١٠٩ - أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العُكْبَرِي ببغداد، قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان الأكفاني سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وأبو عبد الله الحسين بن محمد بن الصائغ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يحيى ابن عمر بن علي بن حرب الطائي، قال: قال أبو جدي علي بن حرب، حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عمرو بن بكر، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح (^١)، عن ابن عباس قال: لما ظهر ابن ذي يَزَن على الحبشة، أتته وفود العرب وشعراؤهم، تُهَنّئه وتَمتَدِحه، وتَذْكر ما كان من حُسن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفد قريش، فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جُدْعَان في نَاسٍ من وُجُوه (^٢) قريش، فقدِموا عليه صنعاء، فإذا هو فِي رَأسِ غُمْدَانِ (^٣)، وهو الذي يقول فيه أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:
اشرَب هَنِيئًا عليكَ التَّاجُ مُرْتَفَعًا … فِي رَأسِ غُمْدَانِ دَارًا مِنكَ مِحْلَالا
فدخل عليه الآذن فأخبره بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا عليه وحوله الملوك وأبناؤها، فدنا عبد المطلب واستأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم عند الملوك، فقد أَذِنَّا لك، فقال عبد المطلب: إن الله تعالى أحلك أيها الملك محلًا رفيعًا، صعبًا منيعًا شامخًا باذخًا، وأنبتك منبتًا طالت أرُومتُه، وعزّت جُرْثُومته (^٤)، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن،
_________________
(١) هو أبو صالح باذام مولى أم هانئ، ضعيف يرسل.
(٢) أي أعيان وكبار قريش.
(٣) غمدان: بضم وسكون الميم قصر كان بناحية صنعاء اليمن، وهو أحد عجائب بلاد العرب، وقيل: هو من بناء سليمان، وقيل أن الجامع الكبير بصنعاء قد بُني على أنقاض هذا القصر. معجم ما استعجم: (٣/ ١٠٠٢)، معجم البلدان: (٤/ ٢١٠)، النهاية في غريب الأثر: (٣/ ٣٨٣) مادة (غمد).
(٤) الأرومة والجرثومة: أصل النسب ومجتمعه. وكذلك المنصب والمتحد والعنصر، ومنه الحديث: الأزد جرثومة العرب فمن أضل نسبه فليأتهم. غريب الحديث لابن سلام: (١/ ٦٤)، فقه اللغة: (ص ١٨).
[ ١ / ١٣٤ ]
فأنت أبيت اللعن ملك العرب، وربيعها الذي به تُخْصِبُ، ورأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يَلْجَأ إليه العباد، سَلَفُكَ لنا خير سلف، وأنت لنا منهم خير خَلَفٍ، فلن يحمل من هم سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسَدَنَةُ بيته، أَشْخَصْنَا (^١) إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فَدَحَنَا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة (^٢)، قال: فأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن أختنا؟ قال: نعم، قال: ادْنُ، فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبًا وأهلًا وناقةً ورحلًا، ومستناخًا سهلًا، ومَلِكًا رِبَحْلًا (^٣)، يعطي عطاءً جزلًا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء (^٤) إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرًا لا يصلون إليه، ولا يأذنون لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب، فأدنى مجلسه وأخلاه، فقال: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمرًا لو أن غيرك يكون لم أبح له به، ولكنني رأيتك معدنه، فأطلعتك طلّعةً، فليكن عندك مطويًا حتى يأذن الله فيه، فإن الله تعالى بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المخزون، والعلم المكنون، الذي اخترناه لأنفسنا، واحتجناه دون غيرنا، خبرًا عظيمًا، وخطرًا جسيمًا، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، قال عبد المطلب: مثلك سر وبر، فما هو فداك
_________________
(١) أشخص فلان إلى فلان، أو من بلد إلى بلد شُخُوصًا: أي ذهب إليه وخضع. الصحاح تاج اللغة: (٣/ ١٠٤٣)، لسان العرب: (٧/ ٤٥) مادة (شخص).
(٢) المرزئة والرزيئة والرّزيّة: أي المصيبة، ورزأ فلان فلانًا أي أصاب من ماله شيئًا وانتقص منه. العين: (٧/ ٣٨٢)، تهذيب اللغة: (١٣/ ١٧٠).
(٣) أي ملكًا عظيمًا كثير العطاء، والناقة الرّبَحْلَة: هي العظيمة الجيدة الخلق في طول. المخصص: (٤/ ٢٢٠)، النهاية في غريب الحديث: (٢/ ١٨٢) مادة (ربحل).
(٤) الحباء: بكسر الحاء وضمها ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به، وقيل: هو العطاء بلا من ولا جزاء. تهذيب اللغة: (٥/ ١٧٢)، المحكم والمحيط الأعظم: (٤/ ٢٧).
[ ١ / ١٣٥ ]
أهل الوبر زمرًا بعد زمر؟ قال: إذا ولد مولود بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، قال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أبتُ بخير ما آب به وافد؛ ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من سادة إيَّاي ما أزاد به سرورًا، قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولدناه مرارًا، والله باعثه جهارًا، وجاعل له منا أنصارًا، يعزُّ بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم وجوه الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسّر الأوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن الباطل ويُبطله. قال عبد المطلب: أيها الملك عزّ جَدّك، وعلا كعبك، ودام مُلكك، وطال عمرك؛ فهل الملك ساري بإفصاح؟ فقد أوضح لي بعض الإيضاح. قال ابن ذي يزن والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إِنَّكَ يا عبد المطلب لجده غير كذب، فخرَّ عبد المطلب ساجدًا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك؛ فهل أحسست شيئًا مما ذكرتُ لك، قال: أيها الملك، كان لي ابنُ كنت به معجبًا، وعليه رفيقًا، فزوجته كريمة من كرائم قومي: آمنة بنت وهب، فجاءت بغلامٍ سَمَّيته محمدًا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعَمّه، قال ابن ذي يزن: الذي قلتُ لك كما قلت، فاحتفظ به واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلًا، واطو ما ذكرتُ لك دون هؤلاء الرهط الذين معك؛ فإني لا أمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون لك الرئاسة، فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون أو أبناؤهم، فلولا أني أعلم أن الموتَ مُجتاحي قبل مبعثه لسرتُ بخيلي ورجلي حتى أصير يثرب دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنّه أمره، ولا وطأت أسنانُ العرب عقبه،
[ ١ / ١٣٦ ]
ولكنني صارف ذلك إليك، عن غير تقصير بمن معك، ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشرة إماء، وبمائة من الإبل، وبخمسة أرطال ذهبًا، وعشرة أرطال فِضَّة، وحِلْسًا (^١) من البرود، وكرْشًا مملوء عنبرًا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأتني، فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، وكان عبد المطلب يقول: يا معشر قريش، لا يغبطني أحد بجزيل عطاء الملك وإن كثر، فإنه إلى نفاد؛ ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي، ذكره، وفخره، وشرفه، فقال له: ومتى ذلك؟ قال: ستعلم ولو بعد حين (^٢).
١١٠ - أخبرنا أبو مَنْصُور محمد بن محمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا القاضي أبو محمد عبد الله بن علي بن أيوب، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، عن رجلين سماهما، عن يسير بن عبد الله الدارسيني، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما قدم وَفْدُ إياد على رسول الله ﷺ، سألهم عن القُس بن سَاعِدة الإيَّادِي (^٣).
_________________
(١) الحلس: هو كساء تحت الرَّحل ويسمى القرطاط، يلي ظهر البعير ويكون ملازمًا له. العين: (٢/ ٣٤٤) و(٣/ ١٤٢)، تهذيب اللغة: (٤/ ١٨١ - ١٨٢).
(٢) أخرجه الخرائطي في هواتف الجان: (٨١ - ٨٥) عن علي بن حرب عن أحمد بن عثمان عن عمرو بن بكر عن أحمد بن القاسم عن الكلبي به، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٤١ - ٤٤٥)، وأخرجه الأزرقي في أخبار مكة: (١/ ١٤٩ - ١٥٤) بإسناده عن عمرو بن بكر عن أحمد بن القاسم عن الكلبي به، وأخرجه الماوردي في أعلام النبوة: (٢٣٤ - ٢٣٦) بإسناده عن أحمد بن القاسم عن الكلبي عن أبي صالح به، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل: (١/ ٩٥ - ٩٩/ ح ٥٠) بإسناده عن السائب الكلبي عن أبي صالح به. وإسناد المصنف ضعيف جدا، لأجل الانقطاع، فعمرو بن بكر لم يسمع من محمد ابن السائب الكلبي، وفيه أيضا محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب، وفيه أبو صالح باذام وهو ضعيف. وللخبر متابع أخرجه البزار في المسند: (١١/ ٤٧٠/ ح ٥٣٤٧)، وابن حبيب في المنمق: (٤٢٧ - ٤٣٣) بإسنادهما عن ابن عباس به، وله شواهد أخرى، منها ما أخرجه دعبل بن علي في وصايا الملوك: (١٥ - ١٦) من طريق علي بن محمد عن جده به، وما أخرجه البيهقي في الدلائل: (٢/ ٩ - ١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٤٥ - ٤٥٠) كلاهما من طرق عن أبي زرعة ابن سيف بن ذي يزن، وما أخرجه ابن الجوزي في المنتظم: (٢/ ٢٧٦ - ٢٨٠) بإسناده عن ابن مزروع الكلبي عن أبيه به.
(٣) قس بن ساعدة بن حذافة بن زفر الإيادي البليغ الخطيب المشهور، مات قبل البعثة، وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال أما بعد في قول، وأول من كتب من فلان إلى فلان، ذكره في الصحابة ابن السكن وابن شاهين وعبدان المَرْوَزِي وأبو موسى. الإصابة: (٥/ ٥٥١ - ٥٥٣).
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال: «هل فيكم من يَعْرِفهُ»؟ قالوا: كُلنا نعرفه.
وساق الحديث بطوله (^١).
١١١ - وأخبرنا أبو مَنْصُور، حدثنا أبو علي الحسن بن شهاب الحنبلي بقراءته علينا، قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن حمزة البندار المَرْوَزِي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن جَعْفَر بن مروان المقرئ، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله ابن الحجاج أبو سعيد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأزدي، قال: حدثنا عمرو بن بكر البكري، عن هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
قال: أبو سعيد: وحدثنا أحمد بن إبراهيم المقرئ، وعبد الله بن محمد المُفَضَّلي أبو عبد الله، قالا: حدثنا أبو جعفر محمد بن حَسَّان السَّمتي، عن محمد بن الحجاج اللخمي، عن مجالد (^٢)، عن الشعبي، عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض، وبعض روايتهم يزيد على بعض، قال: قال ابن عباس رحمة الله عليه: عاش القُس بن سَاعِدَة ستمائة سنة، وكان من خُطباء العرب، وحُكَمائها، وعُقلائها، وأدبائها، وأوَّلُ من خطب بقضيب على ناقة، وأول من قال في أول الكلام أما بعد، وأول من كتب من فلان إلى فُلان، وأوَّلُ من أقرّ بالبعث من غير وحي، وهو الذي يقول (^٣):
_________________
(١) أخرجه النقاش في فنون العجائب: (٦٩ - ٧١)، وابن درستويه في حديث قس بن ساعدة: (٦٧ - ٧٠/ ٢)، وأبو نعيم في الدلائل: (١٠٣/ ١ - ١٠٦/ ح ٥٥)، وفي تاريخ أصبهان: (١٥٢/ ٢) جميعهم من طرق عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح به. وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب، وفيه أبو صالح باذام وهو ضعيف. قال ابن حجر في الإصابة: (٥٥٢/ ٥): «وقد أفرد بعض الرواة طرق حديث قس، وفيه شعره وخطبته، وهو في المطولات للطبراني وغيرها، وطرقه كلها ضعيفة، وحكم عليه الألباني بالوضع كما في السلسلة الضعيفة: (٨٣٣ - ٨٣٤/ ح ٥٩٠٦).
(٢) هو أبو عمرو مُجالِد - بضم أوله وتخفيف الجيم - ابن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، ليس بالقوي وقد تغيّر في آخره عمره.
(٣) من الطويل.
[ ١ / ١٣٨ ]
هَلِ العَبدُ يُعْطَى الأَمْرَ قَبلَ نُزُولِهِ (^١) بِحَالٍ مُسِيء فِي الْأُمُورِ وَمُحْسِن
وَمَا قَد تَوَلَّى فَهُو قَدْ فَاتَ ذَاهِب … فَهَلْ يَنْفَعَنِّي لَيْتَنِي وَلَو أَنِّي
ولذلك قول لبيد (^٢):
وَأَخْلَفَ قُسَا لَيْتَنِي وَلَوْ أَنَّنِي … وَأَعْيَا عَلَى لُقْمَانَ حُكْمُ التَّدَبُرِ
وكان القُس من أحسن أهل زمانه خُطبة.
قال ابن عباس ﵀: ولما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ، فقال: «أيكم يعرف القُس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله، قال: «ما فعل»؟ قالوا: مات، قال: «لست أنساه بسوق عكاظ وهو [على] جمل (^٣) أحمر»، وفي رواية الكلبي: «أوْرَق» (^٤)، وهو يخطب الناس، وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا، فإِذا سَمِعتُم فَعُوا تنتفعوا، فإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدُقُوا.
أما بعد: فإن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت وآيات في أثر آيات، وأموات من بعد أموات، وضَوْءٌ وظلام، وجبال وآكام، ومُحسن ومسيء، وسعيد وشقي، أين الأرباب الغفلة؟ ليُصلح كل عامل عمله، أين القرون الماضية؟ تلك ديارهم خاوية، أنيسها الذئاب الغاوية، عمَّروها عَمَّارة من لم يرد الظعن والانتقال، فنقلوا فظعنوا والقلائد في الأعناق، وعلى الظهر الأوزار، وطمعوا في البقاء والخلود، كلا بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا بوالد، أعاد وأبدأ، وإليه
_________________
(١) ذكر الشطر الأول من البيت عند أبي حاتم في المعمرون والوصايا: (٢٨) بلفظ: «هل الغيث معطى الأمن عند نزوله».
(٢) من الطويل.
(٣) في الأصل: «وهو جمل»، والزيادة من المصادر.
(٤) جمل أورق: هو الذي يضرب لونه إلى الخضرة كلون الرماد، وقيل: غبرة تضرب إلى السواد. مشارق الأنوار: (٢٨٣/ ٢) مادة (ورق)، لسان العرب: (٣٧٧/ ١٠) مادة (ورق).
[ ١ / ١٣٩ ]
المعاد غدًا.
أما بعد: يا أهل إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ فأين الحسن الذي لم يشكر؟ والظلم الذي لم ينكر؟
أما بعد: «فإن في السماء لجزاء، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تمور، وبحار لا تغور، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قُسّ بالله قسمًا حقًا لا كاذب فيه ولا أثم، لإن كان في الأمر رضا، ليكونن في بعضه سخطًا، وما هذا بلعب، وإنَّ وراء ما نحن فيه لعجبا ما لي أرى الموتى يذهبون فلا يرجعون، أَرَضُوا فأقاموا، أم تُركوا فناموا؟ كلّا إن لهم ليومًا يُعِيدُهُم فِيهِ مَنْ أبدأهم، أقسم قُس قسمًا حقًا، ما حنث ولا أثم أن الله دينًا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه»، ثم قال: «أَيُّكُم يروي شعره»؟ فأنشده (^١):
فِي النَّاهِبِينَ الأَوَّلِي نَ … مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلمَوْتِ … لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا … يَسْعَى الأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ
لَا يَرْجِعُ المَاضِي إلي … وَلَا مِنَ البَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا محال … لَةَ حَيْثُ صَارَ القَوْمُ صَائِرُ
فقال رجل من إيَّاد غير هذا وأنا أحفظ ما قال بعد هذا يا رسول الله، فقال: «قل يا أخا إيّاد»، فأنشأ يقول (^٢):
يَا نَاعِيَ المَوْتِ وَالأَمْوَاتُ فِي جَدَثٍ … عَلَيْهِم مِّنْ بَقَايَا برهم خِرَقُ
دَعْهُم فَإِنَّ لَهُم يَومًا يُصَاحُ بهِم … كَمَا يُنَبَّه مِن نَوْمَاتِهِ الصَّعِقُ
_________________
(١) من مجزوء الكامل.
(٢) من البسيط.
[ ١ / ١٤٠ ]
حتى يجيثوا بِحَالٍ غَيرِ حَالِهِمُ … خَلْقُ مَضَى ثُمَّ مَاذَا بَعْدَ ذَاكَ لَقُوا
مِنْهُمْ عُرَاةٌ وَمِنْهُم فِي ثِيَابِهِمُ … مِنْهَا الجَدِيدُ وَمِنْهَا الدَّارِسُ الخَلِقُ
فقال النبي ﷺ: «هيهات هيهات، يُحشَرُ الناس يوم القيامة شُعْثًا غُبْرًا غرلا»، فقالت عائشة ﵂: واسوأتاه من يوم القيامة يا رسول الله، قال: «يا عائشة لِكُلِّ امرئ منهم يومئذ شَأنٌ يُغنيه، كلَّ مشغول بشغله عن النظر في العورات»، قال ابن عباس: فقام إليه رجل طويل القامة، عظيم الهامة، ضخم الدَّسيعة (^١)، جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ، كأني أنظرُ إلى حاجبيه وقد سقطا على عينيه، فقال: يا رسول الله، لقد رأيت من قُسّ عجبًا، فقال له النبي ﷺ: «وما رأيت من قس»؟ قال: خرجتُ في جاهليتي أبغي بعيرًا لي شردَ مني، أقفو أثره في بَسَابِسَ (^٢) خِفَاف، ذات ضَغَابيس (^٣)، وعرصات جَثجات (^٤)، من صدور جذعان، عن [غَمِير (^٥)] حوذان (^٦)، ورَضِيع أيهقان (^٧)، ومهمه ظلمان (^٨)، فبينما أنا أجول
_________________
(١) الدسيعة: مجتمع الكتفين، وقيل: العنق. النهاية في غريب الأثر: (٢/ ١١٧) مادة (دسع)، لسان العرب: (٨/ ٨٥) مادة (دسع).
(٢) بسابس: هي القفار الواسعة المستوية. تهذيب اللغة: (١٢/ ٢٢٠)، النهاية في غريب الأثر: (١/ ١٢٦) مادة (بسبس).
(٣) ضغابيس: هي صغار القثاء. غريب الحديق لابن قتيبة: (١/ ٢٧١)، النهاية في غريب الأثر: (٣/ ٨٩) ضغبس.
(٤) عرصات جثجاث: العرصة كل مكان واسع لا بناء فيه، والجثجاث: شجر أصفر مرّ طيب الريح، تستطيبه العرب وتذكره في أشعارها. النهاية في غريب الأثر: (١/ ٢٣٩) مادة (جثجث)، و(٣/ ٢٠٨) مادة (عرص)، لسان العرب: (٢/ ١٢٨) مادة (جثا)، و(٧/ ٥٣) مادة (عرص).
(٥) في الأصل: «يمين»، والتصحيح من المصادر.
(٦) غمير حوذان: الغمير -بفتح الغين وكسر الميم- هو نبت البقل عن المطر بعد اليبس، وقيل: هو نبات أخضر قد غمر ما قبله من اليبيس، والحوذان بقلة لها قضيب وورق ونور أصفر. المحيط في اللغة: (٥/ ٨٠)، تهذيب اللغة: (٤/ ٢٦٩)، النهاية في غريب الأثر: (١/ ٤٥٧)، و(٣/ ٣٨٥) حوب، غمر.
(٧) رضيع أيهقان: الأيهقان: نبت وقيل: الجرجير البري، ومعناه أن النعام ترتع هذا النبت في هذا المكان، وتمصه بمنزلة اللبن لشدة نعومته وكثرة مائه، وقيل: رصيع أيهقان: أي أن هذا المكان قد صار بحسن هذا النبت كالشيء المحسن المزين بالترصيع. النهاية في غريب الأثر: (٢/ ٢٢٧)، و(٢/ ٢٣٠) مادة (رصع) و(رضع)، لسان العرب: (١٠/ ١١) مادة (أهق).
(٨) مهمه ظلمان، المهمه المفازة والبرية القفر، والظلمان-بالضم والكسر- ذكر النعام وواحده ظليم. العين: (٨/ ١٦٣)، تهذيب اللغة: (٥/ ٢٥٠)، النهاية في غريب الأثر: (٣/ ١٦٢)، و(٤/ ٣٧٦) مادة (ظلم) و(مهمه).
[ ١ / ١٤١ ]
بَسْبَسَهَا، وأرمق فَدْفَدَها (^١)، أجنني الليل، فلجأت إلى هضبة في سوائها (^٢) أراك، كبات (^٣) مخضوضرة بأغصانها، كأن بريرها (^٤) حب فلفل، من بواسق (^٥) أقحوان، وقد مَضَى من الليل ثلثه الأول، فغلبتني عيناي، فرقدتُ فَإِذَا أنا بهاتف يقول (^٦):
يَا رَاقِدًا فِي هَضَبَةِ الأَرَاكِ … احْذَرْ سَبِيلَ الغَيِّ وَالإِشْرَاكِ
وَارْحَلْ إِلَى يَثْرِبَ بانصتاك … وَخَلَّ غِل سَلْمَقَ الركاك
إيتِ رَسُولَ المَلِكِ الفَكَّاكِ … مُحَمَدًا يَجْلُو عَمَّا لِلشَّكَّاكِ
وَيَكْسِرُ الأَصْنَامَ بِالدَّرَّاكِ … تَنْجُ مِنْ الهَفْوَةِ وَالضَّلَالِ
قال: فاستيقظت من ذلك فَزِعًا مَرْعُوبًا، وأنشأتُ أقول: واللات والعزى إن هذا لأمر عظيم قد حدث، انبعث نبي من تهامة من آخر ساعة القيامة، قال: ثم غلبتني عيناي، فرقدتُ، فَإِذَا أنا بهاتف وهو يقول (^٧):
وَسْنَانٍ أَمْ تَسْمَعُ مَا أنبيكا … فَارْحَلْ هُدِيتَ وَابْتَغِي وشيعا
حَتَى تُوَافِي مَنْهَلًا مَسْلُوكَا … بِيَثْرِبَ تحفى بِما سَنُوكَا
إيتِ رَسُولَ عبد المليكا … يُدْنِي إِلَيْهِ الحُرَّ وَالمَمْلُوكَا
_________________
(١) الفدفد: هي الفلاة من الأرض لا شيء فيها، وقيل: الغليظة من الأرض ذات الحصا، وقيل: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. مشارق الأنوار: (٢/ ١٤٩) مادة (فدفد)، لسان العرب: (٣/ ٣٣٠) مادة (فدفد).
(٢) هضبة في سوائها: أي في الموضع المستوي من الهضبة. النهاية في غريب الأثر: (٢/ ٤٢٧) سوى.
(٣) كباث: قيل إنها ثمر الأراك إذا نضج واسود، وقيل غير ذلك. تهذيب اللغة: (١٠/ ١٠٥) كبث.
(٤) البرير: الأول من حبّ الأراك. تهذيب اللغة: (١٥/ ١٦٠) بر.
(٥) البواسق: جمع باسق، وهو المرتفع في علوة النهاية في غريب الحديث: (١/ ١٢٨) بسق.
(٦) من الرجز.
(٧) من الرجز.
[ ١ / ١٤٢ ]
وَيَقْبَلُ الكُوعَةَ (^١) وَالمَلُوكَا … رَسُولُ صِدْقٍ يُفْرِجُ الشكوكا
قال: فاستيقظت فزعًا وأنشأت أقول (^٢):
يَا أَيُّهَا الهَاتِفُ وَالَّليْلُ [سَحمِ] (^٣) … مَا ذَا الذِي تَدْعُو إِلَيْهِ وَتُلِم
بَيِّن لَنَا عَنَ صِدْقِ مَا أَنْتَ زَعِمٍ … هَلْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يَغْتَنِمِ
مِنْ بَعْدِ عِيسَى فِي دُجُنَّاتِ (^٤) الظُّلَمِ … يَهْدِي مِنَ الزيغ وَيَنْجُوا مِنْ سَلِمٍ
قال: ألا وإنه قد بَطَل زُورٌ، وَظَهَر نُور، وبُعِث نبيُّ بالسرور، قال: فَأَرِقْتُ أفكر في أمري، فما حسست بركبي حتى نزغ عمود الصبح، فَأَرَغْتُ بعيري، فإذا هو في أصل شجرة يهش من ورقها، وينهش من أغصانها، فدنوت إليه فَرُمْتُه، ثم استويت على كورة، ثم اقتحمت واديًا، فإذا أنا بعينٍ خَرّارة (^٥)، وروضة مدهامة (^٦)، وشجر عادية (^٧)، وإذا بقس بن ساعدة قاعدًا في أصل شجرة، وفي يده قضيب، وقد وردت على العين سباعٌ كثيرةً، فَكُلَّما ورد سبع قبل صاحبه، ضربه قُس بقضيبه، وقال: تنح حتى يشرب الذي ورد قبلك، فلما رأيت ذلك ذُعِرتُ ذُعْرًا شديدًا، فالتفتَ إلي قُسّ فقال: لا تخف، ثم التفت فإذا
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي بعض المصادر: «السوقة»، وهو الصواب والله أعلم.
(٢) من الرجز.
(٣) في الأصل: «سجم»، والمثبت هو الصواب كما في المصادر، والشحمة سواد كلون الغراب الأسحم أي: الأسود، وقيل الأسحم الليل، وقيل السحاب الأسود. العين: (٣/ ١٥٤ - ١٥٥)، تهذيب اللغة: (٤/ ٢٠٠).
(٤) الدجنة: الظلماء، يقال أدجن يومنا فهو مدجن إذا أضب فأظلم. تهذيب اللغة: (١٠/ ٣٤٩)، لسان العرب: (١٣١٤٧) مادة (دجن).
(٥) عين خرارة الخرير صوت الماء، والمعنى عين كثيرة الجريان. العين: (٤/ ١٣٩)، النهاية في غريب الأثر: (٢/ ٢١) مادة (خرر).
(٦) روضة مدهامة: أي شديدة الخضرة المتناهية فيها، كأنها سوداء لشدة خضرتها. تهذيب اللغة: (٦/ ٣٠٠)، النهاية في غريب الأثر: (٢/ ١٤٦) مادة (دهم).
(٧) شجرة عادية: أي قديمة، كأنها نسبت إلى عاد قوم هود، وكل قديم ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم. النهاية في غريب الأثر: (٣/ ١٩٥) مادة (عدا)، لسان العرب: (١٥/ ٤٢) مادة (عدا).
[ ١ / ١٤٣ ]
بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القَبْرَان؟ فقال: هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع، فأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت: ألا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتُباينهم على شرهم؟ فقال لي: ثَكِلَتْكَ أُمُّك، أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركب دين أبيها، واتَّبَعَتِ الأضداد، وَعَظَمَتِ الأَنْدَادَ، ثم تركني وأقبل على القبرين يبكي، ويقول:
خليلي هبَّا طَالَما قَدْ رَقَدْتُمَا … أَمَا لَكُمَا لَا تَقْضِيَانِ كَرَاكُما
أَجِدَّ كُمَا لَا تَرَيَانِ لموجع … مُقِيمٌ عَلَى قَبْرَيْكُمَا قَدْ رَثَاكُمَا
جَرَى النَّوْمُ بَيْنَ الجِلْدِ وَالعَظمِ مِنْكُمَا … كَأَنَّ الذِي يَسْقِي العُقَارَ (^١) سَقَاكُمَا
أَمَا تَرْحَمَانِي أَنَّنِي صِرْتُ مُفْرَدًا … وَإِنِّي لَمَشْتَاقُ إِلَى أَنْ أَرَاكُمَا
أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي بِسَمْعَانَ (^٢) مُفْرَدُ … وَمَا لِي بِسَمْعَانَ حَبِيبٌ سِوَاكُمَا
أُنَادِيكُمَا بِالجَهْرِ مِنِّي صَبَابَةً … فَمَا تَسْمَعَانِ الصَّوْتَ مِمَّنْ دَعَاكُمَا
فَإِنْ كُنْتُمَا لَا تَسْمَعَانِ فَمَا الَّذِي … خَلِيلِي عَنْ سَمْعِ الدُّعَاءِ عَدَاكُمَا
أَجِيبًا فَلَنْ أَنْفَكَ أَبْكِي عَلَيْكُمَا … وَمَا ذَا عَلَى ذِي عَبْرَةٍ إِنْ بَكَاكُمَا
فَلَوْ جُعِلَتْ نَفْسُ لِنَفْسٍ فِدَاؤُهَا … لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ تَكُونَ فِدَاكُمَا
فقال النبي ﷺ: «رَحِمَ الله قُسًّا، أما إنه يُبْعَثُ يوم القيامة أُمَّةً وَحدَه» (^٣).
_________________
(١) العقار والعقاقير: كل نبت ينبت مما فيه شفاء يستمشى به، والعِقار: النخل، ويطلق أيضا على الضيعة. تهذيب اللغة: (١/ ١٤٩)، الصحاح تاج اللغة: (٣/ ١٢٥٢).
(٢) سمعان: موضع بالشام من جهات معرة النعمان في سورية، وبه قبر عمر بن عبد العزيز ﵁. المعالم الأثيرة: (١١٧، ١٤٣).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (١٢/ ٨٨ - ٨٩/ ١٢٥٦١)، وابن عدي في الكامل: (٦/ ١٤٤ - ١٤٥)، والنقاش في فنون العجائب: (٦٢ - ٦٣)، والباقلاني في إعجاز القرآن: (١٥١ - ١٥٢)، والخطيب في تاريخ بغداد: (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وابن الجوزي في الموضوعات: (١/ ١٥٢ - ١٥٣) جميعهم من طرق عن محمد بن حسان السمتي عن محمد بن الحجاج اللخمي به، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد =
[ ١ / ١٤٤ ]
١١٢ - قال: أخبرنا أبو مَنْصُور محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو أحمد [عبيد] (١) الله بن محمد بن أحمد الفَرَضِي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جَعْفَر بن أحمد بن يزيد الصيرفي المعروف بالمَطِيرِي قراءةً عليه في منزله، قال: حدثنا أحمد بن عُبَيْد بن ناصح، قال: حدثنا علي بن محمد المَدَائِنِي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله - ابن أخي الزُّهْرِي -، عن الزُّهْرِي، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قَدِمَ وفد ربيعة على رسول الله ﷺ فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي، وكان نازلًا فيهم، فقال: «ما فعل»؟ فقالوا: هَلَكَ يا رسول الله، قال: «والله لقد رأيته يومًا بعُكاظ، وهو على جمل له أحمر، وهو يخطب الناس، وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلما هو آت آت مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرَضُوا بالمقامة فأقاموا، أم تُرِكُوا كما هم فناموا، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، ليل موضوع، وسقف مرفوع، وبحار لا تغور، ونجوم تمور ثم تحور، أقسم قس بالله، ثم ما أثم، أن الله لدِينًا هو أرضى من دين نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر، ما أدري ما هي»، قال أبو بكر ﵁: أنا أنشد ذلك يا نبي الله، قال: «أنشدنا»، فأنشأ أبو بكر
_________________
(١) = والمثاني: (١٦٣١/ ٣/ ٢٦٠)، والبزار في المسند (٥٣٤٧/ ١١/ ٤٧٠/ ح)، وابن درستويه في حديث قس ابن ساعدة (١/ ٦٧ - ٦١)، وأبو سعد النيسابوري في شرف المصطفى: (١ - ٢١٢ - ٢١٥/ ح ٤٨) جميعهم من طرق عن محمد بن الحجاج اللخمي عن مجالد به. وإسناد المصنف واه، فيه محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب، وفيه هشام بن محمد الكلبي وهو متروك الحديث، وفيه محمد بن الحجاج اللخمي وهو منكر الحديث، وفيه أبو صالح باذام، وتجالد بن سعيد الهمداني وهما ضعيفان. وللخبر متابعات عديدة عن ابن عباس، منها طريق سعيد بن المسيب، وطريق علي بن عبد الله ابن عباس، وطريق سعيد بن جُبَيْر، جميعهم عن ابن عباس، وكلها ضعيفة، وللخبر كذلك شواهد متعددة منها شاهد أنس بن مالك وعبادة بن الصامت وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، والحسن البصري، وخلف بن أعين، وسعد بن أبي وقاص، وقال ابن حجر في الإصابة (٥٥٢/ ٥): «كل طرق حديث قس بن ساعدة ضعيفة، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (٢٣٦/ ٢): «وأصله مشهور، وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة»، وذكر السيوطي في اللآلئ: (١٧٣ - ١٦٧/ ١) أن أمثل طرق هذا الحديث ما أخرجه محمد بن داود الظاهري في الزهرة: (١٥٠ - ١٤٩) عن أحمد بن عبيد النحوي عن علي بن محمد المدائني عن ابن أخي الزُّهْرِي عن عبيد الله بن عبد الله عن سعد ابن أبي وقاص ﵁، وذهب ابن عراق إلى تحسين الخبر كما في تنزيه الشريعة المرفوعة: (٢٤٣ - ٢٤٢/ ١). (١) في الأصل: «عبد»، والتصحيح من المصادر.
[ ١ / ١٤٥ ]
﵁ يقول (^١):
فِي الذاهبين الأَوَّلِينَ … مِنَ القُرُونِ لَنَا بَصَائِرٌ
لمَّا رأيتُ مَواردًا … للموت ليس لها مصادِرُ
وَرَأَيتُ قَوْمِي نَحوَها … يَمْضِي الأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ
لَا يَرْجِعُ الماضِي إِلَيَّ … وَلَا مِنَ البَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا تَحَا لَةَ … حَيثُ صَارَ القومُ صَائِرُ (^٢)
١١٣ - أخبرنا أبو مَنْصُور، قال: حدثنا عمي عبد الواحد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز المُعَدَّل، قال: حدثنا أبي أبو بكر أحمد بن الحسين بن عبد العزيز المُعدَّل، حدثنا أبو محمد جَعْفَر بن أحمد بن الفرج الدُّورِي.
١١٤ - أخبرنا محمد بن جابر المؤذن، قال: حدثنا إبراهيم بن طلحة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن شَيْبَة، قال: حدثنا عبد الكبير بن عمر الخطابي، قال: حدثنا علي ابن حرب الطائي، حدثني أبو نزار يعلى بن عمران البَجَلي، حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه (^٣)، وأتت له مائة وخمسون سنة.
١١٥ - أنبأنا محمد، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سهل بن نوح بن يحيى الجياني، قال: حدثنا علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران من آل
_________________
(١) من مجزوء الكامل.
(٢) الخبر أخرجه محمد بن داود في الزهرة: (١٤٩ - ١٥٠) عن أحمد بن عبيد النحوي عن المدائني به، وومن طريقه أخرجه النقاش في فنون العجائب: (٧٢). وإسناد المصنف ضعيف فيه أحمد بن عبيد ابن ناصح النحوي وهو لين الحديث، وقال ابن عدي هو من أهل الصدق. وهذا الطريق أمثل طرق حديث قس بن ساعدة الإيادي كما قال السيوطي في اللآلئ: (١/ ١٦٧ - ١٧٣)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة: (١٢/ ٨٣٥): «وقد خرجها السيوطي في اللآلي، وبيَّن عللها كلها إلا الأخيرة منها وهي أطولها، وفيها زيادات كثيرة؛ فقد سكت عنها، وكأنه لظلمة إسنادها، وجهالة بعض رواتها، ونكارة متنها، ويد الصنع والتكلف ظاهرة عليها».
(٣) هو أبو مخزوم هانئ المخزومي، مختلف في صحبته.
[ ١ / ١٤٦ ]
جرير بن عبد الله البَجَلي، حدثني [مخزوم بن هانئ] (^١) المخزومي، عن أبيه، وأتت له مائة وخمسون سنة، قال: لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجسَ إِيوَانُ (^٢) كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرافة (^٣)، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة سَاوَة (^٤)، ورأى الموبذان إبلًا صعابًا تقود خيلًا عرابًا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك، وتصبّر عليه تشجعًا، حتى إذا عيل مرة، رأى أن لا يدَّخِر ذلك عن وُزَرَائه ولا مَرَازِبَتِهِ، فجمعهم ولبس تاجه، وجلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده، قال: أتدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك؛ إذ ورَدَ عليه كتاب بخمود النار، فازداد غمًا إلى عمه، وأخبرهم بما هَالَه، فقال المؤبدان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة، ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال الملك: أيُّ شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب، وكان أعلمهم في أنفسهم، فكتب عند ذلك كسرى من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن جان. قال الخطابي، وقال الدوري: ابن هاشم بن بقيلة الغَسّاني.
فلما ورد عليه قال: إني أريد أن أسألك؟ قال: يسألني الملك عما أحب، فَإِنْ كان عندي علم، وإلا فأخبرته من يَعلَمُه، فأخبره بذلك، فقال: علم ذلك
_________________
(١) في الأصل: «هانئ بن مخزوم»، والمثبت هو الصواب كما في المصادر.
(٢) الإيوان: اسم أعجمي، يعني الصفة العظيمة، وهو بيت شبه أزج غير مسدود الوجه. غريب الحديث لابن الجوزي: (١/ ٥٠)، لسان العرب: (٤٠/ ١٣) مادة (أون).
(٣) الشرف: الموضع المشرف، ومشارف الأرض أعاليها، وهي التي طولت أبنيتها بالشرف، والواحدة: شرفة. تهذيب اللغة: (٢٣٤/ ١١)، غريب الحديث لابن الجوزي: (١/ ٥٣٢).
(٤) مدينة ساوة تقع في منتصف المسافة بين همذان والري، على طريق القوافل التي تقطع بلاد فارس أي طريق خراسان، وكانت ذات شأن كثيرة الجمال، ثم خرّبها المغول عام ٦١٧ هـ وقتلوا كل من فيها، وعلى ساحل هذه المدينة توجد البحيرة المذكورة، وتقع اليوم البحيرة ببلاد العراق وتبعد عن مركز مدينة السماوة ب ٣٠ كلم. معجم البلدان: (٣/ ١٧٩)، بلدان الخلافة الشرقية: (٢٤٦ - ٢٤٨).
[ ١ / ١٤٧ ]
عند خالي، يسكن مشارق الشام، قال: فاته فاسأله عما سألتك، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سَطيح، وقد أشفى (^١) على الموت، فسلّم عليه وحياه، وكلمه، فلم يرد عليه جوابًا، فأنشأ عبد المسيح يقول (^٢):
أَصُمٌّ أَم يَسْمَعُ غِطريفُ اليَمَنْ … أَمْ فَادَ فَازْلَم بِهِ شَأْوُ العَنَنُ
يَا فَاضِل (^٣) الخطة أَعيَت مَن وَمَنْ … أَتَاكَ شَيخُ الحَيَّ مِن آل سَنَنْ
وَأُمُّهُ مِن آل ذِئب بنِ حَزَنْ … أَزْرقُ مَهُمُ النَّابِ (^٤) صِرَارِ الْأُذُنْ
أَبْيَضُ فَضْفَاضُ الرِّدَاء حَجر البَدَنْ … رَسُولُ قَيْلِ العُجْمِ يَسرِي بِالوَسَنْ
لَا يَرهبُ الوَعْدَ وَلَا رَيبَ الزَّمَنْ … يَجُوبُ بِالأَرضِ عَلَى ذَاتِ شَجَنْ
تَرْفَعُنِي وَجْنَا وَتَهْوِي بِي وَجَنْ … حَتَى أَتَى عَارِي الجَاجِي وَالقَطَنْ
تَلُفُهُ فِي اللوحِ بوغاءُ الدِّمَنْ … كَأَنَّما حُثْحِتْ مِن [حِضْنَي] (^٥) ثَكَنْ
فلما سمع سَطيح هذا الشعر، رفع رأسه وهو يقول: عبد المسيح على جمل مشيخ، أتى إلى سطيح وقد وافى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا المُوبذان، رأى إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وفاضت في عين بحيرة ساوة، وخمدت
_________________
(١) أشفى: أي أشرف على الموت. غريب الحديث للحربي: (٢/ ٨١٧)، مشارق الأنوار: (٢/ ٢٤٩) مادة (شرف).
(٢) من الرجز.
(٣) كذا في الأصل، وفي بعض المصادر: «يا فاصل»، ولعله هو الصواب والله أعلم.
(٤) مهم الناب: أي حديد الناب، قال الأزهري: هكذا روي، وأظنه مهو الناب، بالواو، ويقال سيف مهو، أي حديد. غريب الحديث لابن الجوزي: (٢/ ٣٧٩)، النهاية في غريب الحديث: (٣/ ٣٧٥) مادة (مهم)، تاج العروس: (٣٣/ ٤٧٠) مادة (مهم).
(٥) في الأصل: «حصني»، والتصحيح من المصادر.
[ ١ / ١٤٨ ]
نار فارس، فليس الشام لسَطيح شامًا، يملك منهم مُلُوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هُوَ آتٍ آت، ثم قضى سَطيح مكانه، فنهض عبد المسيح إلى رحله، وهو يقول (^١):
شَمّر فَإِنكَ مَاضي الهمّ شِمِّيرُ … ولَا يَغُرَّنَّكَ تَفْرِيقُ وَتَغْدِيرُ
إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَان أَفْرَطَهُمْ … فإن ذا الدَّهر أطوار دَهَارِيرُ
فَرُبَّمَا أصبحوا مِنْهَا بِمَنْزِلَةٍ … تَهَابُ صَوْلَهُم الأُسدُ المَهَاصِيرُ
مِنهم أَخو الصَّرح بهرام وَإِخوتُه … وَالهُرمُزَانِ وشَابُورٌ وَسَابُورُ
والناسُ أولاد علات فَمَنْ عَلِمُوا … أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورُ ومهجور
وَهُم بَنُو الأُمّ أَمَّا إِنْ رَأَوْا نَشَبًا … فَذَاكَ بِالغَيْبِ مَحفُوظ ومنصورُ
والخيرُ والشَّرُّ مَقرونَانِ فِي قَرَنٍ … فَالخَيرُ متَّبَعُ وَالشَّرُّ محذور
قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى، وأخبره بمقالة سطيح، قال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا، قد كانت أمور، قال: فَمَلَك منهم عشرة في أربعة سنين، وملك الباقون إلى أيام عثمان ﵁ (^٢).
١١٦ - أخبرنا علي بن أحمد البُسْرِي، قال: أخبرنا ابن بَطَة إجازة، قال: حدثنا عبد الله
_________________
(١) من البسيط.
(٢) أخرجه الطبري في التاريخ: (١/ ٤٥٩ - ٤٦١)، والخرائطي في هواتف الجان: (٧٣ - ٧٦)، والأزهري في تهذيب اللغة: (٤/ ١٦٢ - ١٦٤)، والخطابي في غريب الحديث: (١/ ٦٢٢ - ٦٢٤)، وأبو سعد النيسابوري في شرف المصطفى: (١/ ١٢١ - ١٢٧)، والنقاش في فنون العجائب: (١٤٥ - ١٥٠)، و(١٦١ - ١٦٤)، وأبو نعيم في الدلائل: (١/ ١٣٩ - ١٤١/ ح ٨٢)، والبيهقي في الدلائل: (١/ ١٢٦ - ١٢٩)، وقوام السنة في دلائل النبوة: (١٣٤ - ١٣٧/ ح ١٤٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣٧/ ٣٦١ - ٣٦٣)، وابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٢) يزيد بعضهم على بعض وجميعهم من طرق عن علي بن حرب الطائي عن يعلى بن عمران به. وإسناد المصنف ضعيف، لأجل الانقطاع، فيعلى بن عمران البجلي لم يسمع من مخزوم بن هانئ.
[ ١ / ١٤٩ ]
ابن محمد البَغَوِي، قال: حدثنا شُرَيْح (^١)، قال: حدثنا عَبَّاد بن عباد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمَة.
ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه (^٢).
وحدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا أبو أسامة، حدثني محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمَة.
ويحيى بن عبد الرحمن بن أبي حاطب، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة، دخل لفظ أحدهما في حديث الآخر، قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مُردِفي إلى نصب من هذه الأنصاب، فذبحنا له شاة، ثم صنعناها في [الإرة] (^٣)، حتى إذا نضجت فاستخرجتها، فجعلتها في سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير وهو مردفي، في يوم حار من أيام مكة، حتى إذا كان على الوادي، لقيه زيد بن عمرو بن نُفَيْل (^٤)، فَحَيَّا أحدهما الآخر تحية الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ: «يا ابن عمي مالي أرى قومك وقد شنفوا لك (^٥)»، قال: أما والله إن ذاك مني لغير ثائرة كانت لي فيهم، ولكن أراهم على الضلالة، فخرجت أبتغي هذا الدين، حتى قدمت على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت ما هذا الدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدم على أحبار فدك (^٦)، فوجدتهم يعبدون
_________________
(١) هو أبو الحارث شُرَيْح بن يونس المروروذي البغدادي الأنباري، ثقة.
(٢) هو أبو أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله ﷺ وحبّه.
(٣) في الأصل: «الأزلة»، والصواب: «الإرة» كما في مصادر الخبر، وهي حفرة توقد فيها النار. العين: (٣٠١/ ٨)، النهاية في غريب الأثر: (١/ ٤٢) مادة (أرت).
(٤) زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، ذكره البغوي وابن مَنْدَه وغيرهما في الصحابة، قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين، ولكنه يجيئ على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي. أسد الغابة: (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٥)، الإصابة: (٢/ ٦١٣ - ٦١٥).
(٥) الشنف: شدة البغض، والشنف والشفن: شدة النظر من البغض غريب الحديث للحربي: (٢/ ٨٠٢) مادة (شنف).
(٦) فَدَك: بالتحريك وآخره كاف بلدة تقع شرقي خيبر على واد يذهب سيله مشرقًا إلى وادي الرمة، تعرف اليوم بالحائط، جلّ مُلاكها قبيلة هتيم، وهي عامرة كثيرة النخل والزرع معجم البلدان: (٤/ ٢٣٨ - ٢٤٠) فدك، معجم المعالم الجغرافية: (٢٣٥).
[ ١ / ١٥٠ ]
الله ويشركون به، فقلت: ما هذا الدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أتيت على أحبار الجزيرة، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فخرجت حتى أتيت أحبار الشام، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقال لي حبر من أحبارٍ الشام: إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدًا يعبد الله تعالى به اليوم، إلا راهبًا بالحيرة (^١)، فخرجت حتى قدمت عليه، فأخبرته الذي خرجت له، فقال لي: إن كل من رأيت في ضلال، إنك لتسأل عن دين الله، ودين ملائكته، وقد خرج في أرضكم نبي، وهو خارج.
زاد شُرَيْح في حديثه:
وقد طلع نجمه يدعو إليه، فارجع فصدقه، واتبعه، وآمن به، فرجعت فلم أحسن شيئًا، فأناخ رسول الله ﷺ البعير الذي كان تحته، ثم قدمنا له السفرة التي فيها الشاة، فقال: «ما هذا»؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: «إني لا أكل شيئًا ذبح لغير الله»، ثم تفرقنا وكان صنمان من نحاس، يقال لأحدهما إساف يعني، والآخر نائلة، يمسح بها المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفتُ معه، فلما مررت مسحته، فقال رسول الله ﷺ: «لا تمسه»، فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته، فقال رسول الله ﷺ: «ألم تُنه»؟ فقال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه، قال: ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يأتي يوم القيامة أمة وحده» (^٢).
_________________
(١) الحيرة: بالكسر ثم السكون وراء مفتوحة، مدينة على شاطئ الفرات الغربي، كانت عاصمة المناذرة، واليوم حل مكانها مدينة النجف على أميال من آثار الكوفة. معجم البلدان: (٢/ ٣٢٨ - ٣٣١)، معجم المعالم الجغرافية: (١٠٧ - ١٠٨).
(٢) أخرجه البَغَوِي في معجم الصحابة (٢/ ٤٤١ - ٤٤٤/ ح ٨١٨) عن شريح بن يونس عن عباد بن عباد به، وأخرجه البزار في المسند: (٤/ ١٦٥ - ١٦٧/ ١٣٣١)، والنسائي في فضائل الصحابة: (٢٥ - ٨٥/ ٢٧)، وفي السنن الكبرى (٥/ ٥٤/ ٨١٨٨)، والطبراني في المعجم الكبير: (٥/ ٨٦/ ٤٦٦٣)، و(٥/ ٨٧/ ٤٦٦٥)، وابن منده في التوحيد: (١٨٩)، والحاكم في المستدرك: (٣/ ٢٣٨/ ٤٩٥٦)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في دلائل النبوة: (٢/ ١٢٤ - ١٢٦)، وابن مَنْدَه في معرفة أسامي أرداف النبي (٤٣ - ٤٤)، وقوام السنة في دلائل النبوة: =
[ ١ / ١٥١ ]
١١٧ - أخبرنا محمد بن أبي محمد الداعي، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن أحمد بن عصمة البغدادي سنة سبع وثلاثمائة، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن فهم، حدثنا زكرياء بن يحيى الطائي، حدثني عمّ أبي زجر بن حصين، عن جده حميد بن منهب، قال: قال عمّي عروة بن مُضَرِّس، حدثني مخرمة بن نوفل، عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم، وكانت لدة (^١) ابن عبد المطلب قالت: تَتَابَعَت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأدقت العظم، فبينا أنا راقدة، اللهُمَّ أو مُهَوّمَة موهمة، إذا هاتف يهتف يصرخ بصوت صحل، يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم، وأنزل عليه الكتاب، قد أظلّتكم أيامه، وهذا إبان نجومه، فَحَيَّ هَلا (^٢) بالحياة والخصب، ألا فانظروا رجلًا منكم، وسبطًا عظامًا جسامًا، أبيض بضًا (^٣)، أَوْطَفَ الأهداب (^٤)، سهل الخدين، أشم العِرْنِين (^٥)، فليخلص هو وولده، وليهبط إليه
_________________
(١) = (٦٨/ ٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣٤٥ - ٣٤٦/ ١٩)، والمزي في تهذب الكمال: (١٠/ ٣٨ - ٤٠) جميعهم من طرق عن أبي أسامة عن محمد بن عمرو ويحيي بن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (١٩٩ - ٢٠٠/ ١/ ٢٥٧)، وأبو يعلى في المسند: (١٣/ ١٧٠ - ١٧٢/ ح ٧٢١٢)، والطبراني في المعجم الكبير: (٥/ ٨٧/ ٤٦٦٤)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ١٢٦ - ١٢٧)، وابن مَنْدَه في معرفة أسامي أرداف النبي: (٤٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (١٩/ ٣٤٣ - ٣٤٥)، و(١٩/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، وابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٣٢٩ - ٣٣١) جميعهم من طرق عن محمد ابن عمرو عن أبي سَلَمَة ويحيى بن عبد الرحمن عن أسامة بن زيد عن أبيه به، وأخرجه ابن الجوزي في المنتظم: (٢/ ٣٢٩ - ٣٣١) بإسناده عن عن محمد بن عمرو عن أبي سَلَمَة عن أسامة بن زيد به. وإسناد المصنف حسن. والحديث له شواهد عديدة من حديث عبد الله بن عمر، وأسماء بنت أبي بكر، وجابر، وابن عباس. وانظر تفصيل القول في الخبر وأكل النبي ﷺ من عدمه في فتح الباري: (٧/ ١٤٣ - ١٤٤).
(٢) اللدة: جمعها لدات، وهي التّرب والسن، يقال: ترب الرجل، أي الذي ولد معه. النهاية في غريب الأثر: (٤/ ٢٤٦) مادة (لدا)، المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٤٨٠).
(٣) حَيٌّ هَلا: كلمة حث واستعجال، يقال: حَيّ هلا بكذا، أي: أقبلوا وسارعوا إليه. تهذيب اللغة: (٥/ ٢٣٨)، غريب الحديث للخطابي: (١/ ٤٣٨).
(٤) البض: الرقيق اللون الذي يؤثر فيه أدنى شيء. الفائق: (١/ ١١٦)، غريب الحديث لابن الجوزي: (١/ ٧٤).
(٥) أوطف الأهداب: أي طويلها. غريب الحديث لابن قتيبة: (١/ ٤٧٢)، المخصص: (١/ ٩٧).
(٦) أشم العرنين العرنين هو الأنف، وقيل رأسه، وجمعه عرانين، وأشم من الشمم: وهو ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها. غريب الحديث لابن الجوزي: (٢/ ٩٠)، النهاية في غريب الأثر: (٢/ ٥٠٢) مادة (شمم).
[ ١ / ١٥٢ ]
من كل بطن رجل، فليسنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليستلموا الركن، ثم ليرقوا أبا قُبَيْس (^١)، فليدع الرجل وليؤمن القوم، فغشيتم ما شئتم، فأصبحتُ عَلم الله مذعورة، قد اقشعر جلدي، ووله عقلي، واقتصصت رؤياي، ونمت في شعاب مكة، فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلا قال: هذا شَيْبَة الحمد، وتنامت إليه رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فشنوا ومسوا واستلموا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفقوا جانبيه، ما يبلغ سعيهم مهد، حتى إذا استووا بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ غلام حتى قد أيفع أو قرب، فرفع يديه وقال: اللَّهُمَّ ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت مُعَلَّم غير مُعَلّم، ومسؤول غير مبخل، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذراتِ حرمك، يشكون إليك سنتهم، أذهبت الخَيْفَ والظَّلْف (^٢)، اللهُمَّ فأمطرنا غيثًا مغيثًا، مغدقًا سريعًا، فوالكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بماء فيها، واكتظ الوادي بثجثجة (^٣)، وتسمعت شيخان قريش وجلتها عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئًا لك أبا البطحاء، عاش بك أهل البطحاء، وفي ذلك تقول رقيقة (^٤):
بِشَبْيَةِ الحَمْدِ أَسْقَى اللَّهُ بَلْدَتَنَا … وَقَدْ فَقَدْنَا الحَيَاةَ وَاجْلَوَّدَ (^٥) المطَرُ
فَجَادَ بِالمَاءِ جَوْنِي لَهُ سَيْلُ … سَحًَا فَعَاشَتْ بِهِ الْأَنْعَامُ وَالشَّجَرُ
_________________
(١) أبو قبيس - بضم القاف وفتح الباء الموحدة - جبل معروف بمكة، وهو المشرف على الكعبة المشرفة من مطلع الشمس، وهو اليوم مكسو بالبنيان، ويقولون: الواقف على أبي قبيس يرى من يطوف بالبيت. معجم ما استعجم: (٣/ ١٠٤٠)، المعالم الأثيرة: (٢٢٢).
(٢) الخيف: جلد الضّرع، يقال ناقة خيفاء إذا كانت ضخمة الخيف. والظلف: ظفر البقر وما أشبهه مما يجتر. العين: (١٦٠٨)، جمهرة اللغة: (١/ ٦١٨) و(٢/ ٩٣٢)، الصحاح تاج اللغة: (٤/ ١٣٥٩)، تهذيب اللغة: (١٤/ ٢٧١).
(٣) ثجثجة: أي اكتظ الوادي بسيله من كثرة الأمطار. لسان العرب: (٢/ ٢٢١) مادة (ثجج).
(٤) من البسيط.
(٥) اجْلَوَّذ: أي امتدّ وقت تأخر المطر وانقطاعه. تهذيب اللغة: (١١١٢)، لسان العرب: (٣/ ٤٨٢) مادة (جلد).
[ ١ / ١٥٣ ]
مَنْ مِنَ اللهِ بِالمَيْمُونِ طَائِرُهُ … وَخَيْرُ مَنْ بُشِّرَتْ يَومًا بِهِ مُضَرُ
مُبَارَكَ الأَمْرِ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِهِ … مَا فِي الْأَنَامِ لَهُ عِدْلُ وَلَا خَطَرُ (^١)
١١٨ - وبه حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا أبو زيد خالد بن النضر، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، حدثنا هشام بن محمد الكلبي، قال: حدثنا عبد المجيد بن عيسى بن محمد بن أبي عبس بن جبر، عن أبيه (^٢)، قال: سمِعَتْ قريش قائلًا يقول في الليل على أبي قبيس، يقول (^٣):
إِنْ يُسْلِم السَّعْدَان يُصْبِحُ مُحَمَّدٌ … بِمَكَةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ شُقَرٍ وَمُخَالِفِ
فلما أصبحنا قال أبو سفيان: من السعدان: سعد بكر، وسعد تميم، وسعد
هذيل، فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول (^٤):
يَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا … وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجَيْنِ الغَطَارِفِ (^٥)
أَجِيبَا إِلَى دَاعِي الهُدَى وَتَمَنَّيَا … عَلَى اللهِ فِي الفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ
_________________
(١) الخبر أخرجه ابن أبي الدنيا في مجابي الدعوة (٩)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل: (١٩ - ١٧/ ٢)، وأخرجه الطبراني في الدعاء: (٦٠٥ - ٦٠٦)، وفي المعجم الكبير: (٢٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠/ ح ٦٦١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٥٧/ ١٤٩ - ١٥٠)، وابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، وفي كشف المشكل: (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦/ ح ١٥)، وابن الأثير في أسد الغابة: (٧/ ١٢٤ - ١٢٥) جميعهم من طرق عن زكرياء بن يحيى الطائي عن زجر بن حصين به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات: (١/ ٨٩ - ٩٠)، وابن حبيب في المنمق في أخبار قريش: (١٤٥ - ١٤٨)، والبلاذري في أنساب الأشراف: (١/ ٣٥)، وابن طيفور في بلاغات النساء: (٢٢)، وابن الأعرابي في المعجم: (٣/ ٤٨٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: (٦/ ٣٣٢٨/ ٧٦٣١)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٥ - ١٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٥٧/ ١٤٧ - ١٤٩) جميعهم من طرق عن مخرمة بن نوفل عن رقيقة بنت أبي صيفي، وفي مجمع الزوائد: (٨/ ٢١٩): «رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم». وفي إسناد المصنف زجر بن حصين، لم أعرف حاله. وللخبر متابعات من طرق كلها ضعيفة.
(٢) هو أبو عبس عيسى بن محمد بن أبي عبس بن جبر الأنصاري.
(٣) من الطويل.
(٤) من الطويل.
(٥) الغطارف: أي الكرام. المخصص: (١/ ٢٤٥)، لسان العرب: (٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠) مادة (غطرف).
[ ١ / ١٥٤ ]
فَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ لِطَالِبِ الهُدَى … جِنَانُ مِنَ الفِرْدَوْسِ ذَاتُ الرَفَارِفِ
قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة (^١).
١١٩ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن المؤمل الحنفي الشيخ الصالح، قال: حدثنا علي بن عمر المقرئ، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله النَّهْرْدَيْرِي، قال: حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر القرشي، قال: حدثنا أبو شعيب محمد بن يحيى بن خرار المازني، قال: حدثنا بشر ابن حجر الشامي، قال: حدثنا علي بن مَنْصُور، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس في المسجد بالمدينة، ومعه نفر؛ إذ مرّ رجل من ناحية المسجد، فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين أتعرف من هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا رجل من أهل اليمن له فيهم شرف يقال له: سواد بن قارب (^٢)، وهو الذي أتاه رئيه (^٣) بظهور رسول الله ﷺ، قال عمر ﵁: علي به، فدعي، فقال له عمر: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ قال: فغضب الرجل غضبًا شديدًا، وقال: يا أمير المؤمنين ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمتُ، فقال عمر ﵁: سبحان الله ما كنا عليه من الشرك، أعظم مما
_________________
(١) أخرجه الطبري في التاريخ: (١/ ٥٧٠ - ٥٧١) عن أحمد بن المقدام عن هشام الكلبي به، وأخرجه الحاكم في المستدرك: (٣/ ٢٨٣/ ح ٥١٠١)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل: (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) بإسناده عن أحمد بن المقدام عن هشام الكلبي به، وأخرجه ابن حبيب في المنمق في أخبار قريش: (١٤٨) عن هشام الكلبي عن عبد المجيد بن أبي عبس به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف: (٥٩/ ٧٥)، ومن طريقه الدينوري في المجالس وجواهر العلم: (٢١٩ - ٢٢٠/ ح ١٢٦٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٢٠/ ٢٤٥)، وأخرجه الخرائطي في هواتف الجان: (٤٩ - ٥١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٢٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦) جميعهم من طرق عن هشام الكلبي عن عبد المجيد بن أبي عبس به. وإسناد المصنف ضعيف جدا فيه هشام بن محمد الكلبي وهو متروك الحديث، وفيه عبد المجيد بن عيسى الحارثي، لينه أبو حاتم.
(٢) سواد بن قارب السدوسي الأزدي، له صحبة، كان أحد كهان الجاهلية وكان شاعرا فأسلم، معرفة الصحابة: (٣/ ١٤٠٤ - ١٤٠٦)، الاستيعاب: (٢/ ٦٧٤ - ٦٧٥)، الإصابة: (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٣) الرئي: التابع من الجن. تهذيب اللغة: (١٥/ ٢٣٥)، النهاية في غريب الأثر: (٢/ ١٧٨) مادة (رأى).
[ ١ / ١٥٥ ]
كنت عليه من كهانتك، أخبرني بإتيان رئيّك بإظهار رسول الله ﷺ، قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينما أنا ذات ليلة إذ أتاني رئتي فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، فإنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ الجني يقول (^١):
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَنْجَاسِهَا … وَشَدَّهَا للعِيس (^٢) بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى … مَا مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأَرْجَاسِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ … وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى رَأْسِهَا
قال: فلم أرفع لقوله رأسًا، فقلت: دعني أنام، فإني أمسيتُ ناعسًا، فلما كانت الليلة الثانية، أتاني فضربني برجله، قال: قم يا سواد بن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، فإنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ الجني يقول (^٣):
عَجِبْتُ لِلْجِنَّ وَأَخْبَارِهَا … وَشَدَّهَا العِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى … مَا مُؤْمِنُ الجِنَّ كَكُفَّارِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ … بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا
قال: فلم أرفع لقوله رأسًا، فلما كانت الليلة الثالثة، أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ الجني يقول (^٤):
_________________
(١) من السريع.
(٢) العيس: هي الإبل البيض يخالط بياضها شقرة قليلة. تهذيب اللغة: (٣/ ٦٠)، غريب الحديث لابن الجوزي: (٢/ ١٣٨).
(٣) من السريع.
(٤) من السريع.
[ ١ / ١٥٦ ]
عَجِبْتُ لِلْجِنَّ وَتِطْلَابِهَا … وَشَدَّهَا العِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى … مَا صَادِقُ الجِنِّ كَكَذَّابِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ … لَيْسَ قُدَامَاهَا كَأَذْنَابِهَا
قال: فوقع في نفسي حُبّ الإسلام، فرغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي رحلها، وانطلقت متوجها إلى مكة، فبلغني أن رسول الله ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فقدمت المدينة، فسألت عنه، فقيل في المسجد، فانتهيت إلى المسجد، فعقلت ناقتي، ثم دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ والناس حوله، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله، قال: «ادنُه»، فلم يزل يُدْنِيني، حتى صِرتُ بين يديه، فقال: «هات»؛ (^١)
أَتَانِي نجيي بَيْنَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ … وَلَمْ أَكُ فِيمَا قَدْ تَلَوْتُ بِكَاذِبِ
ثَلَاثَ لَيَالِ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ … أَتَاكَ رَسُولُ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ
فَشَمَّرْتُ مِنْ ذَيْلِ الإِزَارِ وَوَسَطَتْ … بي الدعلب الوَجْنَاءُ (^٢) بَيْنَ السَّبَاسِبِ
فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ … وَأَنَّكَ مَأْمُونُ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ
وَأَنَّكَ أَدْنَى المُرْسَلِينَ وَسِيلَةً … إِلَى اللَّهِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ الأطائب
فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مَنْ مَشَى … وَإِنْ كَانَ فِيهَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذِي شَفَاعَةٍ … سِوَاكَ بِمُغْنِ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ
قال: ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه فرحًا شديدًا، حتى رُؤيَ الفَرح في
_________________
(١) من الطويل.
(٢) الذعلب الوجناء: أي الناقة السريعة، والوجناء الغليظة الصلبة، وقيل: العظيمة الوجنتين. النهاية في غريب الأثر: (٥/ ١٥٧) مادة (وجن)، لسان العرب: (١/ ٣٨٨) مادة (ذعلب).
[ ١ / ١٥٧ ]
وجوههم، قال: فوثب إلى عمر ﵁، وقال: لقد كنت أُحِبّ أن أسمع هذا الحديث منك، فأخبرني عن رَئِيك، يأتيك اليوم؟ قال: من قرأت القرآن فلم يأت، ونعم العوض كتاب الله من الجن (^١).
١٢٠ - أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد المعدَّل المقرئ، قال: حدثنا أبو محمد الحسين بن إبراهيم بن المرْزُبَان، قال: حدثنا محمد بن عبد الواحد بن محمد بن بهمرد، حدثنا محمد بن عمرو (^٢)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد (^٣)، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزُّبَيْدِي (^٤)، أخبرني محمد بن مسلم، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال يومًا لمن حضره من جلسائه اذكروا شيئًا من حديث الجنّ، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، خرجت أنا وصاحبان لي نريد الشام، فأصبنا ظبيةً عضباء (^٥)، وأدركَنَا رَاكبٌ من خلفنا، وكُنَّا أربعة، فقال: خلّ سبيلها، فقلت: لا لعمرك لا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (٩٢/ ٧ - ٩٤/ ٦٤٧٥)، والنهرواني في الجليس الصالح: (٢٢٤ - ٢٢٧/ مجلس ٣٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: (٣/ ٣٥٥٤/ ١٤٠٧)، وفي الدلائل: (١/ ١١١ - ١١٤/ ح ٦٢)، وقوام السنة في دلائل النبوة: (١٣١ - ١٣٣/ ١٤٤) جميعهم من طرق عن بشر بن حجر عن علي بن مَنْصُور له، وأبو يعلى في المعجم: (٢٦٣ - ٢٦٦/ ٣٢٩)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل: (٢٥٢٢ - ٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٧٢)، وابن سيد الناس في عيون الأثر: (١/ ٧٢) جميعهم من طريق يحيى بن حجر عن علي بن منصور عن محمد بن عبد الرحمن عن محمد ابن كعب به وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه عثمان بن عبد الرحمن الزّهْرِي وهو متروك الحديث. والخبر له أصل في صحيح البخاري: (٣/ ١٤٠٣/ ح ٣٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمر في فضائل الصحابة، باب إسلام عمر بن الخطاب ﵁، وله شواهد عديدة من حديث أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، والبراء بن عازب، ومن طريق أبي جَعْفَر الباقر، ومن طريق الحسن بن عمارة بن عبد الله بن عبد الرحمن، ومن طريق عباد بن عبد الصمد عن سعيد بن جبير.
(٢) هو أبو جَعْفَر محمد بن عمرو بن البَخْتَرِي - بمعجمة وموحدة قبلها مفتوحة- ابن مدرك البغدادي الرزاز، ثقة ثبت.
(٣) هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي مولاهم البغدادي المعروف بابن أبي الدنيا، صدوق حافظ.
(٤) هو أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيْدِي - بالزاي الموحدة - الحِمْصِي، القاضي، ثقة ثبت.
(٥) العضباء: أي مشقوقة الأذن أو القرن، ويقال: هي التي في أحد أذنيها شق العين: (١/ ٢٨٣) عضب، غريب الحديث لابن سلام: (٢/ ٢٠٧).
[ ١ / ١٥٨ ]
أخلي سبيلها، قال: والله لربما رأينا في هذه الطريق ونحن أكثر من عشرة، فنخطف بعضنا، فأذهلني ما كان بي يا أمير المؤمنين، حتى نزلنا ديرًا يقال له: دير العُنَيْف، فارتحلنا وهي معنا، فإذا هاتف يهتف، يقول (^١):
يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ السُّرَاعُ الأَرْبَعَه … خَلُوا سَبِيلَ النَّافِرِ المَرَوَّعَه
مَهْلًا عَنِ العَضْبَا فَقُدَّامِي سَعَه … وَلَا أَقُولُ مَا قَالَ كَذُوبُ إِمَّعَه
قال: فَخَلَّيت سبيلها يا أمير المؤمنين، فعرض لأزمة ركابنا، فأميل بنا إلى حي عظيم، فأميل علينا طعام وشراب، ثم مضينا حتى أتينا الشام، وقضينا حوائجنا، ثم رجعنا حتى إذا كُنَّا بالمكان الذي مِلْنَ إليه، إذا أرض قفر ليس فيها سفر، فأيقنت يا أمير المؤمنين أنهم حي من الجن، فأقبلت سائرًا إلى الدير، وإذا هاتف يهتف (^٢):
إِيَّاكَ لَا تَعْجَلْ وَخُذْهَا عَنْ ثِقَةٍ … إِنِّي أَسِيرُ الجِد يَومَ الحَقْحَقَهُ (^٣)
قَدْ لَاحَ نَجْمُ فَاسْتَوَى بِمَشْرِقِهِ … ذُو ذَنَبِ كَالشُّعْلَةِ المحرقة
يخرج مِنْ ظَلْمَاءِ عَسُومٍ موبقة … إِني امْرُؤٌ بَيَّنْتُ بَيْنًا مُصْدَقَهُ (^٤)
فأقبلت يا أمير المؤمنين، فإذا النبي ﷺ قد ظهر ودعا إلى الإسلام، فأسلمت.
وقال رجل: وأنا يا أمير المؤمنين، خرجت وصاحب لي نريد حاجة لنا، إذا
_________________
(١) من الرجز.
(٢) من السريع.
(٣) سير الحقحقة: هو أن يلح في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته أو تعطب فيبقى منقطعا به، ويقال: شر السير الحقحقة: وهو مثل يضرب للمجتهد في العبادة حتى يحسر. غريب الحديث لابن سلام: (٣٨٨/ ٤)، تهذيب اللغة: (٣/ ٢٤٧).
(٤) كذا في الأصل، وفي مصادر الخبر ورد البيت الأخير بلفظ: «يخرج من ظلماء عسر موبقة … إني امرؤ أنباؤه مصدقة».
[ ١ / ١٥٩ ]
شخص راكب، حتى إذا كان منا مَزْجَر الكلب (^١)، هتف بأعلى صوته: أحمد يا أحمد، والله أعلى وأمجد مجدًا بأمثاله، وللخير فاعمد، فَرَاعَنَا ذلك، فأجابه صوت عن يسارنا، يقول (^٢):
أنجر يا أَبْجَرْ انْشَقَّ القمر … اللهُ أَكْبَرُ لِلَّذِي ظَهَرَ (^٣)
فأقبلت، فإذا النبي ﷺ حين ظهر، ودعا إلى الإسلام، فأسلمت، فقال عمر ﵁: وأنا كنت عند ذرع لنا، إذ هتف هاتف من جوفه: يا آل ذرع، يا آل ذرع، صائح يصيح بأمر فليح، ذو رُشد نجيح، يقول: لا إله إلا الله، فأقبلت، فإذا النبي ﷺ قد ظهر، ودعا إلى الإسلام، فأسلمت.
قال خُرَيْمُ بْنُ فَاتِك (^٤): وأنا ضللت إبلًا لي، فخرجت في طلبهن، حتى كنت ببارق العراق، فأنختُ رَاحِلَتي، ثم عقلتها، ثم أنشأت أقول: أعوذ بسيد هذا الوادي، أعوذ بعظيم هذا الوادي، ثم وضعت رأسي على جملي، فإذا هاتف من الليل يهتف، يقول (^٥):
أَلَا فعذ بِاللهِ ذِي الجَلَالِ … ثُمَّ اقْرَأْ آيَاتِ مِنَ الأَنْفَالِ
وَوَحدِ اللهَ وَلَا تُبَالِ … مَا هَوَّلَ الْجِنَّ مِنَ الْأَهْوَالِ
فانتبهت فزعًا، فقلت:
_________________
(١) مزجر الكلب المزجر اسم مكان والزجر: هو المنع والنهي والانتهار، يقال فلان تركته بمزجر الكلب إذا تركته بتلك المنزلة، وكان بالبعد من مجلس الناس. لسان العرب (٤/ ٣١٨) مادة (زجر)، المعجم الوسيط: (١/ ٣٨٩).
(٢) من الكامل.
(٣) كذا في الأصل، وفي مصادر الخبر بلفظ: «أنجز ما وعد من شق القمر … الله أكبر النبي ظهر».
(٤) أبو يحيى خريم - بالتصغير - ابن فاتك الأسدي، وهو خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك، نسب لجد جده، صحابي، شهد الحديبية، ولم يصح أنه شهد بدرا، مات بالرقة في خلافة معاوية. الاستيعاب: (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧)، الإصابة: (٢/ ٢٧٥).
(٥) من الرجز.
[ ١ / ١٦٠ ]
يَا أَيُّهَا الهَاتِفُ مَا تَقُولُ … أَرُشدُ عِنْدَكَ أَمْ تَضْلِيلُ
فأجابني (^١):
هَذَا رَسُولُ اللهِ ذُو الخَيْرَاتِ … بِيَثْرِبَ يَدْعُو إِلَى النَّجَاةِ
وَيَزَعُ النَّاسَ عَنِ الهِنَاتِ … يَأْمُرُ بِالصَّوْمِ وَبِالصَّلَاةِ
فوقع قوله في قلبي، فقمتُ إلى جملي فحللت عقاله، ثم استويت عليه، وقلت:
أَرْشِدْنَا أَرْشِدْنَا … لا جُعْتَ مَا شِئْتَ وَلَا
بَيِّنْ لَنَا الرُّشْدَ الَّذِي أُوتِينَا (^٢)
فأجابني:
صَاحِبِ الله وسلَّم نفسكا … وَعَظَمُ الأَجْرَ وَأَدْ أرجلكا
أُومِنُ بِهِ رَبِّي أعلى كعبكا … وابذل له حتى الممات نصرا (^٣)
قال: فقلت: من أنت؟ قال: أنا مالك بن مالك، سيد أهل نجد (^٤)، أتيت النبي ﷺ فآمنت به، وأسلمت على يده، فأرسلني إلى جنّ نجد أدعوهم إلى عبادة الله
_________________
(١) من الرجز.
(٢) كذا في الأصل، وفي مصادر الخبر بلفظ: «أرشدنا رشدًا هديتا … لا جعت ما عشت ولا عريتا بين لي الرشد الذي أوتيتا».
(٣) كذا في الأصل، وفي مصادر الخبر بلفظ: «صَاحَبَكَ الله وسلَّم نفسكا … وعَظِم الأجر واد رحلكا آمن به أفلح ربي كعبكا … وابذل له حتى الممات نَصْرَكا».
(٤) كل ما علا من الأرض فهو نجد، بفتح النون وسكون الجيم ثم دال مهملة، وأصقاع نجد المعروفة في أيامنا: الرياض وما حولها، والقصيم، وسدير، والأفلاج، واليمامة، والوشم، وحائل، والقدماء قد يعدّون ما كان على مسافة مائة كيل من شرقي المدينة: «نجدا». معجم المعالم الجغرافية: (٣١٢ - ٣١٣)، المعالم الأثيرة: (٢٨٦).
[ ١ / ١٦١ ]
﷿ وطاعته، فالحق به يا خريم، وآمن بالله ﷿، وأما إبلك فقد كُفيتها حتى رأيتك في أهلك، قال: فانطلقت حتى أتيت المدينة، وذلك يوم الجمعة، فوافيت النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر، فقلت: أنيخ بأبيات المسجد، فإذا صلّى دخلت فأخبرته، فلما أنخت راحلتي، إذا أبو ذر ﵁ قد خرج إلي، فقال: يا خريم مرحبًا بك، النبي ﷺ بعثني إليك وهو يقول: «مرحبًا قد بلغني إسلامك، ادخل فصل مع الناس»، فدخلت فصليت مع الناس، ثم أتيته، فأخبرني الخبر، وقال: «قد وفى لك صاحبك، وقد بلغ لك الإبل، وهي في منزلك» (^١).
١٢١ - وبه حدثنا ابن زبريق، قال: حدثنا أيوب بن سويد، حدثني يحيى بن زيد الباهلي، عن عمر بن عبد الله الليثي، عن واثلة بن الأسقع، قال: كان إسلام الحجاج بن عِلَاط الفهري، أنه خرج في ركب من قومه يريد مكة، فلما جنّ عليهم الليل، وهم في واد وحش مخيف فقر فقال له أصحابه: يا أبا كلاب، قم فاتخذه لنفسك وأصحابك أمانًا، فقام الحجاج، فجعل يطوف حولهم ويكلؤهم، ويقول (^٢):
أعيذ نَفْسِي وَأُعِيذُ صَحْيِي … مِنْ كُلِّ جِنِّي بِهَذَا النَّقَبِ (^٣)
حَتَّى أؤوب سالما وركبي
قال: فسمع صوت قائل يقول: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف: (٦٩ - ٩٤/ ٧٢) عن الحسن بن علي عن إسحاق بن إبراهيم به، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (٢١١/ ٤ - ٢١٢/ ح ٤١٦٦)، والحاكم في المستدرك: (٣/ ٧٢٠/ ح ٦٦٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣٧٦/ ٥٢ - ٣٧٧) وقال: «هذا حديث غريب»، جميعهم من طرق عن عمر بن الخطاب ﵁، وذكروا فيه قصة إسلام خريم بن فاتك. وإسناد المصنف ضعيف، فيه عمرو بن الحارث الزبيدي وهو مقبول وقد توبع. وللخبر شواهد عديدة يتقوى بها، منها حديث أبي هريرة كما في المعجم الكبير للطبراني: (٤/ ٢١٠/ ح ٤١٦٥)، وفي الدلائل لأبي نعيم: (١/ ١١٠ - ١١١/ ح (٦١)، وفي معرفة الصحابة: (٢/ ٥٨٠/ ح ٢٥١٧)، ومن حديث خريم بن فاتك كما في تاريخ دمشق لابن عساكر: (١٦/ ٣٤٨ - ٣٥١) وقال عنه: «إسناده أجود».
(٢) من الرجز.
(٣) النقب: هو الطريق الضيق في الجبل.
[ ١ / ١٦٢ ]
مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بسلطان﴾ (^١)، قال: فلما قدموا مكة، خبّروا بذلك في نادي قريش، فقالوا: صدقت والله يا أبا كلاب، إن هذا مما يزعم محمد أنه أنزل عليه، قال: قد والله سمعته، وسمعه هؤلاء، فبينما هم كذلك؛ إذ جاء العاص بن وائل، فقال له: يا أبا هشام أما تسمع ما يقول أبو كلاب؟ قال: وما يقول؟ فَخَبَّرُوهُ بذلك، فقال: وما يعجبكم من ذلك؟ إن الذي يسمع هناك، هو الذي ألقاه على لسان محمد ﷺ، فَنَهْنَه ذلك القوم عني، فلم يزدني في الأمر إلا بصيرة، فسألت عن النبي ﷺ، فأخبرت أنه قد خرج من مكة إلى المدينة، فركبت راحلتي، وانطلقت حتى أتيت النبي ﷺ بالمدينة، فأخبرته بما سمعت، فقال: «سمعت والله الحق، وهو والله كلام ربي ﷿ الذي أنزل علي، ولقد سمعت حقًا يا أبا كلاب»، فقلت: يا رسول الله علمني الإسلام، فَشَهَدَنِي كلمة الإخلاص، وقال: «سر إلى قومك فادعهم إلى مثل ما أدعوك إليه، فإنه الحق» (^٢).
١٢٢ - أخبرنا أبو الشمس محمد بن علي بن هارون التميمي، قال: حدثنا أبي (^٣)، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله (^٤)، قال: حدثنا محمد بن يعقوب إمام جامع الأهواز (^٥)، قال:
_________________
(١) سورة الرحمن: الآية ٣٣.
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (١٢/ ١٠٥ - ١٠٦) بإسناده عن أبي محمد الحسين بن محمد بن عباس عن أبي القاسم المناديلي به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف: (٣٨ - ٣٩/ ٤١) عن الحسن ابن علي عن ابن زبريق به. وإسناد المصنف حسن. وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب: (١/ ٣٢٦) أن خبر إسلام الحجاج بن علاط له شاهد صحيح من طريق ثابت عن أنس، ومن طريق ابن عقبة عن ابن شهاب.
(٣) هو أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هارون التميمي الرازي، البصري العباداني القاضي المالكي، إمام البصرة، يلقب بأبي حنيفة، مقبول.
(٤) كذا في الأصل، ولعل صوابه: أحمد بن عبيد الله بن القاسم بن سوار بن عبد الرحمن أبو بكر البزاز، يقطن بنهر الدير.
(٥) الأهواز: جمع هوز، وأصلها بالعربية حوز، فغلب عليها النطق الفارسي، وتسمى بالفارسية خوزستان، وغلب على العامة استعمال اللفظ للدلالة على سوق الأهواز، وكانت مدينة الأهواز حين بنيت جانبين شرقي وغربي، وتعد عاصمة إقليم خوزستان وأهم مدنه وأكبرها، وتقع اليوم في الجنوب الشرقي لإيران تطل على نهر قارون، وغالبية سكانها عرب، يقطنها أزيد من مليون نسمة. انظر معجم البلدان: (١/ ٢٨٣ - ٢٨٥)، بلدان الخلافة الشرقية: (٢٦٧ - ٢٦٩).
[ ١ / ١٦٣ ]
حدثنا علي بن عبد الحميد القرشي، قال: حدثنا محمد بن شَيْبَة (^١)، قال: حدثنا خالد بن القاسم المدَائِنِي، ومحمد بن عبد الرحمن البياضي، عن أبيه (^٢)، عن جده (^٣)، قال: قيل لأبي بكر الصديق ﵁: أخبرنا أنت عن نفسك، هل يعني: رأيت شيئًا قط قبل الإسلام من دلائل نبوة محمد ﷺ؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم، وهل بقي أحد من قريش أو غير قريش، لم يجعل الله ﷿ لمحمد ﷺ في نبوته حجة، وفي غيرها، ولكن الله ﷿ هدى به من شاء، وأضل به من شاء، بينا أنا قاعد في ظل شجرة في الجاهلية؛ إذ تدلّى لي غصن من أغصانها، حتى صار على رأسي، فجعلت أنظر إليه وأقول: ما هذا؟ فسمعت صوتًا من الشجرة: هذا النبي ﷺ يخرج في وقت كذا وكذا، فكُنْ أنت أسعد الناس به، فقلت: بَيّنه لي ما اسم هذا النبي؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهَاشِمِي، قال أبو بكر ﵁: فقلت: صاحبي وأليفي وحبيبي، فتعاهدتُ الشجرة، حتى يُبَشِّرَني بخروج النبي ﷺ، فلما أتاه الوحي، سمعت صوتًا من الشجرة: جدَّ وشمّر يا ابن أبي قحافة، فقد جاء الوحي ورب موسى، لا يسبقك إلى الإسلام أحد، قال أبو بكر: فلما أصبحت غدوت إلى النبي ﷺ، فلما رآني، قال لي: «يا أبا بكر إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله»، قال: قلت: أشهد أنك رسول الله، بعثك بالحق سراجًا منيرًا، فآمنت به وصدقته، وما ثنيت عليه القول (^٤).
١٢٣ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن علي السيرافي، قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله أحمد ابن
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي تاريخ دمشق: موسى بن شيبة.
(٢) هو عبد الرحمن بن خالد بن قيس البياضي المدني.
(٣) هو خالد بن قيس بن مالك البياضي الأَنْصَارِي، صحابي، كان ممن صدق القتال ببدر.
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣٠/ ٣٠) بإسناده عن أبي سعيد النقاش عن أحمد بن عبيد الله البران عن محمد بن يعقوب الأهواز به وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه محمد بن عبد الرحمن البياضي، وخالد بن القاسم المدائني وهما متروكا الحديث، وفيه محمد بن يعقوب الأهوازي وهو متهم. وللحديث شاهد من حديث ربيعة بن كعب، أخرجه قوام السنة في سير السلف الصالحين: (٥٠ - ٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣٠/ ٢٩ - ٣٠).
[ ١ / ١٦٤ ]
إسحاق بن خَرْبَان، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن خلف، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حَمَّاد، عن عمار بن أبي عَمَّارٍ، عن ابن عباس فيما يحسب، شك حماد، أن النبي ﷺ قال الخديجة: «إني أسمع صوتًا وأرى ضوءًا، وإني أخشى بي جَنَن»، فقالت خديجة: ما كان الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله، ثم أتت ورقة بن نوفل، فذكرت له ذلك، فقال: إن يكن صادقًا فإن هذا نَامُوسٌ كَنَامُوس موسى، وإن يُبْعَث وأنا حي، فَسَأُعَزِّرُه وأَنْصُره وأُعِينُه (^١).
١٢٤ - وبه قال: حدثنا حماد، عن حميد، عن عِكْرِمَة: أن نفرًا من قريش، مروا بجزيرة من جزائر البحر، فنزلوا الشيخ من العرب، فذبح لهم شاة، وأخذ برجلها، وجعل يُلَهوِجُهَا (^٢) على النار بيده، وقال: مِمَّنْ أنتم؟ قالوا: نحن من قريش، نحن أهل مكة، فقال: نحن أهلها لا أنتم، ثم قال لهم ذات ليلة: لقد طلع الليلة نجم، لقد بعث نبي، قال: فوُجد النبي ﷺ قد بعث ليلة إذن (^٣).
١٢٥ - أخبرنا محمد بن علي السيرافي، قال: حدثنا القاضي أبو عمر ابن عبد الواحد، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن خلف، حدثني عبد العزيز، يعني، ابن عبد الله، عن عثمان بن الضحاك [الحزامي] (^٤)، حدثني أبي (^٥)، عن مخرمة [بن] سُلَيْمان الوالبي (^٦)، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه (^٧)، عن جده طلحة بن
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (٢٦/ ١٥/ ٢٣) بإسناده عن حَجَّاج بن منهال عن حماد بن سَلَمَة به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات: (١٩٥/ ١)، وأحمد في المسند: (٢٨٤٧ - ٢٨٤٦/ ٣١٢/ ١) كلاهما من طرق عن حماد بن سَلَمَة عن عمار بن أبي عمار به. وإسناد المصنف حسن بطرقه ومتابعاته.
(٢) لهوج الأمر: إذا لم يحكمه ولم يبرمه، والطعام الملهوج هو الذي لم ينضج، وشواء ملهوج إذا لم ينضج، ولهوج اللحم لم ينعم شيّه. المخصص: (٤١٥/ ١)، لسان العرب: (٣٦٠/ ٢) مادة (لهج).
(٣) لم أقف عليه من هذا الطريق. وإسناد المصنف حسن. وللحديث شاهد حسن يتقوى به، أخرجه الحارث ابن أبي أسامة في المسند: (٩٣٠/ ٨٦٩/ ٢) من طريق حبيب بن شاهد عن عِكْرِمَة بن خالد المخزومي به.
(٤) في الأصل: «الخزامي»، والتصحيح من المصادر.
(٥) هو أبو عثمان الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي المدني الحِزَامي الكبير، صدوق يهم.
(٦) في الأصل: «محرمة عن سليمان»، والصواب: مخرمة بن سُلَيْمان الأسدي الوالبي -بكسر اللام والموحدة- المدني، ثقة.
(٧) هو أبو القاسم محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، المعروف بالسجاد، صحابي.
[ ١ / ١٦٥ ]
عبد الله، قال: حضرت سوق بُصْرَى (^١)، فإذا براهب في صومعة، يقول: سلوا أهل الموسم، هل فيكم أحد من أهل الحرم؟ فقال طلحة ﵁: فقلت: نعم، فقال لي الراهب هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد المطلب، هذا شَهرُهُ الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحَرَّة (^٢) وسَبَاخ (^٣)، قال طلحة ﵁: فوقع في قلبي ما قال الراهب، فخرجت حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ فقالوا: محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ، وتبعه ابن أبي قحافة، فخرجت حتى أتيت أبا بكر ﵁، فأخبرته بخبر الراهب، وقلت له: أتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فإنه يدعو إلى الحق، فذهب أبو بكر ﵁ معه، قال طلحة فأتيت رسول الله ﷺ، وأسلمتُ، وأخبرته بخبر الراهب وما قال لي (^٤).
١٢٦ - حدثنا أبو القاسم عبد الملك بن علي الحافظ - قراءة علي من لفظه، قال: حدثنا القاضي أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم، قال: حدثنا علي بن حرب الطائي، قال: حدثنا أبو المنذر هشام بن الكلبي، عن أبيه، قال:
_________________
(١) بصرى: مدينة ببلاد الشام كانت كبرى مدن حوران، وهي معروفة اليوم في أراضي الجمهورية العربية السورية، وبها آثار وتعدّ أغنى المدن التاريخية على الإطلاق، تتبع محافظة درعا وتبعد عن مركز المدينة ب ٤٠ كلم، وتبعد عن دمشق بحوالي ١٤٠ كلم. معجم البلدان (١/ ٤٤١)، المعالم الأثيرة: (٤٨ - ٤٩).
(٢) حرة: الحجارة تسود من الحرارة، وحرة المدينة هي جهاتها التي لا عمارة فيها، وكل أرض ذات حجارة سود فهي حرة. العين: (٣/ ٢٤)، مشارق الأنوار: (١/ ٢٢٢) مادة (الحرة).
(٣) سباخ: مفرده سبخة وهي الأرض المالحة مشارق الأنوار: (٢/ ٢٠٤ مادة (سبخ)، لسان العرب: (٣/ ٢٤) مادة (سبخ).
(٤) أخرجه ابن الجوزي في المنتظم: (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠) بإسناده عن عثمان بن الضحاك عن أبيه عن مخرمة به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات: (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، ومن طريقه البلاذري في أنساب الأشراف: (٣/ ٣٢٨)، والحاكم في المستدرك: (٣/ ٤١٦ ح ٥٥٨٦)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٢٥/ ٦٤ - ٦٥)، وابن الجوزي في المنتظم: (٥/ ١١٢) جميعهم من طريق الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سُلَيْمان به. وإسناد المصنف ضعيف، فيه عثمان بن الضحاك وهو ضعيف.
[ ١ / ١٦٦ ]
أخبرني عبد الله العُماني، قال: كان منا رجل يقال له: مازن بن الغضوبة (^١)، يَسْدِنُ (^٢) صنمًا في قرية من عمان، يقال لها: شمائل، يُعظَّمه بنو خطامة، وبنو الصامت من طيء ومهرة، قال مازن: فعترنا ذات يوم عند عتيرة (^٣)، وهي الذبيحة، فسمعت صوتًا من الصَّنَم يقول:
يَا مَازِنُ اسْمَعْ تُسَرَّ، ظَهَرَ خَيْرٌ وَبَطْنَ شَرٌّ، بُعِثَ نَبِيُّ مِنْ مُضَرَ، بِدِينِ الله الأكبر، فدع نحيتا مِنْ حَجَرَ، تَسْلَمْ مِنْ حَرِّ سَقَرَ.
فقلت: إن هذا لَلْعَجَب، ثم عترنا بعد أيام عَتِيرة أخرى، فسمعت صوتًا من الصنم أبينُ من الأول، يقول:
أَقْبِلْ إِلَيَّ أَقْبِلْ تَسْمَعْ مَا لَا يُجْهَلْ، هَذَا نَبِيُّ مُرْسَلْ، جَاءَ بِحَقٌّ مُنْزَلْ، فَآمِنْ بِهِ كَيْ تَعْدِلُ، عَنْ كُلَّ نَارٍ تَشْعَلْ، وَقُودُهَا بِالْجَنْدَل.
فقلت: إن هذا لعجب، وإنه لخيرُ يُرَاد بي، فقدم رجل من أهل الحجاز، فقلت: ما الخبر وراك؟ قد ظهر رجل من قريش يقال له أحمد، يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي الله، فقلت: هذا نبأ ما سمعت، فثِرْتُ إلى الصنم، فكسرته أجذاذًا، وركبتُ راحلتي، حتى قدمت على رسول الله ﷺ، فشرح لي الإسلام، فأسلمت، وقلت (^٤):
كَسرْتُ باجرًا أجذاذًا وَكَان … رَبًِّا نُطِيفٌ بِهِ ضُلًّا بِتِضْلَالِ
بِالهَاشِمِي هَدَانَا مِنْ ضَلَالَتِنَا … وَلَمْ يَكُنْ دِينُهُ مِنِّي عَلَى بَالِ
_________________
(١) مازن بن الغضوبة بن عراب الطائي النبهاني الخطامي، قال ابن حبان: يقال إن له صحبة، وذكره ابن السكن وغيره في الصحابة، وهو جد علي بن حرب الموصلي، قال ابن عبد البر: خبره عجيب مخرج في أعلام النبوة. الثقات: (٣/ ٤٠٧)، الاستيعاب: (٣/ ١٣٤٤)، الإصابة: (٥/ ٧٠٥).
(٢) سدن يسدن فهو سادن، والجمع: سدنة، والسادن من يخدم الكعبة ويتولى أمرها ويفتح بابها ويغلقه. غريب الحديث لابن سلام: (١/ ٢٨٨)، النهاية في غريب الأثر: (٢/ ٣٥٥) مادة (سدن).
(٣) العتيرة: هي ذبيحة كانت تذبح للأصنام في رجب أيام الجاهلية، وتسمى الرجيبة. غريب الحديث لابن سلام: (١/ ١٩٥)، تهذيب اللغة: (٢/ ١٥٦ - ١٥٧).
(٤) من البسيط.
[ ١ / ١٦٧ ]
يَا رَاكِبًا بَلَغَنْ عَمْرًا وَإِخْوَتَهَا … إِنِّي لِمَا قَالَ رَبِّي بَاجِرُ قَالِي
يعني بعمر: بني الصامت، وإخوتها بني خطامة، فقلت: يا رسول الله إني امرؤ مولع بالطرب، وشرب الخمر، وبالهَلُوك من النساء (^١)، وألحت علينا السنون، فاذهبن بالأموال، واهزلن الذراري والعيال، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد، ويأتيني بالحياء، ويرزقني ولدًا، فقال النبي ﷺ: «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعُهْرِ عِفَّةُ الفَرْج، وبالخمر رياء لا إثم فيه، وآتيهم بالحياء، وهب له ولدًا»، قال مازن: فأذهب الله ﷿ عني كلما كنت أجد، وحججت حِجَجًا، وقرأت صدرًا من القرآن، وتزوجت أربع حرائر، وأخصَبَت عُمَانُ، ووهب الله لي حيان بن مازن، فقلت (^٢):
إِلَيْكَ رَسُولَ اللهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي … تَجُوبُ الفَيَانِي مِنْ عُمَانَ إِلَى عَرْجٍ
لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الحَصَى … فَيَغْفِرَ لِي رَبِّي فَأَرْجِعُ بِالفَلْجِ
إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتُ فِي اللَّهِ دِينَهُمْ … وَلَا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلَا سَرْجُهُمْ سَرْجِي
وَكُنْتُ امرءا بِالرَّغْبِ وَالخَمْرِ مُولَعًا … شَبَابِيَ حَتَّى آذَنَ الجِسْمُ بِالنَّهْجِ
فَبَدَّلَنِي بِالخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً … وَبِالْعُهْرِ إِحْصَانَا فَحَصَّنَ لِي فَرْجِي
فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي الجِهَادِ وَنِيَّتِي … والله مَا صَوْمِي وَللَّهِ مَا حَجِّي
ولما رجعت إلى قومي، أَنَّبُونِي وَشَتَمُوني، وَأَمَرُوا شَاعِرًا لهُم فَهَجَاني، فقلت: إِن رَدَدتُ عَلَيهِ، فإنما أَهجُو نَفْسِي، فأعتزلهم وآتي ساحل البحر. فابتنى
_________________
(١) الهلوك من النساء: المرأة الَّتِي تهالك في مشيها، أي تمايل وربما سميت الْفَاجِرَة هلوكا. جمهرة اللغة: (١/ ٦١٣)، تهذيب اللغة: (٦/ ١٣)، غريب الحديث للخطابي: (١/ ٤٤٧).
(٢) من الطويل.
[ ١ / ١٦٨ ]
مسجدًا يعبد الله تعالى فيه، فقال (^١):
لِبَعْضِكُمْ عِنْدَنَا مُرٌّ مَذَاقَتُهُ … وَبَعْضُنَا عِنْدَكُمْ يَا قَوْمَنَا لَئِنُ
لَا يَعْطَنِ الدَّهْرُ إِنْ بَتَت مَعَايِبَكُمُ … وَكُلُّكُمُ حِينُ يُثْنَا عَنِينَا فَطِنُ
شَاعِرُنَا مُفْحِمٌ عَنْكُمْ وَشَاعِرُكُمُ … فِي حَرْبِنَا مُبْلِغْ فِي شَتْمِنَا لَسِنُ
مَا فِي القُلُوبِ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا وَعْرُ … وَفِي قُلُوبِكُمُ البَغْضَاءُ وَالإِحَنُ
فقال مازن: فكنتُ القيم بأمورهم، فأتتني منهم أَزْفَلَةٌ عظيمة، فقالوا: يا ابن عم، عِبْنَا عليك أمرًا، وكرهنا ذاك، فإذا أبيت فارجع وأقم بأمورنا، وادن بما أجبت، فرجعتُ معهم وهداهم الله بعد إلى الإسلام جميعًا (^٢).
١٢٧ - أخبرنا علي بن أحمد بن البُسْرِي ببغداد، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن بطة إجازة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البَغَوِي، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث أبو بحر، حدثنا عبد العزيز بن [مسلم] (^٣)، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه (^٤)، عن الفَلَتَان ابن عاصم، وذكر أنه خاله، قال: كُنتُ جالسًا عند النبي ﷺ إِذْ شخص بصره إلى رجل، فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان، قال: فجعل النبي ﷺ يكلمه، وهو يقول: يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «أتشهد أني رسول الله، أتقرأ التوراة»؟ قال: نعم، قال: «أتقرأ الإنجيل»؟ قال: نعم، قال: فالقرآن لو
_________________
(١) من البسيط.
(٢) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة: (١٢١/ ٣ - ١٢٢/ ح ١٠٩١)، والطبراني في المعجم الكبير: (٧٩٩/ ٣٣٨/ ٢٠)، والخطابي في غريب الحديث: (٤٤٧/ ١)، وأبو نعيم في الدلائل: (١/ ١١٤ - ١١٧/ ح ٦٣)، وفي معرفة الصحابة: (٢٥٨٨/ ٥/ ح ٢٧٦٠)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٨)، وابن الأثير في أسد الغابة: (٦/ ٥) جميعهم من طرق عن علي بن حرب عن هشام بن محمد الكلبي به. وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه هشام بن محمد الكلبي وهو متروك، وفيه محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب.
(٣) في الأصل: «عبد العزيز بن مسلمة»، والصواب: عبد العزيز بن مسلم القَسْمَلي أبو زيد المَرْوَزِي البصري، ثقة عابد ربما وهم.
(٤) هو كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، صدوق.
[ ١ / ١٦٩ ]
تشأ قرأته، فقال رسول الله ﷺ: «فيم تقرأ التوراة والإنجيل، أتجدني نَبِيًّا؟ قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون نبيًا، فلما رأيناك عرفنا أنك لست به، قال رسول الله ﷺ: «ولم يا يهودي»؟ قال: إنا نجده مكتوبًا: يدخل من أمته الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفرًا يسيرًا، فقال رسول الله ﷺ: «إن أمتي لأكثر من سبعين ألفًا وسبعين ألفًا» (^١).
١٢٨ - أخبرنا أبو الحسين عاصم بن الحسن العاصمي ببغداد، قال: حدثنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن مَهْدِي، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل المَحَامِلي، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثني يعقوب بن محمد، قال: حدثنا ابن أبي سَلَمَة (^٢)، حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، قال: سمعت أم خالد (^٣)، ابنة خالد بن سعيد بن العاص، تقول: قُبيل مبعث النبي ﷺ، يعني بينا خالد بن سعيد ذات ليلة نائمًا، فقال: رأيت كأنه غشيت مكة ظلمة، حتى لا يبصر امرؤ كفه، فبينا هو كذلك؛ إذ خرج نور، ثم علا في السماء، فأضاء في البيت، ثم أضاءت مكة كلها، ثم إلى نخل يثرب فأضاءها، حتى إني لا أنظر في البسر (^٤) في
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤١٥) بإسناده عن البَغَوِي عن عبد الواحد بن غياث به، وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة: (٢/ ٣٢٩/ ح ٨٦٩) بإسناده عن عبد الواحد بن غياث عن عبد العزيز بن مسلم به، وأخرجه البزار في المسند: (٩/ ١٤٤/ ح ٣٧٠٠) وقال: «وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد»، وابن الأعرابي في المعجم: (١/ ١٠٦)، وابن حبان في الصحيح: (١٤/ ٥٤١ - ٥٤٢/ ح ٦٥٨٠)، والطبراني في المعجم الكبير: (١٨/ ٣٣٢ - ٣٣٣/ ح ٨٥٤ - ٨٥٥)، والبيهقي في دلائل النبوة: (٦/ ٢٧٣) جميعهم من طرق عن عاصم بن كليب عن كلب بن شهاب به. وإسناد المصنف حسن. والحديث ذكره ابن كثير في البداية والنهاية: (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وقال: «حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه»، وصححه الشيخ الألباني كما في التعليقات الحسان: (٩/ ٢٩٦/ ح ٦٥٤٦)، وصحيح السيرة النبوية: (٧٤ - ٧٥).
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه.
(٣) هي أم خالد أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، صحابية بنت صحابي.
(٤) البسر من كل شيء الغض، ونبات بسر أي طري، والبسر من ثمر النخل معروف. العين: (٧/ ٢٥٠)، المخصص: (٣/ ٢٢١)، المصباح المنير: (١/ ٤٨).
[ ١ / ١٧٠ ]
النخل، فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد (^١)، وكان جزل الرأي، فقال: يا أخي إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب، ألا ترى أنه خرج من حضيرة أبيهم، قال خالد: وإنه لما هداني الله للإسلام، قالت أم خالد: فأول من أسلم أبي، وذلك أنه ذكر رؤياه للنبي ﷺ، فقال: «يا خالد، أنا والله ذلك النور، وأنا رسول الله»، فقص عليه ما بعثه الله به، فأسلم خالد، وأسلم عمرو بعده (^٢).
١٢٩ - أخبرنا القاضي أبو مَنْصُور عبد الباقي بن محمد بن غالب العطار ببغداد، قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن الحسين بن الفضل بن المأمون، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل المَحَامِلِي، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب حدثني أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، قال: وجدت في كتاب أبي (^٣)، عن أبيه (^٤)، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه حميد بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد المطلب بن هاشم، لما خرج إلى اليمن فلقيه رجل من اليهود له علم، فنظر إلى عبد المطلب، فقال: أرني منك شيئين، فقال عبد المطلب: فإني أريك ما لم يكن عورة، فقال: لا أريد العورة، وأريد أن أنظر إلى أنفك وإلى كفيك،
_________________
(١) هو عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، صحابي، أسلم بعد أخيه خالد بيسير، كان ممن هاجر الهجرتين جميعًا، وقدم على النبي ﷺ يوم خيبر، فشهد معه المشاهد، وقتل شهيدًا يوم أجنادين عام ١٣ هـ، وقيل يوم اليرموك، وقيل يوم مرج الصفر. الاستيعاب: (٣/ ١١٧٧ - ١١٧٨)، الإصابة: (٤/ ٦٣٧ - ٦٣٨)
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (١٦/ ٦٧ - ٦٨) عن أبي محمد بن طاوس عن أبي الحسين العاصمي عن ابن مهدي به، وأخرجه الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق: (١/ ٢١) عن أبي عمر ابن مهدي عن المَحَامِلي به، وقال الدارقطني: «هذا حديث غريب من حديث موسى ابن عقبة، لم يروه عنه غير محمد بن أبي سَلَمَة وهو الواقدي، تفرد به يعقوب بن محمد الزَّهْرِي عنه»، وأخرجه المَحَامِلي في الأمالي من رواية ابن مهدي: (١٣١/ ح ٢٤٨) عن عبد الله بن شبيب عن يعقوب بن محمد به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات: (١/ ١٦٦) بإسناده عن صالح بن كيسان عن خالد بن سعيد به. وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه ابن أبي سَلَمَة الواقدي وهو متروك الحديث، وفيه عبد الله بن شبي الربعي وهو ذاهب الحديث.
(٣) هو محمد بن عبد العزيز بن عمر القرشي الزُّهْرِي المدني القاضي، منكر الحديث.
(٤) هو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزُّهْرِي الدمشقي.
[ ١ / ١٧١ ]
فقال: انظر، فقال: أبسط كفيك، فبسطها، قال: أما في إحدى كَفَّيك فمُلك، وأما أنفك فإن فيه النبوة، ولا يتم ذلك إلا ببني زهرة، فمالك من شاعة؟ (^١) قال: لا، قال: فتزوج في بني زهرة، قال: لما رجع عبد المطلب تزوج هالة بنت أهيب، وتزوج عبد الله آمنة بنت وهب فقالت قريش: فلح عبد الله عن أبيه (^٢).
١٣٠ - أخبرنا القاضي أبو مَنْصُور، قال: حدثنا أبو الفضل، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل.
١٣١ - وأخبرنا القاضي أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم القصاري بالبصرة، قال: حدثنا إسماعيل بن حسين الصَّرْصَرِي، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثني أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا سعيد بن سالم، حدثني ابن جريج (^٣)، قال: كُنَّا جلوسًا مع عطاء بن أبي رباح في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس وفضله، وعلي بن عبد الله في الطواف، وخلفه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فعجبنا من تمام قامتهما وحسن وجوههما، قال عطاء: وأين حسنهما من حسن عبد الله بن عباس، ما رأيت القمر ليلة البدر أربع عشرة وأنا في المسجد الحرام طالعًا من جبل أبي قبيس، إلا ذكرت وجه عبد الله بن عباس، ولقد رأيتنا جلوسًا معه في الحجرة؛ إذ أتاه شيخ قديم بدوي
_________________
(١) شاعة: أي زوجة. الفائق: (٢/ ٢٧٤)، غريب الحديث لابن الجوزي: (١/ ٥٧٣).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤١٨ - ٤١٩) من طريق أبي القاسم السمرقندي عن أبي مَنْصُور العطار عن أبي الفضل الهَاشِمِي به، وقال: «هذا حديث غريب». وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه عبد الله بن شبيب وهو ذاهب الحديث، ومحمد بن عبد العزيز بن عمر متروك الحديث. وللحديث شاهد من حديث المسور بن مخرمة عن ابن عباس عن أبيه، أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات: (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣/ ٢٧١)، والطبراني في المعجم الكبير: (٣/ ١٣٧/ ت ٢٩١٧)، والحاكم في المستدرك: (٢/ ٦٥٦/ ٤١٧٦)، والبيهقي في الدلائل: (١/ ١٠٦ - ١٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤١٩ - ٤٢١)، وابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢٠٤)، وله شاهد آخر أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٢١ - ٤٢٢) من طريق المسور بن مخرمة عن أبيه.
(٣) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل.
[ ١ / ١٧٢ ]
من هُذَيْل، يهدج (^١) على عصاه، فسأله عن مسألة، فأجابه، فقال الشيخ لبعض من معه في المجلس: من هذا الفتى؟ قالوا: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، قال الشيخ: سبحان الذي غيّر حُسْنَ عبد المطلب إلى ما أرى، قال عطاء: فسمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسن الناس وجها، ما رآه أحد قط إلا أحبَّه، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد، وكان الندي من قريش: حرب بن أمية فمن دونه، يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول الله ﷺ يومًا وهو غلام لم يبلغ، فجلس على المفرش، فجبذه رجل، فبكى رسول الله ﷺ، فقال عبد المطلب، وذلك بعدما كَفَّ بصره: ما لابني يبكي، قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه، فإنه يُحِسُّ من نفسه بشرف وأرجوا أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده، قال: ومات عبد المطلب والنبي ﷺ يومئذ ابن ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبد المطلب يبكي حتى دُفن بالحجون (^٢) (^٣).
١٣٢ - حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد المقرئ إملاء، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن عبد الرحمن بن أشْتَافنَا، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن يُنْجَاب، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زياد، قال: حدثنا أحمد بن الحسين [اللَّهَبي] (^٤)، قال: حدثنا فضالة بن
_________________
(١) هدج الرجل يهدج هدجا وهدجانا، وَهِي مشْيَة الشَّيْخ إذا قارب خطوه وأسرع كمشي النعامة في ارتعاش. جمهرة اللغة: (١/ ٤٥٢) النهاية في غريب الحديث: (٥/ ٢٥٠) مادة (هدج).
(٢) الحجون - بفتح الحاء المهملة ثم الجيم والراء المهملة - جبل بأعلى مكة، عنده مدافن أهلها، وقيل: مكان من البيت على ميل ونصف، ولا زال معروفًا حتى اليوم. معجم البلدان: (٢/ ٢٢٥)، المعالم الأثيرة: (٩٧).
(٣) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة: (١/ ٣١٤ - ٣١٥) عن أحمد بن محمد الأزرقي عن سعيد بن سالم به، وعزاه الشامي في سبل الهدى والرشاد: (٢/ ١٢٩) للمحاملي. وإسناد المصنف ضعيف جدا، فيه عبد الله ابن شبيب وهو ذاهب الحديث.
(٤) في الأصل: «الذهبي»، والصواب: «اللهبي»، وهو أحمد بن الحسين بن جَعْفَر اللَّهَبي أبو الفضل الهَاشِمِي القرشي المدني من ولد أبي لهب.
[ ١ / ١٧٣ ]
يعقوب، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمَة، عن فاطمة بنت قيس، قالت: حبس رسول الله ﷺ العشاء الآخرة حتى رقد الناس، ثم خرج الناس، فقال: «حبسني حديث حدثنيه تميم (^١) عن رجل كان في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هو بامرأةٍ تجرُّ شعرها، قال: من أنت؟ قالت: أنا الجَسَّاسَة (^٢)، أتعجب مني؟ قال: نعم، قالت: فاذهب إلى القصر، فذهبت إليه، فإذا هو برجل يجرُّ شعره، مسلسل في الأغلال، ينزوا بين السماء والأرض، قال: قلت: من أنتَ؟ قال: أنا الدجال، ثم قال: أخَرَجَ في الأميين رسول؟ قلت: نعم، قال: أطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه، قال: خير لهم» (^٣).
_________________
(١) أبو رقيَّة تميم بن أوس بن خارجة الداري، صحابي مشهور، كان نصرانيًا ثم أسلم سنة تسع للهجرة، كان يقطن المدينة، ثم سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان، وقيل مات سنة ٤٠ هـ. الاستيعاب: (١/ ١٩٣ - ١٩٤)، الإصابة: (١/ ٣٨١).
(٢) سُمّيت بالجساسة؛ لأنها تتجسّس الأخبار للدجال.
(٣) أخرجه ابن بِشْرَان في الأمالي: (١/ ٤٩/ ٦٦) عن أحمد بن إسحاق بن ينجاب عن الحسن بن علي بن زاد به، وأخرجه ابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني: (٦/ ٥/ ٣١٨١)، والطبراني في المعجم الكبير: (٢٤/ ٣٧٢/ ح ٩٢٣) كلاهما من طرق عن فضالة بن يعقوب عن إبراهيم بن إسماعيل الأَنْصَارِي به، وأخرجه أبو داود في السنن: (٤/ ١١٨/ ٤٣٢٥) كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة، وأبو يعلى في المعجم: (١٤٤ - ١٤٥/ ح ١٥٧)، والطبراني في المعجم الكبير: (٢٤/ ٣٧١/ ح ٩٢٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: (٦/ ٣٤١٧/ ح ٧٧٩٩) جميعهم من طرق عن ابن شهاب عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن حبان في الصحيح: (١٥/ ١٩٤/ ح ٦٧٨٧) من طريق يحيى بن يعمر عن فاطمة بن قيس به، وأخرجه الكثيرون من طريق الشعبي عن فاطمة بنت قيس منهم الطيالسي في المسند: (٢/ ٢٢٨/ ١٦٤٦)، والحميدي في المسند (١/ ١٧٧/ ح ٣٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف: (٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨/ ح ٣٧٥٢٠)، (٧/ ٥١٠ - ٥١١/ ح ٣٧٦٣٦)، وإسحاق بن راهويه في المسند (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤/ ح ٢٧١٤٥ - ٢٧١٤٦)، (٥/ ٢٢٠ - ٢٢٣/ ح ٢٣٦١ - ٢٣٦٢)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٧٢/ ٢٧٣٧٢)، ومسلم في الصحيح: (٤/ ٢٢٦١ - ٢٢٦٢/ ح ٩٩٤٢) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، وحنبل بن إسحاق في الفتن: (١/ ٨٧ - ٩٢)، وابن ماجه في السنن: (٢/ ١٣٥٤ - ١٣٥٥/ ح ٤٠٧٤) كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، والترمذي في السنن: (٤/ ٥٢١/ ح ٢٢٥٣) كتاب الفتن، وأبو يعلى في المعجم: (٢٣٥/ ح ٢٨٧)، والرُّويَانِي في المسند: (٥/ ٥١١ - ١٥٤٣/ ٢/ ٥٠٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: (٧/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، وابن حبان في الصحيح: (١٥/ ١٩٨، والآجري في الشريعة: (٣/ ١٣١٦ - ٥/ ١٢٤ - ١٢٥)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ٣٨٢/ ح ٢٢٨٩)، (٥/ ٨٨٥ - ٨٨٦/ ح ١٣١٨)، وفي المعجم الكبير: (٢/ ٥٥ - ٥٤/ ح ١٢٧٠)، و(٢٤/ ٣٩٧ - ٣٨٥/ ح ٩٥٦ - ٩٦٦)، وابن مندَه في الإيمان: (٢/ ٩٥٠ - ٩٥٢/ ح ١٠٥٧ - ١٠٦٠)، والبيهقي في الدلائل: (٥/ ٤١٦ - ٤١٧)، وآخرين. وإسناد المصنف ضعيف، فيه إبراهيم بن إسماعيل الأنْصَارِي وهو ضعيف وقد توبع. والحديث صحيح بطرقه ومتابعاته.
[ ١ / ١٧٤ ]
١٣٣ - أخبرنا أبو محمد أحمد بن علي بن عثمان المقرئ ببغداد، قال: حدثنا الحسن بن قاسم الدباس، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله، قال: حدثنا علي بن [مسلم] (^١)، قال: حدثنا محمد بن الصَّلت، قال: حدثنا أبو كدينة (^٢)، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله، قال: مرّ يهودي برسول الله ﷺ وهو يحدث أصحابه، قال: قالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي، قال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، قال: فجاء حتى جلس، فقال: يا محمد ممّ يُخلَقُ الإنسان؟ قال: «يا يهودي من كلَّ يُخلَقُ من نُطفةِ الرَّجُل ومن نطفة المرأة، فنطفة الرجل نطفةً غليظة، فمنها العظمُ والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة، فمنها اللحمُ والدَّم»، فقام اليهودي، فقال: هكذا كان يقول من قبلك (^٣).
١٣٤ - أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن مَاجَه الأبهري بأصفهان، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن المَرْزُبَان، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحَزَوِّرِي، قال: حدثنا لُوَيْن، قال: حدثنا حُدَيْج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عُتْبَة، عن عبد الله بن مسعود، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ثمانين رجلًا، منهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وأبو موسى، وعبد الله بن عُرْفُطَة، وعثمان بن مظعون، وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فقدما على النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا وابتدراه، فقعد واحد عن يمينه والآخر عن شماله، فقالوا: إن نفرًا من بني عمّنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملّتنا، قال: وأين هم؟ قالوا: بأرضك، فأرسل في طلبهم، فقال جَعْفَر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فدخل فسلّم، فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قالوا: إنا لا نسجد إلا الله، قالوا: ولم
_________________
(١) في الأصل: «علي بن مسلمة»، والصواب: علي بن مسلم الطوسي.
(٢) هو أبو كُدَيْنَة يحيى بن المهلب البجلي الكوفي، صدوق.
(٣) أخرجه ابن حيان في العظمة: (٥/ ١٦٢٨ - ١٦٢٩/ ١٠٧٢) بإسناده عن علي بن مسلم الطوسي عن محمد بن الصلت به، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى: (٥/ ٣٣٩/ ٩٠٧٥) بإسناده عن محمد بن الصَّلْت عن أبي كدينة به، وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند (١/ ٤٦٥/ ٤٤٣٨) بإسناده عن أبي كدينة عن عطاء بن السائب به. وإسناد المصنف حسن.
[ ١ / ١٧٥ ]
ذاك؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولًا، وأمرنا أن لا نسجد إلا لله تعالى، وأمر بالصلاة والزكاة، فقال عمرو بن العاص: إنهم يخالِفُونك في ابن مريم وأُمه، قال: فما تقولون في ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: روح الله وكلمته، ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يَفْرِضُهَا ولد، قال: فرفع النجاشي عودًا من الأرض، فقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، ما يريدون هذا؟ أشهد أنه رسول الله ﷺ الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، فأكون الذي أحمل نعليه وأَوَضّيه، قال: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخَرَيْن فَرُدَّت عليهما، قال: وتعجل عبد الله ابن مسعود فشهد بدرًا، فقال: إنه لما انتهى إلى النبي ﷺ موته استغفر له (^١).
١٣٥ - أخبرنا أبو الفضل أحمد بن الحسن المعدل ببغداد، قال: حدثنا الحسن بن علي ابن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، قال: أخبرنا [أحمد بن] معروف الخشاب (^٢)، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، وقال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه (^٣)، قال: قال عمرو بن العاص: كُنتُ للإسلام مُجانبًا مُعاندا، حضرت بدرًا مع المشركين فنجوتُ، ثم حضرتُ أحدًا فنجوتُ، ثم حضرتُ الخندق فنجوتُ، فقلتُ في نفسي: كم أوضع؟ والله ليظهرنَّ محمد على قريش، فلحقت بمالي بالرهط، وأقللت من الناس، فلم أحضر الحديبية ولا صُلحها، وانصرف رسول الله ﷺ
_________________
(١) أخرجه ابن سيد الناس في عيون الأثر: (١/ ١٣٨ - ١٣٩) من طريق أبي القاسم محمد بن عبد الكريم ابن فورجه عن أبي بكر الأبهري عن أبي جَعْفَر به، وأخرجه المصيصي لوين في حديثه: (٤ - ٣/ ٢٨ - ٢٧) عن حديج بن معاوية عن أبي إسحاق به، وأخرجه الطيالسي في المسند: (٣٤٦/ ٤٦)، وسعيد بن منصور في السنن: (٢٤٨١/ ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، وأحمد في المسند (٤٤٠٠/ ١/ ٤٦١)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ٢٩٨)، وفي السنن الكبرى: (٣٧٣٥/ ٢/ ٣٦١) جميعهم من طرق عن حديج ابن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي به وإسناد المصنف حسن وله شواهد عديدة منها حديث أبي موسى الأشعري أخرجه الخطيب في تالي تلخيص المتشابه: (١٢٨/ ٢٣٥ - ٢٣٦/ ١)، ومنها حديث عمرو ابن العاص في الباب برقم (١٣٥).
(٢) في الأصل: «معروف الخشاب»، والصواب: أحمد بن معروف بن بشر أبو الحسن الخشاب، ثقة.
(٣) هو جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري الأوسي المدني، ثقة.
[ ١ / ١٧٦ ]
بالصُّلح، وَرَجَعَتْ قريش إلى مكة، فجعلتُ أقول: يدخل مكة، قابل مكة بأصحابه، ما مكة لنا بمنزل ولا الطَّائِف، وما شيء خير من [الخروج] (^١)، وأنا بعد نائي عن الإسلام، أرى لو أسلَمَتْ قريش كلها لم أُسْلِم، فَقَدِمتُ مكة، فجمعتُ رجالًا من قومي، كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، ويُقدِّمُونِي فيما نابهم، فقلتُ لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذُو رأينا ومِدْرَهِنَا (^٢) مع يمن نفسٍ وبركة أمر، قلت: تعلمنّ والله أني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوًّا منكرًا، وإني قد رأيتُ رأيًا، قالوا: ما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإنْ يظهر محمد كنا عند النجاشي تحت يديه أحبّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن يظهر قريش فنحن من قد عرفوا قالوا: هذا هو الرأي، قلت: فأجمعوا ما تُهدونه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم (^٣)، قال: فجمعنا أدمًا كثيرًا، ثم خرجنا فقدمنا على النجاشي، فوالله إنا لعنده؛ إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه بكتاب، كتبه إليه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فدخل عليه، ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضَّمْرِي، ولو قد دخلتُ على النجاشي فسألته إيّاه، فأعطانيه، فضربتُ عنقه، فإذا فعلتُ ذلك سَرَرْتُ قُرَيْشًا، وكنتُ قد أجزأت عنها حتى قتلتُ رسول محمد، قال: فدخلتُ على النجاشي، فسجدت له كما كنتُ أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي، أهدَيْتَ إلي من بلادك شيئًا؟ فقلت: نعم أيها الملك، أهديت إليك أدمًا كثيرًا، ثم قربته إليه، فأعجبه، وفرَّقَ منه أشياء بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأن يُكتَبَ ويُتَحَفَّظَ به، فلما رأيتُ طِيبَ نفسه، قلتُ: أيها الملك، إني قد رأيت رجلًا قد خرج من عندك، وهو رسول عدوّ لنا، قد وتَرَنا وقَتَلَ أشرافَنَا وخِيَارَنَا، فأعطينيه فأقتله،
_________________
(١) في الأصل: «الخوارج»، والتصحيح من المصادر.
(٢) المدره: زعيم القوم وخطيبهم والمتكلم عنهم والذي يرجعون إلى رأيه، والميم فيه زائدة. النهاية في غريب الأثر: (٤/ ٣١٠) مادة (مدره)، لسان العرب: (١٣/ ٤٨٨) مادة (دره).
(٣) الأدم: جمع أديم وهو الجلد.
[ ١ / ١٧٧ ]
فغضبَ ورفعَ يَدَهُ، فضرب بها أنفي ضربةً ظننتُ أنه كسره، وابتدرَ من مِنخَرَايْ، فجعلتُ أَتَلَقَّى الدّم بِثيابي، وأصَابَتني من الذلّ ما لو انشقت الأرضُ لي دخلتُ فيها فَرَقًا منه، فقلت له: أيها الملك لو ظننتُ أنك تكره ما قلتُ، ما سألتك، قال: فاستحيي، وقال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول رسول الله ﷺ، من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى ابن مريم لتقتلَهُ، قال عَمرو: وَغَيَّرَ الله قلبي عما كنتُ عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالِفُ أنتَ، قلت: وتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو، فأطعني واتَّبعه، والله إنهُ لعلى الحق، وليظهرنّ على كل من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أَفَتُبَايِعُني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يَدَهُ، فبايعته على الإسلام، ودعا لي بطست، فغسلَ عني الدم، وَكَسَاني ثيابًا، وكانت ثيابي قد امتلأت من الدَّم، فألقيتها، ثم خرجت إلى أصحابي، فلما رأوا كسوة الملك سُرُّوا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرّة، وقلت أعوذ إليه، قالوا: الرأي ما رأيتَ، وفارقتُهُم، فَكَأَنِّي أعمد الحاجة، فعمدت إلى موضعِ السُّفُن، فوجدتُ سفينةً قد سُجِيت تدفع، فركبت معهم، ودفعوها من ساعتهم حتى انتهوا إلى الشُّعْبَة (^١)، فخرجت بها ومعي نفقة، فابتعتُ بعيرًا، وخرجت أريدُ المدينة، حتى أتيت على مَر الظَّهْران (^٢)، ثم مضيتُ حتى إذا كنت بالهدة (^٣)، وإذا رجلان قد سبقاني بعير كثير، يريدان
_________________
(١) الشعبة: أو الشّعَيبة، هو مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، وكان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة، ومكان الشعبة اليوم جنوب جدة على مسافة تقارب ٦٨ كيلًا، وهناك خليجان يسمى أحدهما: الشعيبة المغلقة، والثاني: الشعيبة المفتوحة. معجم البلدان: (٣/ ٣٥١)، المعالم الأثيرة: (١٥١).
(٢) مرّ الظهران: هو وادٍ فحل من أودية الحجاز، ويمرّ شمال مكة على مسافة ٢٢ كيلًا، ويصب في البحر جنوب جدة، ومن قراه الجموم، وبحرة، ومن أقسامه: وادي فاطمة نسبة إلى فاطمة زوجة بركات بن أبي نُميّ، أحد الأشراف الذين حكموا مكة. معجم البلدان: (٤/ ١٠٤ - ١٠٥)، المعالم الأثيرة: (٢٥٠).
(٣) الهدة: ويقال الهدأة أو الهداة، وهي روايات لعلم واحد، والأصح فيها: الهدة بلا ألف ولا همزة، وهو مكان بين عُسفان ومكة، أو على سبعة أميال من عسفان. المعالم الأثيرة: (٢٩٣).
[ ١ / ١٧٨ ]
منزلًا، وأحدهما داخل في خيمة، والآخر قائم يمسك الراحلتين، فنظرت، فإذا خالد بن الوليد، فقلت: أبا سُلَيْمَان، قال: نعم، قلت: فأين تريد؟ قال: محمد، أدخل مع الناس في الإسلام، فلم يبق أحد به [طمع] (^١)، والله لو أَقَمنَا لأُخِذنا برقابنا كما يؤخذُ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: أنا والله قد أردت محمدًا وأردت الإسلام، وخرج عثمان بن طلحة فرحب بي، فنزلنا جميعًا المنزل، ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجل لقينا بِدِيرِ أبي عُتْبَة، يصيح: يا رباح، فتفاءلنا بقولهِ وسُرِرْنَا، ثم نظر إلينا، فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين، فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، ثم وَلَّى مُدْبِرًا إلى المسجد سريعًا، فظننتُ أنه يبشر رسول الله ﷺ بقدومنا، فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرّة، فلبسنا من صالح ثِيابنا، ونُودي بالعصر، فانطلقنا جميعًا، حتى طلعنا عليه صلوات الله عليه، وإِنَّ لِوَجهه تهللا، والمسلمونَ حوله قد سُروا بإسلامنا، فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع رسول الله ﷺ، ثم تقدمت، فوالله ما هو إلا أن جلستُ بين يديه، فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياءً منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذَنْبي، ولم يحضُرِني مَا تَأخر، فقال: «إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها»، فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحدًا من أصحابه في أمرِ حَربِهِ منذ أسلَمنَا، ولقد كُنَّا عِند أبي بكر ﵁ بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عُمَر بتلك الحال (^٢).
_________________
(١) في الأصل: «طعم»، والتصحيح من المصادر.
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٤٦/ ١٢٤ - ١٢٧)، وابن الجوزي في المنتظم: (٥/ ١٩٦ - ١٩٨) كلاهما من طرق عن الحسن بن علي عن ابن حيوية الخزاز به، وأخرجه الواقدي في المغازي: (٢/ ١٩٣ - ١٩٦)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل: (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٦) عن عبد الحميد بن جَعْفَر عن أبيه به، وأخرجه جماعة بإسناد حسن من طريق حبيب بن أوس عن عمرو بن العاص به، منهم ابن إسحاق في السيرة: (٤/ ٢٣٧ - ٢٤٠)، وأحمد في المسند (٤/ ١٩٨ ح ١٧٨١٢)، والبخاري في التاريخ الكبير: (٢/ ٣١١/ ت ٢٥٨٧)، والحارث في المسند: (٢/ ٩٣٣ - ٩٣٤/ ح ١٠٢٩)، والطبري في التاريخ: (٢/ ١٤٥ - ١٤٦)، والحاكم في المستدرك: (٣/ ٥١٤ ح ٥٩١٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: (٤/ ١٩٨٨ - ١٩٨٩/ ح ٤٩٩٣)، والبيهقي في دلائل النبوة: (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٨)، وأخرج جماعة طرفا من =
[ ١ / ١٧٩ ]
١٣٦ - أخبرنا القاضي أبو مَنْصُور محمد بن أحمد بن شَكْرَوَيْه بأصفهان، قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد الله بن خُرَّشِيذ قُولَه، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النَّيْسَابُوري، قال: أخبرنا العباس بن الوليد، أخبرني أبي (^١)، قال: سمعت ابن جابر (^٢)، يقول: حدثني أخ لنا عن الزُّهْرِي، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة بن مسعود، قال: حدثني ابن عباس ﵁، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دِحيّة بن خَليفة الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرَى، ليدفعه إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس، جعل الله عليه أن يمشي من حمص إلى بيت المقدس شكرًا، فلما أتاه كتاب رسول الله ﷺ قال: ابغوني هل ها هنا أحد من قومه لنسألهم عن رسول الله ﷺ.
قال ابن عباس: فحدَّثني أبو سفيان ابن حَرْب قال: كُنَّا قدمنا الشام تُجَارًا في المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، قال: فأتاني الرسول، فانطلق بنا حتى دخلنا عليه وهو في بيت المقدس، وعلى رأسه التاج، وعنده عظماء الروم، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قلت: أنا، قال أبو سفيان: ولم يكن في القوم رجل من بني عبد مناف غيري، قال: ما قرابة ما بينك وبينه؟ قلت: هو ابن عمّي، قال: أدنو هذا مني، فأدنوني منه، فأقام أصحابي خلف ظهري، ثم قال للترجمان: قل لهؤلاء إني سائل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذب فَكَذَّبُوه، فقال أبو سفيان: والله لولا أني كرهت أن يُؤْثَرَ عني الكذب لكذبته حين سألني عنه، قال: كيف نسبه؟ قلت:
_________________
(١) = الخبر بإسناد حسن من طريق حبان بن أبي جبلة عن عمرو بن العاص به، منهم أبو يعلى في المسند: (٣٣١/ ١٣/ ح ٧٣٤٧)، والطبراني في مسند الشاميين: (٤٠٥/ ٣ - ٤٠٦/ ح ٢٥٥٧)، والحاكم في المستدرك: (٣/ ٥١٥/ ح ٥٩١٧). وإسناد المصنف ضعيف، فيه محمد بن عمر الواقدي وهو متروك الحديث. والحديث حسن بطرقه، وصححه الألباني كما في إرواء الغليل: (١٢١/ ٥ - ١٢٤/ ح ١٢٨٠).
(٢) هو أبو العباس الوليد بن مزيد - بفتح الميم وسكون الزاي وفتح التحتانية - العُذري البيروتي، ثقة ثبت.
(٣) هو أبو عتبة عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي الدَّارَاني، ثقة.
[ ١ / ١٨٠ ]
هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: فهل يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم، قال: وكيف كان حربكم وحربه؟ قلت: سجالًا ودولًا، يدال علينا مرة، وندال عليه أخرى، قال: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: فما أمكنني من كلمة أنتقصه فيها غيرها، قلت: نحن منه في هدنة مدة، ولسنا نأمنه عليها، قال: فما الذي يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: فقال: إني سألتك عن نسبه؟ فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الأنبياء إنما تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال هذا القول منكم أحد؟ قلت: لا، فإنه لو كان قال هذا منكم أحد قبله، قلت هذا رجل يأتمّ بقول قد قيل قبله، قلت هل كان في آبائه مَلِكُ، فقلت: لا، فقلت لو كان في آبائه ملك، قلت هذا رجل يلتمس مُلْكَ آبائه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلت لا، فعلمت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرُّسُل، وسألتك هل يزيدون أو ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فقلت: لا، وكذلك أمر الإيمان حتى يخالطه بشاشة القلوب، ولا يسخطه أحد، وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن حربكم وحربه سجالًا ودولًا، وكذلك الأنبياء تبتلى، ثم يكون لها العاقبة، وسألتك هَل يَغْدِر؟ فقلت: لا، وكذلك الأنبياء لا تغدر، وسألتك ما يأمر به؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا
[ ١ / ١٨١ ]
الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عما كان يعبد آباءكم، ويأمركم بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، فقال: لإن كنتَ صادقًا فيما قلت ليملكن ما تحت قَدَمَيَّ هاتين، ولو كنتُ عنده لقبلت - يعني - تحت رجليه، ولو أني أرجو لقاه لتجشَّمتُ لقاه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله، إلى قيصر عظيم الروم، سلام على من اتَّبَعَ الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، يُؤْتِكَ الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنَّ عليك إثم الأريسيين (^١)، ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الكتاب تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نعبد إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (^٢)، قال: فارتفعت الأصوات وكثر اللغط، وأُمِرَ بنا فَأُخرجنا، فلما خلصت بأصحابي قلت لهم: إني لا أرى ملك بني الأصفر، قد أمر أمرُ ابن أبي كبشة (^٣) هذا، فما زلت في نفسي ذليلًا مستيقنا أن الله تعالى سَيُظْهِرُ نَبيَّه، حتى أدخل الله على الإسلام وأنا كاره (^٤).
_________________
(١) الأريسيون: اختلف في هذه اللفظة صيغة ومعنى، قيل: بفتح الهمزة وكسر الراء، وقيل بسكون الراء وفتح الياء الأولى، ومعناه الخدم والخول لصده إياهم عن الدين، وقيل هم أتباع عبد الله بن أريس، رجل في الزمن الأول بعث الله نبي فخالفه هو وأصحابه، وقيل: هم الأروسيون: وهم نصارى أتباع عبد الله بن أروس وهم الأروسية متمسكون بدين عيسى لا يقولون أنه ابن الله، وقيل: أرسيون بضم الهمزة: وهم الأكرة، وقيل الملوك الذين يخالفون أنبياءهم، وقيل: الخدمة والأعوان وقيل: المتبخترون. مشارق الأنوار: (٢٧ - ٢٨/ ١)، النهاية في غريب الأثر: (٣٨ - ٣٩/ ١) مادة (أرس).
(٢) سورة آل عمران: الآية ٦٤.
(٣) أبو كبشة هذا: والد أم أم رسول الله ﷺ، كان قد خرج إلى الشام فاستحسن دين النصارى، فرجع إلى قريش وأظهره، فعاتبته قريش حيث جاء بدين غير دينهم، فكانت قريش تعيّر النبي ﷺ وتنسبه إليه، يعنون به أنه جاء بدين غير دينهم كما جاء أبو كبشة بدين غير دينهم. صحيح ابن حبان: (١٧١/ ٢).
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (١٧/ ٢٠٨) بإسناده عن العباس بن الوليد عن أبيه به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: (٥/ ٣٤٤ - ٣٤٧/ ٩٧٢٤)، وابن سعد في الطبقات: (٤/ ٢٥١)، وأحمد في المسند: (١/ ٢٦٢ - ح ٢٣٧٠)، والبخاري في الصحيح: (٧/ ١ - ١٠/ ح ٧) بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، ومسلم في الصحيح: (٣/ ١٣٩٣ - ١٣٩٦/ ح ١١٧٣) كتاب الجهاد
[ ١ / ١٨٢ ]
١٣٧ - أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد المعدَّل، قال: حدثنا أبو طاهر أحمد بن إبراهيم البغدادي، قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر ابن أبي داود (^١)، قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا محمد الثقفي، عن ثور بن يزيد، عن مَكْحُول (^٢)، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني كنتُ بِكْرَ أَمّي، وإنَّها حَملَتني كأثقل ما تحمل النساء، حتى جعلت تشتكي إلى صواحبها ثَقُلَ ما تجد، ثم إِن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نورًا، قالت: فجعلت أتبع بصري النور، فجعل النور يسبق بصري، حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها، ثم إنها ولدتني، فلما نَشَأْتُ بُغْضَت إلى الأوثان، وبُغْضَ إلى الشعر» (^٣).
١٣٨ - أخبرنا أبو المعالي ابن عبد الملك البَقّال، قال: حدثنا [الحسن بن] علي بن محمد
_________________
(١) = والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (١/ ٣٦٦ - ٤٩٢/ ٣٦٩)، و(٦/ ٣٠٩ - ٣١٠)، والنسائي في السنن الكبرى: (٥/ ٢٦٥/ ٨٨٤٥ - ٨٨٤٦)، وأبو يعلى في المسند (٥/ ٢٦١٦)، وأبو عوانة في المسند: (٣/ ٣٥٣ - ٣٦١/ ١٢٩١)، والبغوي في معجم الصحابة: (٤/ ٢٦٨ - ٢٧١/ ٦٧٢٧ - ٦٧٣٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار: (١٤/ ٢٤٠ - ٢٤٤/ ٥٥٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير: (٨/ ٢٠ - ٢٢/ ٧٢٧٢)، وفي مسند الشاميين: (٤/ ٢١٦ - ٢٢٠/ ٣١٣٢)، وابن مَنْدَه في الإيمان: (١/ ٢٥٩/ ح ١١٩)، و(١/ ٢٨٨ - ٢٩٢/ ح ١٤٣)، وفي تفسير القرآن: (ح ١٣٣)، والبيهقي في دلائل النبوة: (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٦/ ٢٣٩)، و(٢/ ٣٤٨ - ٣٥١/ ح ٢٤١)، والبيهقي في دلائل النبوة: (٤/ ٣٧٧)، وفي السنن الكبرى: (٩/ ١٧٧ - ١٧٨/ ح ١٨٣٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٢/ ٩١ - ٩٤)، و(٢٣/ ٤٢٢ - ٤٣١)، جميعهم من طرق عن الزُّهْرِي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس به. وإسناد المصنف ضعيف، لأجل إبهام راو، وهو قول ابن جابر: حدثني أخ لنا. والحديث صحيح بطرقه.
(٢) هو أبو بكر عبد الله بن سُلَيمان بن الأشعث ابن أبي داود السجستاني الأزدي، ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ.
(٣) هو أبو عبد الله مكحول الشامي الدمشقي، ثقة فقيه كثير الإرسال.
(٤) أخرجه الطبري في التاريخ: (١/ ٤٦٥)، والآجري في الشريعة: (٣/ ١٤٢٢ - ١٤٢٣/ ح ٩٦٢)، وأبو نعيم في الحلية: (٥/ ١٨٨ - ١٨٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠) جميعهم من طرق عن ثور ابن يزيد عن مكحول الشامي به. وإسناد المصنف ضعيف، لأجل الانقطاع، فمكحول الشامي لم يسمع من شداد بن أوس، وفيه أيضا أبو بكر بن أبي داود وهو متكلم فيه. وللحديث شواهد يتقوى بمجموعها إلى درجة الحسن منها حديث العرباض بن سارية وحديث أبي أمامة الباهلي كما في الباب برقم (١٣٨ - ١٣٩ - ١٤٠)، ومرسل خالد بن معدان.
[ ١ / ١٨٣ ]
الواعظ (^١)، قال: حدثنا أحمد بن جَعْفَر، قال: حدثنا أبو مسلم الكشّي، قال: حدثنا أبو عمر الضرير، قال: حدثنا فرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أُمَامَة (^٢)، قال: قيل يا رسول الله، ما كان بَدْؤُ أَمْرِكَ، قال: «دعوة أبي إبراهيم ﵇، وبشرى المسيح بن مريم ﵇، وَإِنَّ أمي حين ولدتني رأت كأنَّ نُورًا خرج منها أضاءت منه قُصُور بصرى من أرض الشام» (^٣).
١٣٩ - أخبرنا محمد بن جابر المؤدن، قال: حدثنا إبراهيم بن طلحة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن شَيْبَة، قال: حدثنا العباس بن أحمد بن حَسّان، قال: حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك، قال: حدثنا ابن عَيَّاش (^٤)، عن ابن أبي مريم (^٥)، عن سعيد بن سُوَيْد الكلبي، عن العِرْباض بن سارية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنا عِندَ الله في أم الكتاب خاتم النبيين وآدمُ منجدل (^٦) في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة موسى قومه، ورُؤيَا أمي التي رأت أنه
_________________
(١) في الأصل: «علي بن محمد الواعظ»، والصواب كما في مصادر الترجمة: «الحسن بن علي بن محمد الواعظ».
(٢) هو أبو أُمَامَة صُدَيّ - بالتصغير - ابن عجلان بن وهب الباهلي، صحابي مشهور.
(٣) أخرجه الطيالسي في المسند: (١٥٥/ ح ١١٤٠)، وابن الجعد في المسند: (٤٩٢/ ح ٣٤٢٨)، وأحمد في المسند: (٥/ ٢٦٢/ ٢٢٣١٥)، والحارث في المسند: (٢/ ٨٦٧/ ح ٩٢٧)، والروياني في المسند: (٢/ ٣١١/ ١٢٦٧)، والبغوي في معجم الصحابة: (٣/ ٣٨٢/ ١٣١٣)، والطبراني في مسند الشاميين: (٢/ ٤٠٢/ ح ١٥٨٢)، وفي المعجم الكبير: (٨/ ١٧٥/ ح ٧٧٢٩)، وابن عدي في الكامل: (٦/ ٢٩)، وأبو الفضل الزُّهْرِي في حديثه: (٢/ ٦٦)، وأبو طاهر المُخَلِّص في المخلصيات: (٤/ ١٢٩/ ٣٠٩٩)، واللاكائي في اعتقاد أهل السنة: (٤/ ٧٥٣ - ٧٥٤/ ح ١٤٠٤)، والبيهقي في دلائل النبوة: (١/ ٨٤) جميعهم من طرق عن فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر به. وإسناد المصنف ضعيف، فيه فرج بن فضالة وهو ضعيف، وفيه علي بن محمد الواعظ وهو متكلم فيه. والحديث حسن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد: (٨/ ٢٢٢)، والألباني في السلسلة الصحيحة: (٤/ ٦٢/ ح ١٥٤٦).
(٤) هو أبو عتبة إسماعيل بن عَيَّاش بن سُلَيم العَنْسِي الحِمْصِي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم.
(٥) هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، وقد ينسب إلى جده، قيل اسمه بكير، وقيل عبد السلام، ضعفوه.
(٦) منجدل: أي ملقى على الجدالة وهي الأرض. غريب الحديث للخطابي: (٢/ ١٥٦)، النهاية في غريب الأثر: (١/ ٢٤٨) مادة (جدل).
[ ١ / ١٨٤ ]
خرج منها نورًا أضاءت له قُصُورُ الشام، وكذلك أُمَّهَاتُ النَّبِيِّين يَرَيْن» (^١).
١٤٠ - أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد المعدَّل، قال: حدثنا أبو العلاء محمد بن يوسف بن حكام قال: حدثنا صفوان بن عبيد الله بن محمد الثقفي، قال: حدثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد المَرْوَزِي، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه (^٢)، قال: حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، قال: حدثنا ابن أبي مريم الغَسَّاني، حدثني سعيد بن سُوَيْد الكلبي، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني عند الله في أم الكتاب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ (^٣)، وبشارة عيسى بن مريم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بعدي اسْمُهُ أحمد﴾ (^٤)، ورؤيا أمي التي رأت في منامها رأت أنها وضعت نورًا أضاءت منه قصور الشام» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة: (١/ ١٧٩/ ح ٤٠٩) بإسناده عن ابن عَيَّاش عن ابن أبي مريم به، وأخرجه الطبري في التفسير: (١/ ٥٥٦)، والطبراني في المعجم الكبير: (١٨/ ٢٥٣/ ٦٥١)، وفي مسند الشاميين: (٢/ ٣٤٠/ ح ١٤٥٥)، والحاكم في المستدرك: (٢/ ٦٥٦/ ح ٤١٧٥) وقال: «صحيح الإسناد»، وأبو نعيم في حلية الأولياء: (٦/ ٨٩ - ١٠٠)، والبيهقي في الدلائل: (١/ ٨٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٢١/ ٩٩، ١٦٨) جميعهم من طرق عن ابن أبي مريم عن سعيد بن سويد به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات: (١/ ١٤٩)، وأحمد في المسند: (٤/ ١٢٧ - ١٢٨/ ح ١٧١٩٠، ١٧٢٠٣)، والفَسَوِي في المعرفة والتاريخ: (٢/ ٢٠١)، وعبد الله بن أحمد في السنة: (٢/ ٣٩٨/ ح ٨٦٥)، وابن حبان في الصحيح: (١٤/ ٣١٢ - ٣١٣/ ح ٦٤٠٤)، والطبراني في مسند الشاميين: (٣/ ١٣٣/ ح ١٩٣٩)، وفي المعجم الكبير: (١٨/ ٢٥٢/ ح ٦٢٩ - ٦٣٠)، والخطابي في غريب الحديث: (٢/ ١٥٦)، والحاكم في المستدرك: (٢/ ٤٥٣/ ح ٣٥٦٦) وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وأبو نعيم في الدلائل: (١/ ٤٨ - ٤٩/ ح ٩ - ١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان: (٢/ ١٣٤/ ح ١٣٨٥)، وفي دلائل النبوة: (١/ ٨٠)، و(٢/ ١٣٠)، والبغوي في شرح السنة: (١٣/ ٢٠٧/ ح ٣٦٢٦)، وفي التفسير: (١/ ١١٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (١/ ١٦٩)، (٣٣/ ٤٤٧) جميعهم من طرق عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية به. وإسناد المصنف ضعيف، فيه ابن أبي مريم مريم الغساني وهو ضعيف، وفيه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك الحديث. والحديث ضعفه الألباني كما في السلسلة الضعيفة: (٥/ ١٠٢ - ١٠٤/ ح ٢٠٨٥).
(٢) هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ابن راهويه الحنظلي المَرْوَزِي، ثقة حافظ.
(٣) سورة البقرة: من الآية ١٢٩.
(٤) سورة الصف: من الآية ٦.
(٥) الحديث تقدم تخريجه. وإسناد المصنف ضعيف، فيه ابن أبي مريم الغساني وهو ضعيف.
[ ١ / ١٨٥ ]
١٤١ - أخبرنا محمد بن علي بن هارون، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا جَعْفَر الفِرْيَابي (^١)، حدثني عمرو بن حفص بن عمر الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة ﵁، قال: سُئِل رسول الله ﷺ: متى وَجَبَتْ لكَ النبوة؟ قال: «فيما بين خَلقِ آدم ونفخ الروح فيه» (^٢).
١٤٢ - أخبرنا أحمد بن أبي عثمان المقرئ، قال: حدثنا الحسن بن القاسم الدباس، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله، قال: حدثنا علي بن مسلم (^٣)، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا جَعْفَر بن عبد الله بن عثمان القرشي، أخبرني [عُمَر] بن عروة بن الزبير (^٤)، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري، قال: قلتُ يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي حتى علمت ذلك، واستيقنت أنك نبي، قال: يا أبا ذر أتاني ملكان، وأنا ببعض بطحاء مكة (^٥)، فوقع أحدهما في الأرض، وكان الآخر
_________________
(١) هو أبو بكر جَعْفَر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الفريابي، ويضبط الفيريابي، بكسر الفاء، ويقال الفاريابي وكله صحيح، كان ثقة أمينا حجة.
(٢) أخرجه الآجري في الشريعة: (٣/ ١٤٠٧/ ح ٩٤٦) عن جَعْفَر الفريابي عن عمرو بن حفص به، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل: (١/ ٤٨/ ح ٨)، والخطيب في تاريخ بغداد: (١٠/ ١٤٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٢٦/ ٣٨٢)، و(٤٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩) جميعهم من طرق عن جَعْفَر الفريابي عن عمرو بن حفص به، وأخرجه جَعْفَر الفريابي في القدر: (٢٧/ ١٤٢) عن عمرو بن حفص عن الوليد بن مسلم به، وأخرجه الترمذي في السنن: (٥/ ٥٨٥/ ح ٣٦٠٩) كتاب المناقب، باب في فضل النبي ﷺ، وقال: «حديث صحيح غريب من حديث أبي هريرة»، وفي العلل: (٣٦٨/ ح ٦٨٤) وقال: «حديث غريب»، وابن حبان في الثقات: (١/ ٤٧)، والآجري في الشريعة: (٣/ ١٤٠٨/ ح ٩٤٧)، والحاكم في المستدرك: (٢/ ٦٦٥/ ح ٤٢١٠)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة: (٤/ ٧٥٣/ ح ١٤٠٣)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ١٣٠)، والخطيب في تاريخ بغداد: (٣/ ٧٠)، و(٥/ ٨٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٦٣/ ١٤٢) جميعهم من طرق عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به. وإسناد المصنف حسن. والحديث صحيح بطرقه، وله شاهد من حديث ميسرة بن الفجر.
(٣) في الأصل: «بن مسلم»، والصواب كما في المصادر: «قال: حدثنا علي بن مسلم الطوسي».
(٤) في الأصل: «عمرو بن عروة»، والصواب: عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، مقبول.
(٥) البطحاء في اللغة: مسيل فيه دقاق الحصى، والجمع: الأباطح والبطاح على غير قياس، والمقصود بطاح مكة أو بطحاؤها، وكانت قريش تقسم إلى قريش البطاح: وهم سكان مكة الذين ينزلون بين أخشبي مكة، وقريش الظواهر: الذين ينزلون خارج الشعب، وبطحاء مكة: كانت علمًا على جزء من وادي مكة بين الحجون إلى المسجد الحرام، ولم يبق اليوم بطحاء؛ لأن الأرض كلها معبدة. معجم البلدان: (١/ ٤٤٤ - ٤٤٧)، المعالم الأثيرة: (٤٩).
[ ١ / ١٨٦ ]
بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو، قال: هو هو، قال: فزنه برجل، قال: فَوُزِنتُ فرجحت، ثم قال: زنه بعشرة، فوزناني بعشرة، فوزنتهم، قال: زنه بمائة، فوزناني بمائة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزناني بألف، فرجحتهم، قالوا: فجعلوا [ينتثرون] (^١) علي من كفة الميزان، فقال أحدهما: لو وزنته بأمته لرجحها، ثم قال أحدهما لصاحبه: أخرج قلبه، أو قال: شق قلبه، فشق قلبي، فأخرج منه مغمر الشيطان وعلق الدم، فطرحهما، ثم قال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء (^٢)، ثم دعا بالسكينة، كأنما هي هرة بيضاء، فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي، فما هو إلا أن ولي عني، فكأنما أُعاين الأمر معاينة (^٣).
١٤٣ - حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد المعدل، قال: حدثنا القاضي أبو الحسين ابن غَسَّان، قال: حدثنا سُلَيْمَان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا نصر بن عبد الملك (^٤)، قال: حدثنا عبد الله بن معاوية، قال: حدثنا معاذ بن محمد، من ولد أبي بن كعب، حدثنا أبي (^٥)،
_________________
(١) في الأصل: «ينبتون»، والتصحيح من المصادر.
(٢) الملاء بالضم والمد، جمع ملاءة، وهي: الإزار والرَّيْطة إذا كانت قطعة واحدة، وتعرف بالملحفة. تهذيب اللغة: (٥/ ٤٦)، لسان العرب: (٧/ ٣٠٧) مادة (ريط).
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١) بإسناده عن عبد الله بن الحسن بن محمد بن الخلال عن أحمد بن أبي عثمان عن الحسن بن قاسم به، وأخرجه البزار في المسند: (٩/ ٤٣٦ - ٤٣٧/ ت ٤٠٤٨)، وابن أبي الدنيا في الهواتف: (١٨ - ١٩/ ح ٣) (٣)، والعقيلي في الضعفاء: (١/ ١٨٣) وقال: «لا يتابع عليه، والطبري في التاريخ: (١/ ٥٣٤ - ٥٣٥)، والخطابي في غريب الحديث: (١/ ٦٧٥ - ٦٧٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة: (٤/ ٧٥٤ - ٧٥٥/ ح ١٤٠٥)، وأبو نعيم في الدلائل: (١/ ٢٢١/ ح ١٦٧)، والحنائي في الفوائد: (١/ ٦٤٩ - ٦٥٠/ ح ١١٣)، وقوام السنة في دلائل النبوة: (٢/ ٣١) جميعهم من طرق عن أبي داود الطيالسي عن جَعْفَر بن عبد الله به، وفي مسند الدارمي: (١/ ٢١/ ١٤) من طريق أبي داود الطيالسي عن جَعْفَر بن عبد الله عن عثمان بن عروة عن عروة بن الزبير به. وإسناد المصنف ضعيف فيه عمر بن عروة وهو مقبول. وللحديث شواهد يتقوى بها إلى الحسن، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة: (٦/ ٦٩ - ٧٠/ ح ٢٥٢٩).
(٤) هو أبو علي نصر بن علي بن عبد الملك السنجاري.
(٥) هو محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب.
[ ١ / ١٨٧ ]
عن أبيه أبي بن كعب: أن أبا هريرة سأل رسول الله ﷺ، وكان حريًا أن يسأله بالذي لا يسأله عنه غيره، فقال: يا رسول الله، ما أول ما [ابتدئت] (^١) به من أمر النبوة، فقال: «إذ سألتني، إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حِجَج (^٢)؛ إذ أنا برجلين فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه أهو هو، قال: نعم، فأخذاني فسلقاني بحلاوة القفا (^٣)، ثم شقًا بطني، فكان جبريل ﵇ يختلف بالماء في طست من ذهب، وكان ميكائيل يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري فيما أرى مفلق، فلا أجد له وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه، فشق قلبي، فقال: أخرج الغل والحسد منه، فأخرج منه شبه العلقة، فنبذه، ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورًا كان معه، فذره عليه، ثم نقرا إبهامي، ثم قال: اغدوا، فرجعت بما لم أغد، من رحمتي للصغير، ورأفتي للكبير (^٤)».
١٤٤ - أخبرنا محمد بن علي السيرافي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا حَجَّاج، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا هشام
_________________
(١) في الأصل: «ابتليت»، والتصحيح من المصادر.
(٢) أي: سنوات.
(٣) أي ألقياه على ظهره. تهذيب اللغة: (٥/ ١٥٢)، المخصص: (١/ ٧٤)، النهاية في غريب الأثر: (٢/ ٣٩١) مادة (سلق).
(٤) أخرجه أبو نعيم في الدلائل: (١/ ٢١٩ - ٢٢٠/ ح ١٦٦)، ومن طريقه الضياء في المختارة: (٤/ ٤١/ ح ١٢٦٦) من طريق الطبراني عن نصر بن عبد الملك به، وأخرجه أحمد في المسند: (٥/ ١٣٩/ ح ٢١٢٩٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، وأخرجه المَحَامِلي في الأمالي من رواية ابن البيع: (٤٠٣ - ٤٠٤/ ح ٤٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣)، والضياء في المختارة: (٤/ ٣٧ - ٣٩/ ح ١٢٦٣ - ١٢٦٤) وقال: «إسناده ضعيف»، وابن الجوزي في المنتظم: (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢) جميعهم من طرق عن معاذ بن محمد عن أبيه عن أبي بن كعب. وإسناد المصنف ضعيف، فيه معاذ بن محمد وعبد الله بن معاوية وهما مقبولان. قال أبو نعيم في الدلائل: (١/ ٢١٩): «هذا الحديث مما تفرد به معاذ بن محمد، وتفرد بذكر السن التي شُق فيه عن قلبه، والذي رواه عبد الله بن جَعْفَر عن حليمة السعدية، ورواه عبد الرحمن بن عمرو عن عتبة بن عبد اتفقا على أنه كان مسترضعا في بني سعد»، والحديث ضعف إسناده الألباني كما في السلسلة الصحيحة: (٤/ ٦٠)، وذكر جملة متابعات وشواهد تقوي بعضها البعض.
[ ١ / ١٨٨ ]
ابن عروة: أن رسول الله ﷺ قال الخديجة: «إني أخشى أن أكونَ كاهنًا»، قالت: لم يكن الله لِيَفْعَلَ بكَ ذلك يا ابن عبد الله، إنك تصدق الحديث، وتصلُ الرَّحمَ، وتُؤدّي الأمانةَ، [قال]: فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الذي كان يرى، فقال ورقة: إن تكوني صادقة، فإنّ زوجك نبي، ولَيَلْقَيَنّ من أمره شدّة، فاحتبس جبريل على النبي ﷺ (^١)، فقالت خديجة رضوان الله عليها: ما أرى ربَّك إلا قد قلاك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى والليل إِذَا سَجَى مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وللاخرة خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (^٢) (^٣).
١٤٥ - وبه حدثنا حماد، عن [أبي عمران] (^٤)، عن رجل (^٥)، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: إن جبريل ﵇ أخذهُ فَسَلقَهُ الحلاوة القفا (^٦)، ثم شقّ عن قلبه، فاستخرج علقة، ثم شق - يعني - صدره، فاستخرج منه ما شاء أن يستخرج، ثم غسله في طَسْت (^٧) من ذهب، ثم لأمه، ثم أعاده مكانه، ثم
_________________
(١) في الأصل: «وتؤدي الأمانة، فاغيه الذي كان يرى، فقالت خديجة»، ولعله سهو وقع فيه الناسخ، فسقط طرف من الحديث، والتصحيح من مصادر الخبر.
(٢) سورة الضحى: الآيات ١ - ٤.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات: (١٩٥/ ١) بإسناده عن حَمَّاد بن سَلَمَة عن هشام بن عروة به، وابن أبي شيبة في المصنف: (٦/ ٣٢٣/ ح ٣١٧٦٤)، والطبري في التفسير: (٣٠/ ٣٣٢) كلاهما من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به. وإسناد المصنف ضعيف، لأجل إرسال هشام بن عروة، ووصله ابن سعد وغيره. وللخبر شواهد منها حديث ابن عباس كما عند ابن سعد في الطبقات: (١٩٥/ ١)، والبلاذري في أنساب الأشراف: (١/ ٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير: (١٢/ ١٨٦/ ح ١٢٨٣٩)، وحديث عمرو ابن شرحبيل كما عند ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٢/ ح ١٥٧)، وابن أبي شيبة في المصنف: (٧/ ٣٢٩/ ح ٣٦٥٥٥)، والآجري في الشريعة: (٣/ ١٤٤١ - ١٤٤٢/ ح ٩٧٣)، وحديث عبد الله بن شداد كما عند الطبري في التاريخ: (١/ ٥٣٢)، وفي التفسير: (٣٠/ ٢٥٢).
(٤) في الأصل: «عن ابن عمر»، والصواب: عن أبي عمران»، وهو عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي الجوني، مشهور بكنيته، ثقة.
(٥) هو يزيد بن بَابَنُوس البصري، مقبول.
(٦) أي: ألقاه على ظهره.
(٧) الطَّسْت أو الطَّس: كلمة فارسية معربة، جمعها طساس، وهو من آنية الصفر. جمهرة اللغة: (١/ ٣٩٧)، تاج العروس: (١٦/ ١٩٨) مادة (طسس).
[ ١ / ١٨٩ ]
كفأه كما يكفأ الإناء، فختم في ظهره حتى وجدت مس الخاتم» (^١).
١٤٦ - أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الأسدي ببغداد، قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن شاذان، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عَمْرُويَه الصَّفّار، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا شيبان، عن يحي، أخبرني إبراهيم بن عبد الله، أن جابر بن عبد الله، أخبره أن أول شيء أنزل من القرآن: ﴿ياأيها الْمُدَّثِرُ﴾ (^٢)، قال جابر: ألا أخبِرُكَ بما سمعت رسول الله ﷺ؟ يقول: «جاورتُ في حِرَاء، فلما قضيت جواري، أقبلت في بطن الوادي، فنادى منادي، فنظرتُ عن يميني وشمالي، وأمامي وخلفي، فلم أر شيئًا، ثم ناداني، فنظرت فوقي، فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، قال: فَجَثَيْتُ منه فَرَقًا (^٣)، فأقبلتُ إلى خديجة ﵂، فقلت: دتروني دثروني (^٤)، وصُبُّوا على ماءً باردًا، فأنزل الله تعالى: ﴿ياأيها المدثر﴾» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في المسند: (١٥٣٩/ ٢١٥/ ح)، وإسحاق بن راهويه في المسند: (٣/ ٩٧٠ - ٩٧١/ ح ١٦٨٩)، والحارث في المسند: (٩٢٨/ ٨٦٧/ ٢/ ح)، وأبو نعيم في الدلائل: (١/ ٢١٥ - ١٦٣/ ٢١٦/ ح) جميعهم من طرق عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني به. وإسناد المصنف ضعيف، لأجل إبهام الرجل الراوي عن عائشة. والحديث له شواهد عديدة منها ما ذكر في الباب (ح ١٤٢ - ١٤٣)، ويتقوى بمجموعها إلى الصحة.
(٢) سورة المدثر: الآية ١.
(٣) فرقًا: أي فزعا وخوفا. تهذيب اللغة: (٩/ ٩٩)، مشارق الأنوار: (٢/ ١٥٣) مادة (فرق).
(٤) دثروني: أي غطّوني بالثياب مثل زملوني، والأصل في مدثر: مدتثر فأدغمت التاء في الدال لتقارب مخرجيهما. مشارق الأنوار: (١/ ٢٥٣) مادة (دثر)، لسان العرب: (٤/ ٢٧٦) مادة (دثر).
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير: (١/ ١٢/ ت ٩٩١/ ٣١٢)، والنسائي في السنن الكبرى: (٦/ ٥٠٢/ ح ١١٦٣٣) جميعهم من طرق عن شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه من طريقهم ابن الأعرابي في المعجم (٥/ ١٢٣) وزاد في إسناده سفيان بين شيبان ويحيى، وأخرج من طريق يحيى ابن أبي كثير عن أبي سَلَمَة ابن عبد الرحمن عن جابر في العديد من المصادر كما عند الطيالسي في المسند: (١٦٨٨/ ٢٣٥/ ح)، وأحمد في المسند: (٣/ ٣٩٢/ ١٥٢٥١)، والبخاري في الصحيح: (٤/ ١٨٧٥/ ح ٤٦٤٠) كتاب التفسير، باب وربك فكبر، ومسلم في الصحيح: (١/ ١٤٤/ ح ١٦١) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، والفاكهي في أخبار مكة: (٤/ ١٨٤/ ح ٢٥٠٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن: (٢٨)، وأبو يعلى في المسند: (٣/ ٤٥٣/ ح ١٩٤٩)، والطبري في التاريخ: (١/ ٥٣٤)، وفي التفسير: (٢٩/ ١٤٣)، وابن حبان في الصحيح: (١/ ٢٢٠/ ح ٣٤)، وابن مَنْدَه في الإيمان: (٢/ ٦٩٦/ ح ٦٨٨) وغيرهم. وإسناد المصنف حسن. والحديث صحيح بطرقه.
[ ١ / ١٩٠ ]
١٤٧ - أخبرنا أبو عمر الحسن بن علي بن غَسَّان، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ابن أحمد التَّوَّزي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن عبد الله بن عبد الأعلى الهُجَيْمِي، قال: حدثنا أبو محمد جَعْفَر بن محمد بن شاكر الصائغ سنة إحدى وسبعين ومائتين، حدثنا عفان يعني - ابن مسلم، قال: حدثنا همام (^١)، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، أن مالك بن صعصعة حدثه: أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به، قال: بينما أنا في الحطيم (^٢)، وربما قال قتادة: في الحجر مضطجعًا إذا أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه الأوسط من الثلاثة، قال: فأتاني وقد سمعته يقول: فَشَقَّ ما بين هذه إلى هذه»، قال قتادة فقلت للجارود (^٣) وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: ثغره: نحره إلى شعره، وقد سمعته يقول: من قصبه إلى شعره، قال: «فاستخرج قلبي، قال: فأتيت بطست من ذهب، مملوءًا إيمانًا وحكمة، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض»، فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة، قال: نعم، يضع حافره عند أقصى طرفه، قال: فحملت عليه، فانطلق بي جبريل ﵇، حتى أتى سماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقال: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيه آدم ﵇، فقال: هذا آدم أبوك، فسَلّم عليه، فسلَّمت عليه، فردّ علي السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا بيحي
_________________
(١) هو همام بن يحيى بن دينار العَوْذي المحلمي أبو عبد الله أو أبو بكر البصري، ثقة ربما وهم.
(٢) الحطيم موضع بمكة، سُمّي بذلك لانحطام الناس عنده وتزاحمهم للدعاء والحلف عنده، وقد اختلف أهل العلم في تحديد موقعه، فقيل: إنه حجر إسماعيل، وقيل غير ذلك، وأقوى الأقوال أنه ما بين الحجر الأسود، إلى زمزم، إلى مقام إبراهيم. مشارق الأنوار: (١٩٢/ ١) مادة (حطم)، المعالم الأثيرة: (١٠٢).
(٣) هو أبو نوفل الجارود بن أبي سَبْرَة الهذلي البصري، صدوق.
[ ١ / ١٩١ ]
وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلّم عليهما، قال: فسلمت عليهما فردًا السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا يوسف ﷺ، قال: هذا يوسف، فسلم عليه، قال: فسلّمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس ﵇، قال: هذا إدريس، فسلم عليه، فسلّمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء قد جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون، فسلم عليه، فسلّمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا موسى ﵇، قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلّمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما جاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ومالي لا أبكي؛ لأن غلام بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، قال: ثم صعد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، قال: فلما خلصت فإذا إبراهيم صلوات الله
[ ١ / ١٩٢ ]
عليه، قال: فسلمت عليه، فردّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح، قال: ثم رُفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبقُها مثل قِلَال هَجَر (^١)، وإذا ورقها مثل آذَانِ الفِيَلَة، فقام عند سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفُرَات، قال: ثم رفع بي إلى البيت المعمور». قال قتادة: حدثني الحسن، عن أبي هريرة: «أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فيه».
ثم رجع إلى حديث أنس بن مالك، قال: «ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، قال: فأخذت اللبن، قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك، قال: ثم فُرِضَت علي الصلوات خمسين صلاة في كل يوم، قال: فرجعت، فمررت بموسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة في كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فرجعت، فَوُضِعَت عني عشر، قال: فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع كل يوم أربعين صلاة، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمَّتك، فرجعت، فوضعت عني عشرًا أُخَر، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بثلاثين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت، فوضع عني عشرًا أُخَر، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: بعشرين صلاة كل يوم
_________________
(١) قلال هجر: هجر قرية قريبة من المدينة، وليست هجر البحرين، وقيل منسوبة إلى هجر الإحساء كانت تعمل فيها القلال، تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء، سميت قلة؛ لأنها تقل، أي ترفع وتحمل. النهاية في غريب الأثر: (٤/ ١٠٤) مادة (قل)، المعالم الأثيرة: (٢٩٣).
[ ١ / ١٩٣ ]
قال: إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت، فَأمِرتُ بعشر صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع عشر صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت، فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: لقد سألت ربي ﷿ حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلّم، فلما نفذت، ناداني منادي قد أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي» (^١).
١٤٨ - حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد المعدَّل، قال: حدثنا القاضي أبو الحسين ابن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: (٤/ ٢٠٨/ ح ١٧٨٦٩)، وابن خزيمة في الصحيح: (١/ ١٥٦/ ح ٣٠٢)، وابن مَنْدَه في الإيمان: (٢/ ٧٢٨ - ٧٣١/ ح ٧١٧)، وقوام السنة في الحجة في بيان المحجة: (١/ ٥٢٧ - ٥٣٠/ ح ٣٣٧) جميعهم من طرق عن عفان بن مسلم عن همام بن يحيى به، وأخرجه البخاري في الصحيح: (٣/ ١٤١٠ - ١٤١١/ ح ٣٦٧٤) كاب فضائل الصحابة، باب المعراج، وابن أبي خيثمة في التاريخ (السفر الثالث): (١/ ١٧١ - ١٧٢/ ح ٤٠٧)، والخطابي في غريب الحديث: (١/ ١٤٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (٤/ ١١٤/ ح ٢٠٨٣)، وابن قانع في معجم الصحابة: (٣/ ٥٢/ ت ٩٩٩)، وأبو عَوَانَة في المسند: (١/ ٣٦٧/ ح ١٣٢٣)، والبغوي في معجم الصحابة: (٥/ ١٩٩)، وابن حبان في الثقات: (١/ ٩٩ - ١٠٤)، وفي الصحيح: (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠/ ح ٤٨) جميعهم من طرق عن همام بن يحيى عن قتادة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: (٧/ ٣٣٤/ ح ٣٦٥٧١)، وأحمد في المسند: (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨/ ح ١٧٨٦٧ - ١٧٨٦٨)، والبخاري في الصحيح: (٣/ ١١٧٣/ ح ٣٠٣٥) كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، والنسائي في المجتبى: (١/ ٢١٧ - ٢٢٠/ ح ٤٤٨) كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، وفي السنن الكبرى: (١/ ١٣٨ - ١٣٩/ ح ٣١٣)، والطبري في تهذيب الآثار: (١/ ٤٢٣ - ٤٢٥/ ح ٧٢١)، وابن خزيمة في الصحيح: (١/ ١٥٣ - ١٥٥/ ح ٣٠١)، وأبو عَوَانَة في المسند: (١/ ١٠٧ - ١٠٩/ ح ٣٣٧)، والبغوي في معجم الصحابة: (٥/ ١٨٧ - ١٩٨/ ح ٢٠٥٥)، والطبراني في المعجم الكبير: (١٩/ ٢٧١ - ٢٧٣/ ح ٥٩٩)، وابن مَنْدَه في الإيمان: (٢/ ٧٢٢ - ٧٢٨/ ح ٧١٥ - ٧١٦)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٧)، وفي السنن الكبرى: (١/ ٣٦٠/ ح ١٥٧٠)، وابن عبد البر في التمهيد: (٨/ ٣٨ - ٣٩) وقال: «وقتادة أحسن سياقة لهذا الحديث»، وابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٤٨٠ - ٤٨٦) جميعهم من طرق عن قتادة عن أنس به. وإسناد المصنف حسن. والحديث صحيح بطرقه.
[ ١ / ١٩٤ ]
غَسَّان، قال: حدثنا أبو إسحاق الهُجَيْمِي، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا حَجَّاج، هو بن منهال، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبُرَاق، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته، فسار بي حتى أتينا بيت المقدس، فربطها بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت، ثم خرجت، فأتاني جبريل ﵇ بإناء من لبن، وإناء من خمر، فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم ﵇، قال: فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح لنا، فإذا بابني الخالة: يحيى وعيسى، قال: فرحبا بي، ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، فإذا هو قد أعْطِي شطر الحسن، قال: فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، فإذا أنا بإدريس، فرجعت، ودعا لي بخير، قال: يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (^١)، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا
_________________
(١) سورة مريم: الآية ٥٧.
[ ١ / ١٩٥ ]
بموسى، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵈ أجمعين، وهو مستند إلى البيت المعمور، فرحب بي، ودعا لي بخير، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، قال: ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حُسْنِها، قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فتدلى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (^١)، وفرض علي كل يوم وليلة خمسين صلاة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بَلَوْتُ بني إسرائيل وخَبَرْتُهُم، قال: فرجعت، فقلت: أي رَبّ، خفّف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: قد حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﷿، وبين موسى، حتى قال لي: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، تكون بكل صلاة عشرًا، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته بما فعلت، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت (^٢).
_________________
(١) سورة النجم: الآيات ٨ - ١٠.
(٢) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار: (١٢/ ٥٣٩/ ح ٥٠١٠)، وابن مَنْدَه في الإيمان: (٢/ ٧٠٩ - ٧١١/ ح ٧٠٧)، والبيهقي في الدلائل: (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤) جميعهم من طرق عن الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: (٧/ ٣٣٣ - ٣٣٤/ ح ٣٦٥٧٠)، وأحمد في المسند: (٣/ ١٤٨/ ح ١٢٥٢٧)، ومسلم في الصحيح: (١/ ١٤٥ - ١٤٦/ ح ١٦٢) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات، والبزار في المسند: (ح ٢٤٦٣)، وأبو يعلى في
[ ١ / ١٩٦ ]
١٤٩ - أخبرنا الإمام أبو نصر عبد السيد بن محمد الصباغ، قال: حدثنا محمد بن الحسين ابن الفضل.
١٥٠ - وأخبرنا أبو الفضل محمد بن محمد بن علي [الجَوْزَرَاني] (^١)، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رِزْقُويَه، قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسين بن عَرَفَة، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا قنان بن عبد الله النَّهْمِي، قال: حدثنا أبو ظبيان، قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة ابن عبد الله (^٢)، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص (^٣)، وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حَدِّثْنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد ﷺ، قال أبو عبيدة: لا، بل حدثنا أنت عن أبيك، فقال محمد بن سعد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلتُ، قال: فأنشأ أبو عبيدة يحدث، فقال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل ﵇ بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليها، ثم انطلق يَهْوِي بي، كلما صعد عقبة استوت رجلاه مع يديه، فإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم، كأنه من رجال أزد شنوءة (^٤)، وهو يقول ويرفع صوته، ويقول: أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا إليه، فسلمنا عليه، فرد السلام، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ فقال: هذا أحمد، فقال: مرحبًا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، قال:
_________________
(١) = المسند: (٦/ ١٠٩/ ح ٣٣٧٥)، وأبو عوانة في المسند: (١/ ١١٣ - ١١٥/ ح ٣٤٤)، وابن مَنْدَه في الإيمان: (٢/ ٧١١ - ٧١٣/ ح ٧٠٨)، والحاكم في المستدرك: (٤/ ٦٤٨/ ح ٨٧٩٣)، والبغوي في شرح السنة: (١٣/ ٣٤٢ - ٣٤٤/ ح ٣٧٥٣)، وفي الأنوار: (١/ ٤٢ - ٤٦/ ح ٤٦)، وفي التفسير: (٣/ ٩٢ - ٩٤)، وقوام السنة في الحجة في بيان المحجة: (١/ ٥٣١ - ٥٣٣/ ح ٣٣٨) جميعهم من طرق عن حَمَّاد بن سَلَمَة عن ثابت البناني عن أنس به. وإسناد المصنف حسن. والحديث صحيح بطرقه.
(٢) في الأصل: «الجوزجاني»، والتصحيح من المصادر.
(٣) هو أبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود الكوفي، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، ثقة.
(٤) هو أبو القاسم محمد بن سعد بن أبي وقاص الزُّهْرِي المدني، نزيل الكوفة، كان يلقب ظل الشيطان لقصره، ثقة.
(٥) أزد شنوءة أو أزد السراة، سكنوا السراة وهي بين الطائف وصنعاء، وأصلهم من بني سبأ. معجم المعالم الجغرافية: (١٥٤، ٢٢٦).
[ ١ / ١٩٧ ]
ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران، قال: قلنا: من يعاتب؟ قال: يعاتب ربّه فيك، قال: قلت: ويرفع صوته على ربه ﷿،: قال: إن الله تعالى قد عرف له حدّته، قال: ثم اندفعنا، حتى مررنا بشجرة، كأن ثمرها السرج، تحتها شيخ وعياله، قال: قال جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم ﵇، فدفعت إليه، فسلمنا عليه، فرد السلام، فقال إبراهيم ﵇: من هذا معك يا جبريل؟ قال: ابنك أحمد، قال: مرحبًا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يا بني إنك لاق ربك ﷿ الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جُلّها في أمتك فافعل، قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت وربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد، التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين من قائم وراكع وساجد، قال: ثم أتيتُ بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربته، فضرب جبريل منكبي، وقال: أَصَبْتَ الفطرة وربّ محمد، قال: ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: (٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧) بإسناده عن إسماعيل بن الصفار عن الحسن ابن عَرَفَة به، وأخرجه ابن عَرَفَة في جزئه: (٦٩/ ٨٠) عن مروان بن معاوية عن قنان بن عبد الله النهمي به. وإسناد المصنف ضعيف، لأجل الانقطاع، فأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وفيه أيضا قنان ابن عبد الله النهمي وهو مقبول. والحديث له شواهد عديدة يتقوى بها إلى الحسن، منها ما ذكر في الباب (ح ١٤٧ - ح ١٤٨)، ومنها حديث حذيفة كما عند الطيالسي في المسند: (٥٥/ ٤١١)، وأحمد في المسند: (٥/ ٣٩٢/ ٢٣٣٨٠) وغيرهما، وحديث أبي سعيد الخدري، كما عند الحارث في مسنده: (١/ ١٧٠/ ٢١)، وغيره. والحديث ذكره ابن كثير في التفسير: (٣/ ١٧) وقال: «إسناد غريب ولم يخرجوه، فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه ﵇ ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد إنصرافه، والمشهور في الصحاح كما تقدم، أن جبريل كان يُعلمه بهم أولًا ليسلك عليهم سلام معرفة، وفيه أنه اجتمع بالأنبياء ﵈ قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيا، وهم معه وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق وكرّ راجعا إلى مكة، والله أعلم». وانظر الإسراء والمعراج للألباني: (٩٠ - ٩٤).
[ ١ / ١٩٨ ]