لم يطرح كعب بن زهير في قصيدته التي القاها أمام الرسول ﷺ حاجة من الحاجات اللهم إلا طلب العفو عند رسول الله ﷺ وقبوله اعتذاره، وقد تناولنا بالشرح في الأبواب السابقة مقاصد قصيدة كعب بن زهير.
أما الإمام البوصيري فبعد أن مدح رسول الله ﷺ طلب العفو عن كل ما أسلف في حياته من الذنوب فيقول:
خدمته بمديح استقيل به ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم
[ ١٦٨ ]
وبعد أن مدح الرسول ﷺ وتوسل إليه بدأ في مناجاته وعرض حاجاته ابتداء بقوله:
يا أكرم الخلق ما لي من الوذ به سواك عند حلول حادث العمم
ففي هذه المجموعة من الأبيات يناجي البوصيري الرسول الكريم ﵊ بأن يكون شفيعه عند رب العرش العظيم. ويلاحظ أن حاجة البوصيري التي عبر عنها في هذه الأبيات أمر يخصه هو شخصيا وليس هناك من مأخذ في هذا على الإمام البوصيري، فالإنسان هو المسئول عن عمله وهو الذي يجازي به، وبعد مناجاة الرسول يخاطب الإمام البوصيري نفسه في لحظة لا شعورية هائما محاولا أن يزيل عنها اليأس والقنوط لأن رحمة الله قد وسعت كل شيء، وفي هذا تقرب إلى الله ﷾ ورجاء أن يغفر ذنبه مهما عظم ثم يستمر في التضرع إلى الله ﷾ والرجاء أن يلطف به في الدنيا والاخرة وأن يصلي على رسوله دائما وأبدا فهو الشفيع له في خلقه.
ويختتم الإمام البوصيري قصيدته بأعذب مناجاة وأخلص رجاء يطلبه المحب العاشق لحبيبه ومعشوقه، والحبيب هنا هو المصطفى ﷺ والمحب هو الإمام البوصيري، فيرجو الله أن يصلي على رسوله صلاة دائمة في كل الأوقات.
ويلاحظ أن البوصيري قد بدأ هذا الجزء الخاص بالمناجاة بتعبير (يا أكرم الخلق) ولكن نجد هذا الاستهلال في مراجع أخرى واردا بتعبير (يا أكرم الرسل) وان كنت أميل إلى التعبير الأول ففيه الشمولية التي يريدها البوصيري لتعظيم مكانة الرسول ﷺ ورفع شأنه وتمهيد للاستعانة به والتوصل إلى الله ﷾.
أما الملاحظة الثانية فهي أن هناك أبيات قال البعض عنها أنها سقطت من البردة، ويؤكدون انتسابها للإمام البوصيري بعد أن روجعت النسخ المحفوظة في كثير من دور الكتاب وهذه الأبيات تبدأ بقوله: -
يا رب بالمصطفى بلغ مقاصدنا واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرم
[ ١٦٩ ]
وعددها خمسة أبيات يناجي الإمام البوصيري فيها ربه متوسلا إليه برسوله المصطفى أن يغفر للمسلمين قاطبة بفضل ما يتلونه من القران الكريم في بيوت الله وهذه الأبيات يرى البعض أنها ليست للإمام البوصيري وأن قصيدة البوصيري تنتهي عند الصلاة على الرسول في البيت الذي يقول فيه:
ما رنحت عذابات البان ريح صبا واطرب العيسى حادي العيسى بالنغم
ولنا هنا رأي خاص هو أن هذه الأبيات هي للإمام البوصيري، ولكن قصيدته (البردة) تنتهي تماما كما قال معارضو هذا الرأي عند (واطرب العيس حادي العيس بالنغم) .
ودليلنا هذا البيت الذي يقول فيه البوصيري: -
(ما رنحت عذابات البان ريح صبا.. الخ) وتكون هذه الأبيات الأخيرة مجرد دعاء خالص يختتم به الامام الوصيري صلاته على النبي ﷺ دون القصد أن تكون ملحقة ببردته.
أما أحمد شوقي فقد تناول هذا الموضوع كما تناوله الامام البوصيري فهو يناجي رسول الله ﷺ ويتوسل به ويتضرع إليه وألقى حاجته ورجاءه بين يديه.
وفعل ذلك في الجزء الذي أشرنا إليه سابقا والخاص بالضراعة والتوسل بالرسول ﷺ، ثم فعله مرة ثانية في نهاية القصيدة ولكنه وان كان قد عرض حاجة شخصية في الجزء السابق الذي قال فيه:
ان جل ذنبي عن الغفران لي أمل في الله يجعلني في خير معتصم
ففي الجزء الأخير يطلب شوقي بعد أن يصلي على النبي ﷺ وعلى أصحابه وال بيته الكرام يطلب من الله ﷾ مستعينا بالنبي ﷺ الهداية واللطف بالمسلمين قاطبة وذلك ابتداء من قوله:
يا رب هبت شعوب من مينتها واستيقظت أمم من رقدة العدم
إلى قوله:
يا رب أحسنت بدأ المسلمين به فتمم الفضل وامنح حسن مختتم
[ ١٧٠ ]
فشوقي يطلب للمسلمين اللطف من الله ﷿ لأجل رسوله الكريم ﷺ ويطلب اللطف بهم لما هم فيه من ضعف وتشتت وتفرق واستبداد وخضوع لشعوب قامت من موات في غفلة المسلمين، وهنا نجد شوقي يتألم لما ال اليه حال المسلمين فبعد أن كانوا السادة في هذه المعمورة، أصبحوا وقت ان كتب شوقي هذه القصيدة- مستعمرين أذلاء تحكمهم شعوب وأمم كانت تخضع لهم من قبل فتغير الحال وأصبح المسلمون هم المحكومين، فشوقي يتحدث بكل مرارة وأ لم عما حل بالمسلمين وهو الوضع الذي ما زال قائما حتى الان وان تغيرت بعض الملامح وذلك وضع لم يألفه كعب ولا الإمام البوصيري، ومن هنا جاءت كلمات شوقي ومعانيه تنبض بالألم والحسرة، ومن هنا كان دعاؤه حارا وابتهاله إلى الله ﷾ أن يغير هذا الوضع وأن يلطف بالمسلمين بفضل رسوله الكريم فقال:
(ولا تزد قومه خسفا ولا تسم) ثم يختتم رجاءه إلى الله ﷾ أن يتم فضله على المسلمين وأن يجعل خاتمتهم حسنة كما كانت بدايتهم حسنة، ويلاحظ هنا تميزّ شوقي عن الإمام البوصيري عندما عرض حاجة أمة بأسرها أصابها الضعف والوهن عند المقارنة بالأمم الاخرى، والضعف نابع من داخلها:
ولعل شوقي يقصد في أبياته الأخيرة التي يدعو فيها ربه أن يضع الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه المسلم، الصورة التي لو تحققت في المسلمين الحاليين لعادوا للوضع الذي كانوا عليه في عهد الرسول الأعظم وصحابته الأبرار، فشوقي هنا يدعو الله ﷾ ويسأله اللطف بالمسلمين والإحسان إليهم وينبه في نفس الوقت المسلمين إلى أن الله لن يغير حالهم إلا إذا هم غيروا ما بأنفسهم، وجاء هذا المعنى ضمنا عندما أشار إلى صفات الرسول وأخلاقه، وقيمه ومثله، وأخلاق صحابته ومن سار على نهجه، ولعل حرارة دعاء شوقي المتأججة كانت تعبيرا عن الوضع الخطير الذي صار إليه حال المسلمين في عهده الذي عاشه وقت تامر أعداء الإسلام من كل الجهات من الداخل والخارج والذي وصل إلى حد احتلالهم والسيطرة عليهم ونشر مثلهم وقيمهم الخاصة بين المسلمين وهو الحال
[ ١٧١ ]
الذي لم يعشه الامام البوصيري. وكل ما كان في عصر البوصيري هو صراع داخلي بين المسلمين، فلم تكن القضية المطروحة صراع أمة مسلمة ضد أمة غير مسلمة وإنما صراع بين انخراطهم في الحياة ولذاتها وبين عودتهم إلى الطريق القويم ولذلك كان دعاء البوصيري للمسلمين في الأبيات المتممة للبردة أن يغفر لهم الذنوب بفضل القران الكريم ويفضل الرسول الكريم ﷺ.
اذن فشمولية دعاء شوقي للمسلمين أفرادا وأمة جاء تعبيرا عن الحال الذي شهده شوقي وعاشه من ضيعة الأمة الإسلامية وتفككها وخضوعها وسيطرة أمم غير مسلمة بل معادية للإسلام عليها، وكان في دعائه ثورة مسلم معتز كل الاعتزاز بإسلامه كما يجب أن يكون الاسلام وصورته الحقة مجسدة في الرسول الأعظم ﵊ وعلى صحابته الأبرار.
[ ١٧٢ ]