عاش أبو عبد الله التميمي على وجه التقريب خلال النصف الثاني من القرن الهجري الخامس وأوائل الربع الثاني من القرن السادس، حيث ولد على الأرجح بالبصرة وبها كانت وفاته، ومدينة البصرة آنئذ ومعها بقية المدن التي دخلها المصنف تخضع شكليًا للخلافة العباسية ببغداد، أما الممارسة العملية لشؤون الدولة فيسيطر عليها السلاجقة.
والمتتبع لهذه الفترة الزمنية التي عاش فيها المصنف، يلحظ بلا ريب أنها كانت أكثر الفترات التاريخية اضطرابًا وأشهرها فتنًا ومحنًا وقلاقل، ويشكل القرن الخامس الهجري أحد أحلك القرون التي تغشّت الأمة الإسلامية، ومن أشدّها وطأة عليها، فقد كانت الدولة العباسية في هذه الفترة تعيش حالة ضعف سياسي، شجّع من جهة على تسلّط العدو الخارجي الصليبي واستيلائه على أجزاء كبيرة ومهمة من قلب العالم الإسلامي، ومن جهة أخرى شجّع على قيام العديد من الدويلات في
[ ٢ / ٦٩٣ ]
المشرق والمغرب، والتي عاشت بدورها حالة اضطراب وتنافس.
وقد عاصر الإمام أبو عبد الله التميمي خمسة من خلفاء بني العبّاس في بغداد، وهم:
• أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله ابن القادر، ولي الخلافة في الحادي عشر من ذي الحجة سنة ٤٢٢ هـ، وتوفي سنة ٤٦٧ هـ (^١).
• أبو القاسم عبد الله عدة الدين المقتدي بأمر الله بن محمد ابن القائم، ولي الخلافة في الثالث عشر من شعبان سنة ٤٦٧ هـ، وتوفي سنة ٤٨٧ هـ (^٢).
• أبو العباس أحمد المستظهر بالله ابن المقتدي ولي الخلافة في الخامس عشر من المحرم سنة ٤٨٧ هـ، وتوفي سنة ٥١٢ هـ (^٣).
• أبو منصور الفضل المسترشد بالله بن أحمد ابن المقتدي، ولي الخلافة في ربيع الآخر سنة ٥١٢ هـ، وتوفي سنة ٥٢٩ هـ (^٤).
• أبو جعفر منصور الراشد بالله بن الفضل بن أحمد، ولي الخلافة في ذي القعدة سنة ٥٢٩ هـ، وتوفي سنة ٥٣٢ هـ (^٥).
وقد شهدت مُدَد خلافة هؤلاء الخلفاء حوادث جمة، كان لها أكبر الأثر في توجيه الحياة العامة فيما بعد، ففي عهد القائم بأمر الله قامت في بغداد الفتنة المنسوبة إلى البساسيري القائد أرسلان التركي (^٦)، حيث استطاع أن يسيطر على بغداد، وقبض
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء: (١٥/ ١٣٨ - ١٤١)، تاريخ الخلفاء: (٣٠٥ - ٣٠٨).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء: (١٨/ ٣١٨ - ٣٢٤)، تاريخ الخلفاء: (٣٠٩ - ٣١٠).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء: (١٩/ ٣٩٦ - ٤١٢)، تاريخ الخلفاء: (٣١١ - ٣١٤).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء: (١٩/ ٥٦١ - ٥٦٨)، تاريخ الخلفاء: (٣١٤ - ٣١٦).
(٥) انظر سير أعلام النبلاء: (١٩/ ٥٦٨ - ٥٧٣)، تاريخ الخلفاء: (٣١٧).
(٦) أرسلان بن عبد الله البساسيري التركي، كان أحد مماليك بني بويه خدم القائم بأمر الله ببغداد، فقدمه الخليفة على جميع الأتراك، وقلده سائر الأمور، وخُطب له على منابر العراق وخوزستان، حتى عظم أمره وهابته الملوك، فخرج على الخليفة القائم بأمر الله وأخرجه من بغداد، وقتل أرسلان ببغداد عام ٤٥١ هـ على يد عسكر السلطان طغرل بك السلجوقي. وفيات الأعيان: (١/ ١٩٢)، تاريخ الإسلام: (٣٠/ ٣٠١).
[ ٢ / ٦٩٤ ]
على الخليفة وسجنه سنة ٤٥٠ هـ، إلا أن الخليفة كتب أثناء القتال إلى طغرل بك والذي كان بالري، يستنجده ويستنهضه للقدوم إليه، فكان له ما أراد سنة ٤٤٧ هـ، واستطاع بعد مضي أربع سنوات من الأحداث أن يقتل البساسيري، وأن يعيد القائم بأمر الله إلى بغداد في موكب مشهود (^١).
وكان لانتصار طغرل بك السلجوقي (^٢)، أن دانت له المدن العراقية الخاضعة شكليًّا للخلافة العباسية على عهد القائم بأمر الله، بما في ذلك مدينة البصرة موضع الدراسة، والتي ظلت مع بقية بلاد العراق وفارس خاضعة لسلطة الدولة البويهية منذ سنة ٣٣٤ هـ، إلى أن انقرضت هذه الدولة وقامت على أنقاضها الدولة السلجوقية في سنة ٤٤٧ هـ والتي يرجع إليها الفضل في تجديد قوة الإسلام، وإعادة تكوين وحدته السياسية (^٣)، وقد شهدت البصرة عبر تاريخها الطويل منذ تأسيسها حتى خرابها فتنًا وقلاقل يشيب لهولها الولدان، فما أن تنقضي فتنة حتى تتبعها أخرى أشدّ منها وأنكي.
وكان من نتائج هذا الانتصار إذن أن دخلت البصرة في ضمان الأمير التركي السلجوقي هزاراب بن عياض، الذي ولي على البصرة عام ٤٤٧ هـ بعد أن كان عليها الملك الرحيم من آل بويه، على أن يؤدي في كل سنة ٣٦٠ ألف دينار، وبقيت البصرة وتوابعها تحت سيطرته إلى غاية سنة ٤٥١ هـ، فوجهت ولاية البصرة بالضمان إلى أبي سعد سابور بن مظفر الأعز، وفي أيامه ثارت القبائل النازلة بين البصرة وواسط على حكومته، فأخضعهم بالسيف، وقتل منهم ما ينيف على سبعة آلاف.
_________________
(١) تاريخ الخلفاء: (٣٠٧ - ٣٠٨).
(٢) طغرل بك: اسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق، شجاع مقدام حليم، أول ملوك الدولة السلجوقية، هو الذي قتل البساسيري وردّ الخليفة القائم بأمر الله إلى بغداد بعد أن أخرجه البساسيري منها، وأعاد الخطبة باسمه، وهو الذي أزال ملك بني بويه من العراق، توفي سنة ٤٥٥ هـ. وفيات الأعيان: (٦٣ - ٦٨/ ٥)، النجوم الزاهرة: (٧٣/ ٥).
(٣) تاريخ الإسلام الحسن إبراهيم: (٤/ ٢).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وفي سنة ٤٥٥ هـ توفي طغرل بك، فتولى الملك ابن أخيه ألب أرسلان (^١)، ثم تولى الملك بعده ابنه ملكشاه في سنة ٤٦٥ هـ، وفي أيامه توفي الخليفة القائم بأمر الله سنة ٤٦٧ هـ، وبويع بالخلافة للمقتدي بأمر الله، فأعطيت البصرة بالضمان في أيام ملكشاه إلى ابن علانة اليهودي سنة ٤٦٩ هـ، فبادر هذا الأخير إلى جباية الأعشار والرسوم والضرائب من البصرة وعمالها نحو ثلاث سنوات، حتى حصل له نفوذ عظيم وشهرة وسطوة ما عليها مزيد، إلى أن توفي سنة ٤٧١ هـ.
على إثر موت ابن علانة اليهودي، أعطيت البصرة بالضمان إلى خمارتكين التركي في أوائل سنة ٤٧٢ هـ، على أن يدفع إلى خزينة الدولة السلجوقية ١٠٠ ألف دينار و١٠٠ حصان.
وفي سنة ٤٧٥ هـ أعطيت البصرة بالضمان إلى العميد بن عصمة، فلما قامت الحروب بين السلجوقيين وضعفت الدولة طمع الأعراب بالبصرة، فغزاها بنو عامر وعربان الأحساء في عشرة آلاف فارس، فقاومهم والي البصرة أشدّ المقاومة، لكن لما علم أن لا طاقة له بهم، ترك المدينة وفرّ منسحبا إلى نهر معقل، ولما علم البصريون انسحابه تركوا أوطانهم وذهبوا إلى بلاد أخرى، فدخل الأعراب المدينة فعاثوا فيها من قتل وسبي ونهب وتخريب وإحراق وفساد، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ومن جملة ما أحرقوا مخزن الكتب التي أوقفها الوزير أبو منصور بن شاه مردان، وكان فيه على ما يُروى عشرات الألوف من الكتب الثمينة، وخزانة الكتب التي أوقفها أبو الفرج بن أبي البقاء، وكان فيها على ما قيل خمسون ألف كتاب، وخربوا أوقاف البصرة وما إلى ذلك.
_________________
(١) ألب أرسلان: السلطان عضد الدولة، أبو شجاع، محمد الملقب بالملك العادل بن جغري بك ابن سلجوق، ثاني ملوك السلاجقة، هو أول من أسلم من إخوته، وأول من لقب بالسلطان من بني سلجوق، تولى بعد عمّه طغرل بك، وكان ملكًا مطاعًا شجاعًا، قتل سنة ٤٦٥ هـ. الكامل: (٨/ ١١٢)، النجوم الزاهرة: (٥/ ٩٢).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
ولما بلغ خبر هذه الغارة إلى بغداد، وجهت الحكومة سيف الدولة صدقة بن مزيد إلى طرد الأعراب من البصرة بأمر من السلطان ملكشاه، فسار بجيش كبير، فوجدهم قد خرجوا منها وفروا إلى جزيرة العرب.
وفي سنة ٤٨٥ هـ مات السلطان ملكشاه، فقامت الحروب بين الأسرة المالكة، حتى تم الأمر في السنة نفسها على السلطان بركيارق، الذي شهدت فترة حكمه فتنا وحروب، وفي أيامه توفي الخليفة المقتدي بالله سنة ٤٨٧ هـ، وبويع بالخلافة لابنه المستظهر بالله.
وفي سنة ٤٩٣ هـ وُجهت إمارة البصرة إلى الأمير قمباج، فبقي فيها أشهرًا، ثم استخلف إسماعيل بن سلانجق وكيلا عنه، فحكم البصرة قدر سنتين، فلما دخلت سنة ٤٩٥ هـ استقل بالحكم، ودخلت البصرة وكافة أنحائها تحت تصرفه، فقويت شوكته وازدادت مع الاختلاف الحاصل بين السلاطين السلاجقة.
وفي سنة ٤٩٩ هـ بعد ما استقر الأمر للسلطان محمد السلجوقي، أرسل إلى البصرة سيف الدولة صدقة بن دبيس ليخلصها من إسماعيل، وحشد لذلك الآلاف من العساكر، فلما سمع بذلك إسماعيل تهيّأ له واستعد بالعسكر والجموع، فلم يكن له طاقه بجيوش سيف الدولة، فقنع بالدفاع والتحصن بالمدينة، ودام الحصار قدر ستة عشر شهرًا.
وبدخول سنة ٥٠٠ هـ انهزم إسماعيل، ودخل جيش سيف الدولة البصرة، فأباحوها لمدة ثلاثة أيام نهبًا وسلبًا وقتلا، وفي نفس السنة اتفق عرب المنتفكيون وربيعة وأعراب آخرون على غزو البصرة، فهجموا بستة آلاف فارس، وأسروا تونتاش نائب سيف الدولة على المدينة، وخربوا ما يربو على ستة آلاف دار وحانوت، واستمروا في النهب وما إلى ذلك قدر اثنين وثلاثين يومًا، ولما بلغ خبرهم سيف الدولة أرسل جيشًا لطردهم، فوصل العساكر والقوم قد خرجوا من المدينة وفارقوها.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وفي سنة ٥٠٣ هـ وليت البصرة من قبل السلطان محمد السلجوقي إلى الأمير أقسنقر البخاري، فاستقام أمره فيها، وفي زمانه بودر إلى إعمار ما خرب من البصرة، وعاد كثير من البصريين إلى أوطانهم.
وأقام هذا الأمير إلى سنة ٥٠٥ هـ، ثم استخلف عليها سنقر البياني، فأحسن السياسة والتدبير، وكان متصفا بالعدل والرحمة، فبقيت البصرة في حكمه بالنيابة حتى مات السلطان محمد في بغداد سنة ٥١١ هـ، وجلس مكانه ابنه السلطان محمود، فأقره على عمله، وفي أيامه مات الخليفة المستظهر بالله في سنة ٥١١ هـ، فبويع بالخلافة لابنه المسترشد بالله.
وفي سنة ٥١٣ هـ ثار أحد أمراء الجيش اسمه غزغلي، وهجم على الحجاج يريد قتلهم ونهب أموالهم، وكان أمير الحج يومئذ علي بن سكبان، فقاومه ودافع عن الحجاج أشد الدفاع، فقتل غزغلي وبدّد شمله، وكرّ على أفول جيشه حتى دخل البصرة، فوجد بها فتنة جديدة قامت بين الحاكم وبين رؤساء الجيش، فاغتنم فرصة تلك الفتنة، فتغلب على الولاية في السنة نفسها ٥١٣ هـ، وضبط الأطراف وسار في الناس سيرة حسنة.
ولما دخلت سنة ٥١٤ هـ، سيّر السلطان محمود السلجوقي جيشا كبيرًا بقيادة أقسنسر البخاري، لطرد علي بن سكبان من البصرة، فالتقى الأميران وتقاتل الجيشان فانهزم ابن سكبان، واستولى الأمير أقسنسر على البصرة عنوة في سنة ٥١٥ هـ، واستقام له أمر المدينة مدة.
وفي سنة ٥١٧ هـ ثار صاحب الحلة دبيس بن سيف الدولة على السلطان والخليفة معًا، فحاربته حكومة بغداد حتى تمزق جمعه، فالتجأ إلى قبائل المنتفك وأغراهم على غزو البصرة، فهجموا عليها ونهبوا أموال الناس وقتلوا رئيس جيشها، فأرسل لهم الخليفة جيشًا ضخما بقيادة البرسقي، فطرد دبيس ومن معه، ودخل البصرة
[ ٢ / ٦٩٨ ]
بدون قتال وأمنها وتولى شؤونها.
وفي سنة ٥٣٢ هـ أحيلت ولاية البصرة إلى رجل من رؤساء المنتفك يعرف بمعروف، وسلّم له الحل والعقد فيها، فبقي على إمرتها أزيد من عشرين سنة. وبقيت البصرة تحت حكم السلاطين السلاجقة يحكمها أمراءهم إلى سنة ٥٤٧ هـ، ثم عادت بعد ذلك إلى الخلفاء العباسيين (^١).
هكذا إذن يبدو المشهد السياسي في زمن أبي عبد الله التميمي، وهو مشهد لا يسر بأي حال من الأحوال، لهول ما شهدته مدينة البصرة موطن الرجل من فتن ومحن وإحن، ولا شك أن التميمي ذاق من حلو ذلك ومرّه، لكن بالرغم من هذا كله يبدو أن ما ساعد التميمي على الرحلة والتحصيل والتصنيف، هو ما عرف به السلاجقة الذين كان لهم السلطان في هذا العصر من حبّهم للدين، وتمسكهم الشديد بالمذهب السنّي، الأمر الذي جعلهم يجلّون علماء الحديث والشريعة ويحترمونهم بما فيهم مترجمنا.
_________________
(١) انظر حول تاريخ البصرة: كتاب البصرة ولاتها ومتسلموها من تأسيسها حتى نهاية الحكم العثماني (٥٢ - ٥٧)، وكتاب عنوان المجد في أحوال بغداد والبصرة ونجد: (١٥٧ - ١٨٦)، وكتاب مختصر تاريخ البصرة: (١١٧ - ١٢٧).
[ ٢ / ٦٩٩ ]