهله، مطيعين متوكلين، قضاء لا خلف له «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «٢»» وقال الله: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» «٣» . والله لينجزنّ الله لنا ما وعدنا في كتابه، وليظهرنّ ديننا على جميع الأديان، وليمكننّ لنا في الأرض كما وعدنا في كتابه، وهو اليقين الذي لا خلف له.
وقد كانت ردة العرب بعد وفاته ﵇ بألوان الردة: منهم من ادّعى النبوة، ومنهم من كانت ردته بتعطيل الشريعة كلها، ومنهم من كانت ردته بمنع الزكاة على أن يقيم الصلاة ويجاهد مع المسلمين، فإن لم يقبل منهم ذلك صاروا مع العدو على المسلمين، وأغاروا على المدينة، وزحفوا حتى شارفوا المدينة، وخافهم المسلمون، فسألوا أبا بكر أن يقبل ذلك منهم مدة إلى أن ينكشف ما بالمسلمين، فأبى، فقيل له ما نراك تنحاش لما قد بلغ
_________________
(١) آل عمران ١٤٤
(٢) النور ٥٥
(٣) الفتح ٢٨
[ ٢ / ٣١٩ ]
من الناس ولما يتوقع من إغارة العدو. فقال أبو بكر ما دخلني إشفاق من شرّ ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد منذ ليلة الغار، فإن رسول الله حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين قال: هون عليك أبا بكر، «١» فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام. فقبلوا منه ورجعوا الى قوله، وقاتلوا العرب كلها فغلبوهم/ وقهروهم مع قلة المسلمين وكثرتهم، لتعلم معرفتهم بما أخبرهم به رسول الله ﷺ من الظهور وثقتهم بذلك.
فلما فرغ أبو بكر من العرب أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ على فارس والروم أن الله قد وعدكم الفتح، وأن يظهر دينه على كل دين، وأن يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم، والله متم أمره، ومصدق رسوله، ولكن أخوف ما أخاف علينا أن يصرف الله ذلك إلى غيرنا لتقصير يكون منّا، فجدّوا وبادروا لتحوزوا ثوابها. ثم قال لهم: إن بلادهم خرسة يعني خراسان، فقد سمعنا رسول الله ﷺ يذكرها ويخبر أنكم ستفتحونها.
فذكرها وهي أقصى ممالك فارس وأوسعها بلادا وأكثرها رجالا وأشدها بأسا. ولما صار النعمان بن مقرن مع النفر الذين معه من المسلمين إلى يزدجرد ابن شهريار ملك فارس برسالة عمر بن الخطاب يدعونه الى الاسلام وأداء الجزية أو القتال، فقال لهم يزدجرد: لا أعرف أمة أقلّ ولا أشقى منكم.
ثم ذكر من ذلّة العرب وسوء حالها ما يطول، ثم قال: تقولون لفارس، وملكها أعزّ ملوك الأرض، وملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لولا أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب
_________________
(١) في الأصل: أهون عليك
[ ٢ / ٣٢٠ ]
جيشه، بأن يدفنكم وأميركم، يعني سعد بن أبي وقاص، وكان نازلا بالعذيب يريد ملك فارس، بأن يدفنكم في خندق القادسية، ثم أرسل إلى بلادكم فاستأصلكم وأصنع بكم أشد مما صنعه سابور بكم. وأخذ يتعجب من ضعف أجسامهم ورثاثة سلاحهم وكسوتهم.
فقالوا له: إنا قد فهمنا ما ذكرت أيها الملك من القلة واستطالة الملوك علينا/ ولكن الله بعث فينا رجلا منا يدعونا إلى الله، ووصفوا له الاسلام وحال النبي ﷺ ووحدته وفقره، وأنه وعد أن يغلبنا ويغلب الأمم، فعجبنا من قوله، وتلقيناه بالجهل والرد والتكذيب، فلم تزل مواعيده تصدق، فما أخلف في شيء قاله. وقد وعدنا ممالككم وأرضكم ودياركم، ولن يخلف قوله. فأجيبوا إلى دينه فإنه دين يحسن فيه الحسن ويقبح فيه القبيح، نخلف فيكم كتاب الله فتجاهدون من يليكم فتفوزون، وإلا فالجزية نقبلها منكم عن يد وأنتم صاغرون، فإنكم إن تقاتلوا ينصرنا الله عليكم. فقال: ما تريدون بقولكم عن يد؟ قالوا عن يد منّا عليك في قبولها منك، فازداد غيظه وقال: قوموا يا كلاب عني، وجرى لهم معه ما يطول، وإنما أردنا ذكر ثقتهم بهذا الوعد.
ولما سار رستم بجيوشه إلى سعد بن أبي وقاص وهو في المسلمين، أرسل رستم طلائعه وقال لهم: بادروا، ومن وقع بأيديكم من العرب فأسرعوا به إليّ. فجاؤا برجل من المسلمين، فقال رستم للترجمان: قل له ما جاء بكم إلى بلادنا؟ فقال المسلم: لنأخذ موعود الله، فقال رستم: وما هو؟ قال المسلم: أنفسكم وأموالكم ودياركم، فقال رستم الملك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، انك لست تحاول البشر وإنما نحاول القدر، فقال له رستم: أما أنت فتقتل
[ ٢ / ٣٢١ ]
الساعة، فقال له المسلم: أنا أقتل فأصير إلى الجنة، ومن بقي من المسلمين يظهر عليكم.
ولما نزل الملك رستم القادسية، أرسل إلى سعد أن أرسل إليّ من يبلغني عنك ويبلغك عني، فأرسل إليه رجلا واحدا، فجلس له على سريره، وأحدق به جنوده وهو في عشرين ومائة ألف/ في خيول وفيلة وشدة وبأس. فقال رستم للمسلم: قل لي ما جئتم تطلبون- وظن رستم أن المسلمين سيرهبون لما يرون من جنوده- فقال له المسلم: إنك لا تسمع مني أو تنزل إليّ أو أصعد إليك، فهاله ذلك منه وهو رجل واحد، فلما صار معه وصف له الإسلام ورغبه فيه، فقال له رستم: مثلكم معشر العرب مع فارس مثل رجل كان له كرم فدخلته الثعالب فتغافل عنها فطمعت فيه، فسدّ عليها المثاغب ثم قتلها عن آخرها، «١» وكذا يكون أمركم معنا، وذكر من كان يولونه على العرب وغلبتهم لهم، ثم قال: هاتوا يا أشقياء جمالكم هذه نوقرها لكم تمرا وبرّا ونكسوكم فإنكم عراة وترجعون، فهو خير لكم، فإنه لا طاقة لكم بالملوك، وخاصة ملك فارس. فقال له المسلم مثل قول أصحابه من حال رسول الله ﷺ وكيف كان ابتداؤها وما وعد به، فانصرف.
ثم عاود رستم سعدا فيمن يرسله إليه، فأرسل إليه رجلا واحدا، وكان رث الهيئة واللبسة والسلاح، فسأله رستم عما جئتم له، فوصف له مثل ما وصف أصحابه، وقال مثل ما قالوا، فسأله رستم عن الاسلام، فوصف أصوله وحدوده- والترجمان يترجم عنه- فأقبل رستم على من حوله من الملوك والقواد والوزراء والأساورة، فقال: ألا ترون إلى حسن ما يصف من هذا الدين، وإلى هؤلاء كيف لا يختلف قولهم مع كثرتهم، فقالوا له: نعيذك بالله
_________________
(١) الثغب هو الأخدود تحتفره المسايل من عل، فإذا أنحطت حفرت أمثال القبور والدبار.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
أيها الملك أن تستحسن دين هؤلاء، أما ترى عريهم ووسخهم ورثاثة سلاحهم ولباسهم، فقال لهم رستم: أنتم قوم عنيتم بالملابس والماكل والمشارب وعنوا بالأحساب، انظروا إلى عقولهم وبصائرهم وصبرهم. وجرى له معهم أكثر مما جرى لهم مع الملك الكبير يزدجرد مما يطول/ شرحه.
وهم يذكرون هذا الوعد مع كثرتهم، ولا يختلف قولهم، وكانت الملوك تمتحنهم بمثل هذا لينظروا هل يختلف قولهم، وهل هناك زلة أو هفوة لصاحبهم فتظهر من بعضهم على طول المدة، أو تميل بهم الرغبة إلى عاجل الدنيا مع تعجل السلامة، وهل يهو لهم ما يرون من العتاد والعدة وما يسمعونه من التهديد بالقتل، فما وجدوا عندهم شيئا من ذلك، وكانت قرة أعينهم بما آتاهم الله من البصيرة في دينهم، كما قد قال سليمان ﵇: «فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» «١» .
ولقد كتب أمير المؤمنين عمر إلى سعد: سرت في العرب ونزلت على الفرس، ما تنتظر؟ ناجز القوم. فكتب إليه سعد يذكر له عدد فارس وبأسها وشدتها وعتادها وعدتها، وضعف من معه وقلتهم ورثاثة سلاحهم، فكتب إليه عمر: بهذا وعدنا، قال الله: «سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ» «٢» فاشكر الله يا سعد أن سمعته بأذنك، ورأيته بعينك، وباشرته بيدك.
وكم كان للمسلمين مثل ذلك مع ملوك الروم بحمص ودمشق وأنطاكية ومصر وغيرها، وما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور دينه على الأديان، وأنه قد أخبرنا وأنذرنا وبشرنا بأمور كثيرة فما
_________________
(١) النمل ٣٦
(٢) الفتح ١٦
[ ٢ / ٣٢٣ ]
أخلفنا في شيء قط، وما جرى لهم معهم يطول شرحه، وهو مذكور في مواضعه، وإنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحيرّ فلم يجد متعلقا فأخذ يقول فيها عند صحتها: هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر، وإنما يقال هذا فيمن أخلف مواعيده وظهر كذبه في شيء بعد شيء، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر بما في هذا القرآن، ثم ينحو مثله من الأخبار، فلم يخلف في شيء منه، كيف يقال/ فيه «١» مثل هذا، ولو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج من أن يكون آية ودلالة على نبوته وأنه شيء قد انتقضت العادة به، فإنه ﷺ ما خلف بيوت الأموال ولا مروج الكراع ولا خزائن السلاح، بل مات فقيرا، ومرض وعنده سبعة دنانير، فقال: ما كان يقول محمد لربه لو لقيه وهذه عنده، فقسمها وتصدق بها.
وقد حمى نفسه ونساءه وأهله وولده عن الدنيا كما هو معروف، وما خلف في أصحابه وعليهم إلا البصائر فقط، وقد ارتدت العرب بعده إلا ومسجدين: مكة والمدينة، فنهض أصحابه بالأمر وليس معهم إلا التقوى والبصائر، وإنما يقول مثل هذا من لا يعرف الفرس والروم وقديمها وشدة بأسها وحزمها وضبطها ويسرها وكثرة جنودها وتقادم الملك فيها وضنّها بملكها. وحال رسول الله ﷺ وسيرته وما خلفه، وكيف كانت حال العرب في المهانة الضعف والقلة عند ملوك الفرس والروم والهند وغيرهم، وشرح ذلك يطول.
فما غلبت العرب إلا بالتقوى ولا عزت إلا بالاسلام. ولقد كانت الفرس تنفذ إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد وبالنفر اليسير. وكذا الروم فينفذ أمرهم، ولهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبيّ ﷺ ووجّه باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير، ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السريّة
_________________
(١) في الأصل: في
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الذين أنفذهم كسرى بسبب النعمان بن المنذر يوم ذي قار، حتى قال النبي ﷺ «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» .
ثم عاد الأمر الى خلاف ذلك، فكان النفر من أصحاب/ رسول الله ﷺ يلقون الجمع الكثير فينصرون عليهم، حتى كان الرجل وحده يسير إلى بلد من بلدانهم فيأخذه مع رثاثة سلاحهم وقلة عتادهم وعدتهم، ولقد قال أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﷺ في زمن بني أمية وقد رأى لهم رايات وتهويلات:
ما تصنعون بهذا ثكلتكم أمهاتكم؟ والله لقد أخذ هذا الملك الذي في أيديكم رجال ما كان لسيوفهم قباع، والله ما كانت مجانّهم الإبرادع جمالهم.
وكان عمر أمير المؤمنين كثيرا [ما] «١» يقوم في الصحابة خطيبا، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيش واستطالة الأمم عليها، ثم إلى أي شيء آل أمرها اليه برسول الله ﷺ، ويقول: إنما أقول هذا لكم لأني سمعت الله يقول لموسى: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» «٢»، ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صار ملكهم أعز من كل ملك في الأرض، ودينهم أظهر الأديان وأهيبها وأجلها، وأنهم ما لزموا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين.
وكانت ملوك الفرس والروم تعجب من انهزام عساكرها الخشنة المعدة القوية الشديدة من بين أيدي المسلمين، مع قلتهم وضعفهم وقلة آلتهم وسلاحهم، حتى لقد قال رستم الملك لما عبر العتيق لحرب سعد بالقادسية:
أين عسكر هؤلاء الكلاب، فقيل له: أشخص بصرك إلى هذه الجهة تره، فقال لما أشخص بصره: قال: أرى سوادا فأين هو من السواد، فقيل له:
هو السواد، فعجب وقال: وهذا هو كله، قالوا: نعم، قال: وقد بذلنا
_________________
(١) زيادة مني اقتضاها سياق الكلام
(٢) ابراهيم ٥
[ ٢ / ٣٢٥ ]
لهم الصلح فما أجابوا وهذا قدر عسكرهم، لا تقتلوهم وادفنوا هؤلاء الكلاب أحياء، استقلالا لهم. فلما قامت الحرب/ نزعوا برادع جمالهم يستخفون بها، وقدموا ابن ام مكتوم وهو أعمى ومعه رايتهم، فصاروا عنده كالضحكة، والطمع فيهم أشد، واحتقاره لهم أكثر. فلما رأى صبرهم تحير، حتى قال لجواسيسه: يا ويلكم، أيّ ناس هؤلاء، أما يملّون ما هم فيه، أما يطلبون الراحة، أما يشغلهم أكل. قيل: إنهم إذا قاموا من منامهم ابتدؤوا بأكلهم، قال:
وما يأكلون، قيل له: مع كل واحد منهم خشبة يأكلها، يعني بذلك السّواك، لأن الجاسوس كان يراهم يستاكون عند القيام من النوم فظن أن ذلك طعامهم، لأن الفرس والروم لا تعرف السّواك.
ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية استعظم انهزامهم، وكان عنده أن المسلمين هم الذين ينهزمون، وأنه يصير إلى المدنية فيستأصلهم، فقال لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرا مثلكم، قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما لكم تنهزمون كلما لقيتموهم، فقال شيخ منهم: من أجل انهم يقومون بالليل ويصومون بالنهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون، ومن أجل أنّا نزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.
وكانت نصارى العرب بين تغلب وتنوخ وبلخ وغسان وغيرها من القبائل تعين الروم والفرس على المسلمين، وكانوا ينغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم، وعن أمرائهم ورؤسائهم، كشر حبيل بن حسنة، ومعاذ بن
[ ٢ / ٣٢٦ ]
جبل، وخالد بن الوليد/ وأبي عبيدة بن الجراح وهو أمير الأمراء، «١» وأنهم لا يبينون من جندهم بشيء، وأن كل واحد منهم هو الذي يقوم على فرسه ويخدم أهل عسكره، وأن الذين في عسكرهم من بني هاشم وهم أهل بيت نبيّهم ورهط أبي بكر وولد عمر في العسكر كضعفاء الناس، لا يبينون من غيرهم بشيء. وأن من سرق قطعوه، ومن قتل قتلوه، ومن افترى جلدوه، ومن كذب أسقطوه وأبعدوه وإن كان ابن نبيّهم أو ابن أميرهم.
وأنهم في الحدود والحقوق سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى في دينهم. وأنهم رهبان بالليل وفرسان بالنهار. ويحدثونهم بحب النصارى لهم، وتشبثهم بهم، وأنهم أحب إليهم من ملوك النصرانية، وأن أهل حمص بكوا لرحيل أبي عبيدة بن الجراح عندهم لما تكاثرت عليه ملوك الروم، فقيل لأهل حمص:
تبكون على هؤلاء وهم اعداؤكم في الدين، والذين يجيئونكم ملوككم وأهل دينكم، فيقولون: هؤلاء أهل الأمانة والوفاء وقول الحق والعمل به، وقد أمناهم: - فهل سمعتم بمن يأمنه عدوه- دماؤنا محقونة، وأموالنا موفورة، وسبلنا آمنة، وأعراضنا مصونة، وأهل ديننا يفتضّون أبكارنا، ويشربون خمورنا، ويأكلون ودوابهم أقواتنا وعلف مواشينا، ويسخروننا لمعونتهم.
فكان سرورهم بملك المسلمين لهم عظيما، وهكذا كانت رجال الفرس.
فإن عمر حين ملكهم أقرّهم على أديانهم وأموالهم، وأخذ الجزية منهم، وفرض على أرضهم القفيز والدرهم «٢»، وصدقهم في ادّعائهم، واستعمل عليهم وفي أرضهم وخراجهم حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارس، وعمار
_________________
(١) ورد التعريف بهؤلاء الاعلام فيما سبق من الكتاب
(٢) أنواع من المكاييل
[ ٢ / ٣٢٧ ]
بن ياسر، وعثمان بن حنيف «١»، وأمثالهم، ووصاهم بهم، وحرص الفرس به أن يستعملهم عليهم وضمنوا التوفير، وقالوا نحن أعلم بهم، فلم يفعل، فسقط/ عن الفرس رسوم ملوكهم عليهم من حق النوروز والمهرجان والكسور والأجور وحق الخزن وغير ذلك، فأيسروا وسمنوا وصاروا كشحم الكلى، فأحبّوا الاسلام والمسلمين فما رأوا سوآ، إلى أن كتب زاذان فرّوخ- رجل منهم- للحجاج فسار بهم سيرة ملوكهم فقالوا: ما زلنا مع المسلمين بخير حتى دخل بيننا وبينهم رجل منا، فكنا كما يقال: إن فأسا طرح بين شجر فقال بعضهم لبعض: ما لهذه بيننا؟ فقالت شجرة منهن: ما علينا منها بأس ما لم يدخل فيها شيء منّا.
وكانت ملوك الفرس والروم يعجبون من سلطان المسلمين وأنه يقوم بدرّة ومرقعة ويغلب الجبابرة وأهل الملك القديم، وأصحاب التدبير والسياسة والترتيب، وأصحاب الكنوز، وأتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل الية فيقسمها ولا يخزنها. وأن قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادّخرت من هذا
_________________
(١) حذيفة بن اليمان هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، واليمان لقب حسل: صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر الرسول ﷺ في المنافقين، توفي سنة ٣٦ هـ. الأعلام ٢: ١٨٠ سلمان الفارسي: من كبار الصحابة، كان صاحب رأي وعلم بالشرائع، وهو الذي دل المسلمين على حفر الخندق في غزوة الاحزاب، توفي سنة ٣٧ هـ الاعلام ٣: ١٦٩ عمار بن ياسر الكناني: صحابي من السابقين الى الاسلام والجهربه، شهد بدرا وأحد والخندق وبيعة الرضوان، وتولى الكوفة أيام عمر، توفي سنة ٣٧ هـ. الاعلام ٥: ١٩١ عثمان بن حنيف الانصاري، صحابي، ولي أكثر من ولاية، توفي بعد سنة ٤١ هـ. الاعلام ٤: ٣٦٥
[ ٢ / ٣٢٨ ]
المال ذخرا ليكون إن كان، فقال له: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، أما إنها لن تضرني ولكنها فتنة لمن بعدي، يدّخر لكون إن كان تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وقسم المال ولم يقبل منه. وكان يأخذ عماله بإنصاف الناس ورعايتهم وخدمتهم وأن يعودوا العبيد والضعفاء إلى غير ذلك مما يطول.
ولما انكشف ملوك الروم من الشام ومصر، واحتجزوا من المسلمين بالمضايق والدروب، أخذوا في مداراته ومراسلاته، وطمعوا في كفه واستعطافه بالرفق، فكانت رسلهم ترد المدينة مع نفر من المسلمين في ثغورهم، فلا يرون له قصرا ولا منزلا يتميز به من سائر الناس، بل يرون منازلهم كقامة رجل من جريد النخل، وربما لم يجدوه في بيته ولا في مسجده، فيسأل المسلمون الذين معهم: أين/ أمير المؤمنين؟ فيقولون: ها هنا كان آنفا وما ندري أين مضى، فيمشون مع رسل الروم يطلبونه في المدينة فيجدونه وحده في طرف من الأطراف مشغولا بشأن المسلمين، فيقول الروم للمسلمين: هذا الذي أخرج الروم والفرس من ممالكها، لا قصر له ويمشي وحده حافيا، أما يخاف هؤلاء الملوك؟ فيقول المسلمون لهم: هو أعز على المسلمين من ذلك، فيرجعون إلى ملوكهم بخبره، فيسألون بينهم وفي حكمائهم، هل رأوا وبلغهم أن سلطانا بهذه «١» العزة والغلبة قام بدرّة ومرقّعة، فيقولون: لا، ما سمعنا ولا ظننّا ولولا أنا رأينا ما صدقنا.
وقد كان يزدجرد بن شهريار ملك فارس قال لرستم صاحب جيشه وقد سأله رستم عن النعمان بن مقرن والذين كانوا معه وكيف رآهم، فقال له يزدجرد: ما ظننت أن في العرب أمثالهم، ما تقصر عقولهم عن عقول فارس، وجدتهم على بصيرة ويقين من أمرهم، ولقد وعدوا أمرا لا ينتهون عنه أو
_________________
(١) في الأصل: بهذا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
يبلغوه أو يهلكوا. ولما ظفر سعد برستم، وهزم جيوش الفرس، صار إلى المدائن، وهرب يزدجرد إلى نهاوند، كان يجاري خواصه، ويكثر تعجبهم من ضعف العرب وغلبهم الجبابرة الأقوياء أهل الملك القديم والتدبير السديد من الروم والفرس، وشدة جرأتهم عليهم وإقدامهم عليهم في وقت واحد، لا يكون لهم عندهم من الهيبة ما يصمدون لملك ملك حتى إذا افرغوا منه تفرغوا لغيرة، بل تفوقوا عليهم كأنهم ملك واحد أو سلطان واحد فأصابوهم، مع سوء التدبير واطراح الحزم خلافا لما يفعله حزمة الملوك، فيقول يزدجرد: ما أظن صاحبهم إلا رسولا لله كما ادعى، فلو لم يكن من/ آياته إلا طاعة العرب له وقد كانوا منتشرين يأكل بعضهم بعضا.
وانما رماهم يزدجرد بن شهريار بسوء التدبير وسوء الاختيار، أنهم قصدو الملوك كلهم، وأثاروا أهل الأرض كلهم على أنفسهم ضربة واحدة، وما هكذا كانت تسير الملوك، بل كانوا يقصدون لبعض الوجوه ويدارون غيرها، ويتقون كل جنبة جنبة منه، هذا قول يزدجرد بن شهريار.
وسار يزدجرد بن شهريار من نهاوند إلى فارس، ورتب عماله وأصحابه في الممالك كلها، وأنه يستثير بالفرس كلها بخراسان ويستنصر بالترك ويرجع، فيخرج العرب من ممالكه، ويصير الى بلادهم فيقتل عمر ملكهم ويستأصلهم. وخرج من فارس إلى سجستان، ومنها الى مرو، ومنها الى خاقان ملك الترك، واستنصره وصاهره، وعيونه وجواسيسه تختلف الى العرب، ورسله إلى الملوك في ممالكه، يشدّ منهم ويأمرهم بجهاد العرب، ويعدهم بنصرهم والرجوع إليهم، وهم يعذلون الفرس والمجوس الذين ادّوا الجزية وصبروا على العرب، وكانت العرب وملك المسلمين احب اليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، ولأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم الأرباب وغيرهم
[ ٢ / ٣٣٠ ]
العبيد، وكذا كانت كتبهم من الأرباب إلى العبيد.
ثم كانت أصول دياناتهم «١» على ما ألقاه زرادشت إلى الملك بستاسف بن لهوا سف أن الله خلق الدنيا، فلما خلقها استحسنها، ثم فكر هل هاهنا ضد يدخل عليه، قال: والفكر رديء، فتألف من فكره إبليس، فمثل بين يديه، وما زال يخلق الظلام والأجسام الشريرة كالحيات والعقارب والأمراض والأسقام/ فيقيم بإزاء كل خلق لله خلقا لنفسه، فلما خلق الله الفار خلق إبليس بإزائه السنور، إلى غير ذلك من الخرافات السخيفات مما هو مذكور عندهم، وقد ذكره للناس عنهم وأخذوه منهم إلى قولهم: وأن الله نزل من السماء إلى الأرض لمحاربة إبليس بملائكته، وأن إبليس لقيه بشياطينه فحاربه أكثر من ألف سنة، وأن إبليس هزمه وحاصره في بعض البساتين، وأن الملائكة سعت بينهم في الصلح فتهادنا سبعة آلاف سنة على أن يرجع إلى مستقر ملكه في سمائه ويترك إبليس في الأرض يصنع ما يشاء إلى انقضاء مدة الهدنة، وأن الملائكة أخذت سيف كل واحد منهما فعدّلوهما. فهذا هو أصل دينهم، وفيه من السخف والجهل والحمق ما هو أكثر من هذا مما «٢» هو مذكور في أماكنه.
وأما الفروع «٣»، فتجنب الماء، والتطهير بالأبوال، وتعظيم الماء والنار والأرض، وتطهير الحائض والنفساء ببول البقر، يتولى ذلك منهم الهربذ، يجردها ويباركها ويباشر غسل فرجها بيده، ويرى بعينيه، ويأخذ منها من الأجر ما هو معروف مذكور، وفي يده ريشة من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر زعم نقيت أم لا، وشرع لهم وطء المغنيات، وفرض
_________________
(١) كتب في هامش الصفحة: أصول ديانات المجوس
(٢) في الأصل: ما
(٣) كتب في الهامش: فروع المجوس
[ ٢ / ٣٣١ ]
على زوج المرأة إذا أراد السفر أن يوكل من يرضى، وشرع لهم نكاح الأمهات والبنات، وأوجب عليهم طاعة الملوك والانقياد لهم في كل ما يأمرونهم، وأمرهم بإقامة النوروز وأنه أعظم الأعياد، وزعم لهم أن الشياطين كانوا ظاهرين مختلطين بالناس يؤذونهم كل الأذى، وأن إبليس أخذ المقادير والنهايات وهو الذي تسميه الفرس قيما، وزعم أن إبليس أخذ المقادير والنهايات/ من الناس فصاروا «١» يأكلون فلا يشبعون، ويشربون فلا يروون، ويذهبون لحوائجهم فلا يهتدون، وأنه أخذ الأنوار فأظلمت الدنيا عليهم، إلى أمور كثيرة يزعم أن إبليس بلغها منهم يطول شرحها. وأن جمشاذ الفارس استأمن إلى إبليس وصار في عسكره، وتنصح له، وخدمه وقرب منه، وتقرب إليه بكل شيء لتخليص الناس من شره، وأنه لما اختص به طلب المقادير والنهايات التي أخذها إبليس فلم يجدها في خزائنه، وإذا ابليس لشدة كيده قد ابتلعها لئلا تصل يد أحد إليها. ففطن لذلك جمشاذ الفارسي، فرأى إبليس وهو معه في أرض الهند نائما وحده منفردا من عسكره، فأعدّ خيولا، وأدخل يده في دبره وأخذ المقادير والنهايات واستوى على الخيول، فلما صار بأرض فارس أضاءت الدنيا وتندّت الأرض بعد اليبس ورجع إلى الناس المقادير والنهايات، فلهذا صاروا يوقدون النيران ويصبون المياه ويظهرون السرور ويتوفرون على اللذات في النواريز. وأن يد جمشاذ هذا الفارسيّ اسودّت اسودادا قبيحا فاحشا لإدخاله إياها في دبر إبليس، فغسلها بكل شيء فما نقيت، فشكا الى الله ذلك، فأوحى إليه غسلها ببول البقر فنقيت، قالوا: لهذا شرع زردشت غسل الحائض والنفساء ببول البقر. وزعموا أن جمشاذ هذا كان قبل زردشت، وحرّم عليهم افتضاض الأبكار لأجل الطعن في الدّم
_________________
(١) في الاصل: صاروا
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وهو الذي يسمونه سولاسم، فمن يمسك بدينه منهم يتوقى ذلك ويحتال لافتضاضها، إما أن تتولى هي ذلك «١» / لنفسها بإصبعها أو بغيره إلى أن ينقضي الدم. ولهم في فروعهم فواحش آخر، مثل: أكل الميتة، وهو ما يشدونه من البقر الشد الوثيق ويأمرونها بصعود الجبل ويقولون لها: قد أمرناك وأعذرنا إليك فلم تفعلي، فيضربونها إلى أن تموت، ثم يأكلونها، وهذا الذي يسمونه يزدان كشت، تفسيره، قتيل الله، إلى غير ذلك من حمقهم. فلما جاءهم الاسلام، كان حذيفة وسلمان وغيرهما من الأفراد لا شغل لهم الا قراءة القرآن ودرسه وتعليمه، والظهور للناس، والمشي في الأسواق، والجلوس في الطرقات.
فكانوا يسألونهم عما يقرؤون وعما في كتابهم فيفسرونه للتراجمة ولمن يفهم، فيذكرونه لهم، ويرجعون الى عقولهم فيما يسمعون من جلال الله ﷿ وعظمته وآياته في كل شيء في مثل قوله: «وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ»»
، وما في قوله في سورة الروم: ومن آياته، ومن آياته، ومن آياته، غير مرة، إلى غير ذلك.
وعلم الصحابة به أعظم من علم من بعدهم، فنظر القوم إلى أصول صحيحة يشهد العقل بها، وفروع زكية تدعو الى التمسك بأصولها، ووجدوا الصحابة يعلمون بما يقولون، فأسلموا، وتبادروا إلى الإسلام طوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله كما قد عرف الناس، وبقايا ذلك اليوم بخراسان خاصة.
وهذه كانت سبيل النصارى بمصر والشام وأرمينية، فديانات النصرانية في الأصول على تلك الجهالات والكذب كما قد تقدم لك ذكره، / وفروعهم في
_________________
(١) مكررة في الأصل
(٢) الذاريات ٢١
[ ٢ / ٣٣٣ ]
النجاسة والقذارة كما قد عرفت، ورأوا من الصحابة في المذاكرة بالقرآن والمواظبة على درسه، فأسلموا اختيارا وطوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله ﷿.
وأما خاص المجوس بجور وإصطخر «١»، فعندهم أن الله مات جل الله عن قولهم «٢» وأنه خلف ابنين، أحدهما غلب على السماء وهو الخير، وأن الآخر غلب على الأرض وهو الشرير. وقد كان عامل لعمر ﵁ كتب اليه يعتذر من قلة المال ويقول: أسلم الناس وقلت الجزية، فأنكر عليه عمر هذا الاعتذار وكتب إليه: إن الله بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا، وصرفه ولم يستعمله لحزنه على قلة المال وحرصه على الجباية «٣» .
وكان خلفاء رسول الله ﷺ يقولون لعمالهم: ارعوا الناس ولا تجبوهم، فإن الله بعثنا رعاة ولم يبعثنا جباة، وإن من بعد نامن الأمراء سيصيرون جباة لا رعاة، فإذا أفعلوا ذلك ذهب الحياء والوفاء وقلت البركات، فالزموا الاسلام.
ولما دخل عمر الشام تسامع به النصارى ومن بها من ملوك الروم ممن أقام على الذمة، فأحبوا أن يروه، فخرجوا على براذينهم وخيولهم في زيهم ومراكبهم وملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا، أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ فيقولون لهم: هو في الساقه. وتلقاه أبو عبيدة والأمراء، فجاء على
_________________
(١) جور: مدينة بفارس بينها وبين شيراز عشرون فرسخا. معجم البلدان ٢: ١٨١ واصطخر: بلدة بفارس كانت من أعيان مدتها. معجم البلدان ١: ٢١١
(٢) كتب في الهامش: اعتقاد مجوس جور واصطخر
(٣) كتب في الهامش: كتب عمر ﵁ الى عامل جورحين اعتذر إليه أن الناس سلموا وقلت الجزية.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
جمله ومعه مولى على جمل آخر، فانتهى إلى ماء فنزل ونزع جرموقيه «١» وأخذ برأس بعيره وخاض الماء، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه الأرض، كأنّ أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع والتبذل وهو سلطان المسلمين، وعدوّه/ كثير، وهم يرونه، وقد سلبهم ملكهم وعزهم، وعيونهم وجواسيسهم معه يرون ذلك ويبلغونه ملك الروم، وللروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم، وظنونهم سيئة، وتيقظهم دائم، حتى أن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الاسلام وذهاب أهله جواسيس وعيونا متوالية إلى أقاصي خراسان، وفي كل الاسلام، ومن يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم ويرجع إليهم بالخبر.
فقال عمر لأبي عبيدة: هاه، رافعا بها صوته، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، كنتم أذل الأمم، فأعزكم الله بالاسلام، ومهما تطلبوا العز بغيره يذللكم الله.
ولما ورد الشام وقدم الجابية وهو على جمل أورق، تلوح صلعته من الشمس، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عمودين، ووطؤه فرو كبش نجديّ، وهو وطؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبته شملة محشوة ليفا، هي وسادته إذا توسد، عليه قميص من كرابيس قد انخرق بعضه. ولقيه أمراء والأجناد في مواكبهم، فكلما لقيه أمير منهم فسلم عليه قال له امض، فردّه، ولقيه الاسقف، فقال حين رآه لاساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، هذا ملك الأرض، فانظروا إليه وإلى حاله.
_________________
(١) الجرموق: هو ما يلبس فوق الخف. القاموس ٣: ٢١٧
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وقد كان قال لعامله على أذرعات «١» وقد قدم عليه، وعلى عمر قميص من كرابيس، فقال لعامله: خذ هذا فاعتله وارفعه، ففعل، وقطع عليه قميصا قبطيا فأتاه به وقال: هذا قميصك وهذا قميص قطعته عليه لتلبسه، فمسه فوجده لينا فقال: لا حاجة لنا به. ولما قدم دمشق وصار في يوم الجمعة نام عمر فجاء عامله على دمشق فسألهم/ ما يريد أمير المؤمنين أن يلبس إلى الصلاة، وهل يلبس غير لباسه الذي كان عليه، قالوا: لا، ما يلبس غيره، فكره ذلك عامله وخاف أن تزدريه البطارقة وملوك الشام بعد هيبته في صدورهم وصوته فيهم، فأمرهم عامله أن يغسلوا قميصه، فإنه إذا قام من نومه فوجده رطبا لم يلبسه أعطيناه غيره فلا يجد بدا من أن يلبس. فلما انتبه عمر [و] «٢» أراد أن يمضي إلى المسجد للجمعة دعا بقميصه فوجده رطبا قد غسل، فلامهم «٣» في ذلك، قالوا: نأتيك بغيره، قال: لا ألبس غيره؛ فعصره ولبسه وصعد المنبر وقد كان أبطأ من أجل القميص، فجعل يعصر ما بقي فيه من الماء وهو على المنبر، ويمدّ كمه فلا يبلغ أصابعه، وهو قميص غليظ، وقال لهم: إنما حبسني أن قميصي هذا غسل، فلما نظروا اليه وإلى هيبته أقبلوا يبكون وينتحبون من كل ناحية ويقولون: ولا رهبانية ابن مريم، ولا رهبانية ابن مريم، مرتين، ما رأينا ملكا في رهبانية أعجب من هذا.
وقال الروم: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر، فقال عامل عمر: فكان والله الذي فعل أهيب في صدورهم وأبلغ مما أردنا، وجاءت هيبة الدين والتقوى.
_________________
(١) بلد في أطراف الشام معجم البلدان ١: ١٣
(٢) زيادة مني اقتضاها السياق
(٣) في الاصل: لامهم
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وهذه كانت سيرة خلفائه وأعوانهم كبني مقرن، وأبي عبيدة، ومعاذ ابن جبل، وشرحبيل بن حسنة، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وأمثالهم من السابقين والتابعين بإحسان، لا يحصون لكثرتهم. والذين رغبوا فيما أحلّه الله لهم وأباحهم إياه كعبد الرحمن بن عوف وأمثاله، فقد كانوا يبذلون وينفقون في سبيل الخير، ثم لا يعرفون من التواضع من/ عبيدهم ولا يفرق بينهم وبين عبيدهم وفقرائهم، فكانوا كما قد قيل فيهم لا يحوي رجاؤك ما حوت أيمانهم، ولا تسري همتك إلى حيث سرت أقدامهم، لم يزدهم الله رفعة وتشريفا إلا ازدادوا هيبة وإجلالا، ولا تسليطا وتمكينا إلا ازدادوا عن الدنيا عزوفا ومنها تقللا، ولا تقريبا واختصاصا إلا ازدادوا من رعيتهم قربا وبالمساكين رأفة وعليهم حدبا وبهم رحمة.
ولقد قال عبد الله بن سلام وغيره لأولئك الذين شغبوا على عثمان، كحرقوص بن زهير، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران «١»: يا قوم، إن سلطانكم يقوم بالدرة، وما سمعنا بسلطان يقوم بالدرة قبله، وإن قتلتموه لم يقم إلا بالسيف، لا تسلوا سيف الله عليكم، فو الله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم، إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله مذحلّها رسول الله ﷺ وإلى اليوم، والله لئن قتلتموه لتتركنها، فلا تطردوا جيرانكم من الملائكة.
وقد قلنا قبل هذا انما لم نجعل زهد رسول الله، ﷺ وخلفائه وأصحابه دليلا على صحة الاسلام ونبوة النبي ﷺ فإن ذلك إنما يدل عليه ما قدّمنا من الأدلة وأمثاله، ولكن استدللنا بزهدهم على محبتهم لنبيّهم، وأن ظاهرهم كباطنهم، وسريرتهم كعلانيتهم، وعلى بصيرتهم في دينهم، وأنه لم يكن لنبي من الأنبياء ﵈ صحابة مثلهم، وأنهم خير أمة أخرجت للناس.
_________________
(١) انظر لتفصيل حادث مقتل عثمان ﵁، الطبري، أحداث سنة ٣٥ هـ.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
واعلم أنك لا تكاد تعدم من يطعن فيما معك من هذه الأخبار لجهله.
فإن هذه الأخبار التي معك من كلام الوليد بن المغيرة الى غير ذلك، كلها قد جاءت مجيئا صحيحا كالقرآن، وإن/ كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ألا ترى أن لرسول الله ﷺ من الغزوات والسرايا والبعوث أكثر من خمسين ولا تعرف العامة ومن جرى مجراهم منها خمسة، وهم يعرفون أبا بكر الصديق في الصحابة ولا يعرفون أبا طلحة وأبا قتادة «١» . ويعرفوه من أزواجه خديجة وعائشة ولا يعرفون سودة بنت زمعة وصفية بنت حيي وغيرهن من أزواجه «٢» فإنه ﷺ تزوج خمس عشرة ومات عن تسع، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة «٣»، وكان له تسعة أعمام ولا يعرف العامة منهم أكثر من ثلاثة، وكان له سبع عمات ولا يعرفون إلا واحدة، ومثل هذا كثير. ولسنا نريد بقولنا ها هنا العامة كالملاحين والحمالين والفلاحين، ولكنا نريد من لم يباشر هذه الصنعة وإن كان من الخلفاء والوزراء أو القواد والكتاب وكائن من كان.
فإن قيل: فإن هذا الدين وإن ظهر على الأديان كلها وكان أقواها وأعزها فما استأصلها ولا قلع أصولها، فقد بقي في يد الروم بقية من ممالكها وإن كان الاسلام قد أخذ أكثرها وعامتها، وبقي في يد الهند بقية، قيل له: إنه لم يقل أنه مستأصل الديانات ولا الممالك كلها حتى لا يبقى شيئا منها، بل قال:
_________________
(١) أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري، صحابي شجاع، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، توفي سنة ٣٤ هـ. طبقات ابن سعد ٣: ٦٤ أما عن أبي قتادة فلعله يقضي قتادة ابن النعمان الانصاري وهو صحابي بدري، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، توفي سنة ٢٣ هـ. الاعلام ٦: ٢٧
(٢) كتب في الهامش: عدد زوجات رسول الله ﷺ
(٣) كتب في الهامش: عدد بنات رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ليظهره على الدين كلّه، وقد ظهر وغلب، فصار أعزها وأظهرها وأقواها، فقد استوفى الخبر شرطه؛ ومع هذا فقد فرض الجهاد على أمته إلى يوم القيامة، فدلّ أنه تبقى من الشرك بقية، فقد أحدق الصدق بكل ما قالوا، فما هاهنا عيب يكون لطاعن.
فإن قيل: إن الرّوم/ قد ارتجعت أكثر ممالكها التي أخذها المسلمون منها، حتى لو قدّر ما ارتجعوه من جزائر البحر وما في البر من الثغور الشامية والجزيرية وأرمينية وأذربيجان، لكان يكون في الكوفة إلى بخارى بلدان عامرة، ثم من بالاحساء والمغرب وما يلي المغرب إلى أن يقارب العراق يعتقدون عداوة الأنبياء كلّهم ويخصون نبيّكم محمدا بفضل عداوة، ويجردون في القصد إلى إماتة شريعته واستئصال دعوته كما قد عرف ذلك من تصفح واعتبر، وكما لهم من الآثار في قتل المسلمين والحجّاج، وغزو مكة والكوفة والبصرة وباليمن وبالشرق والغرب، وإن تستروا بالباطن، فكيف يكون الآن ظاهرا على الأديان كلها.
قيل له: إنه لو ارتد جميع أهل الدين حتى لا يبقى عليه أحد من الناس كلهم، لما قدح ذلك في الخبر الذي خبر أنه يظهر على الأديان كلها، لأن ذلك الخبر وتلك المعجزة قد صارت إلى ما قال وكما أخبر، فظهر على الأديان كلها فلما استوفت شرائطها وانتهت إلى حدودها فما قصرت عن شيء قاله ﵇ أو شرطه.
ثم في غلبة الروم والقرامطة وغيرهم من أعداء الاسلام على ما غلبوا دلالة أخرى على نبوته عظيمة، فإنه قد مرّ، أن بعد مضي أصحابه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وفي آخر الزمان، ستضعف بصائر أهل ذلك الزمان، ويكرهون الموت، ويشتد حبهم للدنيا وحرصهم على البقاء، فسيظهر عليهم
[ ٢ / ٣٣٩ ]
عدوهم ويغلبهم. والأخبار في ذلك أصح وأقوى من كل قويّ، وهي كثيرة، ومجيئها كمجيء القرآن، حتى أنه ﷺ حين وقت المواقيت، وقت ميقاتا لأهل العراق والعراق إذ ذاك في أيدي الفرس، ووقت ميقاتا لأهل الشام والشام إذ ذاك في يد الروم، وكذا غيرها من الأمصار، وذكر ظهور أمته عليهم واستقامة/ الأمور لهم، ثم ذكر اضطرابها، حتى يقول: ومنعت مصر أردّبّها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام كذا، حتى يجيء في الأثر، ليخرجنّكم كما أخرجتموهم كفرا كفرا، يعني بلدا بلدا وقرية قرية، لأن أهل الشام يسمون القرى الكفور، فيقولون: كفر طاب وكفر ثوبا وكفر كذا لقرى كثيرة. حتى يذكر آخر الزمان، وان الأمم تتمالأ على أمته كما تتمالأ الأكلة على قصعتها، فقيل يا رسول الله أمن قلة يؤتون، فقال: لا، إنهم أكثر ما يكونون ولكن الوهن والفشل، فقيل: يا رسول الله ما الوهن والفشل، قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت «١» .
وقد وجد أهل الاعتبار ذلك، فإن بابك الخرّمي صاحب الخرميّة من البذ من أرمينية وأذربيجان، ابتدأ في أول أمره وتستر بأنه من المسلمين ويدعو إلى الاسلام وإلى المهدي من أهل بيت رسول الله ﷺ، «٢» فلما قوى وظهر كان من أمره ما هو معروف، فكدّ السلطان في زمانه وأتعبه، فكان المعتصم ابن الرشيد، فأرسل با بك إلى ملك الروم وهاداه ولاطفه وتقرب إليه ببغص الاسلام والمسلمين، وأنه إنما تستر بالاعتزاء إلى المهدي حيلة عليهم وسخرية منهم، وقال: إني قد شغلت ملك العرب عنك فما يتفرغ لغزوك فإن فرغ
_________________
(١) للاطلاع على نموذج من هذه الأحاديث التي تكلم فيها الرسول ﵇ عن البلاد التي سيفتحها المسلمون وعن مستقبل الاسلام، انظر فيض القدير للمناوي ٤: ٩٦- ١٠٢
(٢) امتدت فتنة بابك الخرمي زمنا طويلا في عهد المأمون والمعتصم وكان خروجه سنة ٢٠١ ومنتهاه سنة ٢٢١ هـ.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
مني تفرغ لك، فانتهز الفرصة لتنهنهه عني وأنهنهه عنك، ففعل ملك الروم ذلك، وسار حتى فتح ربطره وكان له من الأثر في المسلمين ما هو معروف.
وكان له مع صاحب الزّنج من الحرب مثل ذلك أيام المعتمد، فإن صاحب الزّنج شغل السلطان عن ملك الروم فأعانه ملك الروم، وانتهز الفرصة وسار فأخذ لؤلؤة من أيدي المسلمين، وهي بلد عظيم ومصر جليل.
وكان صاحب الزنج يدّعي أنه المهدي، / وآثاره معروفة، وسيرته في المسلمين معلومة في أن آمنهم ثم قتلهم بعد الأمان وقتل الأطفال، إلى غير ذلك.
وكان يذكر أنه علويّ، ولقد أخذ أبا يعقوب الشحام فقال له «١»: لم لا تجيء أنت وأصحابك فتجاهدون معي وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولكنكم معشر المعتزلة منافقون تقولون بما لا تفعلون، فقال له أبو يعقوب:
أجيب عن هذا وأنا آمن، قال: نعم، قال: أنا آمن قبل الجواب وبعد الجواب على نفسي وأهلي ومالي، قال: نعم فتوثق منه ثم قال له: أخبرني أيّما خير، أنت أو عليّ بن أبي طالب، قال: بل عليّ، قال: فأيما شر من عاداك أو عادى عليّ بن أبي طالب، قال بل من عادى عليّا. قال:
فهل بلغك أنه آمنهم ثم قتلهم، لقد حاربوه فما قتل لهم أسيرا ولا أجهز لهم على جريح ولا اتبع لهم موليّا ولا سبى لهم ذرية ولا هجم لهم على منزل، ولقد كانت الخوارج مقيمة معه فما بدأهم بحرب وهم يكفرونه، فقد كان ينبغي أن تسلك سبيله لأنك أنت تدعي أنك من شيعته، فقال له: لولا أني قد آمنتك، ولولا ما بيني وبينك لقتلتك. فقام أبو يعقوب وخرج وهرب ولم يأمنه. وقد كان صاحب الزنج قبل أن يملك البصرة يغشى العلماء ويجلس إليهم
_________________
(١) من كبار رجال الاعتزال انظر المنية والأمل (طبقات المعتزلة لابن المرتضى)
[ ٢ / ٣٤١ ]
ويتقرب من قلوبهم «١» .
وهذه كانت سبيل سعيد الذي خرج بالمغرب أيام المقتدر «٢»، فإنه لما تمكن برقادة من أرض المغرب «٣»، وصار في جيوش، راسل ملك الروم وهاداه وتودده وأغراه بالمسلمين، وبشره بأنه يملك ممالكهم كلها ويستأصل ملك بني العباس، وأن له إخوانا على مثل رأيه باليمن وبالبحرين وبالكوفة وفي الجبال وبخراسان، وأنه قد سلطه عليهم. وكان يبشره بالمكاره التي تنزل بالمسلمين، وسيّر جيشا له عظيما مع ابن له إلى مصر ليأخذها، وعرّف الروم هذا، فسيّروا جيشا إلى الثغور، وكان هؤلاء ينصرون أولئك في الثغور، وشغلوا/ المسلمين وشتتوهم. وكان هذا بعد الثلثمائة للهجرة.
وكان عندهم أن أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابيّ صاحب البحرين يعينهم فإنه كان على رأيهم ومواطئا لهم «٤»، وكان عندهم أنه إذا انقضت سنة ثلثمائة ظفروا وظهروا على الاسلام كله، وأن سعيدا الذي بالمغرب هو المهديّ وهو الذي يغلب ويظهر. وكانوا يكاتبون الشيعة بالعراق في كل مكان بذلك، ويقولون لهم: انتظرونا وكونوا على أهبة فإنا لا نتأخر. فاتفق قتل أبي سعيد الجنابي في سنة إحدى وثلثمائة، وأخلف ما ظنوه، وانهزم أولئك الذين نزلوا على مصر ورجعوا إلى المغرب، ورجعت الروم بسبي عظيم من المسلمين، وكان ذلك في سنة اثنين وثلثمائة. ثم عادوا إلى مصر بأعظم من تلك الجيوش
_________________
(١) الزنج أو الزط قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة وعاثوا فيها، ولما استقر الحكم للمأمون سنة ٢٠٥ هـ بعث إليهم عددا من قواده فتفرقوا ولكنه لم يقض على فتنتهم قضاء تاما حتى فعل ذلك المعتصم سنة ٢١٩ هـ.
(٢) سيأتي تفصيل ذلك في موقعه من الكتاب.
(٣) بلدة كانت بالمغرب، بينها وبين القيروان أربعة أيام. معجم البلدان ٣: ٥٥
(٤) سبق التعريف بالجنابى هذا، انظر الجزء الأول الصفحة ١٢٩
[ ٢ / ٣٤٢ ]
في سنة سبع وثلثمائة، وعادت الروم إلى الثغور وحرقوا وسبوا، وخرّب هؤلاء بالاسكندرية والصعيد ونهبوا وانهزموا ورجعوا، وأخذ الروم ملطية وثغورها «١»، فهنأهم هؤلاء الذين بالمغرب بذلك، وبشروهم بما يفعله أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي بالمسلمين وبالحجّاج، وبقلع الحجر، وبسبي المسلمين، وبقتل الحجّاج، وبسلب الكعبة، وأنا قد شغلنا المسلمين بأنفسهم عن غزوكم؛ حتى كتب ملك الروم إلى المسلمين كتابا بذلك وأظهر الشماتة بما نزل بالبصرة وبالكوفة وبمكة وبغيرها من وقائع القرامطة بالمسلمين وإذلالهم الاسلام. وقد أجاب عن هذا الكتاب أحمد بن يحي بن المنجم نديم السلطان، وأجاب عنه عيسى بن داود ابن الجراح وزير السلطان.
وأولاد أولئك الذين كانوا بالمغرب إلى هذه الغاية مقيمون على مسالمة الروم ومقاربتهم ومهادنتهم والتقرب إليهم والشغل بإفساد المسلمين والاسلام.
فإن غزا الروم أحد من المسلمين من نواحي الشام ومصر وجاؤا بسبي أو أسير أخذهم هذا السلطان منهم وخلع عليهم ووصلهم وبرهم وأكرمهم وأنزلهم أجل المنازل وقال لهم: من أقام منكم عندنا/ فله الكرامة ومن شاء فليرجع فله الحباء والصيانة، ويراسلون ملك الروم بأنا ما نغزوكم ولا نتعرض لكم، وما نقدر أن نكاشف في المنع من غزوكم كل المكاشفة، ولا نرد كل أحد عن ذلك، وقد علمتم أن من وصل إلينا منكم رددناه مكرما إليكم، ومن آثر المقام كان في عز وفي كفاية، ولنا جيوش وعساكر في البر والبحر قد جاورناكم سيما مذ صرنا بنواحي الشام، ومصر، واذا قصدتم لناحية فيها
_________________
(١) بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام، فتحها المسلمون، ثم استعادها الروم سنة ٣٢٣ هـ. ثم عادت للمسلمين مع الدولة العثمانية. معجم البلدان ٥: ١٩٢
[ ٢ / ٣٤٣ ]
عساكرنا رحلوا عنها وخلوها لكم. ولهم معهم أكثر من هذا التفصيل، وإنما أردنا أن نذكر صحة قوله ﵇ أن أمته في آخر الزمان تكون إلى حب الدنيا والبقاء فيخذلون، وتجتمع عليهم الأمم، وهذا باب من معجزاته.