في هذا الجزء كتب كل من الشعراء الثلاثة بقدر علمه وبقدر معايشته للإسلام، فمنهم من لم يدرك إلا غزوة أو بعض غزوات ككعب بن زهير، أما
[ ١٥٧ ]
الإمام البوصيري وأحمد شوقي فقد كتبا عن جهاد الرسول ﷺ. كل من وجهة نظره وبعلم كامل بعظمة الرسول ﷺ. ولكن من خلال معطيات عصره فنجد أن كعبا عندما يتكلم فانه- وكما سبق أن قلنا- يتكلم كلام حديث عهد بالاسلام ومع أنه كان حديث عهد في الاسلام إلا أنه قد سمع ورأى وأحس بقوة هذا الدين الجديد وببأس أصحابه وقدرتهم فهو يصف هذه القدرة بأنها قدرة من لا يقبل أن يطعن في ظهره، بل يقبل على الموت وهو يهلل فرحا به طمعا في شهادة لا ريب فيها وهذا في البيت الأخير من القصيدة، وقد سبق أن تكلمنا عن هذه الأبيات الخاصة بجهاد المسلمين في الجزء الخامس بمدح الرسول ﷺ ومدح المسلمين عند كعب، وننتقل من كعب إلى الإمام البوصيري وهو يتكلم عن جهاد الرسول ﷺ فهو مادح له ولكل مسلم من المسلمين الذين شاركوا الرسول ﷺ في سبيل الله وهو هنا ينظر إلى الجهاد نظرة أكثر عمقا وفهما لمعنى الجهاد في الإسلام، فليست الرهبة والغزو واستخدام السيف والرمح هي الجهاد في الاسلام، وإنما هو الجهاد مع المشركين أولا بمحاولة اقناعهم بالدين الاسلامي بالحجة والكلمة الطيبة ثم محاربة كل من يخرج على اطار الدين ولا يرضى بالجزية، وكأن الإمام البوصيري يريد أن يبينّ مرة أخرى موقف الناس من ظهور الرسالة المحمدية إذ يبتديء هذا الجزء من القصيدة بأن يصف فزع الناس وخاصة أعداء الرسول عند سماعهم بأن الله جل وعلا قد بعث محمدا ﷺ للعرب رسولا، وهذا الخوف والفزع قد أدى إلى التصادم مع المؤمنين بالرسالة المحمدية وإيذائهم، ويستمر الإمام البوصيري في وصفه للجسارة وقوة المسلمين وفي عظمة الرسول ﷺ في جهاده خلال اثنين وعشرين بيتا يذكر فيها مدى انتصارات المسلمين وكيف أنهم كالجبال لا يتعرض لهم عدو إلا هزموه وقهروه، ويصف المسلمين المحاربين بأن لهم علامة تميزهم مثل الورد فهم يتميزون عن غيرهم من الأشياء بالرائحة فتحسبهم كالأزهار، ويصفهم بأنهم من كثرة استمرارهم بالحرب على ظهور الخيل كأنهم قد نبتوا في ظهور خيلهم لا يريدون النزول بإرادتهم وليسوا مجبرين على ذلك ولكنهم يقتدون بقائدهم ﷺ محمد بن عبد الله الذي يصفه الشاعر بأنه
[ ١٥٨ ]
إذا رأته الأسد تسكت غما وخوفا وكمدا، ويستمر في أبياته المشيدة بالرسول الكريم ﷺ وبجنوده المسلمين حتى ينتهي إلى أن الرسول الكريم لا يفارق جنوده فهو كالأسد مع أشباله يربيهم ويعلمهم ولا يفارقهم في السراء والضراء ثم ينهي الإمام البوصيري حديثه نهاية خاصة فيشير إلى هذا العلم الحربي والرسول الأمي وهذا التأدب باداب المعارك والحرب، وهو الطفل اليتيم الذي تربى في حجر جده وعمه، ونرى أن الإمام البوصيري على الرغم من حبه الزائد المفترض في كل مسلم كريم لم يكن موفقا في هذا الجزء توفيقه في الأجزاء الاخرى من قصيدته البردة أو أنه لم يوفق في رأينا لبعد المسافة بين ألفاظ عصره وألفاظ عصرنا، وان ايقاع القصيدة في هذا الجزء إيقاع بسيط لا يتناسب مع الغرض الفني وهو الجهاد، والجهاد يعني الحرب بسرعتها وكرها وفرها، أين هذا الشعر في غرض مشابه من شعر امرؤ القيس حين يقول:
مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السبيل من علل
أين هذا الايقاع السريع في قصيدة البوصيري، الايقاع ذو الكلمات ذات النسق الصوتي لوقع الأقدادم والكر والفر في الحرب فكأننا نحضرها. ومن أقوى أبيات هذا الجزء عند الامام البوصيري هو البيت الذي يقول فيه:
وسل حنينا، وسل بدار، وسل أحدا فصول حتفا لهم أدهى من الوخم
ولكننا نرى أن الإيقاع عند الامام البوصيري إيقاع بطيء بل شديد البطء ولا يعبر بأي حال عن لغرض المنوط بهذا الجزء- والذي سبق أن ذكرناه- أنه يجب على الشاعر في هذا الغرض وهو وصف الجهاد والمعارك أن يكون سريع الايقاع تعبر الألفاظ تعبيرا دقيقا عن التوتر والقسوة والقوة والسرعة ولكن من أين يأتي الامام البوصيري بهذا الاحساس النفسي وهو على ما عليه من درس وتفكير وشوق إلى الرسول ﷺ، وزهد عن ملذات الحياة بل والوصول إلى حالة من حالات التصوف والوجد المعروف عن المتصوفة مما لا يعطيه الفرصة أن يكون صادقا في وصف الجهاد إلا من منظور فلسفي أو نظري وهذا ما استطاع الإمام البوصيري أن يكتبه في هذا الغرض وان كنا لا نشك في رغبة الامام أن يكتب أجود الكلم
[ ١٥٩ ]
في وصف جهاد الرسول إلا أننا كشهود عدل نقول: أنه لم يوفق التوفيق كله من حيث الايقاع العام لهذا الجزء، ونصل في النهاية إلى نهج البردة لأحمد شوقي فنجد أنه اتخذ منهجا دراميا بالنسبة لهذا الجانب بالذات فهو يقيم حوارا بين أعداء الرسول ﷺ والإسلام، وبينه كشاعر فيتصور أنهم يقرعون الرسول ﵊ (لا قدر الله) فيقولون له:
كيف تغزو وأنت كما تقول رسول من السماء، ونحن نعرف أن الرسول يجيء إلى الأرض لنشر المباديء لا لسفك الدم، فيرد عليهم الشاعر المسلم أحمد شوقي قائلا بتقريع أقوى وأقسى ويصفهم قائلا على لسان الرسول ﷺ.
جهل وتضليل أحلام وسفسطة فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
ثم يستطرد محايدا ويصف كيف أن الرسول لم يعمل السيف إلا في الجهلاء والعوام فالسيف هو المنقذ والا ضاق العقل وامتنع الفهم واغلقت القلوب، ويؤكد شوقي أن الشر لا يقابل إلا بالشر ويؤكد في مقارنة بين ما فعله الرسول ﷺ وبين ما كان من سيدنا عيسى مع اليهود والرومان ومحاولة صلبة ولولا مكانته عند الله لما نجا من هذا المصير ثم يؤكد أن الرسول ﷺ علم المسلمين كل شيء كانوا يجهلونه حتى القتال مع أنه مكروه لدينا كمسلمين، ثم يبين كيف دعا الرسول للجهاد، ويبين الأسباب التي أدت إلى هذه الدعوة، فالحرب أساس لنظام الكون، ثم ينهي أبياته بقوله:
ان ظهور الرسول ﷺ مجاهدا قد قلب موازين عصره وموازين أيامنا هذه، وهنا ينتقل شوقي إلى المعاصرة لينبهنا إلى أن أشياع المسيحية وأتباعها. وقد هرب من تصوير المعارك وان كان قد كتب عنها في جزء اخر سنورده فيما بعد ولكنه شرح الجهاد من وجهة نظر الدبلوماسية الموجودة في عصره، فهو يقرع الحجة بالحجة، ويناقش أصول الجهاد، وهل هناك خطأ في قيام المسلمين به أم لا، ويقارن بين ذلك وبين موقف ظهور المسيحية ثم يخلص إلى نتيجة أخيرة هي أنه لولا الجهاد الذي قام به الرسول الكريم ﷺ ما تواحد الصف، وقد قال تعالى (وأعدوا لهم ما
[ ١٦٠ ]
استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. إلى اخر الاية الكريمة) صدق الله العظيم.
فهو يحث المعاصرين له من المسلمين على الجهاد نظرا لأن الجهاد فريضة إسلامية مؤكدة.
ونجد في هذا الجزء أن أحمد شوقي قد تفوق على نفسه من حيث الايقاع واختيار الكلمات المناسبة والمباشرة إلى المعنى، ولكنه خرج عن مفهوم الجهاد في المستقبل أي أنه ترك عهد الرسول وتقدم إلى عهد أحمد شوقي نفسه ناظرا إلى حال المسلمين انذاك وداعيا لهم بدعوى الجهاد مذكرا به.
وإذا قارنا بين كعب بن زهير وبين الإمام البوصيري وبين أحمد شوقي نجد أن كلّا منهم ابن عصره وسليل مجتمعه، فكل واحد قد وصف ما يرها هذا يصف المسلمين وهم يحاربون بالفعل، وذلك يطلب من المسلمين أن يستعدوا لجهاد قادم والثالث يفكر في الحرب ويصفها وكأنها معركة داخلية بين الانسان ونفسه.
كل شاعر منهم قد وصف عصره وعبّر عما يجيش داخل نفسه من أفكاره وهموم زمانه.