وهذا الغرض اقتصر على كعب بن زهير فلم يكتب فيه كل من الإمام البوصيري أو أحمد شوقي لانتقاء طلب الأمان لديهما ولأنهما مسلمان أما كعب فهو يطلب الأمان لأنه لم يكن قد أسلم بعد، وإنما تم إسلامه قبيل إلقائه القصيدة أمام الرسول ﷺ بلحظات قصار، فهو يبين لنا أن الناس المغرضين قد نبئوه أي أنه لم يسمع بنفسه، ولذلك فعندما وقف أمام الرسول ﵊ يطلب منه بأسلوب رقيق قائلا: (مهلا) وهو طلب من الأدنى إلى الأعلى ثم تلاه بكلمة (هداك) وهي توحي بالمدح وتعني بالتفصيل يا من هداك الله، ومن السياق ككل يطلب كعب من الرسول ﷺ أن يتمهل في عقابه بحق الرسالة التي أعطاها الله له ﷺ كما يطلب في البيت الذي يليه أن يترفق به وأن يعيد التحقيق
[ ١٥٦ ]
معه فيقول له بتعبير رقيق فيه الرجاء (لا تأخذني) ولا هنا الناهية، والغرض من النهي طلب العفو، ولو قال لا تأخذني كنهى حقيقي لوضع نفسه بمكان الرسول ﷺ، ولكنه هنا يضع نفسه في مكان صغير وضعيف نسبة إلى مكانة الرسول ﷺ ثم يؤكد للرسول بعد ذلك براءته من أي ذنب عاقبه عليه.
ويبلغ كعب بن زهير في هذه الأبيات الثلاثة درجة عالية في دقته، فهو على الرغم من وصفه للناقة في واحد وعشرين بيتا لم يبلغ في دقة التعبير فيها ما بلغه في تلك الأبيات الثلاثة التي اختصت بطلب الأمان فهو مركزّ، دقيق التعبير، دقيق في اختيار اللفظ الموحي، الذي يدل دلالة ليس فيها صدق المعنى وصدق الاحساس فحسب، بل فيها الرهبة الشديدة تجاه الرسول وصدق الايمان الذي فاجأه برؤية الرسول ﷺ بسماته وبهيبته التي دخلت قلب كعب حتى أنه تقدم وطلب الأمان ولا ريب أن هذه الأبيات هي مناط قوله للقصيدة ككل، ففيها حاجة كعب من الرسول ﷺ، وفيها طلبه للأمان الذي أعطاه إياه الرسول ﷺ قبل دقائق معدودة من إلقائه للقصيدة أمام الرسول ﷺ وكان محور القصيدة وأساسها هو هذه الأبيات الثلاثة، وعلى أساسها بنى كعب كل قصيدته التي لم يقلها إلا رغبة في حسن الأثر عند الرسول ﷺ فما كان من عادة العرب أن يمدحوا العظيم بأبيات قلائل، فما بالنا بالرسول ﷺ وهو اخر الأنبياء والرسل، وقد جاءه فطحل من كبار شعراء العرب وكان قد وصلت إلى الرسول ﷺ أبيات منحولة عليه يسبه فيها فماذا يفعل هذا الشاعر إلا أن يقف ويستعرض بلاغته وقدرته الشعرية في أبيات كثيرة، ولكنه عندما يعرض حاجته عند الرسول الكريم وهي طلب العفو عنه فهو بكل صدق وبكل عمق وبكل رغبة في الأمان يطلبها في ثلاثة أبيات فقط لتكون مركزة تركيزا شديدا.