لم يتناول كعب بن زهير في قصيدته (البردة) مدحا أو اطراء لأحد من الخلفاء الراشدين وذلك لأن الخلافة لم تكن وقتها بل كان الخلفاء ضمن الفئة المؤمنة التي امنت بالرسول، وانما أشار إليهم حينما عرض لمدح المسلمين المجتمعين حول الرسول ﷺ في المسجد في قوله: -
في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زوالوا
()
وقوله:
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل
[ ١٦٦ ]
والإمام البوصيري أيضا لم يتوقف خلال قصيدته عند صحابة رسول الله ﷺ ولم يذكرهم إلا ذكرا عابرا بألقابهم كما في البيت التالي: -
فالصدق في الغار والصديق لم يرما وهم يقولون ما بالغار من ارم
فقد أشار هنا وفي هذا البيت إلى لقب أبي بكر الصديق فقط. وورد ذكر الخلفاء الراشدين من أصحاب رسول الله ﷺ وال بيته في البيتين التاليين كذلك، قال:
ثم الرضا عن أبي بكر وعن عمر وعن على وعن عثمان ذي الكرم
والال والصحب ثم التابعين فهم أهل التقى والتقى والحلم والكرم
ولا غرو في ذلك فقد انصب كل اهتمام البوصيري على مدح رسول الله ﷺ والتوسل به ومناجاته وعرض حاجاته على الرسول ﷺ وهو الغرض الأساسي من القصيدة.
أما شوقي فقد تميز عن كعب بن زهير وعن الامام البوصيري على الرغم من اعترافه بأنه نهج نهجه في القصيدة، فقد أفاض شوقي في مدح الخلفاء الراشدين كما مدح في نفس القصيدة الصحابة رضوان الله عليهم بوجه عام، وهذا أمر طبيعي فشوقي منذ البداية مدح حضارة بأكملها بمبادئها وقيمها وروادها وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ومن نهج نهجه وسار على خطاه ومدح الخلفاء الراشدين الأربعة ويضاف إليهم خامسهم عمر بن عبد العزيز، فقد استحقوا هذا المديح لأنهم خلفاء الرسول وخلائف الله في أرضه، وهذا اهتمام بشأنهم وتيمنا بذكرهم وذلك ابتداء من البيت التالي:
خلائف الله جلوا عن موازنه فلا تقيسن أملاك الورى بهم
وفيه نجد شوقي يرفع من شأن هؤلاء الخلفاء الراشدين إلى درجة لا يمكن معها أن تقاس إلى جانبهم أملاك الدنيا وسلاطينها، وفي الأبيات التالية. لهذا البيت شدّد شوقي فضائل كل خليفة من هؤلاء الخلفاء وما تميز به من صفات وخلائق صارت دلائل على كل واحد منهم ما إن ذكرت حتى يقفز إلى الذهن
[ ١٦٧ ]
صاحبها دون غيره من البشر، وشوقي في أبياته لم يلتزم خطأ تاريخيا في ذكر الخلفاء وإنما اعتمد على الصفات المميزة لكل منهم في ذكره لهم مبتدئا بالفاروق عمر بن الخطاب العادل الذي لم يفقه أحد قبله في عدله ثم ينتقل إلى عمر بن عبد العزيز وخشوعه وتقواه وزهده، ثم الإمام علي بن أبي طالب باب مدينة العلم كما ورد على لسان رسول الله ﷺ وقد وصفه شوقي بالعلم الزاخر والأدب الذاخر والبطولة في الحرب وفي السلم ثم يعرج شوقي على عثمان بن عفان وماثره في حفظ القران وجمع آياته واستشهاده وهو منكب على كتاب الله فكان في هذا مأساتان في كيد الإسلام بتعبير شوقي لم يلتئما، (جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي) ثم يتحدث شوقي عن أبي بكر أول الخلفاء وبلائه في سبيل الإسلام التي تعد من جلائل الأعمال، وفي مقدمتها حرب الردة وانتصاره فيها بعد أن كاد الإسلام يضيع على أيدي فئة باغية وأيضا مواقفه الخطيرة كموقفه يوم أن قبض الرسول ﷺ إلى ربه واعلانه (أن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) .
فقد كان حقا في هذه اللحظة رجل الموقف الصعب ساعة أن فقد كبار الصحابة رشدهم وذهلوا من صدمة الخبر وهم ليسوا في ذلك كما يرى شوقي:
(فقد مات الحبيب فضل الصب عن رغم) .