جزء الإمام البوصيري قصيدته البردة التي مدح بها الرسول ﷺ إلى أجزاء عشرة، كل جزء من القصيدة يمثل واحدة قائمة بذاتها، والقصيدة تتوافر لها واحدة الموضوع وواحدة المضمون.
في الجزء الأول نجد الإمام البوصيري يسير على درب غيره من الشعراء في فصيدته، فهو يبدأ بالنسيب ويتحدث عن معالم ذي سلم في الحجاز وشوقه وحنينه وتلهفه إلى الديار المقدسة، لكنه لم ينغمس انغماس غيره من الشعراء في الغزل المادي، وإنما التزم العفة والاحتشام خلال أبياته.
_________________
(١) ديوان البوصيري.
[ ٥٠ ]
(وقد أكد بعض الأدباء أن على الشعراء الذين يمتدحون النبي ﷺ أن يلتزموا الاحتشام والتأدب) .
وفي الجزء الثاني يتحدث الإمام البوصيري عن النفس الإنسانية والتحذير من هواها، فنتبين من خلال هذه الأبيات والتي بلغت سبعة عشر بيتا أنه عبر عن معاناة الشاعر من النفس الأمارة.
وينتقل الإمام البوصيري بعد أن تحدث عن النفس وأمرها بالطهر والابتعاد عن غواية الشيطان وملذات الدنيا وبعد أن جعل نفسه طاهرة واستعد استعدادا نفسيا للمدح والحديث عن الرسول الكريم ﷺ في الجزء الثالث من القصيدة.
ثم ينتقل بعد ذلك في الجزء الرابع من بردته ليتحدث عن مولد الرسول ﷺ وعن المعجزات التي حدثت أثناء الولادة وقد استغل الإمام البوصيري في هذا الجزء كثيرا من الموضوعات التي قرأها في السيرة النبوية ولعلنا لا نستطيع تأكيدها وإنما علينا طرحها كما وردت، وعلى أهل الفقه التأكدّ من صحتها، فقد انطفأت النار التي كان الفرس يعبدونها، وكذلك بحيرة ساوة العظيمة خسفت بها الأرض وجف ماؤها، وتلك أحداث ذكرها الإمام البوصيري عند حديثه عن مولد النبي الكريم ﷺ، وعلينا أن نصدقها كمعجزات وإنما على غيرنا تأكيد صحتها وإثبات حقيقتها، ونستطيع أن نقول أن الإمام البوصيري استعاد من خلال هذا الجزء اللحظات التي سبقت مولد النبي ﷺ ليكون هذا مقدمة للحديث عن معجزات الرسول بعد البعثه.
ويأتي الجزء الخامس ليطرح الإمام البوصيري فيه معجزات النبي في ستة عشر بيتا وتلك المعجزات مؤيدة بما وردت في الأحاديث ومما روى عن أصحاب الرسول الكريم رضوان الله عليهم فهى معجزات واقعية لا مكان للشك فيها وأول هذه المعجزات سجود الشجرة ومعرفة الراهب سمات النبوة في الرسول ﷺ وهو طفل صغير، ويطلب من أبي طالب أن يعود بابن أخيه، وكذلك الغمامة التي تظلله، وانشقاق القمر، وغيرها من المعجزات، ويظل الإمام البوصيري
[ ٥١ ]
ينتقل خلال هذا الجزء من معجزة إلى أخرى حتى يختتمه بتوسلاته ودعائه.
وفي الجزء السادس يتحدث الإمام البوصيري عن معجزة أخرى أعظم مكانة في الرسالة المحمدية وهي معجزة القران الكريم يتحدث عنها في سبعة عشر بيتا ولعل الإمام البوصيري ظل يتحدث حول معجزات الرسول ﷺ وهو يدرك كأن هناك هاتفا يسأله: ما بالك تعدد هذه المعجزات، فيطلب منه أن يدعه في تلك اللحظات الروحانية ليتلذذ بها وتطيب خلالها نفسه وليستمد من نورها نورا لقلبه وعقله وروحه، ثم يتعرض لمعجزه القران الكريم بما فيها من شفاء ورحمة وما بها من ملائمة، ويقف أمام المعارضين الذين تصدوا لبلاغة القران أمثال:
(مسيلمة الكذاب، وطليحة، وسجاح، والمثنى)، ويبين بأنهم فشلوا فيما سعوا إليه، ثم يورد بعد ذلك قصص السابقين، ويعظم مكانة القران الكريم بما فيه من الخير والعظة والإرشاد والعدل وأن القران قد حفظه الله فلم يمسه تغيير أو تبديل.
ويخصص الإمام البوصيري الجزء السابع من قصيدته للحديث عن الإسراء والمعراج ومن خلال ثلاثة عشر بيتا يتناول فيها الإمام البوصيري قصة الإسراء والمعراج في تسلسل منطقي مستمدا من القران الكريم مادار حول هذا الحدث التاريخي العظيم.
أما الجزء الثامن من القصيدة فيصف فيه الإمام البوصيري بعثة الرسول ﷺ، وكيف فزعت منها قلوب الكفار، ثم يتحدث عن الغزوات وشجاعة الرسول وشجاعة المسلمين خلال اثنين وعشرين بيتا.
ثم يأتي الجزء التاسع وعدد أبياته أثنا عشر بيتا يتحدث فيها عن أسفه لما قام في سابق عهده من نظم الشعر والمدح لمن لا يستحق هذا المديح تقربا إلى ذوى الشأن ويتحدث عما فعله في أيام صباه ويقر بذنوبه ولكنه يأمل الخير والمغفرة بمدحه رسول الله ﷺ، ويعرض مقارنة بين مدحه لرسول ﷺ وما سيناله لهذا المدح وبين ما قام به زهير حينما مدح هرم بن سنان وأجزل له هرم العطاء، ويشير إلى أن عطاء الرسول لا ينقص، فهو عطاء مستمر في الدنيا والاخرة، أما عطاء
[ ٥٢ ]
هرم فهو عطاء دنيوي فحسب، وينهى هذا الجزء برفض ملذات الدنيا، وقد تبين أن اتجاه الإمام إلى مدح النبي كان للاطمئنان بأنه سينال خير الجزاء، بل سينال المغفرة لتلك الذنوب التي اقترفها خلال أيامه الماضية.
وفي الجزء العاشر والأخير ينهى الشاعر قصيدته متوسلا ومناجيا رسول الله ﵊ وهو بيت القصيد ويعطي لنفسه الأمل والثقة ثم يتوجه بالدعاء إلى ربه ﷿، وفي هذا الجزء ثلاثة نداات للإمام البوصيري، نداء لنفسه المخطئة، ونداء لشفاعة الرسول له، ونداء إلى الله ليغفر له الذنوب والخطايا.
وقد نسج الإمام البوصيري قصيدته البردة على منوال قصيدة لسلطان العاشقين الشاعر الصوفي ابن الفارض ومطلعها:
هل نار ليلى بدت بذى سلم أم بارق لاح في الزوراء فالعلم
ارواح نعمان هلا نسمة سحرا وماء وجرة هلا نهلة بفم
ولعلنا في ضوء دراستنا لقصيدة الإمام البوصيري ندرك التأثير الديني في أسلوبه بما استمده من السيرة النبوية العطرة كما انعكست ثقافته على بنائها، فقد اعتمد الإمام فيها على كثير من الصور البلاغية واختار الكلمات السهلة السلسة والاستعارات الواضحة القيامة والدلالة على ما يقصد من المعنى.
ويقول الدكتور زكي مبارك (البردة ملحمة أدبية كبرى في المدائح النبوية في تاريخ الادب العربي) «١» .
_________________
(١) زكي مبارك في المدائح النبوية (ص ٣٧) .
[ ٥٣ ]