بدأ كعب مدح الرسول الكريم ﵊ بسؤاله التمهل والإشفاق ويضيف بأنه قد أعطاه الله نافلة القران (والنافلة هي العطية والعطية هي ما يعطاه الإنسان زيادة عن باقي الخلق) وفي القران مواعظ وتفصيل بين دفتيه يجد الإنسان العظة والعبرة وبين دفتيه يجد تفاصيل ما حدث في سالف الأزمان بقصد العظة والعبرة ولم يتحدث كعب عن معجزات الرسول ﷺ إلا عن
[ ١٥١ ]
القران، لأنه ليس من شيم الشعراء أن يكتبوا ما لا يعرفون، وهنا نؤكد أن كعب بن زهير قد كتب عما عرفه عن الرسول ﷺ وهو لم يقصر في ذلك عن وإنما من الممكن أن يكون تقصيره في تناول باقي المعجزات ناتجا عن حداثة عهده بالإسلام، وهو لا يعرف من أصوله وفقهه وتفاصيله إلا النذر عن ووعي اليسير.
أما الإمام البوصيري فقد كتب عن معجزات الرسول ﷺ بالتفصيل وأعطى لكل معجزة من معجزاته فسحة بين أبياته حتى غطى جانبا كبيرا من معجزات الرسول ﷺ التي لم تكن لإبهار الناس، وإنما كانت معجزات تكميلية لاياته الكبرى ومعجزته العظمى القران الكريم الذي انزل عليه من الله جل وعلا.
فيتطرق الإمام البوصيري لتفاصيل دقيقة وردت في السيرة النبوية لابن هشام إذ يذكر دعوة الرسول ﷺ للشجرة فتلبى دعوته، وتسجد له، ثم ينتقل إلى الغمامة التي ظللته وهو مسافر في الصحراء، ومعجزة شق القلب، وهو في طفولته، وانشقاق القمر يوم مولده، ثم يتناول بالتفصيل معجزة الغار وكيف خرج من مكة والكبار يترصدون بيته حاملي السلاح منتظرين خروجه ليقتلوه ثم يتطرق لوجوده مع الصديق في الغار، وكيف أن الله قد أوحى إلى الحمامتين والعنكبوت بالرقاد والنسيج لصرف الكفار عن الغار والانصراف عن ملاحقة الرسول ﷺ وصاحبه ويعتبر ان الله قد منح الرسول ﷺ وصاحبه ﵁ معجزة تغنيهما عن الخوف وتعطيهما الأمان، ثم ينتقل البوصيري إلى معجزتي الاسراء والمعراج فيتحدث فيهما بنفس مطمئنة واثقة لا قلق يعتريها تجاه هذه الأحداث التي تروع العقل فلا يصدقها إلا مؤمن مصدق قادر على استيعاب هذا الحدث فكيف لإنسان أن يخترق الأرض فيافي وقفارا من مكة المكرمة إلى القدس المشرفة ويجتمع في مسجدها بكل الأنبياء السابقين الذين ماتوا منذ عهود بعيدة.
فهذا سيدنا إبراهيم خليل الله أبو الأنبياء يستقبل اخر الأنبياء وخاتم النبيين على باب المسجد ويقدمه ليؤمهم، فمحمد ﵊ مقدم على جميع الأنبياء والرسل ثم يصلي بهم ثم يعرج إلى السماوات العلا مخترقا سبع السموات
[ ١٥٢ ]
حتى وصل إلى ما لم يصل إليه نبي سواء، ونودي هناك بأنه أعلى الأنبياء مكانة وأقرب بني ادم إلى الله.
ويواصل الامام البوصيري تقديره وفخاره بالرسول الكريم وبمعجزته الثانية الاسراء والمعراج بأسلوب يمتزج فيه وقائع هذا الحدث العظيم بعاطفة الإمام البوصيري من حب وتقدير وشوق وانبهار بالرسول الكريم ﷺ ويتميز هذا الجزء في البردة بأنه أرق الأجزاء اختيارا للألفاظ وأدقها تعبيرا عن المشاعر.
أما شوقي فيبدأ بداية تختلف عن الإمام البوصيري في شيء ويتفق معه في أشياء إذ يبدأ مدحه للرسول ﵊ واظهار معجزاته ابتداء بقول جبريل ﵇ للرسول الكريم ﵊ في غار حراء عندما بدأ ابلاغه الوحي (اقرأ) وكيف يقرأ من لم يتعلم كيف يقرأ، وهذا شيء مستحيل، بل ومعجزة، فهذه هي أول المعجزات للنبي الكريم، واتخذ شوقي هذه المعجزة بداية للمعجزات جميعا لأنها في نظره أهم المعجزات، فهي أمر من الله للناس بالحض على العلم واعتباره في صدارة الأوامر الاسلامية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المعجزة الحسية الأولى في الاسلام وهي نزول القران الكريم، ويصف شوقي هذه المعجزة بأنها جاءت للناس بعد طول انتظار، وجاءت بما فيه خيرهم ولا تبديل يمسه، ولا تغيير يصيبه، فالله حافظا وكل الأنبياء والرسل السابقون على محمد بن عبد الله ﷺ جاؤا بايات وكتب، ولكن على مر السنين داخلتها الشوائب ولم يحفظها التاريخ بصورتها النقية كما نزلت من عند الله تعالى. أما القران فقد نزل ونزل معه تعهد واقرار وتأكيد من الله ﷻ بأنه أنزل القران وأنه حافظ له لأن القران الكريم هو الدستور الذي لا يجب أن يبدله الخلق بل يجب عليهم الالتزام كل الالتزام بكل تعاليمه وبدقة متناهية وكيف لا وهو خاتم وأفصح الكتاب بيانا، وهو كما قال العرب ليس بنظم وليس بشعر وليس بكهانة، انما هو نثر محكم، وأفصح بيانا وهذا القران العظيم يتحدى كافة العرب أن يأتوا بمثله أو باية منه فلا يعرف فصحاء العرب وأصحاب اللغة أن يدركوا منه اية وهو إلى جانب هذا نسق صوتي يطرب السمع ويشفي النفس من أدرانها ويشرح الصدور
[ ١٥٣ ]
ويزيل انقباضها، فقد أنزله الله ليوقظ به القلوب من غفلتها ويعيد الثقة للنفوس التي ضاعت وباعت نفسها للشيطان وعبادة الأصنام فيبعث فيها الطمأنينة والثقة، وينزع منها الضعف البشري، فالقران يحمي القلوب ويحيي ميت الهمم بل ويحيي كافة الأجيال القادمة ان هم تمسكوا بما جاء به من أحكام ونواه وحدود وينتقل شوقي متتبعا مراحل السيرة النبوية بما له من علم بكتب السيرة وروايات الصحابة والتابعين وتابعيهم واقتداء بإمامة الإمام البوصيري في تلمس أحداث السيرة النبوية من خلال بردته العصماء فيقول بأسلوب فيه بساطة التراكيب لدرجة معها اقترب الشعر من النثر بجمله المباشرة ولكنها في نفس الوقت ذات موسيقى خارجية لها رنين قوي وجرس خفيف إذ يقول:
أسرى بك الله ليلا إذ ملائكة والرسل في مسجد الأقصى على قدم
ثم يتحدث عن وصول الرسول المعجز والمعجزة وكيف استقبله هؤلاء الأنبياء وهؤلاء الملائكة فيقول بنفس الأسلوب: لما خطرت به التفوا بسيدهم ثم (صل وراءك..) وبهذا الحديث ينهي رحلة الإسراء من أرض مكة إلى المسجد الأقصى بالقدس ثم يعرج بنا شوقي إلى السماء حيث عرج جبريل ﵇ بالرسول فينتقل شوقي من بساطته التي تكاد تبلغ حد النثر إلى تراكيب شعرية وأخيلة غاية في الجدة والغرابة إذ يقول: (جبت السموات.. على منورة درية اللجم) .. ثم يعود فيقر بأن هذا ليس معجزة عادية، وإنما هي بمشيئة الله وقدرته، فهو الذي يستطيع واحده أن يرفع إليه رسوله الحبيب كما رفع من قبله المسيح عيسى بن مريم، بل ويفضل محمدا ﵊ على كافة الأنبياء والرسل ولا يكفيه أن يرفعه فقط، وانما يقدمه على سائر الأنبياء بل يضعه على عرش النبوة فلا أحد يفوق محمد بن عبد الله ﵊، فقد وهب كل شيء بصعوده إلى السماء السابعة وقد حاز بهذا الصعود الدين والدنيا، وها هو شوقي ينتقل من معجزة الإسراء والمعراج إلى معجزة أخرى وهي كيف أحاط الرسول ﵊ وهو الأنسي الذي لم يتعلم بكل هذه المنن التي قلده الله بها بلا عد ولا حصر، فقد أعطاه الله القدرة على التنبؤ بما سيحدث بأمر الله
[ ١٥٤ ]
وأن يعرف كل ما حوت الدنيا من علوم حتى السر المكنون ثم ينتقل شوقي إلى معجزة أخرى أكثر واقعية وهي معجزة الهجرة وكيف خرج بصحبة أبو بكر الصديق ويطارده سادة قريش عصبة الشرك ويحاولون اكتشاف أثره وبأمر الله صموا عن سمع تسبيح الرسول ﷺ وصديقه ﵁ وهما أقرب إليهم من حبل الوريد، ويأمر الله العنكبوت والحمام بالتمويه على الكفار بوجودهما بباب الغار ثم يؤكد أنه لولا أن محمد بن عبد الله ﷺ ورفيقه ﵁ في رحلة الهجرة قد تواريا واستترا وضما إلى جناح الله لما قامت لهذا القران قائمة ولولا تعداهما وحب الله لهما لما تركهما الكفار ولولا حماية الله لهما ما سلما.
ونجد الامام البوصيري في هذا الجزء وان كان يتكلم عن المعجزات إلا أنه يخاطب عقل المسلم ويذكره بأوصاف يعرفها كل من قرأ السيرة لا يختار ما هو مبهر للخيال ولا يختار الفاظا غير معتادة بل يتحرى الكلام العربي والألفاظ الفصحى من أصولها اللغوية بعيدا عن التراكيب اللغوية المعقدة والأخيلة المركبة انما كتب في لغة شعرية رصينة وقورة. أما أمير الشعراء أحمد شوقي فقد اختار أسلوبا مغايرا هذه المرة لأسلوبه المعتاد، فقد اختار أسلوبين متناقضين: الأسلوب الأول تحرى فيه البساطة حتى ليبلغ مبلغ النثر الفني ولكن إذا دققنا النظر في قراءته متأنية نجد أنه شعر وأي شعر يلتزم بهذا الأسلوب في معجزات الرسول كالعلم والقراءة وهو الأمي، ثم معجزة القران الكريم ليبين من خلال بساطة تراكيبه وبساطة الفاظه وبساطة معانيه عظمة القران واعجازه، وحتى عندما يبدأ في وصف معجزة الاسراء نجده يلتزم بهذه البساطة في الأسلوب واختيار الكلمات والتراكيب الشعرية واللغوية، ولكنه عندما يبدأ في وصف رحلة المعراج إلى السماء فيغير منحناه الشعري رغم التزامه بالوزن والقافية ويغير من روح الشعر، فالألفاظ تمتليء بالظلال وبالنور، وتمتليء بالخيال الجامح مع الاهتمام باختيار الألفاظ، فالألفاظ لها جرس خاص، إنها كلمات لم يسبقه إليها شاعر من كتاب البردة أو مداحي رسول الله ﷺ ولم يصلوا لمثلها ومنها: (جبت السموات.. منورة درة اللجم.. ركوبة لك من عز ومن شرف.. مشيئة الخالق الباري.. ويا محمد
[ ١٥٥ ]
هذا العرش فاستلم..) وفي ذلك تقديم لمحمد بن عبد الله ﷺ على سائر الأنبياء والرسل وتعظيم لشأنه بقربه من الله.
وهذا جرس ذو رنين خاص يجمع بين الرهبة والسلامة والألفة مؤكدا أن أحمد شوقي أراد أن يفصل معجزة الاسراء والمعراج عن غيرها لما لها من خاصية تفوق كافة معجزات الرسول ﷺ، فكل معجزاته فيما عدا الاسراء والمعراج منطقية وقريبة من العقل ولا تحتاج إلى خيال أو قدرة إيمانية خاصة لتصديقها أما قصة الاسراء والمعراج فهي تحتاج إلى قدرة عاتية خاصة بالمسلمين فقط، بل وبالمسلمين العارفين أصول دينهم والواثقين بقدرة الله عليهم ومنهم أحمد شوقي فقد أراد أن يكرم هذه المعجزة، فأضفى على جرس وصفه لها مهابة وعظمة مع بساطة والفة بحيث صارت تجمع بين النقيضين (المهابة والجرس الفخم، والألفة والبساطة) والتي استطاع أن يتفوق فيها على إمامه وشيخه البوصيري تفوقا ليس إيمانيا فقط ولكن تفوقا فنيا في اختيار الألفاظ والأخيلة والمعاني وفي النسق الموسيقي الخارجي والموسيقي الداخلية لشعره، ويعتبر تناول وصف المعجزات ومولد الرسول ﷺ تفوقا تاما لأحمد شوقي على الإمام البوصيري من الناحية الفنية.