استوطن مترجمنا مدينة البصرة؛ إذ هي منشؤه وموطنه، فقد صرّح التميمي في الكتاب بأخذه عن جملة من المشايخ البصريين، بلغ عددهم قرابة الثلاثين شيخًا، ووصل عدد الروايات المسندة عنهم ما يربو على الستين ومائتي رواية.
كما أنه ذكر مدينة البصرة غير ما مرة حتى بلغت في الكتاب سبعة عشر، منها سبع مرات يصرح فيها بالأخذ عن شيوخ دخلوا البصرة قصد الدرس والتحصيل، كشيخيه أبي طاهر الخُوَارَزْمِي القَصَّارِي، وأبي زكرياء يحيى ابن منده الأصبهاني، فتجده يقول: «قدم علينا بالبصرة»، ومنهم من دخلها مارًا إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، كشيخه أبي القاسم الصوفي النَّيْسَابُوري، لذلك يقول: «قدم علينا حاجا بالبصرة».
ومن القرائن الدالة كذلك، أن راوي الكتاب وسامعه عن المؤلف عند القزويني في مشيخته، هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عطية الشافعي، وهو التلميذ الوحيد للمصنف الذي سلم من جهالة الحال، وكان إمام الجامع بالبصرة، وتذكر المصادر أن الرواة أخذوا عنه بالبصرة، فإذًا لا محالة أن أبا عبد الله التميمي بصري الموطن والأصل.
أما عن مولده، فلا يمكنني التجاسر والإقدام على الجزم بتحديد مكان محدد لولادته في غياب معلومات وافية عن ذلك، لكن يغلب على الظن أنه ازداد بالبصرة، في حدود منتصف القرن الخامس الهجري فما فوق.
ومدينة البصرة، بفتح الباء وسكون الصاد، وقد حكى فيها الخليل ثلاث لغات: بضم الباء وفتحها وكسرها (^١)، وتعني في كلام العرب: الأرض الغليظة، وقيل: الأرض الطيبة الحمراء، وقيل غير ذلك (^٢).
_________________
(١) تهذيب اللغة: (١٢/ ١٢٣ - ١٢٤)، الروض المعطار: (١٠٥).
(٢) الزاهر في معاني كلمات الناس: (٢/ ١٠٦)، مشارق الأنوار: (١/ ١١٦)، معجم البلدان: (١/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٧١٣ ]
وهي من مدن العراق المشهورة، كانت قبة الإسلام ومقرّ أهله، بنيت على عهد عمر ﵁ سنة ١٤ هـ، واختطها عتبة بن غزوان وأحسن سياستها، وشكلت المدينة في مبدأ الفتوح الإسلامية معسكرًا مهمًا للجيوش التي كانت تغزو بلاد فارس، وقد ظلت المدينة عامرة إلى حدود أواخر القرن السابع الهجري، حيث هجرها أكثر أهلها هربا من الفتن والقلاقل، وكثرة المظالم، حتى أصبحت المدينة فيما بعد خربة واسعة، وآثارها باقية إلى الآن، وتمتد ما بين البصرة حاليًا وبين قصبة الزبير (^١)، وقد شهدت البصرة عبر تاريخها الطويل أحداثًا جسامًا يشيب لهولها الولدان، كان أظهرها فتنة الزنج والقرامطة، ولذلك حق لابن الرومي أن ينشد أبياتًا يرثي فيها البصرة، في قصيدة طويلة مطلعها:
ذادَ عن مقلتي لذيذ المنام … شغلها عنه بالدموع السجام
أي نوم من بعد ما حل … بالبصرة ما حل من هنات عظام
أي نوم من بعد ما انتهك … الزنج جهارًا محارم الإسلام
إن هذا من الأمور لأمر … كاد أن لا يقوم في الأوهام (^٢)
أما البصرة اليوم، فيعود تأسيسها إلى ما بعد سنة ٣٧٥ هـ، وهي ثاني أكبر مدينة عراقية، تقع في أقصى جنوب العراق، على رأس سواحل الخليج العربي، وتبعد عن هذا الخليج قرابة ٥٥ كلم، وعن العاصمة بغداد بقرابة ٥٤٥ كلم.
_________________
(١) معجم البلدان: (١/ ٤٢٩ - ٤٤١)، الروض المعطار: (١٠٥ - ١٠٨)، البصرة ولاتها ومتسلموها: (٧ - ٨)، عنوان المجد: (١٥٨ - ١٦٤)، مختصر تاريخ البصرة للأعظمي: (١٠٠ - ١٣١).
(٢) ديوان ابن الرومي: (٣/ ٣٣٨).
[ ٢ / ٧١٤ ]
[ ٢ / ٧١٥ ]