من آياته، وهو قوله ﷿: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» «١»، فما أتوا بمثله مع حاجتهم إليه، فانظر كيف يقطع الشهادة أنهم لا يأتون بمثله، وهذا من التحدي المهيج الذي يغيظ ويغضب، وفي هذا غيوب كثيرة لا يأتي بمثلها حذاق المنجمين ولا يتفق مثلها بالتبخيت ولا بالتخرص «٢» .
فإن قيل: فما تنكرون أن يكونوا قد أتوا بمثله، قيل له: لو أتوا بمثله لجاء ذلك مجيء القرآن، ولكان العلم به كالعلم بالقرآن، ولجاء مجيء أمثاله من الأمور التي كانت بينهم وبينه، وما قاله لهم وقالوه له.
فإن قيل: فإن الغلبة والدولة منعت من إظهار ذلك ونشره ونقله والتحدث به لأنه ظهر وقهر في حياته، وقام أبو بكر بعده فقتل مسيلمة، وردّ الردة، وأسر طليحة، وغزا فارس والروم، وأذل أعداء محمد ﷺ في كل مكان، وأسكتهم وأخرصهم «٣»، وأعز أولياءه وأهل طاعته، وكذا من أتى بعده من
_________________
(١) البقرة ١٢٧
(٢) التبخيت من البخت بمعنى الحظ والصدفة
(٣) أخرصهم: أكذبهم، والخراصون: الكذابون اللسان: مادة خرص
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الخلفاء والملوك، وبعد، وكيف تنقلون ذلك وتذكرونه وأنتم تكرهونه وفيه بطلان قولكم ودينكم.
قيل له: إنك ما تزيدنا على الدعاوى الخالية من كل حجة، وإذا أثبتنا لك بطلان دعواك الأولى انتقلت إلى دعوى أخرى. فإنك قلت في الأول: أتوا بمثله، فقلنا لك: فأين هو وأين العلم به، فانتقلت فادعيت أن الغلبة والدولة/ منعت من إظهاره ونقله، فدعواك الثانية كالأولى.
على أن دليلنا هذا قد دلّ على أنهم ما أتوا بمثله، ولا بما يقاربه، ولا بما يدانيه، ما هناك شيء ينقل ولا يذكر ولا يكتم ولا يستر، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن مائة ألف قد أتوا بمثله، وإنما الدولة قهرتهم ومنعتهم من إظهار ما أتوا به.
على أن الدول والممالك لا تأتي ولا نغطّي على الأمور التي قد كانت ووقعت، ولا يطمع عاقل في كتمان ما هذا سبيله وإن ضره ظهوره، وساءه انتشاره، وأسقط من قدره. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما ادّعى النبوة، وأكفر الأمم وفرض مجاهدتهم، وأباح دماءهم وأموالهم وحريمهم، قد ساءهم ذلك وضرهم، وأسقط من أقدارهم، وذهب برئاستهم؛ وقد ودوا أن ذلك لم يكن، فما كتموه، ولا طمعوا في طيّه وتزميله، بل هم تحدثوا بذلك لكل أحد، ونقلوه وعرفوه، وأدوه إلى من لا يسمعه، لأنه ﷺ لم يكن حين ادعى ذلك ودعا اليه له أتباع يخالدون ذلك ويدونونه وينقلونه، وإنما كان يفعل ذلك عدوه.
وتأمل ذلك بالشعر الذي هجي به، ومن هجاه من الشعراء، وما كان له معه من ضربه وسبّه وأذيته، ومن قتلوا من أعمامه ومن أصحابه، ومن
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ادّعى بعده ومعه النبوة، فإن المسلمين قد نقلوا ذلك وخلدوه ودوّنوه وإن غمهم وساءهم. وانظر إلى الكتب التي صنفت في تكذيبه وفي الطعن عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، التي صنفت في دولة الإسلام، وأشد ما كان الإسلام شوكة وغلبة، كالتي عملها الحدّاد والورّاق وابن الراوندي والحصري والكندي والرازي وأمثالهم «١»، وادّعوا أن فيها الحجة والبرهان في إبطال الربوبية وتكذيب الأنبياء. وأنت تراها مبثوثة ظاهرة. تباع في أسواق المسلمين، لا يسقط منها حرف. والمسلمون/ كلهم قد كرهوا ذلك وغمّهم، وودّوا أنه لم يكن، وإنما كان يضعها الواحد بعد الواحد مستخفيا خائفا لا يظهر ادعاءها، ولا يعلن وضعه لها، بل يكتم اسمه ويكنى عن ذكره، وإنما يلقيه إلى الواحد بعد الواحد من أمثاله، كما صنع أبو عيسى بكتبه، وترجمتها تصنيف الغريب المشرقيّ، وهي من الظهور اليوم على ما ترى، حتى إنها لتبلغ مشارق الأرض ومغاربها. فالعدو ينشرها للاحتجاج بها، والمسلمون ينشرونها لنقضها والإجابة عنها. فعلمت أن الدولة والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور التي قد كانت ووقعت، وبهذا تعلم أنه ما كان لرسول الله ﷺ زلة ولا هفوة ولا سقطة ولا غدرة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أخجله خصم. يزيدك بذلك علما، أن معاوية وأشباهه من بني أمية قد عادوا أمير المؤمنين وبني هاشم، وغلبوهم، واستولوا على ملك الدنيا، وعظموا نفوسهم بكل ما قدروا عليه، فما أمكنهم أن يجعلوا لمعاوية منزلة لم تكن له وهو سيدهم، ولا أن يجعلوه من البدريين السابقين، ولا من أهل الشجرة، ولا من أهل الشورى،
_________________
(١) سبق التعريف بمعظم هؤلاء، وأما الرازي فهو أبو بكر محمد بن زكريا الفيلسوف والطبيب المعروف المتوفى سنة ٣١١ هـ. ابن النديم ١: ٢٩٩ طبقات الأطباء: ١: ٣٠٩
[ ٢ / ٣٧٤ ]
ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، وقد ودّوا أن يكون له شيء من ذلك أو من هذه المنازل. ولا أمكنهم أن يخرجوه من جملة الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولا أمكنهم أن يخرجوا أمير المؤمنين عن منازله: من كونه من السابقين والبدريين والفقهاء والعلماء والزهاد، ومن العشرة ومن أهل الشجرة، ومن أهل الشورى، وممن اختاره المهاجرون والأنصار للإمامة بعد عثمان، ولا أن يغطّوا على ما سنّه عليّ وفرضه ودعا إليه، من محاربتهم ومجاهدتهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، وقد ضرهم ذلك كل الضرر، فتعلم أن الدول والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور/ التي قد كانت ووقعت.
وتأمل ما كان لمعاوية من احتيالاته في التوصل إلى الملك، في إطعام عمرو ابن العاص مصر، وبادعائه زيادا، وبمن استماله ببذل الدنيا له، كذي الكلاع «١» وخالد بن المعمر»
، ومصقلة بن هبيرة «٣»، وأشباه ذلك، وما كان لملك ملك مما هذه سبيله.
فانظر إلى بني العباس لما غلبوا على أعدائهم من بني أمية، ما أمكنهم أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، ولا أمكن أعداء بني العباس أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، من إقامة المواسم وعمارة الثغور، وغير ذلك من
_________________
(١) هو سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر، من ملوك اليمن أسلم وقدم المدينة أيام عمر، وشهد اليرموك وفتح دمشق، ثم تولى قيادة أهل حمص في جيش معاوية. توفى سنة ٣٧ هـ القاموس: مادة كلع
(٢) هو خالد بن معمر بن سليمان السدوسي، أدرك عصر النبوة، وكان رئيس بني بكر في عهد عمر، وانحاز إلى علي يوم الجمل وصفين، ثم ولاه معاوية إمرة أرمينية ومات في طريقه إليها نحو سنة ٥٠ هـ. الإصابة: ١: ٤٦١
(٣) هو مصقلة بن هبيرة بن شبل الثعلبي الشيباني من بكر بن وائل، كان من عمال علي، ثم تحول إلى معاوية. قتل في غزوة إلى طبرستان حوالى سنة ٥٠ هـ. فتوح البلدان للبلاذري ٢٤٢- ٢٤٣
[ ٢ / ٣٧٥ ]
محاسنهم. وأنت تجد ما يكون من مساوىء الملوك، وما يكون من غدرهم وظلمهم، وما يلحق كل نقص وفضيحة بهم ظاهرا في دولتهم، مع بقاء مملكتهم واتصال عزهم. فتأمل ذلك شيئا فشيئا تجده ظاهرا مكشوفا، وإن كان ذلك مهيجا لهم، ومسقطا لأقدارهم، وقادحا في نبلهم ورئاستهم، وقد ودّوا أن ذلك لم يكن، روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال:
إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم دون الجماعة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة «١» .
وتأمل أحوال هؤلاء الباطنية الذين قد تستروا بالإسلام «٢»، وبقراءة القرآن، وبالصلاة والصيام والحج، وإظهار التحقق بأهل البيت، وقد أوثقوا أمورهم بالكتمان وبأخذ الأيمان والعهود على من أجابهم، وتجنبوا استدعاء الأدباء والعلماء والفقهاء، وسلكوا الواسطة، وقصدوا الأطراف البعيدة التي قد استولى على أهلها الغافلة والجهل والقوة، وقصدوا أهل الترفه والعجب والشغل بالدنيا والملك، وتسمّوا بالاسم الحسن من أنهم الشيعة، وغرّوا المسلمين، فانظر إلى فضائحهم مع هذه الأمور كلها.
فإن أبا القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب/ بن زاذان الكوفي النجار «٣»، عرف أهل عدن لاعة وجبال لاعة من أرض اليمن، وأنهم شيعة، فصار إليهم مع أبي الحسين محمد بن علي بن الفضل من أهل جيشان والجند والمذيخرة من أرض اليمن «٤» . وكان هذا أحد المياسير والرؤسا من الشيعة من أهل تلك
_________________
(١) جاء في الهامش: قول عمر بن عبد العزيز ﵁: إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم، إلخ
(٢) جاء في الهامش: في ابتداء ظهور الباطنية وهم القرامطة
(٣) انظر الجزء الأول من الكتاب ص ١٠٧
(٤) محمد بن الفضل صاحب دعوة الفاطميين في اليمن، وقد ظهرت الدعوة أول ما ظهرت في لاعة في جبل صبر معجم البلدان ٥: ٧
[ ٢ / ٣٧٦ ]
البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل واحد منهما بمكانه، وتسمى ابن حوشب بالمنصور من آل أحمد، وتسمى الآخر بالولي. ومكثا مدة يتستران بإقامة الشريعة، ثم ظهر منهما الإباحة، وليلة الافاضة، وأولاد الصفوة، ونكاح الأمهات والأخوات والبنات، والمشاركة في الزوجات، وتعطيل الشرائع، وشتم الأنبياء عند التمكن والقدرة. ثم ظهر بين ابن حوشب وبين ابن الفضل من المشاتمة، وبرىء كل واحد من صاحبه، ودعا كل واحد منهما إلى نفسه بأنه إله وربّ، وغزا، وقصد العلويين بالمكاره والقتل وسبي الذرية.
وقد كان نصب هذين، الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح «١» الذي زعم أنه الإمام، وهو خليفة محمد بن اسماعيل بن جعفر «٢»، وقال لهذين وغيرهما ممن خرج معهما إلى اليمن: إذا ملكتم وغلبتم خرجت إليكم، وجعلنا الملك باليمن، والمهدي يظهر باليمن، وهكذا روينا عن أهل البيت.
فلما تمكنوا باليمن، أخرج اليهم ابن ميمون القداح الحسين الأهوازي الداعية من قبله، فطلب منهم مالا يحملونه اليه، فأعطوه مرة بعد مرة، ثم رجع إليهم وعرّفهم أن الحجة خليفة محمد بن اسماعيل يخرج إليهم لينصروه، فشتموه وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرّفنا بهذا، فلم نسلم الملك اليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع
_________________
(١) هو الحسين بن أحمد أبو عبد الله الشيعي، مهد لعبيد الله المهدي الفاطمي بيعة المغرب، ثم قتله عبيد الله سنة ٢٩٨ هـ.
(٢) هو محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، وهو إمام عند القرامطة، وترى الطائفة الاسماعيلية أنه قام بالإمامة بعد وفاة أبيه أو اختفائه سنة ١٣٨ هـ، مات حوالى سنة ١٩٨ هـ. الأعلام ٩: ٢٥٨
[ ٢ / ٣٧٧ ]
والإسلام، فاشكروا له وأطيعوه، فشتموه وشتموا من وجّه به. فرجع الرسول إلى الحسين بن أحمد/ وعرّفه أن القوم قد أظهروا الباطن وعملوا به وفطنوا له، وتشاتموا وتفاضحوا بينهم. ثم صمد يحيى بن الحسين العلوي ﵁ لجهاد هم. وقد كان ابن حوشب هلك وبقي ابن الفضل، فهلك هو وابنه أمام يحيى بن الحسين العلوي كما هو مذكور، وفضائحهم مشهورة عند أهل العلم.
ومن عند ابن حوشب انبثت دعوتهم باليمن والمغرب.
ثم تأمل فضيحتهم بالبحرين، فإن داعية لهم خرج إلى من بها من الشيعة، وقال: أنا رسول المهدي إليكم، وقد قرب خروجه، فأعدوا واستعدوا، واحملوا اليه زكواتكم وأعشاركم وفضول أموالكم. فاجتمعوا، وكانوا نحو ثمانمائة، وأعطوه ما طلب. وغاب عنهم ورجع اليهم وأخبرهم عن المهدي:
أن للأشياء كلها بواطن، وأن خاصة المهديّ لا يحرم عليهم شيء، وأن المهدي قد أحل لكم كل شيء، وأنه يحل للمؤمن أن يشارك أخاه في ماله وأصله «١»، وأن علامة إيمانه أن تطيب نفسه بذلك كله. وكان فيمن أجابهم: أبو سعيد الحسين بن بهرام الجنابيّ «٢»، وكان يبيع الطعام والدقيق بالراذة من أرض البحرين، وكان شريرا فاسقا جاهلا لا يعرف من كتاب الله شيئا، ولا من سنة نبيه، ولا شيئا من الأدب، ولا شغل له إلا بالمعاش.
وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز. وكان يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي
_________________
(١) جاء في الهامش: ليعلم أن لا يشارك
(٢) جاء في الهامش: أبو الحسين سعيد بن بهرام الجنابي رأس القرامطة.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
بكر زكريا يحيى بن نبهان فقال له: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت مع أبي سعيد الجنابي وقد جاءه رجل من أهل جنابة يقال له يحيى بن علي، فأكلنا عنده فلما فرغنا، قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى هذا في بيت، وقال لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. فمضى يحيى ابن نبهان بإبراهيم الصائغ إلى هذا الأمير: علي بن مسمار/ فأخبره بما وقف عليه، فأرصد عليّ بن مسمار لذلك وتعرفه، فأخذ الرجل فضربه بالسوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم خلى سبيله، وطلب أبا سعيد فهرب إلى جنابة، وبحث عنهم وعن أحوالهم فإذا هم يتسترون بالتشيع ويعطلون الشريعة. وبقي أولاد ابي سعيد وأصهاره في البحرين، فبحث الناس عن أحوالهم وأحوال بني سنبر وأمثالهم فإذا هم على هذه الحال.
ثم تمكنوا، وعاد أبو سعيد بعد أن صار إلى النيل وسواد الكوفة، ومعه الدعوة ورجالها، مثل حمدان بن الأشعث، «١» وهو المعروف بقرمط، واليه ينسب القرامطة، وخال ابن أبي المليح القرني، وخال عيدان. وقد كان بالبحرين يحيى الطمامي داعية لهم، فلما تمكن أفسد وغدر، وأظهر الإباحة، وكان شريك أبي سعيد الجنابي في الدعوة، فوثب عليه أبو سعيد وغدر به وقتله، واستولى على الأمر، وغدر بالناس لما ملكهم، وأظهر من الإباحة وتعطيل الشرائع ما هو مذكور. وقال إنه رسول الأمين الإمام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض
_________________
(١) هو رأس القرامطة، اختلف في اسمه وأصله، قيل: اسمه حمدان، أو الفرج بن عثمان، الفرج بن يحيى، وقرمط لقبه. قتله المكتفي بالله سنة ٢٩٣ هـ الأعلام ٦: ٣٥ وقد كتب في الهامش: داعية الباطنية حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
كلها. وكان هذا القول والوعد من أبي سعيد في سني نيّف وثمانين ومائتين للهجرة. وكان يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويحلف لهم أنه يدخل بهم إليها. ويملكها. فلما كان في سنة ثلاثمائة، قتل أبا سعيد خادم كان لأبي الفضل العباس بن عمرو الغنوىّ في الحمام «١»، وكذبت أخباره، وظهرت فضائحه، فخجلوا لذلك خجلة يالها، وتحيروا.
وقد كان علي بن عيسى بن داود بن الجراح «٢» وزير المقتدر بالله كاتب أبا سعيد يقول له: زعمت أنك رسول المهديّ، وقد قتلت العلويين، وسبيت آل الأخيصر العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين. وقد كان حاصر أهل هجر أربع سنين ومنعهم الأقوات، وحبس عنهم الماء، ثم وصل/ اليهم وما بهم رمق فأتى عليهم، وقتلهم عن آخرهم. وقد كان صنع بأهل القطيف شبيها بذلك، وغدر بهم أقبح غدر.
فأجاب ولد أبي سعيد علي بن عيسى عن كتابه بأن أهل البحرين بغوا علينا، وغدروا بنا، ورمونا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون وما نحل من اتهمنا بغير الإسلام.
فكتب اليهم عليّ بن عيسى: إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى المسلمين، فأطلقوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة القرآن، وخجلوا من الفضيحة.
_________________
(١) هو العباس بن عمر الغنوي، أمير من قادة الجيش العباسي، ولاه المعتضد اليمامة والبحرين وأمره بقتال القرامطة، توفي سنة ٣٠٥ هـ. الأعلام: ٤: ٣٧
(٢) هو ابن الجراح، علي بن عيسى بن داود بن الجراح أبو الحسن البغدادي وزير المقتدر العباسي والقاهر، توفي ببغداد سنة ٣٣٤، وله كتب ورسائل متعددة الأعلام ٥: ١٣٣
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ومما كانوا يقولونه ويقوله أبو سعيد من خروج المهدي في سنة ثلاثمائة لحقهم الخجل والفضيحة. وكان بنو بسطام، وبنو القاسم بن عبد الله، والعزاقريّ وأمثالهم يستولون على دولة المقتدر بالله «١»، وكانوا يتشيعون. فراسلوا أولاد أبي سعيد وقالوا لهم: أنتم خرجتم أيام المعتضد والمكتفي، فلما صار الأمر إلى هذا الصبي المقتدر بالله قعدتم، قوموا فنحن كتابه وأصحابه، والدولة لكم، ولا يوحشنكم قتل أبي سعيد وما كان منه، فإن الناس قد تناسوا ذلك.
فقالوا: هذا الرجل علي بن عيسى رجل صالح، وما دام هو الناظر فما نختار مخالفته. فلما قبض السلطان على عليّ بن عيسى، أطلق من ببغداد والكوفة من الشيعة الطيور إلى البحرين بذلك، فغزوا البصرة على غفلة وغدروا بهم أقبح غدرة، ثم غزوا الكوفة، وسرّ بهم الشيعة وقالوا: أبو طاهر بن أبي سعيد وليّ الله وحجة الله وخليفة المهديّ بالبحرين، يخرج عن قرب، وأبو طاهر خليفته، وهو الذي يأخذ الأرض له ويكون ملكه بالبحرين. فبادر من أهل الكوفة وسوادها خلق كثير، وقالوا: نهاجر إلى بلد المهدي قبل ظهوره، فنقلوا أموالهم وعيالهم، ومن منهم ببغداد والكوفة وسوادها يراعون أمر المقتدر، وينقلون أخباره إلى أبي طاهر بن أبي سعيد.
وقد كان حصل لأبي/ طاهر من أموال الحجاج والخراسانية والكوفة والبصرة بيوت كثيرة، وأطمعه الشيعة ببغداد في السلطان، وعرّفوه ضعفه، وأن النجوم تدل على أن أبا طاهر يغلب السلطان، وأنه يدخل بغداد ويستولي على الملك. فتحمل أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال:
أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان
_________________
(١) هو جعفر بن المعتضد بن أبي أحمد المتوكل، وهو أخو المكتفي، وقد قتل سنة ٣٢٠ هـ، أما المكتفي فقد توفي سنة ٢٩٥، بينما توفي أبو هما سنة ٢٨٩ هـ.
[ ٢ / ٣٨١ ]
في كراعه. وسار ونزل ظهرا بالكوفة، ولقيه بن أبي الساج فهزمه «١»، ونادى مناديه أن يكون لنا وقعة مع مؤنس الخصّى برصافة الكوفة ونهزمه «٢» ويستغنى أهل الكوفة من ذلك النهب، وأسير فأدخل بغداد في يوم ثلاثاء، وفي يوم طشّ «٣»، واستكتب عليّ بن عيسى، واستعمل على الشرطة أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان. وجلس بظهر الكوفة يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويتماسكون ويختارون. فلم يخرج مؤنس من الكوفة ورحل من بغداد ونزل بطباطبا، وهي من بغداد على فراسخ يسيرة.
وطال انتظار أبي طاهر له، وكان من ببغداد من الشيعة قدر راسلوا أبا طاهر أنه ما بقي عند السلطان إلا مؤنس الخصي، وهو الذي يلقاك. وهو أضعف من ابن أبي السّاج بألف طبقة، وأنت تهزمه وتدخل بغداد. فصبر مؤنس ولم يبرح من طباطبا، وأبو طاهر يراسله: ما انتظارك؟ وإن كنت رجلا فابرز، ومؤنس لا يبرح. فسار أبو طاهر وعبر الفرات، وجاء فنزل بالقرب من مؤنس، فانقلبت بغداد، وعبر الكثير من أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، إلا من كان من الشيعة. وانحدر كثير منهم وأحدروا عيالهم إلى البصرة. وخرج إلى أبي طاهر من أهل بغداد من الشيعة وغيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح
_________________
(١) هو يوسف بن أبي الساج أرسله المقتدر الخليفة العباسي سنة ٣١٥ هـ خماية الكوفة من القرامطة.
(٢) ويلقب مؤنس بالمظفر، لكنه لم يكن مظفرا في حربه مع أبي طاهر القرمطي، وكان قائدا عاما لجيش المقتدر، وقد قتل المقتدر بعد ذلك.
(٣) يوم طش، هو اليوم الممطر مطرا خفيفا انظر اللسان في مادة: طش
[ ٢ / ٣٨٢ ]
المؤمنين القتل فيه ثلاثة أيام، قالوا لا تصنع هذا، ولكن سبعة أيام، وتنظم جانبي دجلة/ بالمصلين من بني هاشم، والقراء، والفقهاء، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: كذا نفعل.
وأظهر من بالكوفة لعن بني العباس والسلف، وخرج أبو الغيث بن عبيدة العجلي في ثلاثين ألفا، وأقام أبو القاسم عيسى بن موسى حتى عيدان في البقلية أصحابه «١»، وأظهروا الخلاف، وقالوا: ظهر الحق وقام المهدي وانقضت دولة بني العباس والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث، وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر وما جئنا لإقامة دولة، ولكن لإزالة شريعة. فقيل لهم: إن الخصي قد قطع قنطرة نهر بطباطبا، فقالوا: قد عبر أبو طاهر الفرات فلا يعبر نهر بطباطبا، وإنما هو كالساقية بالإضافة إلى الفرات.
فسار أبو إسحاق ابراهيم بن ورقاء الشيباني الأمير، وكان رجلا صالحا لا يعين السلطان إلا فيما يحل ويحسن. فسار إلى الفرات في السماريات «٢»، ومنع القرامطة من العبور ومن ورود الماء، فضاق صدر أبي طاهر من تأخرهم عنه، فرحل عن مؤنس ورجع إلى الفرات، وصاعد نحو الرقة يقتل وينهب من ظفر به، وقد ظن بعض الناس أنه كان يتوقع من بالمغرب من القرامطة أن يوافيه لوعد بينهم، فما جاءه أحد، فرجع إلى الأحساء، وكذبت أخباره تلك كلها، وكانت لهم من الفضائح ما لا يكاد يحصى.
وكان أصحابه ومن بالكوفة وسوادها له على أحسن طاعة، لا يشكون أنه وليّ الله وحجة الله، فلما رجع بتلك الخيبة، وقد كذبت أخباره وأقاويله، أخذ
_________________
(١) انظر معجم البلدان ٤: ١٧١
(٢) مراكب تصنع من شجر الطلح
[ ٢ / ٣٨٣ ]
خواصه يلقون إلى من معه من البوادي إذا قالوا لهم: قتلنا عيالنا واقتسمنا قصور بغداد ثم رجعنا خائبين، وقد قتل ابن أبي الساج صناديدنا وعيون من بقي منا، فيقولون مرة: لهذا القول وهذه المواعيد باطن، ومرة يقولون: إن في كتب الحدثان والملاحم أنا نرجع، ومرة يقولون: سرنا بأمر، وأمثال هذا من الحيل والمخاريق.
/ ثم سار من البحرين إلى مكة، فوصل اليها في عشر ذى الحجة وبها الحجاج من أهل الدنيا كلها، والإسلام أكثر ما كان، فمنعه من بمكة من الحجاج وغيرهم من دخولها، ونقلوا صناديق البيت إلى ناحية دار ابن داود، وحاربوه أياما. فلما لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلى الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهروا أنهم محرمون، ونادوا بالتلبية، واستدعى من قريش من أهل مكة من راسلهم بهم، هو أبو الإمام بها والقاضي في يومنا هذا، فقالوا: كيف تكون حاجا وأنت في عشية ورودك الحرم قد قتلت المسلمين، فقال: هذا كان بغير أمري ولا رضاي، وقد يكون مثل هذا من الأتباع ومن معرة العساكر، ووجه اليهم بخاتمه وسوطه ليؤمنهم، وحلف لهذا القرشي بالأيمان الغليظة أنه قد أمنهم على دمائهم وأموالهم وحرمهم، وأنه لا يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، إلا أصحاب الجند والسلطان فإنه لا يؤمنهم، وقال: أنا لا أغدر ولا أغر من نفسي، ولو أردت ذلك لأمنت أصحاب السلطان ثم غدرت بهم، ولكن لا أؤمنهم، لأنهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعينون السلطان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة، ويشرب الخمر، ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له حتى دخل، ووضعوا السلاح.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فلما دخل وتمكن وسكن الناس، وثب بهم أغرّ ما كانوا، وقال لأصحابه:
ضعوا السيف واقتلوا كل من لقيتم، ولا تشتغلوا إلا بالقتل. فلم يزل كذلك ثلاثة أيام، ولاذ المسلمون بالبيت، وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، وقتلوهم في المسجد الحرام وفي البيت، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم:
«ومن دخله كان آمنا»، أفامنون أنتم يا حمير، أما ترون كذب صاحبكم.
وأمروا من يصعد لقلع الميزاب، فصعد وهو يقول مستهزئا: / هو في السماء وبيته في الأرض. وسلب البيت، وقلع الحجر الأسود، وأبو حفص عمر ابن زرقان صهر أبي سعيد واقف حذاء البيت والسيف يأخذ الناس، وهو على فرسه يضحك ويتلو: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» حتى [وصل] «١» إلى قوله: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» قال: ما آمنهم من خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة، حجّوا إلى البحرين، وهاجروا إلى الأحساء من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها.
ثم أمر أصحابه بالنهب، فجمع شيئا عظيما من العين والورق والجوهر والطب، ومن متاع مصر واليمن والعراق وخراسان وفارس وبلدان الإسلام كلها، وحمل مقدار مائة ألف جمل، وأحرق الباقي، وسبى من العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألف رأس، وسار إلى الأحساء، فكانت حادثة في الإسلام لم يكن مثلها قط، وأحصوا القتلى عند الدفن، فكانوا عشرين ألف وثمان مائة. ولعلك تستكثر مائة ألف جمل لما ترى في زمانك من سوء حال الإسلام والمسلمين، وإذا تأملت الحال في ذلك الزمان استقللتها، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، وإذا تصورته استقللت ذلك، وإذا تأملت خراسان
_________________
(١) زيادة مني اقتضاها السياق
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وحدها، والمسلمون يصلون من نواحي الصين، ثم من نواحي الهند، وكابل ثم عمان، ومشجر عمان، ثم اليمن، وجزيرة العرب وهي أوسع من بلاد الروم، ثم المغرب من الأندلس، والقيروان، والمغرب تشبه لكثرة رجالها وجمالها وبلدانها بخراسان، وأما أذربيجان فيشبه من السعة بما يقارب فارس أو العراق، وإنما ذكرت ذلك لأنا أردنا لا نخلى ما نقوله من حجة، وإن كان الناس قد ذكروه.
فلما صار أبو طاهر إلى البحرين، سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي «١» وجمع الناس بالبحرين، وقال: معشر الناس إنا كنا ندخل عليكم بحسب أهوائكم، مرة بمحمد، / ومرة بعليّ، ومرة بإسماعيل بن جعفر، ومرة بمحمد بن إسماعيل، وبالمهديّ «٢»، وهذا كله باطل، وهو سر كنا نكتمه ومن قبلنا منذ ستين سنة، واليوم قد أظهرناه، وهذا إلهنا وإلهكم، وربنا وربكم، يعني ذكيرة الأصفهاني، فإن عاقب فبحق، وإن عفا فبفضل، أظهروا اللعن على الكذابين: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد معشر الأجمين، يعني بالأجمعين قسّين وجنبلا «٣»، وعرج عمن كان عندهم بالبحرين ومن سواد الكوفة وأهل الكوفة، وقال:
معشر الدعاة والخاصة، اذكروا ما عندكم، فذكروا معنى ما جرى بين عبد الله بن ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان وبين محمد بن الحسين بن جهار بخنان المعروف ببندار من أعمال الحيلة على المسلمين، والتستر بالتشيع، والدعاء إلى المهديّ، فإذا وقع التمكن، وصاروا في ملك وسيف، أظهروا تكذيب
_________________
(١) جاء في الهامش: فلما صار أبو طاهر القرمطي الباطني الملعون إلى البحرين سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي. انظر الكتاب ١: ١٠٦
(٢) سبق التعريف بهذه الأسماء فيما مضى من الكتاب
(٣) كذا في الاصل
[ ٢ / ٣٨٦ ]
الأنبياء، وتعطيل الشرائع، وقتلوا المسلمين، مما هو مذكور في كتاب ابن رزام، وكتاب عطية، وغيرهما من العلماء «١» .
فأخذهم ذكيرة بلعن الأنبياء جهارا في الأسواق، وتقدم بإحراق المصاحف وبراءة الذمة ممن ترك عنده شيئا من المصاحف أو التوراة والانجيل وجمع هذا كله، وأمر بطرحه في الحشوش، والاستنجاء به، ونادى بنكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، وذوات المحارم، وبإباحة اللواط، وبأن تطعن البهائم في خواصرها إلى أن تموت، ثم تموت، وبأشياء كثيرة يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب العلماء، وقال لهم: تأهبوا فإني سائر إلى العراق لاستئصال دين محمد وقتل أتباعه، فقد انقضت دولته، وقد أحييته ثلاث مرات، واستتبته من إضلال الناس فما تاب، فالعنوه والعنوا الكذابين، يعني الأنبياء. فكانت الأصوات ترتفع بذلك في الأسواق وقتل بني زرقان وبني سلمان ومن وجوه عسكره في مدة ثمانين يوما سبعمائة رجل/، وأمرهم بأن يعرضوا عليه نساءهم من بيت أبي سعيد وغيره، فعرضوهن فاختار منهن من أراد، فكان فيمن اختار زينب بنت أبي سعيد امرأة عمر بن زرقان، وقد كان قتل زوجها، وكان له منها ابن، فأمر ذكيرة أبا طاهر بذبحه، فأخذه أبو طاهر خاله فذبحه.
ثم بعد مدة، قال أبو دلف لأم أبي طاهر: إن ذكيرة الأصبهاني قد عزم على قتل ابنك وإخوتك؛ وكان لأبي طاهر خمسة إخوة، وهم ولد أبي سعيد، فاتفق قتلهم له نهارا، فماج القصر لذلك، فقال لهم الحسن ابن سنبر: أغلقوا باب القصر، فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له:
_________________
(١) ابن رزام، عطية (الأعلام ٥: ٣ و٤: ٢٣٩)
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ولم قتلتموه، قال: ما نريد أن نذكر لكم السبب في ذلك فأمسكوا، وقال لهم ابن سنبر: إن شئتم أن تذهبوا فاذهبوا، فما نعرفكم السبب. ثم قال لهم: يا قوم لا تفضحونا وأنفسكم، ولا تشمتوا بنا المسلمين وبكم، وارجعوا عن جميع ما قاله لكم أبو طاهر إلى ما كنتم عليه وكنا من قبل ذلك، من أنّا أصحاب المهدي؛ والدعاة إلى المهدي، والمؤمنون والشيعة، فإنه كنا نحدّث أن ستكون للمؤمنين زلة وهي هذه، فالله الله في أنفسنا وأنفسكم، فما أدخلناكم في شيء إلا بعد أن دخلنا فيه. قالوا نريد أن نراه إن كان مقتولا، وخافوا أن لا تكون حيلة من جملة حيلهم وكذبهم الذي كان لأبي طاهر، ففتحوا الباب وأدخلوهم، فرأوا ذكيرة مقتولا، وجاءت زينب بنت أبي سعيد امرأة ابن زرقان، فشقت جوفه، واستخرجت كبده فأكلتها، وكانت فضيحة عظيمة. فقال ابن سنبر لأبي طاهر: فرق المال في الرؤساء وأرضهم، فإن هذه سقطة عظيمة سقطناها، فوجه/ أبو طاهر في الليل إلى الرؤساء وتلافاهم، وخضع لهم، ولم تكن عادته.
ثم إنه غزا بعد قتل ذكيرة ونهب، وجاء إلى الكوفة. فصار أصحابه لا يمتثلون أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو غنموه يسلموه اليه ولا يخونونه في شيء منه. لأنه حجة الله، وأن المال يجبيه للمهديّ، فصار بعد قصة ذكيرة لا يعطونه ما ينهبونه وصاروا يشربون، ويسمعون القيان، ويطلبون المواخير، وإذا جاءهم العرفاء، وقالوا لهم: هاتوا ما غنمتم، لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: السيد يأمركم بكذا، قالوا: ناك السيد أمه، وفي است أم السيد، فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب بن الكذاب فإنه يصير بكم إلى البحرين ويسترهن
[ ٢ / ٣٨٨ ]
عيالاتكم، ويطالبكم بما غنمتم، ويأخذه منكم ويستعبدكم. فبلغه قوله، فأخذه وقيده، ورجع إلى الأحساء، فقتل من أصحابه وثقاته نحو أربعمائة، وأقام بالأحساء وقال: قد نهيت عن الغزو، وأمرت بعمارة الأحساء فأخذ المسلمين الذين أسرهم واستعبدهم بالعمارة. وأقام مدة، ثم غزا وأقام ناحية من الكوفة، ووكل بالعسكر من يراعيه لئلا يدخل اليه غريب، وطمع أن يعود أصحابه كما كانوا، فما فعلوا، ودخل على أهل السواد من الكوفة ومن كان يلتجىء اليه من المتشيعين من الحزن والفضيحة وشماتة الأعداء ما قتلهم حزنا.
وكان مثل عيسى بن موسى ختن عبدان وأصحابه وأمثاله، يعاتبون أبا طاهر وأصحابه بينهم سرا، فيقول لهم: ما الحيلة، ما اخترنا هذا لأنفسنا، وقولوا لنا من كان من أهل هذه الدعوة لم تكن له سقطة وفضيحة.
ألم يفتضح المنصور بن حوشب/ بعدن لاعة، ألم يفتضح الوليّ ابن الفضل بجيشان «١»، ألم يفتضح سعيد بسجلماسة، حتى شيخ المشائخ أبو موسى هرون وهو شيخ الشيعة، وقال لسعيد في وجهه: ويلك، أنت الغاوي لا المهدي، تزني، وتلوط، وتشرب الخمر، وتكذب، وتغدر، وتسفك الدم، ويلك، أي شيء أنت، وابن من أنت، قال: قد قال لكم أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي الداعية أني أنا المهدي، فجاؤا بأبي عبد الله، فقالوا له: هذا هو المهدي، فقال: لا، فقال له سعيد: ألم تقل لأهل العسكر بسجلماسة: هذا هو المهدي الذي
_________________
(١) لعله يقصد علي بن الفضل بن أحمد القرمطي أحد المتغلبين على اليمن. استولى على الجبال والتهائم ثم دخل زبيدا وصنعاء وادعى النبوة وأباح الحرمات. ومات مسموما سنة ٣٠٣ هـ.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
كنت أدعو اليه، فأقبل أبو عبد الله على أبي موسى والجماعة فقال: يا هؤلاء غلطت كما يغلط الناس، أنا رجل من أهل الكوفة من الشيعة، وكنا نذهب إلى إمامة موسى بن جعفر وولده، فرجع ابن حوشب ورجعنا لما مات الحسن العسكري، ووقع علينا من دعانا إلى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولقيت الإمام من قبل محمد بن اسماعيل بالكوفة، وودعته وخرجت إلى ابن حوشب باليمن، وبين يدي الإمام بالكوفة غلامان. فقال لي حين ودعته: يا أبا عبد الله، هذان إماماك، فمن دعاك منهما فأجبه. فخرجت إلى اليمن، ومنها إلى مكة، ومنها اليكم إلى المغرب.
وبلغنا أن الإمام قد مات وخلف ولده، وكانت الكتب تأتيني من هذين، وفيها بعض العلامات التي كانت بيني وبين الإمام، فظننته المهديّ وما هو بالمهديّ، ولكنه رجل سوء، كذاب، شرّير، عدو الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ أهل بيته، وعدو الشيعة، وعدو المهدي. فوافق سعيد أبا عبد الله على غدراته وأكاذيبه وما كان له في كتامة، وتشاتما وانفرد سعيد ومعه الأموال، وأعمل الحيلة، وقتل أبا عبد الله/ وشيخ المشائخ.
وقام أبو زكريا محمد بن أحمد بن زكريا «١» أخو أبي عبد الله وكان أجل منه وأخص بسعيد وأعلم بالدعوة، فنادى على سعيد بأنه كذاب عدو لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وواقفه وتشاتما، وما زال ينادي عليه برقادة وأرض المغرب إلى أن دس عليه من قتله.
وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها في الشيعة، فما زال ينادي: احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه
_________________
(١) كتب فوق الاسم بخط مختلف: العباس
[ ٢ / ٣٩٠ ]
لا دين له إلى أن بذل سعيد الأموال في العبيد والجهال إلى أن قتل أبا ذاكي وأصحابه.
أو ليس حين مات سعيد وقام ابنه قد رجع عنه خاصته، وقالوا هذا أكفر من أبيه. أو ليس قد أظهروا بأرض المغرب شتم نبيّ العرب وأصحابه فقالوا: العنوا الغار ومن حوله، العنوا عائشة وبعلها؛ ولعنوا جميع الأنبياء وأظهروا الباطن كله، وبعثوا الدعاة، فدعوا إلى سعيد أنه إله حق، وأنه خالق رازق، وأنه هو الذي فتق ورتق وأمات وأحيا. ونكحوا البنات، حتى كان مثل أبي الأسود وأبو طاعة من الدعاة قد نكحوا بناتهم؛ حتى ذهبت الشيعة إلى أبي يزيد مخلد بن كرّاد وهو من الشراة «١» وشكوا اليه ذهاب الإسلام بهؤلاء المشارقة، وقالوا: هذا وإن كان من الشراة فليس ينكر الربوبية ولا يكذب الرسل ولا يلعن الأنبياء ومعه حفظ الأموال، فساروا معه إلى ابن سعيد بعد موت أبيه، فأنفذ اليه ابن سعيد عسكرا بعد عسكر، فما زال يهزمهم إلى أن وافى باب المهدية فأغلق بابه دونه، فأخذ الحلقة بيده وهو شيخ كبير لا يمكنه لعجزه وكبره أن يركب فرسا، فكان يركب حمارا، فحاصر ابن سعيد في المهدية مع عساكره فمات في حصاره/ فرقا منه.
وقام اسماعيل ابنه من بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه.
_________________
(١) انظر الجزء الأول من الكتاب ص ١٠٧
[ ٢ / ٣٩١ ]
وأعان أبو الحسين بن عمار اسماعيل القائم الثالث منهم عليّ أبي يزيد حتى ظهر عليا، فلما خرج أظهر اسماعيل الرجوع إلى الإسلام. وقتل الدعاة، ونفى بعضهم إلى أرض الأندلس وغيرها. فقال للعامة: من سمعتموه يلعن الأنبياء فاقتلوه وأنا من ورائكم، وأذن للفقهاء والمحدثين، وخضع للعامة، وزعم أن الذي كان من الدعوة ومن الناحية والمنشدين كان بغير علم أبي ولا علم جدي، وخفف الخراج، وأظهر الشغل بالفقه.
فسقطات غيرنا من أهل هذه الدعوة أكثر من سقطاتنا، أم تظنون أنا بالبحرين لا نعرف أخبار اخواننا وأهل دعوتنا بالمغرب واليمن والعراق، فكانوا يحتجون بمثل هذا على من عذلهم من إخوانهم في إظهار الباطن، وكان الدعاة مثل أبي القاسم عيسى بن موسى، وأبي مسلم بن حماد الموصلي، وأبي بكر أخيه، وأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي الكلابي وغيرهم يحدثون أسفا وحسرة بما أتاه أبو طاهر من كشف الدعوة، حتى سقطت هيبته واستخفت العرب به بعد ذلك التعظيم، وحتى كان أبو طالب بن عيسى بن موسى وأمثاله يقولون إذا ذكروا هتيكة أبي طاهر وفضيحته مالك يا أبا طاهر، لعنك الله ويلك، لم سلمت الأمر إلى ذكيرة الأصبهاني. ويلك، إلا مضيت على غرتك وقد ظن الناس أنك المهدي، وفيهم من ظن أنك فوق المهدي، ويلك، إلى بخارى قدما ما يردك أحد. لعنك الله، وصلى الله عليك يا محمد.
لا يلعنون أبا طاهر براءة منه، ولا/ يصلون على النبي ﷺ موالاة له وتصديقا بنبوته، ولكن يذهبون إلى أنه وإن كان كذابا محتالا مثل أبي طاهر والذين بالمغرب وحاشاه ﷺ من قولهم فما افتضح مثل فضائحهم.
ولقد رجع أبو الغيث العجلي عنهم وكان نابا من أنيابهم، ومطاعا في
[ ٢ / ٣٩٢ ]
عشيرته. وكانوا نحو ثلاثين ألفا، وكتب في ذلك كتابا بيّن فيه أنه تموّه أمرهم عليه وظنهم شيعة وأصحاب المهدي؛ ورجع غيره من رؤسائهم ممن قد ذكره ابن رزام من المراتب الخمس وفي الكتاب الكبير، وذكرهم غيره.
ولقد بلغ الأمر بأبي طاهر أنه كان بعد ذكيرة يغير على الحاج وعلى بلدان المسلمين، ثم يجهد بالعرب أن يعطوه شيئا مما يأخذونه كما كانوا يفعلون من قبل، ويقول هذا مال المهدي، فإن لم تعطونا كله كما كنتم فهاتوا بعضه، فيقولون له: استأمنا إن أعطيناك مفاتحنا وقد عرفناك. فلما رأى استخفافهم به بعد الكرامة قال: لا وجه لما أنا فيه، أقتل المسلمين وأنهبهم ويذهب هؤلاء بالمال. فجاء إلى الكوفة وآمن الناس، ووجه إلى الراضي بعد المقتدر وبعد القاهر، «١» وكان هذا الراضي من الضعف وحجر بجكم والأعاجم عليه على حال قبيحة «٢»، وقد تفرقت الجنود عنه، وأخذت الأموال منه؛ فوجه اليه يطلب منه مالا يعطيه ليخدمه ويبذرق الحاج «٣»، ففعل الراضي ذلك، وأعطاه مالا معلوما، وقال أبو طاهر هذا أربح لي، آخذ هذا المال وأعطي بعض أصحابي وأعواني وأفوز ببعض. وكان العقلاء يعجبون ويعتبرون، ويقولون عظم أمر أبي طاهر حتى ادّعى قوم أنه إله، وادعى آخرون له أنه نبيّ، وادعى قوم أنه المهدىّ، وأقل ما ادّعى له أنه ثقة المهدي وسيف المهدي. واستقلوا له ملك الأرض، وما شك
_________________
(١) بويع للراضي بالخلافة بعد خلع القاهر في ٥ جمادى الأول سنة ٣٢٢ هـ، ولم يزل خليفة إلى أن توفي في ربيع الأول سنة ٣٢٩ هـ. انظر تاريخ الإسلام ومحاضرات تاريخ الإسلام السياسي
(٢) يحكم الديلمي: قائد الجند أيام الراضي.
(٣) البذرقة: فارسي معرب، بمعنى الخفارة، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة اللسان، مادة: بذرق
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الشيعة أنه يملكها، وأظهروا/ الروايات «١» له بذلك، وأنه مذكور في الملاحم، وفي كتب الحدثان؛ وأنه حجة الله وصاحب حجة الله، والمهديّ والمنتظر الذي يملك الأرض كلها. وطمع في ذلك أشد الطمع، وكان السلطان في زمانه مقصرا لا يعرف من التدبير قليلا ولا كثيرا، وقد قلد الخلافة وله اثنتا عشر سنة متحليا بالنساء، كتابه وعماله وخاصته تغلب عليهم التشيع، يظنون أبا طاهر من الشيعة، فكانوا أعوانه على السلطان، فخذله الله حتى صنع مع ذكيرة ما صنع ففضحه الله بلسانه، ثم عاد فقتل ذكيرة ورجع عما كان عليه، ثم لم يزل خذلان الله به حتى جاء إلى الراضي وتلك حاله يطلب بذرقة الحاج منه، وسأله أن يستخدمه في ذلك، وضمن كل ما يجري على الحاج. وخرج إليه إلى الكوفة ابن مقاتل صاحب ابن رائق «٢» ووافقه على بذرقة الحاج بعد أن وبخه على ما كان منه، فأنكر أن أن يكون ما جرى باختياره، وأن البوادي كانت تقتات عليه ولا تطيعه، وأن السلطان قصر في أمره وقد كان ينبغي له أن يعرف مكانه، ويعطيه ما يرضي البوادي، ويستخدمه ويجعله أحد صنائعه، فقال الحجاج لا نسير معه ولا نثق به ولا كرامة له، فأقام السلطان أبا عليّ عمر بن يحيى العلوي أميرا عليهم، يسير أبو طاهر مع أصحابه بسيره وينزل بنزوله، ولا يكون له على أحد من الحاجّ أمر ولا نهي. وإذا تصورت حال أبي طاهر وكيف كانت وإلى أي شيء صارت، حتى يرغب إلى الراضي- وهو أول من
_________________
(١) في الأصل: الرويات، ولعل الصواب ما أثبتناه
(٢) هو محمد بن رائق، أبو بكر، ولاه الراضي إمرة الأمراء والخراج سنة ٣٢٤ هـ، وتوجه إلى الشام فحارب الاخشيديين ثم عاد إلى بغداد حيث قتل بأمر من ناصر الدولة الحمداني ٣٣٠ هـ. دائرة المعارف الإسلامية ١: ١٦٤
[ ٢ / ٣٩٤ ]
زالت دولة بني العباس على يده وأخذت الأموال منه، وأجرى له مقدار الكفاية، وزال أمره عن تدبير الجند وعن الولايات؛ وهو أول من حجر عليه منهم- في أن يستخدمه في بذرقة الحاج بشيء يعطيه، علمت أن ذلك آية من آيات الله العظام، فقد/ كان أثخن في الإسلام، وأخرب منازل الحاج، وقد كاتب في الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، ولعل قتلاه أكثر من قتلى بابك وصاحب الزنج، وكانت هيبته قد ملأت القلوب، حتى كتب ملك الروم إلى السلطان كتابا يظهر له الشماتة بأن أبا طاهر القرمطي قد أبادكم وأفناكم وشغلكم عن غزونا وأراحنا منكم وقصد بيت عبادتكم فقتل زواره ومن يعظمه وأنزل بدينكم كل هوان. وكان العامة ومن ليس هو من الدعوة إذا سألوا أصحاب أبي طاهر عما أتاه في باب ذكيرة لا يجيبون بل يقولون إنما سلم الأمر اليه ليمكر به ولينظر ما عنده، وصبر عليه وعلى ما أتاه ليعرف آخر أمره، فكان لتسليمه باطن غير ما ظهر للناس.
وهذا أعجب ما يكون من فضائح المبطلين وبهتهم، وهذا ما لا يعجز عن ادعائه أحد، فإنهم قد افتضحوا وتقطعوا ندما، وانصرفت عنهم عقيل لهذه الفضائح وهانوا على جندهم بعد الكرامة، وسقطت أقدارهم البتة، ثم يبهتون هذا البهت.
وهذا كقولهم لو قال: إن خادم العباس بن عمرو الغنوي ما وثقنا به ولا سكنا اليه ولا وثق به أبو سعيد ولا ائتمنه ولا سكن اليه وإنما تركناه وقتل أبي سعيد وتلك الجماعة الذين قتلهم في الحمام لننظر ما عنده وليظهر آخر أمره، على علم منّا بما سيأتيه ويفعله. وأن ما أتاه الأصفر من قتل رجالنا ومنعنا من التصرف في البلاد والخروج لأخذ ضريبة الحاج وحصاره إيانا في الأحساء، ليس عن عجز منا ولا لجهل منا بما كان منه قبل أن
[ ٢ / ٣٩٥ ]
يكون، وإنما تركناه على علم وقدرة ليظهر كل ما عنده ولكل أمر باطن.
أو كمن قال: إن الأصفر لم يصنع بهم هذا الصنيع عداوة لهم، فكذا ما صنعه ابن أبي الساج، وإنما أراد الأصفر أن يمتحنهم بذلك، ولهذا باطن وهذا خلق لأهل هذه الدعوة حيث كانوا من مشرق الأرض وغربها، فإنهم متى افتضحوا ومتى بان كذبهم فقالوا لهذا باطن.
فقد كان سعيد أنفذ الجيوش في سنة اثنين وثلاثمائة إلى مصر وقال:
تفتحونها وأنا في إثركم، وكانت خالية ليس فيها إلا القاسم بن الاخشيد الفرغاني في سبعة آلاف، وعسكر ابن سعيد الذي ورد به إلى مصر في نحو مائتي ألف، فهزمهم القاسم وردّهم، فرجعوا في سنة سبع وثلاثمائة في ثلاثمائة ألف، وقال: تفتحونها، فرجعوا منهزمين. وكان ابن سعيد رئيس الجند، ويوسف بن غروي الكبير المدبّر، وهو يعجب من رجوعهم وقد قال تفتحون. فقال لهذا القول باطن فأخذ يوسف هذا وقتله» .
وقد كان الرابع منهم لما ملك مصر والشام قال: الآن أملك الدنيا كلها، وكان له برذون أشهب يقال له عين الفضة، فقال: على هذا أدخل قسطنطينة، وقال: أنا لا أعطي أهل الاحساء عن الحاج ضريبة كما كان كافور الخصيّ الأسود قبلي يعطيهم، فإن خالفوني وجّهت بكتامة فشدّوا براذينهم على أبوابهم بالأحساء وساوم صاحبه وصاحب جيشه في ثياب بياض، ثم قال: وهذه تجلب من نيسابور وإلى هناك نصير فنشتريه من معدنه. فجاء ولد أبي سعيد وأخذوا الرايات السود من بغداد وعليها الامام المطيع لله أمير المؤمنين. وكانوا في جيش قليل، وأخذوا الشام منه، وقتلوا
_________________
(١) في الأصل: أبو يوسف، ولعل الصواب ما أثبتناه
[ ٢ / ٣٩٦ ]
ابن فلاح صاحبه «١»، وقالوا له ما تحتاج أن تنفد/ بكتامة إلى الأحساء فقد جئناك. فراسلهم وداراهم، وقال لهم: لم رضيتم لأنفسكم أن تسيروا تحت الرايات السود وتقيموا الدعوة لبني العباس، قالوا له: قد كان ينبغي ألا تمخرق علينا ولا تتكلم فينا، ونحن نعرفك ونعرف أباك، فما زال يراسلهم ويتضرع اليهم ويقول: الدعوة واحدة وهذا البيت وبيت أبي سواء، فساروا اليه إلى مصر وضيقوا عليه، فخندق على نفسه، وبذل الأموال، وبذل المال للبوادي فأخذوا سوادهم وانهزموا من باب مصر، وأسر ابن المنجا وجماعة منهم، فأكرمهم وصانهم وخلع عليهم، وردهم إلى الأحساء وأعطاهم أكثر مما كان يعطيهم كافور، وقتل من كان في عسكرهم من السوقة والباعة وهم ألوف كثيرة، وقال لولد أبي سعيد أنا ما منعتكم وإنما منعكم هذا العبد جوهر، وتقرب اليهم، وأذكرهم أن الدعوة واحدة وما ينبغي أن نختلف فيشمت بنا المسلمون، وما زال هو ومن بعده يحمل اليهم المال الكثير والبرّ الكثير إلى أن حاصرهم الأصفر ومنعهم، ووافى ملك الروم لعنه الله ونزل الشام.
واتفق موت البرذون عين الفضة، ونما الخبر إلى ابن الزيات وهو بالشام فكتب اليه: قلت إنك تدخل القسطنطينة على عين الفضة وقد مات وبينك وبين القسطنطينة مسيرة ستة أشهر، وملك الروم فقد نزل بالشام وبينك وبينه مسيرة عشرين يوما، وقد قرب الأمر عليك فالحق. فترك الجواب عن هذا وكتب إلى ابن الزيات: أنت رجل فاضل كامل، صنعتك وأسأت اليك وأنكرت فضلك، وما أدري كيف أعتذر اليك، وأنا من
_________________
(١) هو علي بن جعفر بن فلاح الكتامي، أبو الحسن، من أكابر وزراء الفاطميين بمصر، وكان الناظر في جميع شؤون الدولة أيام الحاكم، قتل في القاهرة سنة ٤٠٩ هـ.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
أحوج الناس اليك، وما هذا/ سبيله من الملاطفة. وإذا طالبت خاصته والدعاة له بتلك الأقوال وبينت لهم كذبها وخلقها قالوا: تلك الأقوال لها باطن.
وعند الخامس منهم من أهل خوارزم والموليان وغيرهما زوار كثير قد جاؤا بالأموال والهدايا، وهم محجور عليهم وموكل بهم ومع هذا فقد تبلغهم ما هناك من الفواحش والإباحات. فربما استفهم الواحد بعد الواحد من هؤلاء الزوار فيقال له: لهذا باطن، وربما قيل لبعضهم: إنما يفعل هذا مولاكم عمدا ليريكم ويمتحن صبركم، فأمسكوا ولا تتكلموا، ثم لا يؤذن بالرجوع لأهل الفطنة منهم.
وقد كان سعيد وهو بالمغرب قد جعل الرصد على من يرد ويصدر بباب البلد فيعرف أخبارهم، فمن كان منهم من الرسل والدعاة الذين يريدهم فلا يدخلهم إلا ليلا ملثمين في هوادج، وإن كانوا جماعة، فرق بينهم، وأنزلهم ووكل بهم ثقاته، وأخرجهم كذلك، لئلا يقفوا على شيء من أمره؛ ويدس اليهم من يحدثهم من أخباره بما يريد، ويبرهم ويصلهم ويخلفهم ويخرجهم في الاستخفاء كما دخلوا، ويردهم إلى النسفى وأبي حاتم الرازي وابن حماد. فتأمل حال هؤلاء وهم في الأطراف، وقد تستروا بدين الإسلام وأقاموا المؤذنين، فكل من يستدعونه في أول أمره يقولون له لسنا كالإمامية أصحاب موسى بن جعفر الذين يقولون: الصلاة إحدى وخمسين ركعة. الذي يجب عليك عافاك الله ثلاث وسبعون ركعة في اليوم والليلة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. وتؤدي الأمانه، وتحصن فرجك، وما نحل لك المتعة كما تحله الرافضة، وتجتنب الكذب والزنا والربا واللواط، / ولا تشرب شيئا من المنكر، وما لك في شيء من هذا رخصة البتة. وإذا كان عند الداعية أحد من المحرومين وممن
[ ٢ / ٣٩٨ ]
لا يعرف حقيقة الدعوة يصلي الداعية بحداه الليل والنهار. ومع هذا فقد عرف أهل العلم حقيقة الدعوة فكيف بأمر النبوة وهو من الأمور المكشوفة.
ولو أخذت تحصي فضائح هؤلاء في كل زمان مع هذا التحفظ لطال، وينبغي أن تعنى بأمورهم فليس هاهنا من يطعن في النبوات سواهم كما قد تقدم لك ودعاتهم اليوم مثل جابر المتوفى، وابن جبلة، وابن الكميث، والحسن بن محمد الممدى، يقولون لمن قد بلغوا به، أما ترون أتباع هذا الفاعل الصانع- يعنون رسول الله ﷺ- اليوم- أربع مائة سنة قد أقاموا على شريعته ما يفارقونها، ماذا يرون فيها الحمير، وقد كدّهم بالصلاة والصوم والحج والجهاد، أما يفطنون أما يفيقون.
والعجب ممن ذهب عنه ﷺ مع ظهور أعلامه وانكشاف براهينه، ولو كان لهؤلاء فطنة ومعهم تدبّر لكفتهم أنفسهم وأحوالهم في معرفة صدقه، فإنهم مع اعتصامهم به وتسترهم بإقامة شريعته والانتساب إلى أهل بيته، ومع الأيمان والمواثيق، يفتضحون في كل طرفة عين، وهو ﷺ قد جاء ذلك المجيء وأعداؤه منذ أربع مائة سنة يطلبون عثرة له وزلة فلا يجدونها، وهو كما يقال: قد كان ينبغي أن يكون أصحاب الطب من أخشى خلق الله وأعرفهم به لكثرة ما يرون من الشدائد النازلة بالناس وبأنفسهم ثم قل ما يغني طبهم عن أنفسهم وأعزّتهم، ولكن قد سبقوا إلى الاعتقادات الباطلة والتقليد للرجال، فتركوا النظر وقلت عبرتهم، فتبلدوا وتحيروا، فتاهت عقولهم، وماتت/ فطنهم، فنعوذ بالله من طول الغافلة وموت على غرّة وقدوم على حسرة.
[ ٢ / ٣٩٩ ]