لم يتناول كعب غرض الوصف لمولد الرسول ﷺ فهذا الغرض لم يسبق للجاهليين أو المخضرمين أمثال كعب التطرق إليه، فهو لم يكن يعرف بالتفصيل كيف ولد الرسول الكريم ولم يكن قد استقر هذا الوصف في أذهانهم وطرأ عليها ولم يكن الرسول ﷺ قد سمح بالكتابة في مثل ذلك على الرغم من تأصل هذه الدلالات والاشارات والبشائر بميلاد الرسول ﷺ وما صحبه من ايات إلهية وأحداث كونية لا يعلمها ولا يقوم بها إلا الله ﷾ (تنبيها لعباده وإشارة لهم بخلق جديد كان معلوما منذ عهد أبي الأنبياء إبراهيم ﵊، وتحقق في هذا اليوم بخلق سيد الخلق أجمعين) فكعب لم يكن قد تعمّق في الإسلام ولم يكن قد تعرف تعرفا جيدا على ملامحه وأصوله ومع ذلك فقد جاء كعب إلى الرسول ﷺ ليمنحه السلام والأمان فلما منحه الرسول ﷺ بغيته أنشأ يقول القصيدة وهو لم يترك عبادة الأصنام إلا في لحظته وساعته فلم يرتب ولم يقصد إلى مدح الرسول ﷺ من خلال ميلاده وإنما من خلال مجلسه في المسجد ومن حوله رجال الاسلام فركز على مدح الرسول ومدح المسلمين ولم يصف ميلاد
[ ١٤٩ ]
الرسول ﷺ واستبدل وصف الميلاد بأبيات يصف فيها المسلمين الأوائل بأنهم كالأسود وأن ملابسهم ملابس حرب، يملكون من الدنيا بدلة حرب سابغة وسيفا ورمحا ويملكون من الاخرة تهليلا للموت، والطعن لا يقع إلا في نحورهم. وهم لا يتلقون الطعن أبدا وهم مدبرون، وهنا نجد أن كعبا قد حاول التركيز على مدح الرسول بمدح صحابته رضوان الله عليهم والتابعين له، ولم يمدحهم إلا بما رأى منهم مباشرة فغزوة بدر قريبة وسمع عنها ما سمع، يصف ما سمع عن بأس المسلمين في الغزوات، وهو لا يقول هذا رياء وانما يقوله عن خوف من بطشهم، فقد سمع، هدد عندما اهدر دمه، وان تأكده من قوة المسلمين وبأسهم وتعاونهم وتعاضدهم وإيمانهم بما أنزل على الرسول الكريم ﷺ، ذلك جعله ينبهر بدعوتهم ويمدحهم بما فيهم وليس بزخرف القول ولا بمنمق الكلم.
وبعد كعب نلتقي بالإمام البوصيري في وصفه مولد الرسول ﷺ فيتحدث الامام البوصيري في سلاسة ويسر ومباشرة عن مولد الرسول الكريم ﷺ فيشير إلى الايات والمظاهر التي صاحبت هذا المولد الكريم، من تصدّع الإيوان، وخمود نار المجوس، ويحيرة ساوة، وكيف غاضت، وأصوات الجن تهتف في السماء، وما إلى ذلك من مظاهر ودلالات سجّلها وأشار إليها كل من كتب في السيرة النبوية، واستمدها الإمام البوصيري وغيره، وأول هذه المعجزات حدوث هزيمة أبرهة في عام الفيل عام مولده ﷺ. وقد اتخذ الإمام البوصيري في حديثه عن مولد الرسول ﷺ أسلوبا جديدا على كتابته، فهو لم يخرج بنا إلى الروحانيات كعادته، ولا إلى التهويمات الميتافيزيقية، وإنما التزم التزاما شديدا بتعاقب الأحداث وتواليها، بلا مبالغة أو إضفاء شيء من الرهبة على هذه المواقف، وإنه رغب أن يوصلها لنا كما جاءت في كتب السيرة فهو ملتزم التزاما دقيقا لا يخرج في معظم أبياته عن النظم الجيد والمعنى التاريخي المؤكّد.
أما الشاعر أحمد شوقي فقد كتب ثمانية أبيات في وصف مولد الرسول ﷺ ولم يمزج الواقع بالخيال فقط، وانما مزج الواقع بالخيال وبالعاطفة المشبوبة للمسلم المحب لرسول الله ﷺ، فهو لا يحكي بدقة المؤرخ، وإنما ينسج نسيجا شعريا
[ ١٥٠ ]
عاليا ممتلئا بشعور ديني جارف ينبض به قلب الشاعر ذاته، إذ يحكي عن البشائر التي بشرت في الشرق والغرب بالنور الذي انشق وسط الجزيرة العربية هذا النور الذي هزّ أنفس الطاغين وقلوبهم، وبدد أحلام البغاة وتصدعت شرفات الأيوان من صدمة الحق، ويستطرد شوقي في وصف يوم ميلاد الرسول فيقول: إنه قد أحاطه الظلام من كل جانب، ولكن نور هذا المولد العظيم قد بدد هذا الظلام الدامس، وأطل فجر الحق من هذا الظلام نورا ليهدي السبيل، وينير الطريق أمام المظلومين، ويظهر الحق ويبين العدل أمام الظالمين المستبدين، وهنا نستطيع أن نقول: أن الإمام البوصيري على الرغم من شاعريته وعاطفته وأسلوبه ورفاهة أغلب أجزاء القصيدة إلا أنه وقف موقفا كان فيه مفكرا بعقل العالم وقلب المؤرخ فأراد أن يكون علميا دقيقا إزاء ما ورد على خاطره حول مولد الرسول ﷺ لا يضيف ولا يتطرق للحذف، ولا يطمح الشاعر طموحا حادا فيكون إماما للمسلمين بل هو موصل جيد دقيق لأحداث مولد الرسول الكريم ﷺ.
أما أحمد شوقي فلم يعبأ بالدقة العلمية وان لم يتجاهلها فقد امتص كل المعلومات التاريخية المعروفة عن المعجزات التي صاحبت مولد الرسول الكريم وهضمها في وجدانه هضما جيدا وجعلها تمر من خلال عاطفته الإسلامية الجياشة المتفجرة بحب رسول الله ﷺ فهاجت به الأشواق وفاض معين الشعر بأبيات مملوءة بالعاطفة نسجها مشبعا بالحب والوجد والعشق لذكرى الرسول الكريم ﷺ ولذكرى مولده، ولما حدث انذاك من معجزات.