وهو ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى أشد عالم الله تعظيما للمسيح وتحققا به وحبا له، يدّعون انهم شيعته واتباعه، وانهم اطوع الناس له، وان ما هم عليه عنه اخذوه، وبه اقتدوا فيه، وعلى وصاياه عملوا. وقال ﷺ: ان المسيح عبد الله ورسوله أتى الناس بما جاءهم الأنبياء قبله، من آدم ونوح وابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، من الدعاء الى عبادة الله وتوحيده وحده، والاخلاص له وحده بالعبادة والقدم والربوبية؛ وان النصارى قد كذبوا عليه، وبدّلوا دينه، وعطلوا وصاياه، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها، كالفلاسفة والصابئين من اهل حرّان «١»، فانهم
_________________
(١) سمى صابئة حران بذلك لأنهم كانوا يسكنون مدينة حران من ارض الجزيرة، وقد عرفوا بعبادة الاجرام السماوية السبعة، وهذه العبادة بقية من الديانة الاشورية والبابلية.
[ ١ / ١٠٨ ]
اعتقدوا في الشمس والقمر والكواكب والسماء ما قدمنا ذكره، كالقبط الذين قالوا في فرعون ما ذكرنا، وكغيرهم؛ فقد قال بربوبية المخلوقات والمخلوقين خلق كثير، وشرح احوالهم يطول؛ وان المسيح ﷺ عدوّ لهؤلاء النصارى وبريء منهم فوجد الناس الأمر كما قال، وعلى ما شرح وفصّل، فكم في هذا من عجب، انه رجل عربي أمي يخبر عن رجل قد سبقه بنحو الف سنة، ولسانه غير لسانه، / وبلده غير بلده، وقومه غير قومه، يخبر عنه بأمور كان عليها.
وقد وجد ﷺ أمما ممن كانوا قبله يدعون التحقيق بهذا الرجل وهم على منهاجه وطرائقه، فلو كان منقولا لتهيب الاقدام على ذلك، وكان لا يأمن ان يكون القوم الذين سبقوه في الزمان وتحققوا بهذا الرجل قد صدقوا عليه، وانهم أتباعه كما ادعوا فلا يأمن ان يظهر كذبه، سيما وقد ادعى الصدق والنبوة والرسالة على اهل الارض كلهم وعقله الذي لا يدفع. فانظر كيف يتعرض لعظيمات الأمور، وجسيمات الخطوب.
وحكى عن ربه ﷿ ان النصارى ليسوا على شيء مما «١» جاء به احد من الانبياء، فقال: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ» «٢» فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله وفيه فضائحهم وهتكهم، فيؤخذ الامر كما قال، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه لكفى وشفى وأغنى.
_________________
(١) في الاصل: ما
(٢) الزخرف ٤٥
[ ١ / ١٠٩ ]
فإن قيل لكم ومن اعطاكم ان دين المسيح خلاف دين النصارى، وأنهم قد خالفوه؟
قلنا: من تأمل الامر وجدهم اشد الناس خلافا عليه واطّراحا لوصاياه في الاصول والفروع جميعا. فأما في الاصول فقد آمنوا وعبدوا ثلاثة آلهة وثلاثة أرباب كما قدمنا وتبيّنا، ولا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بنبيّ ولا عبد صالح، وأنه إله حق من اله حق من جوهر ابيه، وأنه اله تام من اله تام، وانه خالق السماوات والارض والاولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم. وقد ذكرنا ما يقوله النسطورية من انه إله مركب من نوعين/ وطبيعتين، وبيّنا ما يرومونه من المغالطة. فإن قالوا: فإنا لا نفرد واحدا «١» من هذه الآلهة بالعبادة بل نعبدها كلها بعبادة واحدة، قيل له: ان هذا لا يخرجكم من ان تكونوا قد اشركتم في القدم واشركتم في العبادة، ولا يقدح فيما حكيناه عنكم، لأنه يصح ان نعبد مائة الف معبود بعبادة واحدة. وعلى انا نجدكم تفردونها وكل واحد منها بالانعام والايمان كما هو مذكور في تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وتفردونها ايضا بالصنع والأفعال والخلق والتدبير، كما قلتم فيما كان منها من الافعال حين عمّده يحيى مما تقدم ذكره، وتقولون ان النازل من السماء حتى صار في بطن المرأة وصار هو وابنها بالاتحاد الذي فعله إلها واحدا ومسيحا واحدا، وانه هو الذي اظهر الآيات في الارض، وهو المقتول المصلوب، وهو الذي احيا نفسه بعد الموت، وصعد الى السماء، وجلس عن يمين ابيه. فهذه الافعال كلها الابن فعلها لا الأب.
_________________
(١) في الاصل: واحد
[ ١ / ١١٠ ]
فإن قالوا: كل فعل من هذه الافعال قد فعله الآلهة الثلاثة.
قيل لهم: هذا خلاف النصرانية وهو بيّن فيما قدمنا وذكرنا عنهم؛ وايضا فان فعلا واحدا لا يصح ان يفعله اكثر من حي واحد، ومقدورا واحدا لا يصح ان يقدر عليه اكثر من قادر واحد، وهو مبين في كتب العلماء، والنصارى لا تفهم ذلك ولا تحوجك إليه.
واعلم ان النصارى تعتقد ان الأب قد اختلع من ملكه كله وجعله لابنه، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وقد سمعنا هذا ممن يحتج لهم ويخبر عنهم، وهو ايضا بين في تسبيحة/ ايمانهم. ألا تسمعهم يقولون: ونؤمن بالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله بكر ابيه، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر ابيه، الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الى قولهم:
وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء. ويقولون في عباداتهم وصلواتهم ومناجاتهم: انت ايها المسيح يسوع تحيينا، وترزقنا، وتخلق اولادنا، وتقيم اجسادنا، الى غير ذلك مما هذا سبيله ويطول ذكره، فبيناهم يفردون كل واحد منها بفعل، وبيناهم يقولون: ان الامر كله قد رجع الى الابن وكله شرك.
فان قيل: فما الذي عندكم عن المسيح مما يخالف هذا وما حكيتموه عن النصارى؟
قلنا: أما في الاصول فانه قال لهم: الله ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، فيشهد على نفسه انه عبد الله مربوب مدبر مصنوع، كما شهد عليهم انهم كذلك، وانه مثلهم في العبودية والضعف والحاجة، وذكر انه رسول الله الى خلقه، وان الله ارسله كما ارسل الانبياء قبله.
[ ١ / ١١١ ]
فذكر يوحنا في انجيله ان يسوع المسيح قال في دعائه: ان الحياة الدائمة انما تجب للناس بأن يشهدوا انك انت الله الواحد الحق، وانك ارسلت يسوع المسيح «١»، فانظر كيف يخلص التوحيد ويدعى النبوة. وذكر يوحنا انه قال لبني اسرائيل: تريدون قتلي وانا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله «٢» . وذكر ايضا انه قال: اني لم اجىء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من ارسلني «٣» .
وقال ﵇: إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس هو لي ولكن من الذي أرسلني والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي «٤» . وكان ﵇ يواصل العبادة في الصلاة والصوم ويتنفل ويقول: ما جئت/ لأخدم وإنما جئت لأخدم، وقال: إني انا لست ادين العباد ولا احاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم «٥» . هذا في انجيل يوحنا.
وفيه ايضا ان المسيح قال: انهم يا رب قد علموا انك أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك «٦»، وقال المسيح: ان الله الواحد رب كل شيء أرسل ابن
_________________
(١) انظر انجيل يوحنا الاصحاح ١٢ فقرة ٤٤ وما بعدها، والاصحاح ١٧ فقرة ٢: «وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته» . وفي الاصحاح ٣، ٣٦: «الذي يؤمن بالابن له حياة ابدية» .
(٢) انجيل يوحنا الاصحاح ١٨ فقرة ٣٧
(٣) المرجع السابق.
(٤) انجيل يوحنا الاصحاح ١٤ فقرة ٢٤
(٥) انجيل يوحنا الاصحاح ١٣ فقرة ٤٧ و٤٨
(٦) انجيل يوحنا الاصحاح ١٧ فقرة ٢٥ وما بعدها
[ ١ / ١١٢ ]
البشر الى جميع العالم لينقلوا الى الحق «١» . وقال ايضا: ان الاعمال التي أعملهن هن الشاهدات لي بأن الله أرسلني الى هذا العالم. وقال ايضا: ما أبعدني ان احدثت شيئا من قبل نفسي، ولكنني اتكلم واجيب مما علمني ربي.
وقال ايضا: ان الله مسحني وارسلني وانما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص.
وسألوه عن الساعة متى هي فقال أنا لا اعلم متى ذلك ولا احد من البشر، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده. وقال: ان الله ﷿ ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، وما ولد ولا يلد ولا يولد، ولا رآه احد، ولا يراه احد الا مات. وقال له رجل: يا ايها الخيّر علمني، فقال له المسيح: لا تقل لي هذا، فانه لا خيّر الا الله. وقال له رجل: مر أخي يقاسمني تركة ابي، فقال: ومن جعلني عليكم قاسما. وقال في دعائه لما سأل ربه ان يحيي الرجل الميت الذي يقال له إيلا عازر، يا إيل «٢»: انا اشكرك واحمدك، انك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك ان تحيي هذا الميت ليعلم بنو اسرائيل انك ارسلتني وانك تجيب دعائي «٣» . وقال في دعائه وقد خاف الموت ولم يزل/ يواصل الصلاة والتضرع والدعاء والبكاء، يا إيل: ان كان من مسرتك ان تصرف هذه الكأس المرأة عن احد فاصرفها
_________________
(١) ورد حول هذا المعنى في انجيل يوحنا عدد من العبارات منها: «انا لا اقدر ان افعل من نفسي شيئا، كما اسمع أو من، ودينونتي عادلة لأنني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي ارسلني» . يوحنا، الاصحاح ٥/ ٣٠. ومنها: «لأن الاعمال التي اعطاني الآب لأكملها، هذه الاعمال بعينها التي اعملها هي تشهد لي ان الآب قد ارسلني، والآب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. يوحنا ٥، ٣٦ و٣٧.
(٢) إيل لفظة آرامية تعني البطل، ثم اصبح يعنى بها بطل الابطال، ثم اصبحت تطلق بمعنى الله.
(٣) انظر تفصيل ذلك في انجيل متى، الاصحاح ٨، وانجيل يوحنا، الاصحاح ٤
[ ١ / ١١٣ ]
عني، وليس كما أريد انا بل كما تريد انت. وكان يرمي من فمه كعلق الدم جزعا من الموت، ويعرق ويقلق «١» . وكان اذا ذكر البعث والقيامة والحساب يكون منه البكاء والقلق والجزع ما لا يكون من احد، ويكون من صلاته وصيامه وعبادته وخشوعه ما لا يكون من احد من زمانه.
ومثل هذا من أقواله وافعاله اكثر من ان يحصى، وهو معهم وفي أناجيلهم، حتى لقد احصى اهل المعرفة والعلم، فوجدوا المسيح ﵇ له من الاقرار على نفسه بالعبودية والضعف والحاجة والفقر والفاقة، ولله ﷿ بالغنى والربوبية، ما لم يكادوا يجدونه لأحد من الانبياء والصالحين، ثم تقول فيه النصارى ما قد سمعت.
فإن قالوا: فقد حكى متى عنه في انجيله انه قال لتلامذته: سيروا في الارض وعمّدوا العباد باسم الآب والابن [و] «٢» روح القدس. وحكوا عنه انه قال: انا كنت قبل ابراهيم، وما اشبه ذلك.
قيل له: ليس المسيح اول من كذب عليه وانتم تعلمون ان مانيّ القس يدّعي التحقيق بالمسيح، وانه من اتباعه، وانه ليس احد على شريعته ووصاياه الا هو واتباعه، وان الانجيل الذي معه هو انجيله. وهو يذكر عنه انه كان يحرم على الناس كلهم وعلى نفسه النساء وذبائح الحيوان واكل اللحمان، وان هذا ما حلّ قط ولا يحل، ويلعن كل من احلّه. وانه كان تبرأ/ من ابراهيم وموسى وهرون ويوشع وداود، ومن كان يرى ذبح الحيوان وأذيته واكل اللحمان وغير ذلك. ويستشهد على ذلك بمواضع من الاناجيل
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في انجيل متى، الاصحاح ٢٧، وانجيل لوقا، الاصحاح ٢٣، وانجيل يوحنا، الاصحاح ١٩، وانجيل مرقس، الاصحاح ١٥.
(٢) الواو إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
[ ١ / ١١٤ ]
التي معكم، وعندكم انه قد كذب على المسيح وافترى واخطأ فيما تأول، وان تزكية المسيح لهؤلاء الانبياء امر ظاهر لا ينصرف عنه التأويل.
قلنا: فهذه سبيلكم في دعاويكم على المسيح وانتم في هذا اشد فضيحة من المنانية، لأن تصديق المسيح للأنبياء وشهادته بما شهدوا به من توحيد الله وإفراده بالقدم والربوبية والحكمة أبين من كل بيّن وأوضح من كل واضح.
والعقلاء يردّون المجهول بالمعلوم، وما التبس بما اتضح، وما يحتمل بما لا يحتمل. وقد بلغ الجهل بالنصارى في بدعهم هذه أنهم يقصدون الى ألفاظ في التوراة وفي كتب الانبياء متحملة، يحملونها على ظنونهم السيئة وبدعهم هذه الفاحشة، فيقولون: انما اراد ابراهيم وموسى وهارون وسائر الانبياء وهو ما أردناه من ان الله ثالث ثلاثة، وأن الأرباب جماعة، وأن الله يصعد وينزل ويولد ويقتل. فيقصدون الى ما في التوراة من أن الله قال نريد ان نخلق بشرا على صورتنا ومثلنا «١» . فيقولون: هذا خطاب من جماعة، أما تسمعونه يقول: نريد، ولم يقل: أريد ان أخلق بشرا مثلي، لتعلموا أن الآلهة جماعة، وأنهم على صور وهيئات كهيئات الناس، وما أشبه هذا من الألفاظ المحتملة.
حتى تعدّوا الى القرآن فقالوا: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، قالوا:
فهذا خطاب من جماعة لا من واحد. وقالوا في قوله ﷿ «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ» «٢» قالوا فهذا أحد الآلهة والأرباب يقسم بالأرباب.
_________________
(١) جاء في التوراة في سفر التكوين، الاصحاح الاول: «وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا» .
(٢) المعارج ٤٠
[ ١ / ١١٥ ]
وقالوا في قوله ﷿: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» / «١» قالوا: فإنما الإله يقسم بنفسه وولده. فيقولون: محمد قد جاء بالنصرانية وبمذهبنا، ولكن اصحابه لم يفهموا عنه. ويقولون في قوله ﷿: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» «٢» .
قالوا فهذا الذي نقوله نحن: أنه من جوهر أبيه، ولا نريد بقولنا منه أنه بعضه ولكنه من جنسه ومثله. فيقصدون الى أقوام كإبراهيم والأنبياء صلوات الله عليهم وأمثالهم قد عرفت مذاهبهم ومقاصدهم فينصرفون عنها بالتأويلات ومحتمل الألفاظ. ومذاهبهم قد تحصلت حصلا لا يحتمل التأويل، لأن العلم بأن المسيح كان في توحيده على منهاج ابراهيم وموسى وهارون وداود ومحمد صلى الله عليهم لا يرتاب به من عرف أخبارهم وسيرهم ودعوتهم قبل العلم بنبوّتهم. فاعرف هذا فانه اصل كبير يعرفه من تأمل وأراد التبيّن وقد اعتفل في مثله خلق كثير من العقلاء.
ثم هناك من الكذب على الانبياء فضلا من التأول لما في كتبهم، كقولهم ان الانبياء قالوا قبل مجيء المسيح: ان الله سيجيء وتحبل به امرأة عذراء، ويؤخذ ويصلب ويقتل ويموت ويدفن. هذا مما هو اكثر من ان يحصى.
ويقال للنصارى لا فرق بين من ادّعى على المسيح انه ادّعى الربوبية وأن الله ولده وأنه ابنه على ما تعتقدون وتدّعون، وبين من ادّعى انه هو وضع تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وأنه اتخذ البيعة، وجعل عيده يوم الاحد، وأخذ الناس في زمانه بأن يقولوا: يسوع المسيح إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وأنه كان يأخذهم بأن يقسموا بعبد يسوع وعبد المسيح، وأنه
_________________
(١) البلد ٣
(٢) النساء ١٧١
[ ١ / ١١٦ ]
أحلّ الخنزير وأكله، وصلى الى المشرق، وعطّل الختان/ والوضوء والطهارة وغسل الجنابة، وأخذ اصحابه بصيام الخمسين، وشرع ذلك ودعا اليه، ومن بلغ هذا فقد تناهى في المكابرة والمجاحدة، اللهم إلا ان لا يكون يعرف اخبار المسيح والنصارى في زمانه، والنصارى بعد موته ومضيه، ولا عني بذلك. فسبيل من ادعى عليه ما يدعي عليه هذه النصارى وما تحكيه عنه وتتأوله عليه، كسبيل من ادّعى عليه الامور التي قدمنا ذكرها.
وفي النصارى قوم استبصروا وأسلموا وتتبعوا المواضع والألفاظ التي تدّعيها النصارى على المسيح، وقالوا لهم: ما نعلم المسيح قال ذلك، ولو قاله لما ضاق مجازة وتأويله، كقولهم انه قال: ابن البشر رب السبت، وأني قبل ابراهيم وأنّى بأبي وأبى بي، وما اشبه ذلك. فقالوا لهم: في التوراة ان موسى إله فرعون وإله هرون، وأن هرون رسول موسى الى فرعون، وأن يوسف قال للمصريين: ان العزيز ربهم. وذكروا لهم عن ابراهيم ولوط وداود وسليمان وعن غيرهم من الانبياء شيئا كثيرا، ولا حاجة بك الى ذكره ومعرفته، ولو عرفته لم يكن به بأس، ولكن ارجع ابدا الى اصل الدعوة والنحلة، والمعروف من قول النبي، ورد المجهول بالمعلوم، وقد استغنيت عن التأويل كما تقدم لك.
ومثل هذا ما يدعيه المنجمون على على رسول الله ﷺ انه كان يذهب الى ما يذهبون، لأنه قال في كتابه: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ «١»» وأنه قال: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٢»» و«فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «٣»»
_________________
(١) الصافات ٨٨
(٢) القمر ١٩
(٣) فصلت ١٦
[ ١ / ١١٧ ]
وغير ذلك. فقال لهم اهل العلم: قبل كل شيء قد عرفنا من/ دعوة هذا الرجل وقصده قبل المعرفة بنبوته أن ما يكون في غد لا يعلمه ملك معرّب ولا نبيّ مرسل، ولا يعلمه إلا الواحد المنفرد بالقدم، فلا وجه للتعليق عليه بظواهر الألفاظ وبالتأويل، هذا لا يفعله عاقل ولا يذهب الغلط فيه على محصّل، وإنما يخادع بهذا اهل الغافلة.
وكذا قالوا الباطنية ومن سلك سبيلهم: في ان باطن الصلوات أشخاص وكذا العبادات، وان لكل ظاهر باطنا، غير ما عليه الفقهاء والعامة.
فقالوا لهم: ادّعيتم أنكم من المسلمين وقد علمنا من دعوة هذا النبي ﷺ قبل العلم بنبوته ان ما حرّمه من الزنى واللّواط والربا والخمر والخنزير والامهات والبنات والأخوات وغير ذلك محرم على كل عاقل بلغته دعوته كائنا من كان، وانه على ما عليه الفقهاء والعامة، وانه لا تأويل لذلك ولا باطن، وأن جميع ما اوجبه من الطهارات والصلوات والصيام والعبادات لا تسقط عن عاقل كائنا من كان على ما عليه الفقهاء والعامة لا تأويل لذلك ولا باطن، وان من قال: لهذه الأشياء باطن او تأويل، فقد كفر وأشرك وخرج من الاسلام خروجا ظاهرا.
ولا حاجة بنا الى ان نبيّن لكم تأويل الآيات التي سألتم عنها، فقد علمنا من قصده ﷺ ان مراده في ذلك غير مرادكم، وقصده غير قصدكم. مثل هذا قالوا لمن قال من هشام بن الحكم «١» واتباعه حين قالوا: إن الله لا يعلم ما يكون قبل ان يكون، لأنه قال: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
_________________
(١) هشام بن الحكم (١٩٠ هـ) كان شيخ الامامية في عصره، ولد بالكوفة وسكن بغداد وانقطع الى يحيى بن خالد البرمكي. له مؤلفات كثيرة. انظر: منهج المقال ٣٥٩، لسان الميزان ٦: ١٩٤.
[ ١ / ١١٨ ]
وَالصَّابِرِينَ «١»» وأنه/ يفعل الجور والظلم. ولمن قالوا: يأمر بالفسق لقوله:
«أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
«٢» فاعرف هذا فانه اصل كبير.
ثم رجعنا الى قولنا في النصارى.
فان قيل: كل هذا [الذي] «٣» حكيتموه عن المسيح موجود في الكتب التي مع النصارى، فكيف جعلتم ما حكاه نبيكم عن المسيح وعنهم من معجزاته وآياته؟ قلنا: قد فرغنا من هذا غير مرة وبيّنا ان هذا النبي ﷺ ما قرأ الكتب ولا قرئت عليه، ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، ولا عرف ذلك إلا بوحي، وان كان موجود في كتبهم. كما انه لم يعرف قصة نوح وابراهيم ويوسف وموسى وهرون إلا بالوحي، وان كانت مذكورة في كتبهم.
فإن قيل: لعمرى إن من عرف دعوة المسيح يعلم ان دعوته الى توحيد الله كدعوة موسى وهرون ومحمد وأمثالهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، وأنه بريء من دعوة هذه الطوائف من النصارى كبراءته من دعوة المنانية، وكبراءة محمد وموسى وهرون من ذلك اجمع. ولكن قد جاء عنه انه كان يقول في الله [أنه] «٤» ابوه، فيقول: ارسلني ابي، وقال لي ابي، ومثل هذا كثير، فما عندكم فيه؟
قيل له: إن كان قد قال هذا فلا حجة للنصارى فيه، لأنهم قد قالوا إنه قال لنا: أنا أذهب الى ابي وأبيكم، وربي وربكم فلم يجعل لنفسه مزية عليهم، فإن وجب ان يكون هذا القول إلها وربا ومعبودا، وجب ان
_________________
(١) محمد ٣١
(٢) الاسراء ١٦
(٣) إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
(٤) إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
[ ١ / ١١٩ ]
يكونوا هم كذلك، وقد قال بعض الناس: إن/ الابن في اللغة العبرانية التي هي لغة المسيح تقع على العبد الصالح المطيع الوليّ المخلص، وان الأب قد تقع على السيد المالك المدبر؟ قالوا: وقد قال في التوراة: إن اسرائيل ابني وبكري وأولاده ابنائي؛ وعلى دعوى النصارى تجب لهم الإلهية وقد قال ايشيعيا النبي ﵇ في كتابه: إن الله ابو جميع العالم، وانتم معشر النصارى تذكرون ان متى حكى في انجيله عن المسيح انه قال: طوبى لكم معشر المصلحين بين الناس فإنكم تسمون ابناء الله. وقال متى في انجيله: ان المسيح قال للناس: ان اباكم السماوي واحد فرد. وقالوا: ان المسيح كان يقول في صلاته التي كان يصليها ويعلمها الناس: قولوا يا ابانا الذي في السماء انت قدوس اسمك، عزيز سلطانك، نافد امرك في السماوات والأرض، لا يعجزك ما طلبت، ولا يمتنع منك ما أردت، فاغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ولا تعذبنا بالنار «١» . فينبغي على قول النصارى ان تكون هؤلاء كلها آلهة وأربابا، لتعلم ان اسم الأب يقع في تلك اللغة على السيد والمالك.
وقال المسيح لبني اسرائيل: لو كنتم ابناء ابراهيم لأجبتموني فاني ابن ابراهيم. وقد علمنا ان بني اسرائيل كلهم اولاد ابراهيم، وإنما اراد انكم لو كنتم اولياء ابراهيم.
وايضا فان النصارى تذكر عن بولص انه ذكر في الرسالة فقال بأن الروح نفسها تشهد لأرواحنا انا ابناء الله. وهم يقولون في الاشرار: انهم/ ابناء الشياطين ومثل هذا كثير في لغتهم، واستعمالهم في الابن بمعنى الوليّ المخلص، وفي الأب بمعنى السيد المالك الرفيع، ولهذا تقول النصارى في الجاثليق ابونا،
_________________
(١) انظر نص الصلاة في انجيل متى، الاصحاح ٦، الفقرات من ٩- ١٤.
[ ١ / ١٢٠ ]
فهذا كله في استعمالهم. ولكنهم لما اعتقدوا في الله ﷿ انه رجل وانسان وشخص وما هذه سبيله لم يرضوا «١» ان يجعلوا له ابناء إلا بالحقيقة من طريق الولادة «٢» والتناسل كما تقدم بيان ذلك لك. وهم يقولون: ان الله الأب قال لابنه يسوع المسيح اني ولدتك قبل ان اخلق كوكب الصبح.
وليس في هذه الطوائف الثلاث من النصاري من يقول: إن المسيح ابن الله على طريق التشريف والمجاز، بل هو إله تام من إله بام، واله حق من اله حق، من جوهر ابيه. فاعرف هذا.