لما أقدمت على تحقيق الكتاب هبتُ خوض لجج بحره، إذ كنت أدرك تمام الإدراك أنه يتطلب منّي جهدًا كبيرًا، ووقتا طويلا لنسخه وتحقيقه وتخريج نصوصه ودراسته، فواجهتني صعاب ومتاعب جمة، تغلبت عليها بفضل الله وعونه، وبتحفيز من شيخي الجليل الدكتور عبد اللطيف الجيلاني، لطف الله به في الدارين، وتتلخص هذه الصعاب في الآتي:
الأول: أن موضوع هذه الرسالة: تحقيق ودراسة كتاب مخطوط، والمعروف أنه لا ينبغي أن يطرق باب التحقيق إلا من كان له أهلا، وقليل من هم أهل لتحمّل هذا العبء، ولما كنت غير داخل تحت هذا الشرط ترددت في وصف العمل بالتحقيق، وتجاسرت على هذا السفر الفريد محاولًا إخراج النص كما أراده مؤلفه أو قريبًا من ذلك، مع التعريف برجاله، وتخريج نصوصه، وعزوها إلى مظانها.
الثاني: أن طبيعة مادة الكتاب حديثية صرفة، ولا يخفى أن علم الحديث من أجل علوم الإسلام، بل هو معقل هذا الدين ودستور حضارته، اختار الله له أقوامًا من أفضل العباد، حفظوا الأسانيد وجوّدوها، وجردوا الصحيح من السقيم وبالغوا في التجريد، فهبت التعامل مع هذا العلم الذي حاله كما ذكر، والإقدام على ولوج دروبه، فتأسيت بقول شهاب الدين السَّهْرَوَرْدي:
فَتَشبَّهُوا إِن لَم تَكُونُوا مِثْلَهُم … إِنَّ التَشَبُّه بِالكِرَامِ فَلَاحُ (^١)
ومما يشفع لي كذلك تتلمذي بهذه الكلية العامرة على مشايخ كبار، لهم باع طويل في خدمة هذا العلم، أبرزهم شيخنا الدكتور الجليل محمد باقشيش أبو مالك، وشيخنا الدكتور عبد الكريم عكيوي، وشيخنا الدكتور عبد اللطيف الجيلاني
_________________
(١) انظر معجم الأدباء: (٥/ ٦١٥).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
المشرف على البحث، الذي فتح لي مغاليق كثير من الأمور المبهمة، وتيسر الأمر أكثر بإطلاعي على مجموعة من دواوين الصناعة الحديثية وكتب الرجال. ولما كانت الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب في السيرة والفضائل، وليس فيها ما يتعلق بالعقائد والأحكام إلا القليل، لم أجد حرجًا في اقتحام غمار تخريجها والحكم على أسانيدها، ومعلوم لدى أهل هذا الشأن تساهلهم في الفضائل والمناقب والآداب، وتشدّدهم في أحاديث العقائد والأحكام، ورغم ذلك فلست أدعي القيام بحقه، بل هو جهد المقل، فأسأل الله السداد في القول والعمل.
الثالث: أن مؤلف الكتاب من أعلام البصرة المغمورين، وهذا ما جعلني أبذل الجهد وغاية الوسع في سبيل الوقوف على ترجمته، أو حتى أي ذكر له في إحدى المصادر المطبوعة أو المخطوطة، وقد أعيتني المظان في الوقوف ولو على إشارة دالة على هذا الإمام المحدث، واستفرغت الوسع في سؤال المهتمين من أهل العلم ممن لهم دراية بالأعلام المشرقية (^١) - وأخص منهم بالذكر الأستاذ الفاضل الدكتور جمال عزون، حفظه الله، الذي لم يذخر وسعا في إفادتي - حتى كدت أستيقن أن في الأمر تدليسًا أو تعمية، لولا الإشارة اليتيمة الثمينة التي أفادنا بها سراج الدين القزويني في مشيخته، فذكر الكتاب من جملة مروياته، والأعجب أنه اشترط في المشيخة ذكر ما اشتهر من المصنفات وسارت بها الركبان، فكان الكتاب إذن حاله من الشهرة كما ذكر، والقزويني حُجّة في قوله.
الرابع: صعوبة دراسة أسانيد الكتاب، فمنها العالي والنازل، ونظرًا لتأخر المصنف فمعظم أسانيده ثُمانيات وتُسَاعيات مع اعتبار وفرة ما اشتمل عليه هذا الكتاب من مرويات، فقد كنت أحيانًا أجد صعوبات في البحث عن رجال
_________________
(١) تواصلت مع العديد من الأساتذة المبرزين، فأفادوني أيما إفادة، أهمهم: الأستاذ الفاضل خبير علم الاكتناه الدكتور قاسم السامرائي، والدكتور عامر صبري، والدكتور عزير شمس، وغيرهم أجزل الله لهم المثوبة.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
الأسانيد، حتى إنّ بعض التراجم قد تستغرق مني أيامًا للوقوف عليها واجتناب الوقوع في الوهم، وقد زاد من كل ذلك صعوبة وجود بعض الأعلام في إسناده الذين أغفلهم أصحاب التراجم أيضًا وعلى نسق واحد؛ لأن التعرف على أحدهم يتوقف على معرفة الآخرين، ولا سيّما المتأخرين من البصريين وقليلي الرواية.
الخامس: اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة فريدة لا ثانية لها، ولا يخفى على كل من عانى مشقة التحقيق العلمي، أن النسخة الفريدة لا يُفرح بها، ولا يؤمن معها التصحيف والتحريف والسقط، وهذه النسخة رغم أنها مقابلة ومصححة وعليها سماعات كبار أهل العلم، إلا أنها لم تخل مما ذكرت مع قلّته، فتطلب مني الأمر جهدًا ليس باليسير لتلافي ذلك من خلال الرجوع إلى العديد من المصادر الأخرى للاستئناس بها في المقارنة والتدقيق.