وهو ما كان وعد وقال وهو في وحدته، إني سأصير في جماعات وعساكر فكان كما قال وأخبر، لأنه حين دعاهم أنكروا قوله وأكفروه وتلقوه بالردّ والتكذيب، ثم ما زال والنفر بعد النفر يجيبونه، حتى صار في عساكر، فاعتقدوا بصدقه ونبوته، وصاررا له جندا مطيعين، وحزبا متفقين، ينفقون أموالهم ويسفكون دماءهم في طاعته، ويفرّون من آبائهم ويقتلون أبناءهم ويفارقون أوطانهم لأجله وامتثالا لأوامره، وأزكى الأعمال عندهم ما أرضاه بلا دنيا بسطها فيهم، ولا اموال دفعها اليهم، ولا لرئاسة كانت له عليهم، بل كان يتيما فقيرا وحيدا معيلا محتاجا.
ثم جاءهم مجيئا ما جاء نبي قبله في مثل حاله، فان موسى ﷺ أتى قومه من بني إسرائيل، وهم أولاد الأنبياء، قد اعتقدوا الربوبية وعرفوا
_________________
(١) اصطلم الشيء: استأصله. انظر القاموس، مادة: صلم
[ ١ / ٨ ]
الطريق اليها واعتقدوا النبوة وعرفوا الأنبياء قبل موسى، كادم ونوح، ثم الى ابراهيم واسحق ويعقوب والأسباط، وألفوا عبادة/ الله، واعتقدوا المعاد وعرفوه. ثم جاءهم في ذل وأسر وقهر في أيدي الجبابرة من القبط والفراعنة، يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، ويمنعونهم الصنائع الشريفة والاحتراف، ويقصرونهم على ضرب اللبن وقطع الأحطاب والاعمال الشاقة المؤلمة، فجاءهم موسى بما يعتقدون من الربوبية والنبوة، ثم أخرجهم من الذلّ الى العزّ، ومن الشقاء الى الرفاهية والدعة، ومن الفقر الى الغنى.
ثم جاءهم من بعد موسى من الأنبياء بما جاءهم به موسى، الى أن انتهت النبوة الى المسيح عيسى بن مريم ﷺ، فأتى بني اسرائيل بسنن موسى، وشرائع التوراة.
فقدم هو والأنبياء قبله على أمر ممهد مألوف معروف، وعلى قوم قد ألفوا وعرفوا، وجاء محمد ﷺ قوما لا يعرفون الربوبية، ويعبدون الأصنام، وينكرون البعث والمعاد أشد الإنكار، لا يعرفون نبوة ولا طهارة ولا صلاة ولا صياما ولا زكاة، أشد الناس نخوة وجبرية وأنفة، قاة جفاة، معاشهم من شن الغارات، يسفكون دماءهم ويئدون ذريتهم فرارا من العار.
ودعاهم ﷺ الى الربوبية، والى الاقرار بالنبوة والبعث والقيامة، وأخذهم بالصدق والوفاء وأداء الأمانة والخضوع للحق، وبالطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والزكاة، وصلات الأرحام، وقطع السارق، وجلد/ القاذف والزاني وشارب الخمر، ومساواة الموالي والفقراء والأعاجم والضعفاء في الدماء، وأخذهم بالبراءة من آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ومن
[ ١ / ٩ ]
آبائهم ومن أديانهم، وبالإقرار بضلالهم، والتدين بالبراءة منهم، وببذل دمائهم وأموالهم في طاعته، وبمجاهدة الأمم ومعاداة الجبابرة والملوك في طاعته «١»، فأخذهم بكل شدة، وأخرجهم من الراحة الى الكدّ ومن المسالمة الى العداوة، وألزمهم ما لم يكونوا ألفوا ولا عاهدوا، وألزمهم الكلف والمؤن، فأجابوه بهذه الشرائط، فكان مجيئه على الوجوه التي قدمنا ذكرها من آياته ودلائل نبوته صلى الله عليه، ولم نجعل طاعة اصحابه له وتصديق القوم له ومصيره في عساكر وجماعات من دلائل نبوتة إلا لأنه اخبر قبل ذلك ان هذا سيكون فكان كما اخبر وكما قال على تلك الوجوه التي شرحناها وبيّناها. لأنه دعاهم الى امور وشرائط ظاهر التدبير وموجب الرأي واقتضاء الحزم ألا يجيبوه ولا يتبعوه إلا ان يكون من قبل الله، وواثقا بوعد الله، فان سبيله في ذلك سبيل من قال: هذه النملة الضعيفة تهزم هذه العساكر المعدة، او هذه الزجاجة الرقيقة ترض هذه الجبال الصلبة الشديدة، لأنه قد كان في الضعف
_________________
(١) كانت الصبغة الغالبة على أديان العرب في الجاهلية هي الصبغة الوثنية، أي عبادة الاوثان، الا ان هذا لم يمنع وجود عدد من الاديان الاخرى. فقد كان بين العرب صابئة يعظمون الكواكب والنجوم ويعبدونها، ودان بعضهم وخاصة في البحرين بالمجوسية الثنوية، كما وجدت مراكز صغيرة لليهودية والنصرانية. ووجد بعض الافراد ممن اعتقد بتوحيد الله، ومعظم هؤلاء كان متأثرا بالاديان السماوية السابقة، ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن أسد، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث بن اسد. وليس غرضنا هنا تفصيل أديان العرب في الجاهلية، فان ذلك يعرف في مواضع من كتب العقائد والديانات وخاصة كتاب الآراء والديانات للنوبختي، والملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والنحل لابن حزم. الا اننا نحب ان نشير الى ان القاضي عبد الجبار تعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الرابع من موسوعته الكبيرة المغنى.
[ ١ / ١٠ ]
والوحدة على ما قد علمه الناس، ثم دعاهم الى ما يكرهون، وأخذهم بكل شدة، وفرض عليهم الامور الغليظة الصعبة على ما تقدم من شرح ذلك، فعلمت وتيقنت/ أنه نور الله ومن قبل الله.
فإن قيل: أو ليس قد اباحهم الغنائم، فما تنكرون ان تكون اجابتهم له لهذه العلة؟ قيل له: هذا لا يسأل عنه من يعقل ولا من يفكر لأن القوم قد اعتقدوا صدقه ونبوته فكانت إجابتهم له لهذا وعلى هذا القربى الى الله عن رضى بذلك، فمن ادعى غير هذا فقد أنكر المعلوم، او يكون لم يسمع الاخبار. فهم إنما أجابوه على ان ينفقوا أموالهم ويسفكوا دماءهم ويقتلوا آباءهم وأبناءهم في طاعته ولأجله، فكيف يسوغ لعاقل فكّر وتدبّر ان يقول إنما اجابوه طلبا للدنيا ورغبة في الراحة والدعة والأمر بالضد من ذلك. وبعد فان لم يكن تبعوه «١» إلا للغارة وللغنائم لكانوا يقولون له: حاجتنا اليك في الغارة والغنائم ونحن أعلم بها منك، وهي صناعتنا نحن وعادتنا، وما الذي يدعونا الى اتباعك وما معك وما تبعك إلا ان تبعثنا على الغارة والغنائم؟ أمن أجل سعة أموالك وكثرة كنوزك ومروج خيولك واصطبلات دولك؟ أم لخزائن سلاحك. ومن أخذنا بأن نكفر آباءنا ونشهد بضلالهم ونسخف أجلاءهم، ونسوء اختيارهم، ونعادي الأمم وجبابرة الملوك، ونسفك دماءنا في طاعتك، ونقتل كل من عاداك وخالفك وإن كانوا آباءنا وأبناءنا أو إخواننا، ونفارق اوطاننا وأزواجنا، ونهجر اللذات من شرب الخمور ولبس الحرير وشفاء الغيظ بقتل/ من سبّنا أو عاب آباءنا كعاداتنا في ذلك، ثم لا نحصل إلا على شيء اذا غنمناه بقوتنا وغلبنا عليه بأسيافنا بعد المخاطرة بدمائنا
_________________
(١) في الأصل، تبعه
[ ١ / ١١ ]
أن نسلمه إليك فتعطينا بعضه، هذا لا يختاره بله النساء فكيف بالمهاجرين والانصار الذين أجابوه فصار بهم في عز ومنعة، وصبروا على تلك الشرائط التي شرطها.
وبعد فإن لم يكن نبيّا فهم لا يدرون هل يصل الى غنيمة؟ ولعله لا يتم له شيء مما يعدّ، فما كانوا ليتبعوه لما يظنه الخصم، ولولا أن هذا قد كان في أهل الذمة وطبقات الزنادقة، وتعدوا الى قوم زعموا أنهم من المسلمين لما ذكرناه، ولكنه شيء يستزلون به المسلمين الذين لا ينظرون فيما هذا سبيله، ويغترون بالظاهر.
هؤلاء الذين ادعوا أنهم من المسلمين، وأنهم من خاصة الخاصة «١»، وممن قد عرف ما لا يعرفه غيره، وأن للأمور غوامض وبواطن قد عرفها، فيعتقد من يسمعه في المهاجرين والأنصار الغافلة والبله وقلة العقل، ومن تدبّر، يعلم أنهم أوفر عالم الله عقولا، وأحسنهم تحصيلا، وأسرعهم استدراكا لخفيات الامور وغوامضها، لا فرق بين من رمى المهاجرين والأنصار بذلك، وبين من رمى رسول الله ﷺ بذلك. فإن آثار عقول المهاجرين والانصار معروفة في أفعالهم، وتدبيرهم الدنيا، وسياسة أهلها، وترتيب خواصهم وعوامهم، وأخذها من أيدي دهاة الملوك وعقلاء الناس، وتفصيل ذلك يطول.
فإن قيل: ومن سلم لكم عقل صاحبكم حتى تقولوا إن من دفعنا عن عقول المهاجرين والانصار كمن دفعنا عن عقل رسول الله ﷺ؟
_________________
(١) يقصد بهؤلاء الباطنية، فقد وقعوا بأكثر الصحابة وهاجموهم، فادعوا أن اسلامهم انما كان لمال او جاه، ولم يستخلصوا من الصحابة الا عددا محدودا.
[ ١ / ١٢ ]
قيل له: إن أعداءه لا يدفعونه عن ذلك، فإنهم قالوا: ما جمع المهاجرين والانصار وهو فقير وحيد أجير معيل وقد دعاهم الى ما قدمنا وعلى الشرائط التي ذكرنا إلا بعقل وافر، وحلم واسع، وبلطف في التدبير، وحسن تأتّ وعلم بالعواقب، وسعة في الفطن، وهذا قول عدوّه فيه.
فأما وليّه فيقول: هذا لا يبلغه عاقل بعقله، ولو كان أتم الناس عقلا، وأوسعهم علما وحلما، وأكثرهم مالا، ولا يكون هذا على تلك الشرائط إلا بتدبير الله ﷿، الذي يملك العقول، ويقلّب القلوب، وبوحي منه ﷿.
فإن زعم الأعداء أن الذي تم له كان مع قلة العقل وبالعجز فيه والخبط فقد خرجوا من كل معقول، وتبرؤوا من كل تمييز ومحصول، وجعلوا أنفسهم ضحكة وأحلوا بها المكاره، وأعطوا خصمهم اكثر مما طلب، وشهدوا بأن الله قد نقض له العادات اكثر مما نقضها لأحد من الناس كلهم ممن ادعى النبوة والحكمة وغيرهم لأنهم زعموا أنه تم له ما تم بتلك الشرائط وعلى تلك بعقل ضعيف وخلق سخيف وبالذهاب عن الحزم والحلم ومع طول الغافلة، فاذا تبيّن عقله لمن تفكر من/ عدوّه، علم أن عقول المهاجرين والانصار مثل عقله أو قريب منه، وكذا عقول قريش ثم العرب؛ فإن العقلاء والحكماء يقولون: الأمم العاقلة هم:
العرب والفرس والهند والروم، ثم قالوا: أعقل الاربع العرب والفرس، ثم اختلفوا أيهما أعقل وأحكم وأفطن، الفرس أم العرب؟ وخاضوا في ذلك، وذكروا ما لكل أمة من وصية وحكمة، وتدبير وسياسة، وهذا ما لا يدفعه العاقل المتفكر المتدبر.
فإذا كان عقل رسول الله ﷺ قد عرفه عدوه ووليّه، فمن هذا عقله
[ ١ / ١٣ ]
لا يأتي تلك الامم ويستقبلها بتلك المكاره التي فصلنا وحاله في الوحدة ما ذكرنا ثم يقول: لا تقتلونني مع حرصهم على قتله، ويقول:
ستصيرون أنصاري مع شدة ما دعوتكم إليه وهو غير واثق بما قال، ولا ساكن الى ما أخبر، ثم لا يرضى او يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، ويجعله في يد عدوه فيقول: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» «١» .
يريد بالآفاق: ظهور الاسلام عليها، وبلوغ دعوته إليها، لأنه قد كان وعد بذلك وهو بمكة، وحين ادّعى النبوة، فكانوا يقولون: أيطمع محمد أن يظهر على الآفاق؟ لا، ولا على مكة، ولا على دار من دور مكة؛ «وفي أنفسهم» يريد: في اسلام من يسلم منهم بعد الردّ والتكذيب/ ومن يقيم على تكذيبه ويموت على شركه على ما لعلّه ان يرد تفصيله عليك.
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ» «٢» لأنه ﷺ كان اذا ذكر ظهور دينه، وغلبة اصحابه، وقتلهم لأعدائه، استبعدوا هذا بل أحالوه، وقطعوا الشهادة بأن هذا لا يكون أبدا، فيقول في جواب ذلك: «خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون» .
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» «٣» يعني هؤلاء: مثل أبي جهل، وأبي لهب،
_________________
(١) فصلت ٥٣
(٢) الأنبياء ٣٧
(٣) الانعام ٨٩
[ ١ / ١٤ ]
وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وأشباههم وأمثالهم من اعداء رسول الله ﷺ. فعزّى الله نبيه، وبشّره بقوم يطيعونه ويتبعونه، فيسّر له المهاجرين والأنصار كما وعده.
وقد أذكره بإنجاز هذا الوعد ووقوع الوفاء به، فقال ﷿:
«وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «١» لأن اجتماع المهاجرين والأنصار له، واعتقادهم نبوته، وإخلاصهم في طاعته على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، وعلى الوجوه التي/ قرر دعوته عليها لا يكون ولا يتم باتفاق جميع ما في الارض، ولا يكون ذلك إلا بتدبير الله وصنعه، وهو من آياته التي نقض العادات بها.
ومثله قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «٢»» وهم قد كانوا عقلاء قد عرفوا هذا «٣»، ولا يجوز في العقل ان يقول رئيس قوم لأتباعه: قد كنتم اعداء يعادي بعضكم بعضا ثم صرتم اخوانا يخلص بعضكم لبعض المودة وبي هداكم الله وجمعكم
_________________
(١) الانفال ٦٢ و٦٣.
(٢) آل عمران ١٠٣ و١٠٤.
(٣) يشير القاضي الى الدعوة العباسية التي حمل العبء الأكبر في تأسيسها ابراهيم بن محمد ابن علي بن عبيد الله بن العباس، وقد بويع بعده لأخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وذلك في سنة ١٣٢ هـ.
[ ١ / ١٥ ]
وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذبهم؛ هذا في رئيس لا يدعي النبوة فكيف بمن يدعي الصدق والنبوة؟ وهذا قول قد سمعه عدو النبي ﷺ من اليهود والنصارى وقريش والعرب، وأخرسهم صدقه، وبهر عقولهم تمامه والوفاء به، لأنهم اجتمعوا له بتلك الشرائط التي قد تقدمت، وهو بخلاف اجتماع الاتباع لخطّاب الملك وطلاب الدنيا.
فان قيل: أفليس عليّ بن عبد الله ابن العباس ابن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، وابنه محمد وبنو محمد، كإبراهيم الامام وإخوته، كأبي العباس، وأبي جعفر، وغيرهما، قد كانوا مقهورين ومغلوبين ببني امية، فدعوا الى انفسهم بخراسان فأجيبوا، وصاروا في عساكر وجماعات، فغلبوا بني امية على الملك، وقتلوهم وأخذوا كل ما في ايديهم الا بلاد الاندلس من ارض المغرب، فلم لا يكون سبيل نبيكم وغلبته هذه السبيل؟ وإلا فقد لزمكم ان تقولوا بنبوة بني العباس كما قلتم بنبوة صاحبكم.
قيل له: قد فرغنا من هذا مرة وتبيّنا الجواب فيه، وهو أنا لم نقل بنبوة محمد ﷺ لأنه صارت له رئاسة وصار متبوعا وصارت له عساكر، ولكن لأنه أخبر بالأمور قبل كونها على غير مجرى العادة، بل على ما هو نقض للعادات، لأنه أتى الناس وهو وحيد فقير أجير، فأغضبهم وغاظهم وجادلهم وعادوه، وأخبر أنهم سيغلبون، وأنه يغلبهم ويقهرهم، وقالوا: بل نحن نغلبك وندبرك، وكان موجب التدبير ومقتضى الحزم أن تكون الغلبة لهم لا له، إلا أن يكون من قبل الله ورسولا لله، لأنهم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يد واحدة في عداوته والقصد
[ ١ / ١٦ ]
لقتله وإطفاء نوره ولمنع اتباعه، والرجال والكراع «١» والسلاح مع عدوه لا معه، فالت الأمور الى ما قاله، وكما أخبر، وعلى ما فسر.
ولم تكن هذه سبيل بني العباس؛ فإنهم ما ادعوا نبوة ولا رسالة، ولا أتوا مثل ما أتى من الإخبار بالغيوب.
وأخرى ان بني العباس قصدوا، المسلمين من اهل خراسان، الذين قد اعتقدوا نبوة محمد ﷺ، فتدينوا باقامة شريعته وحد حدوده، بانكار ما أنكره وباكرام من اكرمه، وإجلال من اجله، وباهانة من ارتكب الكبائر فشكوا اليهم ما نزل ببني هاشم خاصة ثم بالمسلمين عامة من بني أمية. وبنو هاشم اذ ذاك كلمة واحدة، ما اختلفوا ولا تباينوا. فكان ولد العباس وولد علي وولد جعفر وولد عقيل «٢» وسائر بني هاشم متفقين، وانما اختلفوا بعد مصير الدولة والملك الى بني العباس أيام أبي جعفر المنصور، فجرى بينه وبين بني عمه من ولد الحسن ما هو معروف، فحينئذ اختلفوا، فذكر بنو هاشم لأهل خراسان ما صنعه بسر بن أرطاة بعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وانه قصده وهو عامل امير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁، فهرب من يده، ووجد له ابنين طفلين فقتلهما وقتل جماعة من اصحابه «٣» . وأذكروهم بقتل حجر بن عدي
_________________
(١) الكراع من الدابة: ما دون الساق، يريد القاضي ان يشير الى الخيل وغير ذلك من الحيوانات التي يتقوى بها على القتال. انظر لسان العرب، مارد كرع
(٢) يقصد: العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وعلي بن ابي طالب، وجعفر بن ابي طالب، وعقيل بن أبي طالب ﵃ جميعا.
(٣) انظر لتفصيل هذه الحادثة الطبري ١: ٣٤٥١ و٣٤٥٢
[ ١ / ١٧ ]
وأصحابه «١»، وبكربلاء ومن قتل من بني هاشم بها، وبقتل مسلم بن عقيل «٢»، وبالحرة «٣»، وبعسكر التوابين «٤» من اهل عين الوردة، وبما أنزلوه بالكعبة في قتال آل الزبير «٥»، ثم بمن قتلوه من القراء او الفقهاء الذين ثاروا مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث «٦» في الانكار على الحجاج وعبد الملك بن مروان، وبقتل زيد بن علي ويحيى بن زيد «٧»، وبصنيع
_________________
(١) لتفصيل حادثة مقتل حجر بن عدي من قبل بسر بن أبي أرطأة عامل معاوية انظر الطبري ٢: ١١١.
(٢) قتل مع الحسين ﵁ سنة ٦١ هـ هو واخوه وابنه الطبري ٢: ٣٨٨
(٣) الحرة في الأصل هي الارض ذات الحجارة السوداء النخرة كأنها أحرقت بالنار، وهناك أماكن كثيرة أطلق عليها هذا الاسم. والمقصود هنا حرة المدينة حين وردها مسلم بن عقبة من قبل يزيد بن معاوية وكانت فيها وقعة الحرة سنة ٦٣ هـ حيث استبيحت المدينة بعدها ثلاثة ايام. انظر معجم البلدان ٢: ٢٤٧ والطبري ٢: ٤١٢ وما بعدها.
(٤) المقصود بهم من خرج من اهل العراق يطلبون دم الحسين ﵁ سنة ٦٥ هـ وقالوا: أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابنة نبينا ﷺ. انظر تفصيل ذلك في الطبري ٢: ٥٣٨- ٥٧٦.
(٥) كان رمي الكعبة بالمنجنيق بأمر من الحجاج سنة ٧٣ هـ وقيل ٧٤، وكان اميرا لجيوش بني امية المحاصرة لعبد الله بن الزبير في مكة، وقد قتل عبد الله بن الزبير في تلك السنة. ابو الفداء ١: ١٩٧.
(٦) خرج عبد الرحمن بن الاشعث على الحجاج سنة ٧٥ واستولى على خراسان وغلب على الكوفة، لكن الحجاج قضى على حركته في نفس السنة، وكان قد خرج مع الأشعث مجموعة من القراء والفقهاء. ابو الفداء ١: ١٩٧.
(٧) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ٧٩- ١٢٢ هـ كان فقيها، وقرأ على واصل بن عطاء واقتبس منه بعض آراء المعتزلة. خرج على الامويين سنة ١٢٠ في العراق وكان عامل الامويين فيه يوسف بن عمر الثقفي، وقد قاتله والي الكوفة الحكم بن الصلت، واستشهد سنة ١٢٢ هـ. الطبري ٨: ٢٦٠، ٢٧١، فوات الوفيات ١: ١٦٤.
[ ١ / ١٨ ]
الوليد بن يزيد/ بن عبد الملك «١» وما اتى من شرب الخمور والمجاهرة بذلك.
فأثار بنو العباس ودعاتهم اهل خراسان بذلك، فقدم بنو العباس على امر ممهد وجند مجند، وعلى قوم مسلمين قد صدّقوا رسول الله ﷺ، ورضوا بما رضي رسول الله، وغضبوا مما يغضب منه رسول الله ﷺ. فبنو العباس الى رسول الله نحوا، وبأمته والمصدقين به استجاروا، فالذي تم لهم فبرسول الله ﷺ تم، وبظله تفيئوا، وبه تستروا، وهذه سبيل كل من ادعى بعده ﷺ الامامة من بني هاشم ومن جميع قريش او ادعى انه من قريش.
وكلهم برسول الله ﷺ تشبثوا، وبه تستروا واستعاذوا ولاذوا، ولأجله تم لهم ما تم. وأنت تجد ذلك في واحد واحد منهم في مشارق الارض ومغاربها، وتعرف الحق منهم من المبطل، والدّعيّ من الصريح، فأين هذا من دعوة رسول الله ﷺ وسبيلها ما قدمنا وشرحنا.
فإن قيل: أو ليس مع ادعائه النبوة قد حمل السيف على من خالفه، وحارب بمن أطاعه من عصاه، فما تنكرون ان يكون الذي تم له من اوله الى آخره انما تم بالسيف وبالمكابرة، لا بالآيات والمعجزات؟
قيل له: ما انكرنا انه حمل السيف، وانما كلامنا في الذين صاروا سيوفا له وعساكر/ وبهم استطال على عدوه، فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف كما قد قدّمنا وبينا، وبمصيرهم الى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته، لأنه ما خلق قوما حملوا السلاح معه، وانما أجابه المهاجرون
_________________
(١) الوليد بن يزيد هو الخليفة الحادي عشر من خلفاء بني امية، تولى امرة المسلمين سنة ١٢٥ هـ وعكف على شرب الخمر وسماع الغناء ومعاشرة النساء، وقد ثقل امره على الرعية والجند فثاروا عليه سنة ١٢٦ هـ بعد ان دعا يزيد بن الوليد بن عبد الملك الى نفسه، وقد قتل الوليد في نفس السنة. تاريخ ابي الفداء ٢٠٥- ٢٠٦.
[ ١ / ١٩ ]
والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب وقد أتاهم بإكفارهم وإكفار آبائهم على ما شرحنا وبينا، وهو من الوحدة والفقر على ما ذكرنا، فمكث بمكة بعد ادعائه النبوة خمسة عشر سنة يدعو الى دينه، فيجيبه النفر بعد النفر على خوف شديد، وقد تجردت قريش وغيرهم من اعدائه له ﷺ ولمن اتبعه وأطاعه، فيقصدونهم بالضرب والتعذيب الشديد، ويمنعونهم الأقوات، ويتعاهدون على ان لا يبايعوهم ولا يشاروهم ولا يناكحوهم، وقد كتبوا في ذلك الصحف «١»، وقد قتلوا منهم قبل الهجرة رجالا ونساء وكانوا يرصدون لرسول الله ﷺ ولدعاته إذا خرج الى الموسم لدعاء الناس وإظهار ما معه وتلاوة القرآن، فيقولون للعرب: هذا منا وقد صبأ وهو ساحر كذاب، فلا تطيعوه ولا تسمعوا لما معه، فنحن اعلم به، وقد سفه احلامنا، وضلل ادياننا، واكفر آباءنا، وفرق آلافنا، وأفسد أحداثنا وعبيدنا ونساءنا.
ثم كان هو ﷺ يرجم ويضرب الضرب المبرح، ويداس ويطرح على رأسه الفرث والتراب/ ويلقى من المكاره هو ومن اتبعه ما يطول شرحه «٢» . فلم يكن لأصحابه مع شرفهم وشرف أهلهم قرار، ولا أمكنهم المقام للشدائد التي تنالهم، حتى فروا بأديانهم في الأمصار والبلدان حتى عبروا البحار وصاروا الى ارض الحبشة «٣»، فتعرف قريش أخبارهم
_________________
(١) لما رأت قريش ان امر النبي ﷺ في ازدياد وان عمه ابا طالب يحميه منهم ائتمرت بينها ان يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ان لا ينكحوا الى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، وقد انحازت بنو هاشم وبنو المطلب الى ابي طالب فدخلوا معه في شعبه إلا عمه ابو لهب فانه ظاهر قريشا. وقد اقام المسلمون على ذلك سنتين او ثلاثا حتى جهدوا. الطبري ١: ١١٩٠
(٢) انظر الطبري ١: ١١٩٨- ١١٩٩
(٣) كانت الهجرة الاولى الى الحبشة في السنة الخامسة من بعثة النبي ﷺ، وقال بعض المؤرخين ان عدد المسلمين المهاجرون منها كانوا احد عشر رجلا وأربع نسوة. الطبري ١: ١١٨١، وقال بعضهم بل كانوا اثنين وثمانين رجلا. الطبري ١١٨٣.
[ ١ / ٢٠ ]
والى أين توجهوا، فترسل في طلبهم وتغري بهم وتنفر عنهم وتنفق في ذلك الاموال. فأرسلوا الى النجاشي ملك الحبشة وهو اذ ذاك نصرانيّ بمن ينفّره عن المسلمين الذين فرّوا بأديانهم الى ارض الحبشة، وحملت اليه قريش هدايا ولاطفوه، وقالوا له: إن هؤلاء قوم منا، وقد اتبعوا رجلا منا فأفسدهم، وهو عدونا وعدو النصارى، وهو يقول في المسيح: أنه عبد مخلوق، فسلموهم الينا.
وكان هناك عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب ومعه أسماء ابنة عميس، وخالد بن سعيد بن أبي أحيمة، والزبير بن العوام «١»، وعمار بن ياسر «٢»، وأبو حذيفة بن عتبة «٣»، ونحو مائة من وجوه المهاجرين، وكانت لهم مع رسول قريش الى النجاشي مجالس وخصومات طويلة، فصارت العقبى للمسلمين، وقامت حجتهم، وعرفها النجاشي ملك الحبشة فأسلم واستبصر «٤» .
وما زال رسول الله ﷺ يعرض نفسه على اهل المواسم اذا اجتمعت/ قبائل العرب، وخرج الى الطائف «٥» يدعو الى الله ويقول: أنا رسول الله
_________________
(١) الزبير بن العوام الصحابي المشهور المتوفي سنة ٣٦ هـ، ولمعرفة خالد بن سعيد بن ابي أحيمة (العاص) انظر الاصابة ١: ٩١، ولبنت عميس وجعفر الاصابة ١: ١١، وأسماء هي زوجة خالد بن سعيد.
(٢) عمار بن ياسر الصحابي الجليل المتوفي سنة ٣٧ هـ، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق وليلة الرضوان، انظر الاستيعاب بهامش الاصابة ٢: ٤٦٩.
(٣) هو ابو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، هاجر الى الحبشة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو.
(٤) كان النبي ﷺ يذكر النجاشي بالخير دائما، وقد نعاه بنفسه للمسلمين سنة تسع من الهجرة.
(٥) كان ذلك بعد وفاة ابي طالب عم الرسول ﷺ، فقد خرج الى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف فرده سادتها: عبد يا ليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو ردا قبيحا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى التجأ الى حائط لعتبة ابن ربيعة وشبيبة بن ربيعة. الطبري ١: ١٢٠٠.
[ ١ / ٢١ ]
فمن يجيرني حتى أبلغ رسالة ربي؟ وقريش تتبعه وتمنع من اتباعه. وقد عرض نفسه على القبائل «١»، ومعه ابو بكر الصديق وعليّ بن ابي طالب، وعمه ابو لهب يقول لتلك القبائل: نحن أهله وأعلم به فلا تسمعوا منه ولا تقبلوا قوله، فتلقى تلك القبائل رسول الله بالجفاء، ويقولون له: قومك أعلم بك، ولو كان عندك خير لا تبعوك، فأمسك عنا، الى ان انتهى الى ربيعة والى ذهل بن شيبان، فكلمهم وتلا عليهم القرآن، فقالوا: إنا على هذا الماء من ذي قار، وقد اخذ علينا كسرى ألا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وهذا الذي أتيت به ودعوت اليه تكرهه الملوك، فإن شئت ان نجيرك إلا من الملوك فعلنا، فقال ﷺ: ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، إن هذا الدين لا يكون من اهله إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن أظهركم الله عليهم، وأورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وأفرشكم نساءهم أتطيعونه وتعبدونه حق عبادته؟ فتعجبوا من قوله ومن إقدامه على ان ملك كسرى يزول بدعوته ويصير ملكه لأصحابه، استبعادا لذلك، واستعظاما لملك كسرى ان يزول بجبابرة الملوك الأقوياء الاغنياء، فكيف يزول بهذا الوحيد الفقير؟ ثم/ يقولون هذا عاقل، ولم يكن ليقول هذا ويعرّض نفسه للملوك إلا وهو على ثقة، ثم انصرف عنهم وما اجابوه.
وما زال يدعو ويعرض نفسه في المواسم اذا اجتمعت العرب، الى ان لقيته الانصار «٢»، فسمعت منه وأجابوه واسلموا، وخرجوا الى المدينة
_________________
(١) انظر تفاصيل عرض النبي نفسه على القبائل في الطبري ١: ١٢٠٠- ١٢٠٩.
(٢) كان اول من تلقى الرسول من اهل المدينة ستة نفر من الخزرج قدموا مكة في موسم الحج، وعادوا الى المدينة بعد ان أسلموا، فدعوا قومهم الى الاسلام، وتوالت الوفود من المدينة الى مكة في مواسم الحج اللاحقة، وكانت بيعة العقبة الاولى التي حضرها اثنا عشر رجلا من الانصار، ثم كانت العقبة الثانية التي شهدها سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم. انظر تفاصيل ذلك في الطبري ١: ١٢٠٨- ١٢٢٢.
[ ١ / ٢٢ ]
ودعوا الى الاسلام، ثم عاد قوم آخرون في سنة اخرى وبايعوه وهو مقيم بمكة، ثم عادوا في سنة ثالثة مع آخرين فبايعوه ورجعوا الى المدينة، وظهر الاسلام بها.
والانصار ﵃ انما هم قبيلتان عظيمتان من قبائل اليمن، ذو بأس وشدة وأموال، وذو شوكة «١» شديدة وعدد وعدة، قد ترددوا اليه، وسمعوا دعوته واحتجاجه، فأجابوه على البراءة من اديانهم التي كانوا عليها، ومن آبائهم، وعلى ان يبذلوا اموالهم ودماءهم، وعلى معاداة ملوك العرب والعجم في طاعته وله ولأجله.
وكم قد اسلم وأجاب على هذه السبيل من قبائل العرب، كقبيلة اسلم، وكقبيلة غفار، وهما من قبائل خزاعة وكنانة «٢»، وكالذين اسلموا من عبد القيس «٣» وهم من فرسان ربيعة ورجالهم، ومن قبائل فزارة «٤»، ومن قبائل جهينة، على هذه السبيل. وكم اسلم من اهل اليمن من ملوكها من حمير وغيرهم، الى من اسلم من ملوك عمان من ولد الجلندي بن كركر «٥»
_________________
(١) كذا في الاصل
(٢) انظر اسلام قبيلة أسلم وقبيلة غفار وفزارة وجهينة وفضائل هذه القبائل في البخاري ومسلم باب المناقب.
(٣) وكان قدوم وفد عبد القيس في السنة العاشرة للهجرة.
(٤) كان اسلام فزارة وكثير من قبائل العرب في العام التاسع للهجرة، وكان على رأس وفدهم الى النبي خارجة بن حصن، الطبري ١: ١٧٢٠. وقد سمي العام التاسع بعام الوفود لكثرة ما ورد المدينة من قبائل العرب معلنة اسلامها.
(٥) انظر لفضل عمان والجلندي صحيح مسلم في المناقب. وكان عمرو بن العاص رسولا من الرسول ﷺ الى ملكي عمان جيفر وعبد بن الجلندي. السيرة الحلبية ٣: ٢٥٢.
[ ١ / ٢٣ ]
وكم قد اسلم من العجم والانباط بصنعاء الذين كانوا جنود كسرى، واخرجهم مع سيف بن ذي يزن لينتصروا له من ملوك الحبشة الذين قتلوا اباه. ولعل قصتهم ان ترد عليك بأكثر من هذا الشرح.
فالذين اجابوه ﷺ وبهذه الشرائط وبلا حرب خلق كثير، وامم عظيمة هي مذكورة، يعرفها اهل العلم، ومن اراد ان يعرف/ ذلك حتى يصير في مثل حالهم قدر على ذلك ووجد السبيل اليه. فهؤلاء الذين اسلموا لله ومن خوف وتقربا الى الله، وهم عساكره.
ولما نشأت بدعة الخارجية «١» وهي اول بدعة نشأت في الاسلام، ثم بعدها وبعد دهر طويل نشأت بدعة الارجاء «٢»، ثم بعدها بدهر طويل نشأت بدعة القدر «٣»، وبعد بدعة القدر بدهر طويل نشأت بدعة الرفض «٤» . فكان العلماء يقولون: لا تسبّوا اصحاب محمد ﷺ فانهم اسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف اسيافهم.
_________________
(١) طائفة من المسلمين كانوا من اصحاب علي بن ابي طالب ﵁ ثم خرجوا عليه بعد قبوله للتحكيم واتهموه بالكفر لذلك وطلبوا منه ان يتوب ويجدد اسلامه، وقالوا ان مرتكب الكبيرة كافر. وقد حاول علي ان يقنعهم فلم يستطع فحاربهم، ثم حاربهم خلفاء بني امية. لم يبق منهم الآن إلا عدد قليل في عمان وليبيا والجزائر.
(٢) المرجئة على النقيض من الخوارج، فقد قالوا ان مرتكب الكبيرة مؤمن وانه لا يضر مع الايمان كفر، وهم على درجات في عقيدتهم هذه.
(٣) يقصد من يقول ان العبد لا يقدر على فعله وان افعال العباد مخلوقة من الله فيهم.
(٤) الرافضة طائفة من الشيعة، ويسميهم القاضي احيانا بالباطنية، واصح الاقوال في سبب تلقيبهم بذلك انهم طلبوا من زيد بن علي بن الحسين (وتنسب اليه الزيدية) ان يسب ابا بكر وعمر فرفض ذلك فرفضوه، ولم نجد ضرورة لتفصيل القول في هذه الطوائف لأنه ليس من مجال حديثنا.
[ ١ / ٢٤ ]
وفاض الاسلام بالمدينة وفي هذه القبائل، وأقيمت فيها الصلاة، وأديت الزكاة، وأقيمت الجماعات والجمعة، وأقرىء القرآن، وصارت المدينة دار الهجرة؛ ورسول الله ﷺ مقيم بمكة محصور في الشعب يؤذى ويقصد بأنواع المكاره هو ومن اتبعه، الى ان هاجر الى المدينة ومعه ابو بكر الصديق الهجرة المعروفة.
فهؤلاء الذين اجابوا بلا حرب، وقبل الحرب احتججنا، وهو موضع دلالتنا في هذه الآية التي اخبر وهو في تلك الحال انكم ستجيبونني، وإن كانت لنا في الحروب والمحاربين دلائل اخرى لعلنا نذكرها لك في كتابك هذا ان شاء الله.
فإن قيل: أو ليس قد كان يدافع عنه عمه ابو طالب وإن كان على غير دينه، ويشفع الى قريش فيه، ويعاتبهم في بابه، ويذكرهم بصدقه وأمانته وقد كان ﷺ معروفا فيهم قبل الرسالة بمحمد الامين، ويسألهم الكف عنه وعن اذيته. وقد نصره ابو بكر الصديق وصدّقه وكاشف «١» في بابه، وأنفق ماله في/ نوائب الاسلام وفي عتق المعذبين في الله واتبعه من اهل مكة جماعة. وأسلم عمر قبل الهجرة وكاشف، وقال: لا نعبد الله سرا، فكيف ادعيتم له الوحدة وعليه الغلبة وهو بمكة؟
قيل له: قد علمنا انه حين دعا كان وحده والناس كلهم على خلافه، وليس في اجابة هؤلاء ومدافعة ابي طالب طعن «٢» فيما استدللنا، بل هو من الدلائل على ما قال صلى الله عليه قبل ان يجاب انه يستجاب وينصر، ثم مع
_________________
(١) كاشفه بالعداوة: بادأه بها. انظر القاموس: مادة كشف
(٢) وقد كتب فوقها في الاصل: به، وهي زائدة من الناسخ او المعلق.
[ ١ / ٢٥ ]
نصرة هؤلاء وإجابتهم له ﷺ ومدافعة ابي طالب، ما خرجوا ولا هو خرج من ان يكون ويكونوا بمكة مقهورين مغلوبين، حتى فروا من عدوهم بأديانهم.
فإن قيل: فاذا كان الله قد وعد هؤلاء الانبياء بزعمك بالنصر والظهور فلم يفرّون من اعدائهم؟ فقد فرّ موسى من فرعون ببني اسرائيل ليلا وخفية ومنع من إبقاد النيران لئلا يراها فرعون وجنوده فيستدلوا بها عليهم ومعه الآيات والمعجزات، وفرّ عيسى من مكان الى مكان بزعمكم وزعم النصارى، فانها تقول في اخبارها وأناجيلها ان يوسف النجار فرّ بعيسى وأمه الى مصر من بيت المقدس خوفا من هيريدس «١» ملك بني اسرائيل، فأقاموا بها اثني عشر سنة ومعه بزعمكم وزعم النصارى الآيات والمعجزات، وفرّ صاحبكم من قريش وأقام بالغار ومعه ابو بكر ثلاثة ايام ومعه كما زعمتم الآيات والمعجزات.
قلنا: ليس في فرارهم طعن في اعلامهم، وما قالوا لا يفرّ ولا يتوقى فيكون في فرارهم تكذيب، فإن كل شيء وعدوا به وقالوه قبل ان يكون قد كان وتم على ما قالوه وشرطوه/ قبل ان يكون، وليس في فرارهم ايضا مقاربة لعدوهم ولا مداهنة، بل انما احتاجوا الى الفرار لترك المداهنة والمقاربة، ولشدة المكاشفة لعدوهم، والمبالغة في اسخاطه وإرغامه، ولو قاربوا العدوّ واتقوه لما احتاجوا الى الفرار.
فاحفظ هذا فانك محتاج اليه، فإن قوما زعموا انهم اتباع الانبياء من المسلمين، اجازوا على انبياء الله وعلى من هو حجة الله على خلقه المداهنة
_________________
(١) هيرودس او هيرودوس هو حاكم فلسطين الروماني آنذاك. وانظر لقصة هرب يوسف النجار وعيسى ﵇ وامه مريم: الاصحاح الثاني ١٣ متى
[ ١ / ٢٦ ]
والمقاربة للمشركين ولأعداء الدين، وأن الانبياء يمدحون المشركين ويزكون اعداء الدين ويظهرون ذلك، ويذمون المؤمنين ويتبرؤون من الأنبياء والمرسلين خوفا من المشركين، ويزعمون ان حجتهم في ذلك فرار رسول الله ﷺ واستتاره في الغار ثلاثة ايام «١» . وقد بيّنا انه لا حجة لهم في ذلك، بل هو الحجة عليهم، وأن الذي اخرج الانبياء الى الفرار شدة المكاشفة، وترك المقاربة، وقائل هذا لا يثق بأفعال الأنبياء وأقوالهم، ولا بتزكية من زكوه، ولا بلعن من لعنوه، لأنهم قد قالوا انه قد يجوز ان يكون ظاهر الانبياء بخلاف اسرارهم وضمائرهم، وأيضا فان الأنبياء لا يجوز ان يكون ظاهرهم بخلاف باطنهم وإن خافوا وإن قتلوا، وهذا اصل كبير فاعرفه.
فإن قيل: ادعيتم ان اعداء نبيكم من قريش والعرب واليهود والنصارى حرضوا على قتله وهو بمكة، وهو في تلك الحال من الوحدة والذلة وضعف الاتباع، فمن اعطاكم هذا، ومن سلمه لكم؟
قيل له: ان من سمع اخباره واخبار القوم معه يعلم ذلك، علما لا يرتاب به، كما يعلم انهم قد كذبوه وعادوه واغضبهم ما اتاه وشرعه ودعا اليه، ولا فرق/ بين من قال: انهم ما حرضوا على قتله، وبين من قال: ولا كذبوه ولا عابوه ولا برئوا منه، ولا انكروا شيئا اتى، ولا خالفوه، وادعى انه هو ايضا ما خالفهم، ولا عاب اديانهم وآلهتهم، ولا ادعى النبوة، ولا خالفهم في البعث والنشر.
وقد حرضوا ايضا على ذلك وهو بالمدينة، واعداؤه فيها معه من العرب
_________________
(١) يقصد بهؤلاء الباطنية.
[ ١ / ٢٧ ]
واليهود والنصارى وهم كثير ونزول بالمدينة وحولها في آطامهم وحصونهم محدقون بها كالإكليل، وقد غدروا به، وارسلت قريش اليهم في ذلك، ودست غير واحد، وكان من عامر بن الطفيل وأزيد في الاحوال التي كان يكون فيها وحده فيصرفهم الله عنه بألوان الصرف، كما صرف ابا جهل وعقبة بن ابي معيط والذين كانوا بمكة، كما هو مذكور. وكم دسوا له السم في الطعام فصرفه الله عنه، وقد راموه منه في طول حياته، وقد كان معهم وهو بالمدينة في التبذل والتفرد والتطرح اكثر زمانه، على مثل حاله وهو بمكة. وانما كان يكون في جماعة في اسفاره وفي حروبه، فأما بيوته وحجرات نسائه فمن جريد النخل، وقد علم اهل العقل والتحصيل الفتك بجبابرة الملوك في حصونهم وقصورهم وهم وراء الابواب الحديد، وقد تحرزوا بصنائعهم المشاركين لهم في نعمهم بعبيدهم، كصنيع شيرويه بكسرى ابرويز «١»، وقبله من ملوك فارس من كانت هذه سبيله. وكما جرى على المتوكل من المنتصر، ثم على ولده، الى ما جرى من الفتك بمحمد بن المعتضد/ المسمى بالقاهر بالله، الى المتقي، والى المستكفي، والى ما جرى بالإحساء على ذكيره الاصفهاني من جنوده واعوانه سنيّ نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في جوف داره واحصن قصوره، وحوله وفي حجرته ومعه ممن له نوبة في حراسته وحفظه من الرجال المتسلحين اكثر من الفين، فقتل وحده من بينهم، ورفع رأسه.
_________________
(١) يقصد الاشارة الى ما صنعه شيرويه في سبيل الحصول على الملك، اذ شارك في قتل ابيه كسرى أبرويز وكان من اعظم ملوك فارس، وقد عاصر الرسول كليهما وكانت هجرته ﵊ ايام كسرى ابرويز. انظر الطبري. ثم ما كان يفعله الخلفاء العباسيون في سبيل الوصول الى الحكم من قتل آبائهم او اخوانهم او اقاربهم. وكذلك ما فعله خادم ذكيره (ذكرويه) الاصفهاني القرمطي من قتله.
[ ١ / ٢٨ ]
وليس في هؤلاء من أغضب الناس إغضاب رسول الله ﷺ، ولا من ادعى دعواه، ولا من أذكر عدوّه بعداوته وأيقظه وبعثه على قتله وخرج إليه بذات نفسه وما يريد ان يعمله، مثل رسول الله ﷺ. فانه أتاهم على الوجه الذي ذكرنا في الوحدة والفقر ورماهم بتلك العداوة، ثم قال:
ولا تقتلوني، بل أنا أقتلكم وأسبيكم وأستبيح حصونكم، فكان كما قال.
فإن قيل: ومن سلم لكم أن المهاجرين والانصار كانوا يعتقدون نبوته وصدقه، سيما وفي اهل ملتكم اليوم من طوائف الشيعة من يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات والمهاجرين والانصار ما آمنوا به قط، ولا اعتقدوا صدقه ولا تعظيمه ولا إجلاله ولا توقيره، وما كانوا إلا زائرين «١» عليه، معتقدين تكذيبه وافتعاله واحتياله، وانما كان اتباعهم له هزآ به، واغتيالا له، وسخرية منه، وإرصادا لزلالنه وإفساد امره، ولإبطال تدبيره، ولمغالبته على الرئاسة، وأنهم ما أقاموا له وزنا قط. وانما كان الذين يعتقدون ما ادعيتم فيه نفرا يسيرا، كانوا مغلوبين مقهورين بهذه الجماعات من المهاجرين والأنصار، وأنهم خرجوا من/ الدنيا على حال القهر والغلبة من هؤلاء المهاجرين والأنصار، ومعهم بذلك روايات وأقوال ونصوص يدعون انها من صاحبكم، وتصنيفات قد ملأت الدنيا.
قيل له: إنا ما قلنا في أبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجلة والوجوه من المهاجرين والانصار انهم قد اعتقدوا تبرئته وصدقه، لمجامعة من ادعيت من الشيعة لنا، وانما قلنا ذلك بالتأمل لأحوالهم وبالاستنباط الذي قد ذكرنا
_________________
(١) هذه الكلمة في الاصل تختلط مع زارين، والزئير صوت الأسد من صدره، والزائر اسم الفاعل. يعني القاضي هنا بيان شدة موقف الصحابة بزعم الباطنية من رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٩ ]
لك، فلن يقدح ذلك في علومنا، ولن يوحشنا خلاف من خالفنا كائنا من كان من خلق الله، وقد شرحنا كيف كانت دعوته وعلى اي شرط كان إجابة القوم له؛ وقد علمنا قبل العلم بنبوته وصدقه انه ﷺ قد كان يحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار يحبونه، ويواليهم ويوالونه، وأنهم كانوا ثقاته وبطانته وأمناءه على نفسه ودينة وأهله، وأنه ﷺ كان أحب اليهم من اهلهم وآبائهم وأنفسهم؛ كما قد علمنا ان أبا جهل وأبا لهب، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل، وابن العيطلة، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأولئك الملأ من قريش، كانوا اعداءه، وكذلك الملأ من اليهود، وكبني قريظة، والنضير، وكبني القعقاع، وكخيبر، وتلك القبائل من ثقيف، وغيرها من العرب، كانوا اعداءه وكان عدوا لهم يبغضهم ويبغضونه، ويعتقدون كذبه، وأنه مبطل، ولا فرق/ بين من ادعى في ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والانصار انهم ما اعتقدوا نبوته، وبين من ادّعى فيمن ذكرنا من قريش والعرب واليهود والنصارى انهم ما اعتقدوا بغضاءه ولا كذبه؛ ومن انتهى الى هذا فقد بلغ الغاية في الجهل، ولا فرق بين ادّعى هذا على هؤلاء من المهاجرين والانصار، ومن ادّعى ان الروم والفرس والهند الذين كانوا في زمانه وزمان نبوته ما اعتقدوا تكذيبه وإن كان قد ظهر منهم ما قد ظهر.
فإن قيل: فكيف صدت طوائف الشيع عن هذا؟
قيل له: هذا إنما يعرف بالتأمل والتدبر وإن كان يسيرا، فمن لم يتأمل ولم يتدبر ولم يستنبط يذهب ذلك عليه؛ ومما يزيدك علما بذلك، وأن باطن هذه الجماعة من المهاجرين والانصار كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم،
[ ١ / ٣٠ ]
وأن رسول الله ﷺ كان أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، أنهم قد بقوا بعده وملكوا الأمر واستولوا عليه، وامتدت أيديهم الى ملوك الدنيا وممالكها، فجازوها وأنفقوها في إعزاز دينه وتأكيد شريعته، وزهد وافي المباح المطلق، وحموا نفوسهم وأبناءهم منه، وأدخلوا الأمم من الفرس والروم والهند وغيرهم في دينه، وفرضوا عليهم تصديقه وإجلاله، ومن أبى القبول جعلوا دمه له، وأوطئوا أعداءه وشانئيه الذلّ والسيف في مشارق الارض ومغاربها.
وقدم رحمك الله زهد رسول الله ﷺ، فقد كان أزهد الناس فيما تناحر الناس عليه وتطاعنوا فيه وتفانوا لأجله. فقد كان ﷺ ملك من أقصى اليمن الى بحر عمان الى أقصى/ الحجاز الى عرار العراق، واستولى على جزيرة العرب وكانت مقسومة بين خمسة ملوك، لكل واحد منهم شأن عظيم.
هاداه غير واحد من الملوك، وجبى ذلك كله فبذله، وحمى نفسه منه وأهله، وخيّر أزواجه على ارادة الله ورسوله والدار الآخرة، وعلى أن من أراد الحياة الدنيا وزينتها متعه وسرحه سراحا جميلا «١» .
وكان ﷺ مع هذا الملك العظيم أيبس الناس عيشا، وأخشنهم لباسا.
واعتبر من ذلك ببرده الذي يلبسه خلفاؤنا من بعده وقيمته مقدار دانقين، وبقدحه وخاتمه، وجميع ما صار عند خاصة أهله وعامة أنصاره. ثم توفى ولم يترك عينا ولا دينارا ولا شيّد قصرا ولا غرس شجرا ولا شقّ لنفسه نهرا ولا استنبط لنفسه عينا ورغب لأهله وأصحابه في مثل ذلك.
_________________
(١) نزلت آيات التخيير في سورة الأحزاب «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا» الأحزاب ٢٨ و٢٩.
[ ١ / ٣١ ]
وملك بعده أبو بكر الصديق ﵁ جميع ذلك، ونفذ فيه أمره، وامتدت يده الى بني حنيفة وقوم مسيلمة، وغزا فارس، وافتتح الحيرة والقادسية وعين التمر «١» وصاروا ذمة له، وجباهم الأموال العظيمة. وافتح الشام وأوائلها ونفذ أمره فيها، فكان حاله في الزهد تلك الحال التي كان عليها رسول الله ﷺ.
وقام بعده عمر ﵁ فحوى ذلك كله، وافتتح الى اقصى الشام وأخرج ملوك الروم منها واعتصموا منه بالخلجان والجبال، وافتتح مصر والصعيد الأعلى، وافتتح الجزيرة والعراق والسّواد وفارس وكرمان وسجستان وكورة الاهواز، وما سقته دجلة، وما سقته الفرات/ وما سقاه النيل، وحملت اليه خزائن الملوك وذخائرهم، ومكث على ذلك عشر سنين ثم قبض وحاله في الزهد تلك الحال.
ثم قام بعده عثمان ﵁، فحوى تلك الممالك كلها، وافتتح خراسان عن اقصاها، وأخذ ملوكها وأصفهان من الجبال، وفي زمانه قتل المسلمون يزدجرد بن شهريار ملك فارس، وافتتح اذربيجان، وافتتح ارمينية، وجرجان وطبرستان وغير ذلك، واستولى على ملوكها وممالكها، وفتح المغرب وهي مسيرة سنين برا وبحرا وطولا وعرضا، وافتتح من جزائر البحر عدة جزائر عظيمة تكون مسيرة شهر طولا وعرضا، وجبى ذلك كله، ومكث على ذلك اثني عشر سنة، وكانت مدته اطول، وامتدت يده،
_________________
(١) بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة سميت كذلك لكترة التمر فيها، افتتحها المسلمون في ايام ابي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة ١٢ للهجرة. معجم البلدان ٣: ٧٥٩، ارسل اليها معاوية النعمان بن بشير فأخذها من عامل علي سنة ٣٩. الطبري ١: ٣٤٤٥
[ ١ / ٣٢ ]
وملك وحوى اكثر مما ملكه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، ثم نفض يده من جميع ذلك وزهد فيه مع قدرته عليه وتمكنه منه ونفوذ أمره فيه، وصار عند قوم عمر أزهد منه، لأنه رحمة الله عليه برّ أقاربه من مال وولّاهم، ولم يفعل ذلك عمر، فكان زهده يصغر في جنب زهد عمر.
ثم قام بعده عليّ ﵁، فحوى جميع ما حواه الخلفاء قبله وجباه ونفذ أمره فيه، إلا الشام، ومكث على ذلك نحو ست سنين، فنفض يده من جميعه وزهد فيه.
ثم اعتبر بزهد عمال ابي بكر وعمر والخاصة من أعوانهما، كعتبة بن غزوان «١» وأبي عبيدة «٢» ومعاذ بن جبل «٣» وشرحبيل بن حسنة «٤» وسعد بن ابي وقاص «٥» وعمار بن ياسر «٦» / وبلال «٧» والنعمان بن
_________________
(١) هو عتبة بن غزوان بن جابر، يكنى أبا عبد الله وأبا غزوان، من حلفاء بني نوفل بن عبد مناف، قديم الاسلام، هاجر الى الحبشة الهجرة الثانية، وهو الذي مصر البصرة واختطها، توفي في خلافة عمر وروى عن الرسول. الاصابة ٤: ٢١٥، الطبري ٣: ٢٣٧٦.
(٢) ابو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، قديم الاسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وبشر بالجنة، مات في طاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ. الاصابة ٤: ١١.
(٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عدي، شهد المشاهد مع النبي وكان احد الذين أرسلهم رسول الله (ص) الى اليمن لدعوة اهلها الى الاسلام، روى عن النبي (ص) ومات بطاعون الشام سنة تسع عشرة او بعدها. الاصابة ٦: ١٠٧.
(٤) هو شرحبيل بن حسنة نسبة الى أمه على الأغلب، كان ممن سيره أبو بكر في فتوح الشام، توفي بطاعون عمواس في الشام سنة ١٧ هـ. الاصابة ٣: ١٩٩.
(٥) هو سعد بن مالك بن أهيب، احد العشرة وآخرهم موتا، كان اول من رمى بسهم في سبيل الله واحد الستة اهل الشورى وقائد فتوح العراق، توفي بعد الخمسين من هجرة الرسول. الاصابة ١: ٣٠.
(٦) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك حليف بني مخزوم وأمه سمية مولاة لهم، كان من السابقين الاولين وممن عذب في الله، شهد المشاهد كلها مع النبي، استعمله عمر على الكوفة، قتل مع علي بصفين سنة سبع وثلاثين. الاصابة ٤: ٢٧٣- ٢٧٤.
(٧) هو بلال بن رباح مؤذن الرسول (ص) . الاصابة ١: ١٨٩.
[ ١ / ٣٣ ]
مقرن «١» واخوته، وغيرهم ممن يطول الكتاب بذكرهم وشرح أحوالهم، وهو مذكور في مواضعه، ولا يشك في زهد هؤلاء إلا من شك في زهد رسول الله ﷺ، ولا يبلغ ذلك إلا الجاهل القليل النظر البطيء التأمل.
فأما من نظر واعتبر وكان قصده التعرف والتبين، فان ذلك يفضي به الى العلم بأنه ما صحب نبيا قط قوم أزهد ولا أردع ولا أعلم من هؤلاء قبل ان يرجع الى قوله ﷿: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢»» . فلو كان غرض رسول الله ﷺ وأصحابه الدنيا والملك لكانوا وإن ابتدأوا بذكر الزهد في اول أمرهم إذا ملكوا وقدروا عليها قد ساروا فيها سيرة طلاب الدنيا وملوكها وخطّابها، وما لبثوا ان تظهر سرائرهم وضمائرهم عند القدرة. بهذا جرت العادة، وهكذا أخرجت العبرة، فان من تخلّق للناس وتصبّر خوفا منهم واتقاء لهم ومداراة لهم، اذا قدر وتمكن تغير وزال عما كان، وظهر مكنونه، فلما دام أمر رسول الله ﷺ وهؤلاء واتصل على طريقة واحدة، علم العامل المتأمل ان سريرتهم كعلانيتهم، وظاهرهم كباطنهم.
وقد رغب قوم منهم في المباح وفيما أحله الله لهم، ولا لوم عليهم ولا تعنيف، وانما كان كلامنا فيمن زهد في المباح المطلق منهم، وقد ملك هؤلاء ما لم يملك ابراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ومتى وعيسى، وإن كان الأنبياء خيرا منهم.
_________________
(١) هو النعمان بن مقرن بن عائذ المزني، أخو سويد واخوته، له ذكر كثير في فتوح العراق وفارس. توفي سنة احدى وعشرين هجرية.
(٢) آل عمران: ١١٠
[ ١ / ٣٤ ]
وانما ذكرنا هذا لأن اليهود والنصارى والمجوس وأعداء رسول الله/ ﷺ يقولون جهارا، بحضرة المسلمين وفي دواوين السلاطين، وفي المحافل بحضرة الأمراء الأشراف: أما الاسلام فقد كفيناه ودفع بعضه بعضا، وقد كنا نقول سرا بيننا في أصحاب محمد ونفسه أشياء تقولها اليوم الشيعة جهارا وتزيد علينا فيه، من ان اصحاب هذا الرجل وأتباعه وأنصاره ما كانت لهم بصيرة في أمره ولا يقين مع الصحبة وطول المشاهدة ولا أقاموا له وزنا، وانما طلبوا الدنيا والنهب والفارة، وقد بيّنا فساد ذلك، وفيه من البيان اكثر من هذا، وفيما ذكرناه كفاية.
فإن قيل: أفتستدلون على صحة دينكم بأن هؤلاء قد اعتقدوا بنبوّة صاحبكم وصدقه، وان ظاهرهم فيه كباطنهم، وهاهنا قوم من اليهود والنصارى والمجوس والمنانية «١» والهند هذه سبيلهم في أديانهم.
قيل له: ما ندفع هذا ولا نمنع منه، ولا نستدل على صحة الاسلام باعتقاد المهاجرين والأنصار بنبوّة محمد ﷺ وصدقه ونبوّته وزهده وزهدهم في الدنيا، وانما نعرف صحة الاسلام وانه دين الله بغير هذا. وانما كان كلامنا على من ادّعى ان هؤلاء ما اعتقدوا صدقه ولا نبوته، فبيّنا فساد قولهم وبطلان اعتقادهم وانه جهل، ثم صرنا الى ذكر الدلائل والأعلام.
_________________
(١) المنانية والمانية نسبة الى ماني بن بابك بن ابي رزام، يقال انه كان اسقفا ثم اتاه الوحي بتغيير ديانته. ومن اهم مبادئه أن العالم كونين: احدهما نور والآخر ظلمة، وكل واحد منهما منفصل عن الآخر. وقد فصل كتاب العقائد والفرق وأصحاب المقالات من الاسلاميين الحديث عن هذه النحلة. انظر الملل والنحل للشهرستاني، والفهرست لابن النديم، والآراء والديانات للنوبختى، والمغني للقاضي عبد الجبار الجزء الرابع، وغيرهم. ومجمل مذهب المنانية مستخرج من المجوسية والنصرانية.
[ ١ / ٣٥ ]
فمن ذلك أشياء نزل القرآن بها قبل كونها.
فمن ذلك قصة ابي لهب، وقد كان من المؤذين لرسول الله ﷺ، والمجردين/ في مكروهه وطلب نفسه، وفي الصدّ عن اتباعه، فبشره الله بأن ذلك لا يضره ﷺ، ولا يغني عن ابي لهب فيما قصد ما كسب من جاه ومال وأهل وولد وصداقة واخوان، وانه يخسر ذلك كله، وانه وامرأته يموتان على الكفر به ويصيران الى النار. نزل ذلك بمكة وهما حيّان سليمان، فكان ذلك كله على ما قال وعلى ما أخبر وكما فصّل وفسّر. وهذه غيوب كثيرة لا يكون مثلها بالاتفاق ولا بالحدس ولا بالزرق «١»، ولا يتفق لحذّاق المنجمين أقل القليل من هذا. ومن عجيب الأمور انها نزلت بمكة، وتلاها رسول الله ﷺ، وسمعها ابو لهب وجميع أعداء رسول الله ﷺ من قريش والعرب وغيرهم وهم أعوان ابي لهب، فهاجهم هذا القول في عداوته، وزاد في غيظهم وحنقهم، وأذكرهم بنفسه وهو معهم وفي أيديهم وفي قبضتهم، فما ضره، ولا تمّ لهم أمر في الظفر بقتله، ولا على زلة يتبين فيها كذبه وسقوط قوله، وهذا لا يقدم عليه العاقل إلا وهو على غاية الثقة بما يقول، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله. ومنذ نزلت هذه السورة والى هذه الغاية يحرص أعداء رسول الله ﷺ ان يجدوا في ذلك مطعنا فما وجدوا. وقد رجع بعضهم الى بعض في ذلك وتشاوروا فيه، وتعاضدوا وتعاونوا، فكان عليه ما انتهى اليه كيدهم أن قالوا: لما رأى عمه وامرأته قد صمما في تكذيبه وعداوته قال ذلك فيهما.
_________________
(١) الزرق: الخداع، وفي اللسان: رجل زراق اي خداع.
[ ١ / ٣٦ ]
قيل لهم: قبل كل/ شيء قد تم ما قال على ما فسر وشرح، وحصل ذلك على وجه انتقضت العادة به، وظنونكم هذه لن تقدح في هذا العلم، وهذا كاف في جوابكم.
ثم قيل لهم: قد صنع مثل صنيع ابي لهب خلق كثير فما قال هذا فيه، ومنهم من أسلم. وايضا فلو قال في ابي لهب انه يسلم قبل اسلامه وأسلم لأمكن الخصم ان يقول: ما في هذا دلالة، لأن الرجل عمّه، وقد رأى اخوته حمزة والعباس وقد أسلما، وقد أسلم ولد أخيه ابي طالب جعفر وعلي، فكيف لا يسلم هو ايضا؟ فهذا كان أقرب وأظهر في الرأي والتدبير، فلم يقل ذلك وقال غيره وخلافه، لتعلم ان هذا قول علّام الغيوب وكلامه ﷿.
وقالوا لو أسلم لكان له ان يقول: انما قلت انه سيصلى النار إن لم يسلم، وإن أقام على الكفر، كما قال: «إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة» .
قيل له: قبل كل شيء قد تمّ ما قال وما وجد له خلف، وحصل على وجه انتقضت العادة به كما بيّنا وقدّمنا، وأخذت انت ايها الخصم تقول لو لم يكن هذا ويتم بأي «١» شيء كان يعتذر، وحصلت على تدبير ما لم يكن، وجهلت ايضا اللغة وموضع العربية لأن قوله ﷿:
«انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة» انما هو جزاء، وليس بخبر عن احد انه سيفعل ذلك، وهذا كقول القائل: من سرق
_________________
(١) في الأصل: بأن، والقراءة اجتهادية
[ ١ / ٣٧ ]
مالي قطعته، ليس بإخبار عن احد أنه سيسرق ما له، ويجوز ان لا يسرق ماله أحد البتة مع هذا القول.
وقوله ﵎ في أبي لهب وامرأته انه: «ما أغنى عنه ماله وما كسب» من تلك/ الأمور، وانه سيصلى وامرأته نارا ذات لهب، إخبار عن أمور ستكون فكانت كما قال، كقوله ﷿: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ» «١»، وكقوله:
«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢»» . وكقوله ﷿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ» «٣» . فهذا باب.